انبثاق مجلة "التاريخ العربي"

من أخلاق هذه الأمة الإقرارُ بالمعروف وحفظُه لأهله. وإذا كان إسداؤه في مجال العلم، انقلب أمانةً، وقد حُمِّلتْها جمعية المؤرخين المغاربة مذ تلقى رئيسُها الدكتور عبد الكريم كريم من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان
- رحمه الله - الإذن باستحداث مجلة علمية تعكس المستوى الرفيع لعلاقة الأخوة التي تجمع الرباط وأبو ظبي، وتدعو أهل الفكر في الوطن العربي إلى كلمة سواء ألاَّ تفريط في شيء من مقومات أكبر حضارة عالمية عرفها تاريخ البشرية إلى عهد قريب.
ومن اللمع المؤرخة لانطلاق مجلة "التاريخ العربي" فكرة يحسن أن نقتطف من درر سعادة السفير عيسى حمد أبو شهاب، سفير دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة في الرباط، قوله:

انبثقت مجلة "التاريخ العربي" الغراء حين كانت فكرة طرحت قبل عدة سنوات أثناء زيارة خاصة قام بها حضرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله - للمملكة المغربية الشقيقة والتقى خلالها بصفوة من مفكريها ومثقفيها البررة. ونظراً لما كانت هذه الفكرة تحمله من معان ودلالات سامية لخدمة أهداف الأمة العربية والحفاظ على هويتها الحضارية والثقافية وتحصين مواقفها في الدفاع عن قضاياها العادلة، وإحياء تراثها وحضارتها والذود عنها وتوحيد مواقف مثقفيها ومبدعيها وتعميق التواصل فيما بينهم، فقد أعرب سموه - رحمه الله - عن دعمه ومساندته لهذه الفكرة مبدياً استعداده الكامل لتقديم مختلف أوجه الدعم لإخراجها إلى حيز الوجود.

إن رعاية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه لمجلة تُعنى بالتاريخ العربي والثقافة الإسلامية، وتصدر من رباط الفتح عاصمة المملكة المغربية، لتنطوي على الكثير من الحكم الرشيدة والعبر النيِّرة. فبمثل هذه السُّنَّة المأجورِ صاحبها بأجر من عمل بها تكونت ثقافة الاتحاد في وطن الفكر، وأرسلها حكمةً بين أولي الأمر، ودعوة لذوي الفكر بأن ما لا يُدرك جغرافياً لا يُترك تاريخاً، وأن الانتصاب الحالي لحواجز جغرافية وأخرى سياسية لتحول بين إعادة إدماج الأقطار في الوطن العربي الكبير ليس بمانع أبداً من التحام أبناء هذا الوطن في نسيج فكري لحمته الثقافة الإسلامية وسداه التاريخ العربي. وما دام هذا الرصيد الحضاري حياً، فإن الاندماج القطري لا يعدو أن يكون مسألة تقنية قد تنحل في كل حين.
ومن عزم الأمور استنهاض أهل النظر من أبناء هذا الوطن من أجل صون مقومات الأمة العربية الإسلامية من التقويض والزوال، وتيسير مساعيهم لرعاية تراثها الحضاري من التآكل والاندثار، وتثقيف الأجيال المتعاقبة بالموروث الفكري دفعاً للانسلاخ من هوية الأمة والاندماج الكلي في حضارة الآخر.
ووفق المسرود من المرامي النبيلة، سارت مجلة "التاريخ العربي" في عملها مذ صدر أول عدد منها في خريف 1417 ه/ 1996 م.

مجلة "التاريخ العربي" منتدى صفوة الأقلام
إن المتتبع للأعداد الإتنين والخمسين (52) الصادرة حتى الآن من مجلة "التاريخ العربي" سيقف - لا محالة - على جملة من الأصول الثابتة التي لم تجتمع في مثيلاتها من الدوريات. ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة، بل عن تصميم مسبق من لدن القائمين عليها مادياً وعلمياً.
لقد حرصت مجلة "التاريخ العربي"، منذ نشأتها، على أن يشارك في تحرير موادها العلمية جميع الأقطار العربية، بل عملت أحياناً بمبدإ «بحث من كل قطر»، فأتيت أعداد منها جوامع الجامعات. وفي مناسبات مخصوصة، قد تشارك بلداً في حدث علمي متميز. وعندئذ تضطر إلى الأخذ بأصل «بحث من كل جامعة من نفس القطر». ومع ذلك، تظل جامعة للجامعات.
وفق هذا التوسع الأفقي، استطاعت مجلة "التاريخ العربي" الرائدة أن تحتضن، خلال المدة القصيرة التي مرت من عمرها، صفوة من الأساتذة المرموقين، بلغ عددهم 332 باحثاً جامعياً، ينتمون إلى 172 جامعة عربية وإسلامية وأخرى أجنبية ومنظمات ثقافية قطرية ودولة يتقاسم بعضها الانتشار في آسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا الشمالية.
أن يُشارك القدر المذكور من الباحثين في تحرير المواد العلمية للأعداد الخمسة والأربعين الصادرة إلى اليوم من مجلتهم، وأن يساهموا في إنجاز ما يزيد على 832 بحثاً أكاديمياً وعملاً أدبياً، ليدلّ قطعاً على إحكام الرابطة بين رواد الثقافة الإسلامية ومجلة "التاريخ العربي"، وعلى توثيق الصلة بينها وبين حضارة العرب ومفكريهم المعاصرين، بصرف النظر عن مكان وجودهم ومجالات تخصصاتهم.
وما كان لمجلة "التاريخ العربي" الحريصة على تنشيط الحركة الفكرية في العالم الناطق باللغة العربية أن تغيب عن الندوات العلمية. بل رغبت دائماً في أن يكون لها حضور فعلي، فضلاً عن المشاركة العلمية في شخص مديرها، في العدد من الملتقيات الفكرية، التي جرت أشغالها في مختلف العواصم العربية.