الدولة الأموية بالأندلس

شامية الروح - أموية الاتجاه - مروانية السياسة

 

                                                  الأستاذ محمد القاضي

                                                                      شفشاون - المغرب

 

تقديم

لم تكد تمض عقود من الزمن على الفتح الإسلامي حتى طفت على الساحة الأندلسية الاضطرابات والمنازعات العربية والبربرية، فاضطرمت البلاد بالفتن واتسع نطاق الثورات «وكانت الفتن والحروب الأهلية المتعاقبة تدفع بالأندلس إلى مصير مجهول تخشى عواقبه، وتعصف تباعاً بمنعة الإسلام في الغرب، وتشجع الفرنج ونصارى الشمال على اقتطاع الأطراف النائية، والتوغل في الأراضي الإسلامية. وكان من عناية القدر أن تولى أمر الأندلس في ذلك المأزق العصيب، رجل قوي حازم هو يوسف بن عبد الرحمن الفهري. ولكن ولاية يوسف لم تكن حلاًّ نهائياً للأزمة، لأنه تولى دون مصادقة شرعية من السلطة العليا، ولأن منافسيه من الزعماء والخوارج لم يقروا بولايته... وكان للانقلاب الذي وقع في المشرق صداه في الأندلس، إذ قام بعض الخوارج على يوسف يدعو لبني العباس طمعاً في الرياسة، ولكنه كان صدى ضعيفاً لم يحدث أثره، واستمر يوسف ثابتاً في مركزه يناهض الخارجين عليه بقوة وعزم»([1]). فوقع ما لم يكن في الحسبان. فقد وصل عن طريق المغرب إلى الأندلس عبد الرحمن الأموي، وانتشرت دعوته في جنوب البلاد، فذعر يوسف، وذاع النبأ في الجيش وسرى إليه الخلل وتسللت العناصر الناقمة، ولم يبق منه سوى فلول يسيرة. فبدأت المواجهات بينهما أدت في النهاية إلى انتصار عبد الرحمن وإعلان الدولة الأموية بالأندلس، فدخل المسجد الجامع وصلى بالناس وخطبهم من منبر قرطبة لأول مرة، فوعدهم بالعدل والإحسان، وكان ذلك يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة سنة (138 ﻫ/ 14 مايو 756 م) ([2]). وقد ساعده على ذلك وجود العدد الكبير من موالي بني أمية وجنودهم المخلصين، إضافة إلى عرب الشام الذين اشتركوا في الفتح «أهل دمشق بالبيرة وأهل الأردن برية وأهل فلسطين بشدونة وأهل حمص بإشبيليا، وأهل قنسرين بجيان...»([3]) ثم بعد الأندلس عن مركز الخلافة العباسية في المشرق، وهكذا استطاع عبد الرحمن الداخل أن ينقذ الأندلس من التمزق المبكر بسبب الحرب الأهلية، وتحققت بذلك نبوءة مسلمة بن عبد الملك التي كان يؤمن بها وهي أن الأندلس ستكون مستقر دولتهم الثانية([4]).

 

أول أمير أموي على الأندلس

        لم تكن تمض سوى ست سنوات على سقوط الدولة الأموية في المشرق حتى رفرفت رايتها من جديد في شبه الجزيرة الإيبيرية التي أضحت كما يرى المستعرب الإسباني بيدرو تشالمتا «منطقة أموية، محافظة على التقاليد الأموية لسنوات طويلة امتدت إلى عصر الطوائف على عكس مناطق أخرى في العالم الإسلامي... والأسباب سياسية، فكانت أعضاء أسرة عبد الرحمن

 الداخل قتلوا على يد العباسيين، وكان من الطبيعي أن يرغب في إعادة الدولة الأموية، أو دولة مروانية جديدة، من هنا كان اتباع التقاليد الأموية في الأندلس»([5]).

        استطاع عبد الرحمن الداخل صقر قريش أن يؤسس في قرطبة إمارة أموية مستقلة. وقد حفز نجاحه في ذلك كثيراً من الأمويين على أن يهاجروا إلى الأندلس، فكان يعهد إليهم بأرقى المناصب، وكان سروره لا يقدر «حين وفد عليه في ذلك الحين أهل بيته من بني أمية ومن بينهم عبد الملك بن عمر بن مروان، وكان يجله ويجعله في مقام الوالد، كما دخل عليه جزي بن عبد العزيز بن مروان، وكان رجلاً خيراً فاضلاً قد سلك مسلك أخيه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، ودخل عليه في زمان سابق حبيب بن عبد الملك بن عمر بن الوليد بن عبد الملك، وكان قريباً إلى قلب عبد الرحمن»([6]).

ترسّخت أقدام الأمويين في الأندلس، فعمل قائدها على إرساء نظام الحكم رغم الظروف العصيبة والخطيرة، وسهر على وحدة البلاد وسلامتها بقوة وذكاء وبعد نظر، وأن يدر عنها خطر نصارى الشمال والفرنج. وكان أول الخوارج عليه القاسم بن يوسف وحليفه رزق بن النعمان الغساني. وكان القاسم قد فر من طليطلة فسار إلى الجزيرة الخضراء والتجأ إلى شيخها رزق بن النعمان صديق أبيه، وحشد حوله جمعاً من الأنصار والمرتزقة واستولى بمعونة حليفه على شذونة، ثم سار في قواتهما إلى إشبيليا واحتلاّها، فبادر عبد الرحمن في قواته إلى إشبيليا ونشبت بينه وبين الخوارج معركة عنيفة، قتل فيها رزق بن النعمان ومزق جنده، ودخل عبد الرحمن إشبيليا ظافراً سنة 143 ﻫ. أما القاسم فالتجأ بقواته إلى شذونة وبعث عبد الرحمن في أثره تماماً والي طليطلة، فطارده حتى أسره ومزق قوته([7]).

ظلت إشبيليا لسنوات من حياة عبد الرحمن معقلاً للعصاة ودعاة الفتنة وأهل الخلاف، وقد بدأ ذلك منذ رزق بن النعمان، وثورة عبد الغفار بن حميد اليحصبي، وثورة حيوة بن ملامس الحضرمي. إضافة إلى ثورات أخرى وقعت في جهات متعددة قادها ثوار عرب وبرابرة. كثورة والي الجزيرة الخضراء الرماحس بن عبد العزيز الكناني سنة 164 ﻫ وثورة الحسين بن يحيى بن سعد بن عبادة بسرقسطة. فقد ثار في سنة 165 ﻫ وخلع طاعة عبد الرحمان وشايعه سليمان بن يقظان الأعرابي. كما ثار من البربر سفيان([8]) بن عبد الواحد المكناسي (الفاطمي نسبة إلى أمه فاطمة) في منطقة (شنتبرية) (Santaver) وكانت أخطر الثورات التي هددت عبد الرحمن الداخل وأطولها إذ استمرت من سنة 151 ﻫ إلى 160 ﻫ، وقد امتدت ما بين (ماردة/ Merida) و(قورية/ Coria) غرباً إلى ثغور (وادي الحجارة/ Guadalajara) و(كونكة/ Guenca) شرقاً أي في جميع الهضبة التي تتوسط شبه الجزيرة. وقد سير عبد الرحمن الداخل جيوشاً كثيرة لمحاربته إلى أن قضى عليه وقتله سنة 160 ﻫ/ 766م([9]). ولعل هذه الثورة هي أول محاولة لإقامة دولة شيعية في الغرب الإسلامي، إذ أنها سبقت تكوين دولة الأدارسة العلوية بنحو عشرين سنة... ولسنا نعلم شيئاً مفصلاً عن تعاليم هذا الثائر إلا أن ابن عذاري يسميه (الداعي الفاطمي) وربما دل هذا على أنه كان يدعو لغيره بالخلافة([10]). بينما عبد الرحمن لا يزال يتابع نضاله ضد أعدائه الذين تكالبوا عليه وضد أصدقائه الذين غدروا به. كان زمام الأمور في أوربا قد صار قسمة بين الروم والفرنجة الذين آلت إليهم زعامة أمم الغرب والنصارى في أقطارهم كافة، وكان من حظ عبد الرحمن أن يواجه الفرنج ويكسر شوكتهم وعدوانهم، وخصوصاً بعد تحالف بعض زعماء العرب معهم. فقد ذهبوا إلى شارلمان، وعرضوا عليه أن يتحالف معهم ضد أمير الأندلس، فلم يتوان لحظة في الموافقة على اقتراحهم، لأنه كان يتطلع لفتوحات جديدة بعد أن فرغ من السكسون، فوجدها فرصة مواتية لتحصين حدود مملكته من جهة الجنوب، والتمكن من مراقبة تحركات المسلمين العسكرية، والتدخل عن كثب في شؤون المسلمين بحكم الجوار، وبحجة رعاية المصالح المشتركة في الولايات الشمالية، فكانت المواجهات الشهيرة بينه وبين عبد الرحمن كان الانتصار حليف هذا الأخير في النهاية، وانتهت مطامع الفرنج في بلاد الأندلس.

وهكذا خرج عبد الرحمن الداخل منتصراً في جميع المعارك التي خاضها ضد أعدائه، وأثار إعجابهم بنجاحه. فقد قضى ثلاثة وثلاثين عاماً «في كفاح مستمر. وكانت مهمة عظيمة دونها خطوب فادحة، أن يطمح فتى شريد، يعمل القتل الذريع في أسرته وعصبته، وحيد ليس له أنصار ولا صحب، إلى افتتاح قطر عظيم زاخر بالقادة والجند، وأن يخضع ذلك القطر في حروب لا يخمد أوارها، وسيول من الدماء لا تنقطع، وأن يقيم ملكاً على بركان يضطرم من الثورة والمؤامرة والخصومة»([11]).

وقد لخص ذلك في أبيات شعرية من نظمه يقول فيها:

 

شتان من قام ذا امتعاض

 

منتضى الشفرتين نصلا

فجاب قفراً وشق بحراً

 

مسامياً لجة ومحلا

دبر ملكاً وشاد عزاً

 

ومنبراً للخطاب فصلا

وجند الجند حين أودى

 

ومصر المصر حين أخلا

ثم دعا أهله إليه

 

حيث انتأوا أن هلم أهلا

فجاء هذا طريد جوع

 

شريد سيف يخاف قتلا

فنال أمناً ونال شبعا

 

ونال مالاً ونال أهلا

ألم يكن حق ذا على ذا

 

أعظم من منعم ومولى؟([12])

 

إنها فعلاً قصة عجيبة ليست من حوادث التاريخ العادية ولا يقدم إلينا التاريخ كثيراً من أمثالها. أسس الخلافة القرطبية وزاحم المنصور العباسي على الخلافة، وعاصر ملك الفرنج شارلمان وحاربه وسمي بصقر قريش لقوة بأسه وشجاعته. «أقام للملك هيبته وأخذ للسلطان عدته حتى بات يخشى جانبه ولم يلبث أن دانت له بلاد الأندلس فتشجع وقطع الدعوة للخليفة المنصور العباسي وآله من فوق منابر الأندلس»([13]). حكم نحو ثلاثة وثلاثين عاماً (توفي سنة 172 ﻫ/ 787 م)، وله حظوة خاصة لدى الإسبان كتاباً وشعراء ومسؤولين، بل ومواطنين عاديين، وقد صدرت بشأنه في إسبانيا عدة كتب ودراسات، وعقدت حوله الندوات واللقاءات في مناسبات شتى. هذه الشخصية التي استحوذت على قلوب الإسبان قد توج الإعجاب الجماعي بها بإنتاج فيلم سينمائي مطول حول حياة هذا الأمير يحمل اسم (الأندلس طريق الشمس) وقد تم تصويره بمنطقة (أرفود) بجنوب المغرب، والذي تم عرضه بإسبانيا سنة 1989 م.

 

قرطبة.. وشم في ذاكرة التاريخ

استطاع عبد الرحمن الداخل أن يبعث ملك أسرته التي هوت بالمشرق، ويعيد مجدها العريض الذي اندثر بالغرب، فأكسب إمارته الأندلسية وعاصمتها قرطبة، ثراء وتنوعاً وريادة ظلت متقدة عبر خلفائه أبنائه وأحفاده. توحد فيها العربي والبربري والمسيحي واليهودي، فالكل سواء باعتبارهم أبناء وطن واحد، يؤلفون أمة واحدة. وأصبحت قرطبة كما أراد خليفتها الأول وصاحب الفضل الكبير في قيامها، "دمشق أجداده" «في منازلها البيضاء ذات الأحواش الداخلية Patios المزينة بالأزهار والورود ونافورات المياه. كما عرف عن عبد الرحمن أنه كان يرسل عملاءه إلى المشرق لجلب أشجار الفاكهة من الشام، فنسمع عن عميل له أردني اسمه سفر بن عبيد الكلاعي الذي ينسب إليه أسماء بعض الفواكه التي غرسها وأثمرت مثل التين السفري والرمان السفري. ولا يزال هذا النوع من الرمان معروفاً في إسبانيا بحلاوته وصغر حجمه ويسمى بنفس الاسم أيضاً Azifri»([14]). ويصف الرازي (274-344 ﻫ) المدينة بأنها كانت محاطة ببساتين رائعة، تطل عليها أشجار الفاكهة التي تنتج الثمار اللذيذة الطعم وكانت الأشجار عالية ومتنوعة... كما كان يوجد بالقرب من معبر النهر مساحة كبيرة غرست فيها أشجار جميلة، بينما هناك في أقصى الشمال ترتقد سلسلة جبال طويلة بكرمها وأشجارها الكثيفة([15]).

وكان الخليفة عبد الرحمن الناصر قد أمر بإنشاء حديقة نباتية مشهورة بمدينة قرطبة خصصها للنباتات الطبية وأوفد عدداً من المتخصصين في علوم النبات والحشائش إلى الشام والعراق وبلاد فارس واليمن وأواسط إفريقيا والهند والصين وغيرها للبحث عن بذور للنباتات وجلب أنواع من المزروعات الطبية وأصناف من الأشجار الغريبة لضمنها لهذه الحديقة التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.

ومما هو جدي بالذكر أن المسلمين عندما قدموا إلى الأندلس اعتنوا بالزراعة وعلم النبات (يلاحظ أن معظم علماء النبات والزراعة المسلمين قد نبغوا في الأندلس) ويذكر المستعرب الإسباني خوان قرنيط أن مسلمي الأندلس اهتموا بعلم البستنة منذ حكم عبد الرحمن الداخل وألفت دراسات مهمة في هذا المجال من أقدمها ما نسب إلى ابن وافد ثم ابن بصال وابن العوام([16]). ثم بدا بإنشاء دواوين الدولة، جعلها كلها على جانب قصر الإمارة وحوله في منطقة واسعة عرفت بعد ذلك بقصور الإمارة. وكانت العادة إذ ذاك أن تكون إدارة الدولة وقصر الخليفة شيئاً واحداً، كانت هناك قصور ملكية مثل: (الكامل) و(الروضة) و(الزهراء) و(المعشوق) و(المبارك) وما إلى ذلك.

كما كانت هناك أيضاً مباني الإدارة وتعرف بالسدة، وبابها العام كان يعرف بباب السدة ويقع على شاطئ (الوادي الكبير). وكان لسور المدينة أبواب كثيرة مشهورة أهمها باب الجامع وباب الوادي الذي يؤدي إلى قنطرة الوادي ومنه يعبر الناس إلى ضاحية (شقندة) حيث الرياض الواسعة والحدائق الغناء.

وشكل المسجد الجامع بقرطبة أحد المعالم التاريخية البارزة التي ارتبطت بمنجزاته الهامة في قرطبة. فقد عد من أعظم مساجد العالم الإسلامي بسعة بيت الصلاة فيه وتناسق أعمدته وجمال محرابه المزين بالفسيفساء المموهة بالذهب. وقد مر بمراحل وأدوار من تعمير وزيادات جرت عليه من طرف حكام الدولة الأموية. فتاريخ هذا الجامع يسير محاذياً لتاريخ بني أمية. لم يحدث في التاريخ أن سار تاريخ أسرة وتطور عمل فني جنباً إلى جنب على هذه الصورة. ومن الطريف أن المبنى الأول للمسجد كان بعيداً عن ضفة الوادي الكبير، ثم أخذ ينمو على أيدي الخلفاء حتى وصل إلى ضفة النهر أيام الحكم المستنصر، ثم جاء المنصور بن أبي عامر الذي اغتصب السلطة من الخليفة الشرعي وحجر عليه، وأراد أن يضيف هو الآخر إلى المسجد شيئاً، ولما كان المسجد قد وصل إلى أقصى حده في الامتداد جنوباً ووصل إلى الشاطئ، فلم يجد المنصور بداً من الانحراف بالمبنى ناحية الشرق، فأضاف زيادته هناك([17]).

وينفرد هذا المسجد عن باقي المساجد الجامعة في العالم الإسلامي من الناحية المعمارية بكثرة عدد الأساكيب والبلاطات وكثرة الأعمدة وسعة أقطارها، والعقود والدعامات والمحراب والقباب والصحن والسور الخارجي والأبواب والمئذنة. وتبدو المؤثرات السورية قوية وبارزة في العمارة والفنون الأموية بالأندلس، فالعقد المنفوخ المعروف بحذوة الفرس كان ابتكاراً سورياً وانتقل إلى الأندلس وظهر في جامع قرطبة كما أن فكرة العقود المزدوجة كانت معروفة في الجامع الأموي بدمشق إلا أن أسلوب تشييدها يختلف في قرطبة عنه في دمشق لذا يمكن اعتبار هذا الاختلاف تطوراً عن الأصل. بل وحتى فكرة التناوب بالمواد للوصول إلى تناوب بالألوان كانت معروفة في العمارة العربية في سوريا قبل الإسلام إلا أنها لم تستخدم في تشييد العقود بل في تشييد الجدران الاعتيادية من صفوف متناوبة من الحجارة والآجر حيث استخدمت في قصر ابن وردان في شمال سوريا. وما استخدامها في تشييد العقود في جامع قرطبة إلا دليل على وصول الفكرة مرحلة بعيدة من التطور. ومن العناصر المعمارية المهمة في المسجد الجامع بقرطبة هي تعامد بوائك العقود مع جدار القبلة أي اتجاهها من الشمال إلى الجنوب، وأن هذا التصميم يساعد على إسماع صوت الخطيب إلى أرجاء بيت الصلاة على الرغم من كبر مساحته. وهذه الظاهرة كانت معروفة في سوريا، إذ ظهرت في المسجد الأقصى بالقدس([18]). فقد استعان مشيدوه بعرفاء ومهندسين سوريين في بناء أقسامه، ونظراً لموقع المسجد في قلب المدينة، فقد كانت تلتف به مراكزها العمرانية. فقصر الخلافة لا يفصله عنه إلا الطريق الواسعة المعروفة بالمحجة العظمى. أما من الجهة الأخرى فتنتشر الأسواق والحوانيت على اختلاف أنواعها. «هذا الموقع المركزي للمسجد بين رمز السلطة السياسية من جهة وبين فضاء الحياة العامة اليومية من جهة أخرى يعبر عن المكانة المتميزة للمؤسسة الدينية في المنظومة الأندلسية، يتضح ذلك بجلاء عندما نقارن هذه الوضعية بما كان عليه الأمر في المشرق الإسلامي في العصر الوسيط. فبالإضافة إلى المهمة التعبدية والعلمية والقضائية كان المسجد الجامع في قرطبة يقوم بوظيفة سياسية عامة، فمن أعلى المنبر كان صاحب الصلاة يقرأ رسائل الأمير المعلنة عن الانتصارات العسكرية، ومن أحد أجنحته كان يتم توزيع الألوية التي ترفعها الجيوش المتجهة لمحاربة العدو في الشمال صيفاً. وفي نفس المسجد الجامع كانت تحتفظ الألوية بعد رجوع الجيوش وانقطاع الصوائف... وفي إحدى مقصورات الجامع يقع حفظ بيت المال وما يؤول إليه من مداخيل الأوقاف»([19]).

وقد وصفه عدد من الجغرافيين والمؤرخين المسلمين بأوصاف رائعة واعتبروه أروع أمثلة العمارة الإسلامية والمسيحية في العصر الوسيط([20]).

ومن الوجهة العلمية فقد كان أكبر جامعة إسلامية (أو من أكبرها) تدرس فيها كافة العلوم ويفد إليها الطلاب من مختلف الأقطار. وعلى العموم فقد كان هذا المسجد أحد المآثر التي تميزت بها قرطبة وكان مصدر فخرها حسب ما عبر عنه الشيخ الإمام أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية([21]).

 

بأربع فاقت الأمصار قرطبة

 

وهن قنطرة الوادي وجامعها

هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة

 

والعلم أكبر شيء وهو رابعها

 

هكذا أخذت قرطبة وضعها التاريخي كعاصمة كبرى منذ أن اتخذها الأمير عبد الرحمن الداخل حاضرة له، فأضحت بذلك مركزاً حضارياً وثقافياً له مكانته التاريخية الشهيرة.

لقد بدأ عبد الرحمن ملك بني أمية في الأندلس، واستمرت دولته إلى ما بعد المائة الرابعة للهجرة. شامي الروح، أموي الاتجاه، مرواني السياسة، مستوحياً أصول الحكم من سياسات أسلافه من أقطاب بيت بني أمية. وكل من أرخوا له ولدولته لاحظوا ذلك بوضوح.

 

الاستمرارية والانفتاح

تداول الحكم من بعده في إمارة قرطبة الأموية ستة من أبنائه وأحفاده هم:

 

1 - هشام بن عبد الرحمن (172-180 ﻫ) ودخول المذهب المالكي الأندلسي

فقد ثابر على الاهتمام بالشؤون العامة «فكان خيراً فاضلاً جواداً كريماً، مع حسن سيرته في رعيته وتحصينه لثغوره»([22]) محباً للإصلاح والإنشاء، فعنى بإتمام مسجد قرطبة الجامع. كما أنشأ عدة مساجد أخرى، وزين قرطبة بكثير من الأبنية والحدائق الفخمة، وجدد قنطرة قرطبة الشهيرة التي بناها السمح بن مالك على النهر الكبير، وعمل على نشر اللغة العربية إلى أن قامت في جوانب الأندلس مقام اللسان اللاتيني. وكان يؤثر مجالس العلم والأدب ولا سيما الحديث والفقه على غيرها. وفي عصره ذاع مذهب الإمام مالك وانتشر وتعلق به أهل الأندلس ورسخ بها رسوخاً لا مثيل له في بلاد الإسلام، فقد تمسكوا به دون سواه، فلم يكتب للمذاهب الأخرى التي ظهرت بها إلا فترات عابرة من الانتشار ولم يعرف لها شأن يذكر إلا ما كان لمذهب داود الظاهري من بعض الرواج مع ابن حزم، حتى اتسمت الحياة الدينية بها بغلبة المذهب المالكي على سائر المذاهب السنية وغير السنية التي حاولت الاستقرار بها على غرار استقرارها بسائر بلدان المغرب والمشرق([23]).

ويذكر الحميدي في "جذوة المقتبس" أن أول من أدخل مذهب الإمام مالك إلى الأندلس هو زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون المتوفى سنة 204 (على خلاف في وفاته)([24]) ثم تلميذه الفقيه الطنجي الأصل يحيى بن يحيى الليثي (توفي 234 ﻫ) الذي لقبه مالك «بعاقل الأندلس» «وإليه انتهت الرياسة بالفقه بالأندلس، وبه انتشر مذهب مالك هناك، وتفقه به جماعة لا يحصون، وروى عنه غير واحد، منهم إبناه عبيد الله وإسحاق، وأبو عبد الله محمد بن وضاح، وزياد بن محمد ابن زياد شبطون...»([25]).

ويرى ابن خلدون أن سبب تجاوب أهل الأندلس والمغرب مع مذهب وفقه مالك هو تشابه طبيعة أهل الحجاز من حيث البساطة والبعد عن التعقيد مع طبيعة أهل المغرب والأندلس «فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس... وقلدوه دون غيره ممن لم تصل إليهم طريقته، وأيضاً فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس. ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضاً عندهم، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب، ولما صار مذهب كل إمام علماً مخصوصاً عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس فاحتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذاهب إمامهم»([26]).

ويعلق الدكتور أحمد مختار العبادي على ذلك قائلاً: «فعقلية أهل الأندلس كانت تغلب عليها نزعة أهل الحديث في التفكير... حتى قيل إنهم لا يعرفون سوى كتاب الله و"موطأ" مالك، بل إن بعضهم ذهب في هذا المضمار إلى أقصى حدود التقييد وهم أصحاب المذهب الظاهري وزعيمهم الفقيه أبو محمد بن حزم.. فعقلية أهل الأندلس كان يلائمها هذا النوع من التفكير والإنسان دائماً يفضل ما يلائم مزاجه العقلي. ويرى المقدسي أن فريقين من الحنفية والمالكية تناظرا يوماً بين يدي الأمير هشام فقال لهم: من أين كان أبو حنيفة؟ فقالوا من الكوفة. فقال: ومالك؟ قالوا من المدينة، قال: عالم دار الهجرة يكفينا. فأمر بإخراج أصحاب أبي حنيفة وقال: لا أحب أن يكون في عملي مذهبان»([27]).

 

2 - الحكم بن هشام (180-206 ﻫ) وثورة المولدين والربض

آلت إليه الولاية بعد وفاة أبيه هشام. وكان صارماً حازماً، شجاعاً، مستنيراً، وافر العزم، واسع الحيلة، نافذ الرأي والحزم، يباشر الأمور بنفسه. «وكان مع نجدته وعزة نفسه متواضعاً للحق، منقاداً للإنصاف من نفسه فضلاً عن ولده وسائر خاصته، يتخير لأحكامه أروع من يقدر عليها وأقضاهم للحق»([28]). فهو أول من أظهر فخامة الملك بالأندلس، وأول من أنشأ بها بلاطاً إسلامياً ملوكياً بكل معاني الكلمة، ورتب نظمه ورسومه، وأقام له بطانة ملوكية فخمة، فاستكثر من الموالي والحشم، وأنشأ الحرس الخاص والجواسيس ونظم الشرطة، وفي عهده أنشئ بالدولة منصب خاص لإدارة شؤون أهل الذمة (النصارى واليهود) ينعت صاحبه بالقومس (Comes).

وعلى الجملة فقد كان أميراً عظيم السلطة والهيبة يسطع بلاطه، كما تسطع خلاله، ويثير من حوله بهاء الملك وروعته. وقد شبهه بعضهم (ابن خلدون وابن الأثير والمقري) بأبي جعفر المنصور في قوة الملك وتوطيد الدولة وقمع الأعداء([29]).

واتسم عهده بكثرة الفتن والحروب، أولها مواجهة ثورة أعمامه: سليمان وعبد الله اللذين حاولا انتزاع الملك منه، فانتصر عليهما. ثم الثورات الخطيرة التي قام بها المولدون في طليطلة وقرطبة وماردة وسرقسطة، والتي كادت أن تطيح بإمارته بسبب ميولهم الانفصالية عن السلطة المركزية بقرطبة، والتي كانت سبباً في تأخره عن الرد على استفزازات الممالك المسيحية في الشمال وخصوصاً بعد استيلائهم على مدينة برشلونة، وهجوماتهم على منطقتي اشتورياس وطرطوشة. «وقد نمت هذه الطبقة الاجتماعية الجديدة بسرعة كبيرة حتى صارت تؤلف الكثرة الغالبة من سكان الأندلس. فكان منهم التجار والمزارعون وأهل الحرف المختلفة والطلبة والفقهاء وغيرهم، وبمضي الوقت شعر هؤلاء المولدون بنقص في حقوقهم العامة رغم كونهم أهالي البلاد الأصليين، وإنهم يتحملون عبئ المغارم (الضرائب) دون أن يكون لهم نصيب في ثروات البلاد ومناصبها الرئيسية التي كانت حكراً على الطبقة الاستقراطية العربية الحاكمة»([30]).

وبرزت منهم بعض الأسر القوية ذات السلطان والبأس، مثل: بني قسي، وبنو حفصون. ويصفهم المستعرب الإسباني (سيمونت Simonet) بأنهم كانوا بعد اندماجهم في المجتمع الإسلامي أشد تعصباً ضد النصارى من المسلمين الخلص أنفسهم([31]). وقد احتفظ عدد كبير من هؤلاء المولدين بأسماء أسرهم القديمة، واتخذوا منها ألقاباً، فهناك ابن بشكوال (Ibn Pascual) صاحب كتاب "الصلة"، وبنو قومس (Banu Comes) وبنو مرتين (Banu Martin) وبنو غرسية (Banu Garcia). وآخرون كثيرون. وبعضهم عرب اسمه اللاتيني، فأصبح (Felix) يدعى سعيداً و(Victor) يدعى الظاهر، وأخذت الأسماء اللاتينية المستمدة من التوراة الشكل العربي. فاسم Moises أصبح موسى و(Jesuis) عيسى وهكذا([32]).

ولعل أخطر ثورات هؤلاء هي:

 

1) ثورة طليطلة حاضرة القوط القديمة. فقد استخف مولدو هذه المدنية بالأمير الحكم، ومالوا إلى الانفصال عنه في ثورتهم التي قاموا بها سنة 181 ﻫ. فكان لهم بالمرصاد، حيث أنزل بهم بواسطة وليه عمروش بن يوسف المذبحة الشهيرة (بالحفرة) التي راح ضحيتها المئات. وكانت ضربة قاسية لطليطلة جردتها من زعمائها وأعيانها ووجهائها، وكانت حسب بعض المؤرخين سنة 191 ﻫ/ 807 م.

2) ثورة الربض بقرطبة. (والربض كلمة عامة تعني الضاحية أو الحي) وكانت تقع على الضفة الجنوبية لنهر الوادي الكبير في مقابلة قرطبة حيث فصلها جسرها الشهير. وكان يزدحم في سكناه بأخلاط من الطبقة الكادحة، من أهل الحرف المختلفة، ومن طلاب العلم. وقد استطاع هؤلاء أن يتوحدوا ضد الأمير الحكم، فأعلنوا ثورتهم عليه «والتي كادت أن تحمل الحكم وعرشه وكانت ثورة شعبية بمعنى الكلمة، ولكنها كانت دون تنظيم ودون زعامة، وقد أدرك الحكم خطورتها، ولم تأخذه في إخمادها هوادة ولا رأفة، وأصدر عقب ذلك كتاباً إلى الكور (الولايات) يشرح فيه الواقعة وظروفها»([33]).

 

وأمر الحكم بعد ذلك بهدم الربض وحرث أرضه وزراعتها، كما أمر من بقي من الربضيين بترك البلاد في الحال. واضطر عدد كبير منهم إلى عبور المضيق نحو المغرب والآخرون اختاروا التوجه إلى الإسكندرية ومنها إلى جزيرة (قريطش). أما الذين وصلوا المغرب فقد استقروا بداية في قبائل الريف بالشمال. ثم استدعاهم المولى إدريس الثاني للإقامة في مدينة فاس عاصمة الدولة الإدريسية الفتية «فاستجابوا لطلبه وانتقلوا إلى فاس ونقلوا معهم مظاهر الحضارة الأندلسية لا سيما وأن معظمهم كانوا من أهل الحرف والصناعات والزراعة، فأعطوا المدينة طابعاً أندلسياً جميلاً سواء في صناعتها أو أبنيتها البيضاء ذات الحدائق الداخلية في أحواشها»([34]). ومنذ تلك اللحظة أصبح  اسم الحكم مقروناً باسم هذا المكان فسمي (بالحكم الربضي). ورغم ما تميز به عصره من اضطرابات وفتن، فقد ازدهرت فيه الآداب والعلوم، وبرز عدد جم من الكتب والأدباء والشعراء، لعل أبرزهم هو القاسم عباس بن فرناس الذي برع في الفلسفة والكيمياء والفلك والموسيقى والشعر والأدب، وكان أول من استخلص صناعة الزجاج من الحجارة بالأندلس وأول من حاول أن يخترع أداة للطيران بها. وقد طفت شهرته أكثر في عهد الأمير عبد الرحمن الثاني بحيث كان أول من أخذ عنه علم العروض بالأندلس. ثم الشاعر الشهير يحيى بن الحكم المعروف بالغزال (حكيم الأندلس وشاعرها وعرافها) كما يسميه ابن حيان، فهو زيادة على شهرته كشاعر جزل مطبوع، فقد عرف بأصالة الرأي، وحسن التدبير واللباقة والدهاء. فقد بذ الشعراء، وانتقد الفقهاء، وشغل المؤرخين والمفكرين والرواة والروائيين. وفي سيرته دروس وعبر. وقد رشحته هذه الصفات فيما بعد للقيام ببعض المهام الدبلوماسية الخطيرة في عهد عبد الرحمن الثاني (وقد عايش خمسة أمراء بني أمية). والشاعر الفيلسوف واللغوي عباس بن ناصح الثقفي الجزيري الذي ولاه الحكم قضاء الجزيرة الخضراء مسقط رأسه، وحظي بمنزلة خاصة لديه هو وولده الشاعر عبد الوهاب بن عباس([35]). ومن النساء الشاعرة حسانة التميمية التي وفدت على الحكم من ألبيرة (غرناطة) واستحسن شعرها، فجهزها بجهاز حسن. يرى الدكتور أحمد هيكل أنها فيما يعلم أولى الشواعر الأندلسيات وأسبقهن إلى قرض الشعر. وشعرها كما يبدو، مزيج من الرثاء والشكوى والمدح وطلب العون، وهو على جانب كبير من النضج الفني. وفيه بعض تلك البسمات الأندلسية المميزة، فهو شعر يتسم بالتجويد الفني وبالتركيز العاطفي.. ويتسم بالأصالة والصدق([36]).

وقد اهتمت الباحثة الإسبانية (كلاراخانيس) بواقعية الشاعرات العربية الأندلسيات، حيث ذهبت إلى القول بأن التمعن في الشعر النسائي الأندلسي أمر يبعث على الإعجاب والاندهاش، ويثير دهشة الغرب سواء لدى القراء أو الباحثين نظراً لما تتضمنه هذه الأشعار من حرية التعبير التي لا يمكن أن تقارن سوى بحرية التعبير الموجودة في الوقت الراهن. وأن المكانة التي بلغتها المرأة العربية في المجتمع الأندلسي لم تدركه زميلتها المسيحية في ذلك الوقت.

وأجرت مقارنة بين الشاعرات العربيات بالأندلس وشاعرات إسبانيات عشن في عهود موالية للعهد الأندلسي، إلا أن قصب السبق في معالجة الموضوعات بواقعية وذكاء مع دقة الملاحظة وعمق المضمون وخصوبة المعنى وجمال المبنى، كل ذلك كان من نصيب الشاعرات العربيات في الأندلس([37]).

وقد توفي الحكم وهو في الثانية والخمسين من عمره في 26 من ذي الحجة سنة 206 / 22 ماي سنة 822 ليتولى بعده ولده عبد الرحمن.

 

3 - عبد الرحمن الثاني/ الأوسط (206-238 ﻫ)

          الانفتاح على المشرق ودخول زرياب الأندلس

قبل وفاة الحكم بأيام استدعى أكبر أولاده عبد الرحمن فألقى عليه وصيته التي جاء فيها: «إني وطدت لك الدنيا، وذللت لك الأعداء، وأقمت أود الخلافة وأمنت عليك الخلاف والمنازعة. فأجر على ما نهجت لك من الطريقة...»([38]). فتحمل المسؤولية التي ألقيت على عاتقه، وانطلق في تسيير شؤون البلاد والعباد معتمداً على حنكته وتجربته، فواصل ما شيده أسلافه من ملك وعزة وسؤدد «فعاش بخير، وكانت رعيته معه بخير»([39]).

عرفت أيامه بأيام العروس لكثرة خيرات الأندلس في عهده. نافس معاصره في بغداد الخليفة المأمون. فكان حليماً جواداً حسن الثقافة مولعاً بالعلم والأدب نشاطاً فكرياً، حامي العلماء وصديق الأدباء والفنانين، يجد لذة خاصة في دراسة الكتب القديمة في الفلسفة والطب، شغوفاً بكل ما يتصل بعلم الفلك. وقد وصفه الدكتور حسين مؤنس بأنه «جمع بين تقى عمر بن عبد العزيز، وتدبير هشام بن عبد الملك، وشاعرية الوليد بن يزيد، وازدهر بلاطه برجال يعدون من مفاخر العروبة والإسلام فيه الفقهاء والشعراء والساسة والقادة كبني عبده وبني شهيد وبني فطيس وبني رستم وبني الزجالي وما إليهم مما امتازوا بالإخلاص للدولة»([40]).

وعلى العموم فالتأريخ لحياة هذا الأمير هو تأريخ للحضارة الأندلسية في طور شبابها الأول، بحيث يعتبر أول من نثر بذورها الإسلامية في هذه البلاد، وكسر طوق الانعزال الذي سلكه أسلافه حيال خصومهم العباسيين. فوجه عيونه إلى بغداد للتحري عن النظم السائدة فيها، فاتبع طريقهم دون أن يرى في ذلك ضيراً كبيراً. وفي أيامه دخل الأندلس (نفيس الوطاء وغرائب الأشياء) من بغداد وغيرها([41]). كما فتح أبواب الأندلس للتجار العراقيين والبضائع العراقية كالملابس وأدوات الزينة وغيرها. ويذكر ابن سعيد إنه عندما قتل الأمين وانتهب ملكه سيق إلى الأندلس كل نفيس من متاعه([42]). كما أن بعد المسافة لم يكن عائقاً في طريق ربط الصلة الثقافية بين بغداد وقرطبة وتحقيق التوازن بينهما. وقد تمثلت تلك الصلات الثقافية بواسطة الرحلات العلمية من الأندلس إلى بغداد وبالعكس. وقد تتبع المقري في مجلدين من كتابه "نفح الطيب" أخبار من رحل من الأندلس إلى مدن المشرق ومنها بغداد للتزود بالعلم والثقافة، ومن رحل من المشرق إلى الأندلس طلباً للمجد العلمي والشهرة الواسعة، ونشر علومه ومعارفه فيها، ونالوا كل عناية وتقدير في المجتمع الأندلسي وأفاض عليهم الخلفاء الأمويون العطايا والهدايا.

لقد بلغ عبد الرحمن الثاني/ الأوسط بدولته إلى عداد الدول العظمى في العالم الإسلامي والمسيحي على السواء. فقد عمل على تنظيم شؤون الإدارة تنظيماً دقيقاً، فهو «الذي ميز ولاية السوق عن أحكام الشرطة المسماة بولاية المدينة، فأفردها وصير لوليها ثلاثين ديناراً في الشهر ولوالي المدينة مائة دينار... وأحدث بقرطبة دار السكة، وضرب الدراهم باسمه، ولم يكن فيها ذلك مذ فتحها العرب... وهو الذي اتخذ للوزراء في قصره بيت الوزارة، ورتب اختلافهم إليه في كل يوم يستدعيهم معه أو من يختص منهم، أو يخاطبهم برقاع فيما يراه من أمور الدولة... وأمر عامله جابر بن مالك أن يتخذ مرسية منزلاً للولاية. وبنى جامع إشبيلية وسورها. وتولع جواريه ببناء المساجد وفعل الخير...»([43]). كما اهتم بالجانب الدبلوماسي وتبادل السفراء مع الدول العظمى آنذاك.

إلا أن إمارته قد واجهت ما واجهته الإمارة في عهد أسلافه من أخطار وتهديدات محلية وخارجية، فلم تخل له فترة من فترات حكمه من فتن وحروب،  فتجند لها وخاض غمارها بعزم وإرادة قوية. وكانت الفتنة تضطرم في نفس مواطنها القديمة كطليطلة وماردة والثغر الأعلى، حيث كانت عناصر الخروج والثورة تحتشد وتعمل بعيدة عن العاصمة، ممتنعة بالوهاد والوعر، قريبة من النصارى، تتلقى منهم الوحي والعون في أحيان كثيرة. وبعد إخماد هذه الثورات، استأنف عبد الرحمن أعمال الجهاد والغزو، فعكف في الأعوام التالية على تسيير الصوائف (أو حملات الغزو الصيفية) متعاقبة في كل عام إلى الشمال، تارة إلى أطراف الثغر الأعلى، حيث تشتبك مع الفرنج، وتثخن في أراضيهم، وتارة إلى ألبة والقلاع حيث تغير على أراضي البشكنس، أو أطراف مملكة ليون (جليقية)([44]). وفي عهده عرفت الأندلس لأول مرة خطراً لم يسبق لها أن عرفته من قبل وهو الغزوات النورمانية (الأردمانيون أو المجوس كما يسميهم العرب) البحرية، وذلك في نحو ثمانين مركباً، فحلوا بإشبونة (لشبونة) فقاديس ثم إشبيلية التي دخلوها سنة 230 واعتركوا مع المسلمين «فانهزم المسلمون وقتل منهم ما لا يحصى، ثم عادوا إلى مراكبهم، ثم نهضوا إلى شذونة ومنها إلى قاديس وذلك بعد أن جمع الأمير عبد الرحمن قواده، فدافعهم ودافعوه، ونصبت المجانيق عليهم وتوافت الأمداد من قرطبة إليهم، فانهزم المجوس وقتل منهم نحو خمسمائة علج وأصيبت لهم أربعة مراكب بما فيها، فأمر ابن رستم بإحراقها وبيع ما فيها من الفيء»([45]). واستمرت المعارك سجالاً معهم إلى أن أرغمهم القائد ابن رستم على الاستسلام، فاعتنق بعضهم الإسلام وأقاموا بأدنى الوادي الكبير واشتغلوا هناك بتربية الماشية وصناعة الألبان، وما زالوا إلى يومنا هذا. وكانت لهذه الغارات الأثر الهام على الأندلسيين، فقد نبهت الأمير عبد الرحمن ومن تولى بعده إلى ضرورة الاهتمام بتحصين السواحل وبناء دار لصناعة السفن في إشبيليا ووضع نظام لجنود البحر وأسلحتهم وتموينهم. وأصبح الأسطول الأندلسي بعد ذلك قوة فرضت سيادتها المطلقة على غربي البحر الأبيض المتوسط بشكل تام. وفتح سائر الجزر في تلك المنطقة وألحقها بالحكم الإسلامي. يقول المؤرخ ابن حيان: «وفي سنة 234 أغزى الأمير عبد الرحمن أسطولاً من (300) ثلاثمائة مركب إلى أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة لنقضهم العهد وإضرارهم بمن يمر إليهم من مراكب المسلمين ففتح الله للمسلمين عليهم، وأظفرهم بهم فأصابوا سباياهم وفتحوا أكثر جزائرهم»([46]). كما شاركت البحرية الأندلسية في فتح صقلية، ثم احتلالها لجزيرة كريت.

 

دخول زرياب الأندلس والتأثير المشرقي

بعد رحلة طويلة وشاقة يصل زرياب الأندلس قادماً من عاصمة الخلافة العباسية ليستقر بالأرض الجديدة (قرطبة) التي احتضنته قصورها، فشذى وطرب وأطرب بين جدرانها وحدائقها الغناء، فحقق تحت سمائها مجداً وخلوداً ما كان ليتحقق له في بغداد. فقد رحب به الأمير عبد الرحمن الثاني في قصره، وبادره قبل استقباله الرسمي بالعطاء الجزيل والجراية الكريمة والاقطاعات المغرية، واستمع إليه ينشده ألحاناً شرقية أفاق معها حنينه وحبه إلى موطن أجداده "الشام" فعاش في كنفه معززاً مكرماً، وأصبح نجمه المفضل يواكله ويشاربه ويسامره وينادمه، كما كان يذاكره في أحوال الملوك وسير الخلفاء، ونوادر العلماء، فكان بحراً لا يدرك مداه، مما أعجب الخليفة فزاد في تكريمه، حتى فتح له باباً خاصاً يستدعيه منه متى أراد. «وبهر زرياب أهل الأندلس ببراعته في الغناء والموسيقى، وطار صيته في كل مكان، فأضحى قطب الفن الذي لا يجارى، وأخذ عنه أهل الأندلس فنونه وإبداعه»([47]).  

لقد نقل معه الحياة العراقية بمظاهرها الفنية والاجتماعية، ولقيت مدرسته الموسيقية الممثلة في شخصه وفي أبنائه وبناته وجواريه نجاحاً كبيراً طغى على مدرسة الحجاز الموسيقية التي أخذت في الضعف، وإن كان تأثيرها ظل باقياً في حدود ضيقة إلى ما بعد القرن الرابع الهجري. ويذكر المؤرخون مدى تأثير زرياب في الحياة الأندلسية، بحيث أحدث تبدلاً واضحاً في الملبس والمأكل والأناقة والحلاقة والتزيين المنزلي. فكان له ذوقه الخاص في الملابس، كلبسه كل صنف من الثياب في زمانه الذي يليق به، فسن لهم اختيار الثياب المناسبة لكل فصل من فصول السنة بما يلائم طقس كل منها، فجعلها متفاوتة متغيرة. فالأقمشة الخفيفة ذات الألوان الزاهية الجميلة كانت تلبس في فصل الربيع، والأثواب البيضاء الفضفاضة صيفاً، ومعاطف الفراء والقلانس في الشتاء وهكذا. أما ما يتعلق بالموائد وتنظيمها، فقد أخذ الأندلسيون عنه تفضيله الأواني الزجاجية الرفيعة على الأواني الذهبية والفضية لسهولة تنظيفها. واستبدل أغطية الموائد القطنية الخشنة بنوع من الجلد الرقيق، إذ أن آثار الأطعمة تزول عن الجلد بأقل مسحة. وعلمهم طريقة الطهي المشرقي، وضرورة الترتيب في تقديم الأطعمة بدلاً من وضعها دفعة واحدة، فيبدأ الإنسان بالحساء أو المقبلات ثم بالخضروات واللحوم ثم بالحلوى أو الفاكهة. وأشار عليهم بأكل الاسفراج (الهليون) Esparragos وهو طعام شائع في أوربا اليوم. كما دلهم على صنوف من الأطعمة لم تكن الأندلس تدري شيئاً عنها كالنوع المسمى على حد تعبيرهم (التقالي) وهو مصطنع بماء الكزبرة الرطبة محلى بالسنبوسك والكباب. كما علم القرطبيين طريقة تصفيف شعورهم ورفعه خلف الآذان بدلاً من تركه مسدولاً على جباههم وأعينهم، وعلى العموم فقد كان لزرياب أثره الواضح في الأندلس حتى صار قدوة المجتمع الأندلسي، وكانوا ينسبون إليه كل جديد يظهر في قرطبة متصلاً بالظرف وبالجمال من ذلك إنشاء (حمام زرياب) الذي يعتبر أعجوبة قرطبة من حيث البناء الفخم وما يضمه من معمار عجيب([48]). وفي هذا  العهد والذي يليه ستشهد الأرياف الأندلسية حياة جديدة عليها من الترف واللعب واللهو وبناء القصور والدور والتنافس في لعبة الشطرنج وتشييد الأضرحة والقبور وزخرفتها مباهاة وتفاخراً بين الأغنياء والإكثار من الجواري([49]). وقد صدرت في إسبانيا سنة 1987 م رواية تحمل اسم زرياب باللغة الإسبانية للموسيقى (خيسوس كريوس) وقد كتبت بأسلوب شاعري جميل، واشتملت على مجموعة هائلة من المعلومات الفنية والاجتماعية والتاريخية عن الأندلس. كما أورد الكاتب بالتفصيل الكثير من العادات والتقاليد المتعارف عليها آنذاك، مبرراً في كل مرة دور زرياب ومحاولته في تغيير وتجديد الكثير مما اعتاد الناس عليه وإبداله بما هو أفضل.

ويرى أن أسس الموسيقى العربية الأندلسية التي كانت تعرف "بالنوبة" وتسمى عند الإسبانيين بالرندو Rondo ثم نقلها فيما بعد على يد المورسكيين إلى شمال إفريقيا وخصوصاً المغرب والتي تعرف اليوم باسم الموسيقى الأندلسية، (شفشاون - تطوان - فاس - الرباط...).

 

الإمارة في مهب الريح

توفي عبد الرحمن الثاني سنة (238 ﻫ/ 852 م)، وقد ترك مملكة زاهرة موطدة الأركان، تنعم بالاستقرار والهدوء، ولكن هذا الاستقرار الظاهر، كان يحجب كثيراً من التيارات الخفية، التي تهدد أمن المملكة وسلامتها([50]). لقد جسدت هذه التيارات المتعددة الخروج عن الطاعة وعدم الإذعان للسلطة الحاكمة المتمثلة في ثلاثة أمراء وهم:

 

1 -  محمد بن عبد الرحمن (238/ 273 ﻫ).

2 -  المنذر بن محمد (257/ 275 ﻫ).

3 -  عبد الله بن محمد (275/ 300 ﻫ).

 

وهي فترة تقدر بنحو (62) سنة لم تهدأ فيها الأندلس بسبب الاضطرابات السياسية وكثرة الفتن التي قادها:

 

1 -  بنو قيسي أو بنو موسى في سرقسطة أو الثغر الأعلى.

2 -  بنو مروان الجليقي في ولاية بطليوس.

3 - بنو حفصون وزعيمهم عمر بن حفصون في المرتفعات الجنوبية
               الإسبانية الممتدة بين مدينتي (رندة ومالقة).

4 -  بنو ذي النون في طليطلة.

5 -  بنو الملاخ بمدينة جيان.

6 -  بنو حجاج في إشبيلية. إضافة إلى ملوك النصارى في الشمال الذين
               كانوا يتربصون بالإمارة الأموية وينتظرون الفرصة للانقضاض
               عليها والقضاء عليها.

 

وهكذا أهلت هذه الفترة لإرهاصات عصر الطوائف أو الدويلات الصغيرة الأولى سواء من تولاها من المولدين أو البربر أو العرب، لدرجة أضحى فيها ملك بني أمية على وشك الانهيار. فشاء القدر أن يمدد في عمرها على يد خليفة حازم قوي الإرادة والعزم، مرضي السيرة، محمود العشرة، خلف جده الأمير عبد الله بن محمد الذي تولى رعايته فآثره على أبنائه وكأنه تنبأ بفراسته العربية الأصيلة، إنه عبد الرحمن الناصر.

 

عبد الرحمن الناصر والتحول إلى الخلافة (300 ﻫ/ 350 م)

تولى الحكم وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وكان والده محمد قد توفي في حياة أبيه، فتكفل به جده وبالغ في رعايته لكي يعوض عليه حنان أبيه، فأحسن تعليمه وتهذيبه، فأبدى في مستهل عمره، امتيازاً وتفوقاً، وتجلت براعته في النحو والشعر والتاريخ، وأظهر استعداداً ملحوظاً في فنون الحرب والفروسية، بعد أن حفظ القرآن ودرس السنة. هذا إلى جانب استعداد فطري خاص فيه مما جعل أعمامه يقدمونه على أنفسهم في الإمارة لإنقاذ الموقف في الأندلس، وذلك في مستهل ربيع الأول سنة 300 «ولي الخلافة والفتنة قد طبقت آفاق الأندلس، والخلاف فاش في كل ناحية منها، فاستقبل الملك بسعد، لم يقابل له أحد ممن خالفه أو خرج عليه إلا غلبه واستولى على ما في يديه. فافتتح الأندلس مدينة مدنية، وقتل حماتها، واستذل رجالها، وهدم معاقلها، وضرب المغارم الثقيلة على من استبقى من أهلها، وأذلهم بعسف العمال غاية الإذلال، حتى دانت له البلاد، وانقاد له أهل العناد»([51]). وكان أول ما فعله هو القضاء على فتنة عمر بن حفصون التي طالت ثماني وعشرين سنة، بعدما قطع أوصاله بالداخل والخارج. بعدئذ التفت الأمير الجديد إلى ما حوله فأنشأ جيشاً قوياً من خيرة شباب الأندلس «وأضاف إليه جماعات من الموالي الجدد كونها من عناصر أجنبية، وهي التي تعرف بالصقالبة، وكان معظمها من أوربا الوسطى»([52]).

فانطلق في سحق الثورات في كل اتجاه (طليطلة وبطليوس وتدمير وبلنسية) وسادت السكينة بعد ذلك أرجاء الأندلس. فاتجه إلى منازلة عدو الأندلس التاريخي (إسبانيا النصرانية). فكان بحق مروضاً لمختلف النزعات والانتماءات في إطار إيقاعي متجانس ما أمكن، متدخلاً بمرونة واعية ليسوي الخصومات بين العديد من الصفات كالقشتاليين والليونيين والنبريين، حيث استطاع أن يستغل ما بينهم من صراعات ليصل إلى إضعافهم جميعاً، وينفذ مآربه السياسية الكبرى. فنال بذلك إعجاب مؤرخي الأندلس كابن حيان والمقري وحسين مؤنس وغيرهم، فقد خصص له صاحب المقتبس الجزء الخامس، أرخ فيه لثلاثين سنة من خلافته (301-330 ﻫ) حيث ركز فيها على الأحداث السياسية والعسكرية وتطوراتها في مجالي السياسة الداخلية الأندلسية والسياسية الدولية التي عرفها عهده. كما خلع عليه أوصافاً وحلاه بنعوت تدل على إعجابه بشخصيته وتقديره لجهوده في ترسيخ أسس الوحدة السياسية للأندلس. «ابن أمراء المؤمنين وسلالة الهداة الفاضليين، والأئمة المتقين، القائمين بالحق، السالكين سبيل الرشد. فهو الساهر العين في ضم شتات المملكة»([53]). ونقل صاحب "نفح الطيب" بعض ما أفرد به مؤرخو الأندلس شخصية عبد الرحمن الثالث من الإشادة بدولته التي قويت شوكتها بما جمعت من كلمة المسلمين ووحدت صفوفهم حتى أصبحت «غاية في الضخامة ورفعة الشأن، وهادته الروم، وازدلفت إليه تطالب مهادنته ومتاحفته بعظيم الذخائر، ولم تبق أمة سمعت به من ملوك الروم والإفرنجة والمجوس وسائر الأمم إلا وفدت عليه خاضعة راغبة، وانصرفت عنه راضية»([54]).

أما حسين مؤنس فيرى أنه «لم يحدث في تاريخنا - لا قبل ولا بعد - أن أوتي شاب في هذا السن مثل ذلك النضج الذي أوتيه عبد الرحمن. واجهته إذ ذاك عقبات عجز عنها جهد الكهول. ثورة في كل مكان، والخزانة خاوية والقلوب مقفرة والآمال في الحضيض. بعزم ثابت وحلم يزعزع الجبال وخلق تنحني له الرؤوس سار هذا الفتى المرواني خطوة خطوة يوحد البلاد ويمهد أمورها ويستألف الثائرين... من الأقاصي أقبل الطغاة يستأمنون ويدخلون في الطاعة واثقين في شرفه وأمانه... وبعد 16 سنة كان الأمان قد عاد وارتدت الوحدة للبلد الذي توزعته الخصومات. هنا أعلن عبد الرحمن نفسه خليفة، وهو من أمجد من جلس على كرسيها في التاريخ»([55]). وليس من المبالغة في شيء إذا أكدنا على أن عبد الرحمن الثالث هو الخليفة الأموي الأول الذي أضفى على سياسة الأندلس الدولية بعداً جديداً، وخصوصاً بعدما أعلن نفسه خليفة ولقب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله سنة 316 بعد ضعف العباسيين بالشرق واستبداد الأتراك والديلم بالأمر، والفاطميون في المغرب يلقب القائمون بأمرها بألقاب الخلافة وإمارة المؤمنين. والتنافس قائم بينهما. ثم طموحه الشخصي في بعث الخلافة الأموية مجدداً بالإضافة إلى كونه «أعظم بني أمية بالمغرب سلطاناً وأفخمهم في القديم والحديث شأناً»([56]). فرأى أن تكون «الدعوة له في مخاطباته والمخاطبات له، في جميع ما يجري ذكره فيه بأمير المؤمنين... فعهد إلى أحمد بن بقي القاضي، صاحب الصلاة بقرطبة بأن تكون الخطبة يوم الجمعة مستهل ذي الحجة بذلك، ونفذت الكتب إلى العمال»([57]). ومن الجدير بالذكر هنا أن هذه النزعة الاستقلالية الروحية عن خلافة بغداد، لم تلبث أن سرت أيضاً بين أهل الذمة، إذ تروي المصادر العبرية أن الجاليات اليهودية الأندلسية، أسرعت بعد إعلان خلافة عبد الرحمن الناصر بإلغاء تبعيتها الروحية للأكاديميات اليهودية ببغداد([58]).

 

المغرب في ظل الصراع الأموي الفاطمي

كان الفاطميون في الغرب يناصبون العداء الشديد للخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر باسم الدين، الأمر الذي أقلقه كثيراً فعزم على التصدي لهم عسكرياً وسياسياً ودخوله في صراع طويل ومتنوع معهم، بل إن العداوة بين الدولتين المختلفتين في المذهب وصلت إلى حد التدخل العسكري السافر للأراضي المغربية، ومحاولة بسط سيطرته عليه، فاحتل مدينة مليلية سنة 314 وبنى سورها، كما سير إلى ثغر مدينة سبتة أسطولاً قوياً فاستولى عليها من يد ولاتها البربر بني عصام حلفاء الفاطميين وذلك في سنة 319 ﻫ. وتخطب له مساجدها متحدياً بذلك الفاطميين، ثم احتل مدينة طنجة وأقام بها تحصينات مهمة. وجعل من هذه المواقع حاجزاً أمام الفاطميين ليمكنه من مقاومة خطرهم وأطماعهم في دولته، ولم يكتف بذلك فقد أجبرته الظروف على التوسع أكثر في أرض المغرب، حتى تمت له السيطرة على أكثرها وبايعته بعض القبائل ومنها (زناتة) وخطب له على المنابر من تاهرت إلى طنجة([59]). وكان زعماء المغرب بين نارين فهم تارة ينضمون للأمويين في الأندلس وأخرى يبايعون الفاطميين، فأصبحت هذه المنطقة منطقة صراع رهيب بين القوتين، وكان تقلب زعماء القبائل وحكام هذه الأقاليم في الولاء للدولتين عاملاً فعالاً في استمرار الحروب لفترة طويلة حتى بعد نقل الفاطميين عاصمتهم من شمال إفريقيا إلى مصر. ورغم ذلك ظل عبد الرحمن الناصر يرى فيهم خطراً ماثلاً على الدوام على حدود مملكته. وقد تواصلت هذه الخصومة السياسية والمذهبية بعد موت عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم الثاني المستنصر بالله([60]).

وفي سنة 344 سارت بعض السفن الفاطمية وهاجمت ثغر "المرية" وأحرقت ما فيه من السفن وعاثت في ألمرية، فرد عبد الرحمن بأن أرسل قوة بحرية بقيادة أمير البحر غالب إلى شواطئ إفريقية (تونس) فعاثت فيها، ثم عاد بعد ذلك بثلاث أعوام فسير أسطوله ثانية إلى إفريقية بقيادة أحمد بن يعلى، تهديداً للقوات الفاطمية التي زحفت بقيادة جوهر الصقلي حذاء الشاطئ إلى عدوة المغرب، وعبرت حملة أندلسية أخرى من طريق سبتة إلى المغرب، ولبثت هناك حتى ارتد الفاطميون أدراجهم([61]).

 

العهد الذهبي للحكم الأندلسي

جلب عبد الرحمن الناصر لبلاده الاحترام والتقدير «والحق أن الأندلس شهدت في تلك الأيام عهد حكمها الذهبي، فهي لم تعرف قوة نفوذ، ولا هيبة حكومة، ولا عظمة حاكم، كما عرفت في تلك الفترة. وكان ذلك أولاً بفضل عبد الرحمن الثالث الذي فعل الكثير من أجل خلافة أندلسية عظيمة»([62]). فقد انبرى بعدما سكنت البلاد وعم الهدوء إلى تحديث الأمصار وتشييد المباني والقصور، والاهتمام بالتجارة والصناعة «أسس الأسوس، وغرس الغروس واتخذ المصانع والقصور، وترك أعلاماً باقية إلى النفخ في الصور»([63]). واهتم بنشر العلم والأدب، وبنى المدارس والمعاهد العلمية والثقافية في كل ركن من أركان الأندلس، فكان عصره زاهياً في مجالات العلوم والآداب جميعاً. وبلغ التسامح الفكري ذروته خلال هذه الحقبة بين جميع مكونات المجتمع الأندلسي من عرب وبربر ومولدين ونصارى مسيحيين ويهود([64]). الذي يشهد التاريخ الحضاري للأندلس أنهم لم يعرفوا فترة في تاريخهم الطويل أزهى ولا أخصب في جميع النواحي وعلى وجه الخصوص الثقافية منها إلا في ظل السيادة العربية الإسلامية بأرض الأندلس. لقد عمت حرية الفكر وإشراقه ليعطي متنفساً للجميع. فكانت هناك مناظرات تعقد للتفاضل بين الأديان الثلاثة بطريقة تحترم معتقدات المتناظرين. وقد مكن هذا النظام مختلف مكوناته الإنسانية من تطوير معرفتها والمساهمة في تنمية المعرفة الجماعية لهذا المجتمع. وعلى الرغم من اتخاذ المالكية مذهباً رسمياً للخلافة؛ سمح لبقية المذاهب الفقهية بالمشاركة في الحياة الدينية والسياسية، ومارس العديد من فقهاء الشافعية وظائف مختلفة في خطط الدولة، ومنهم من «كان مشاوراً في الأحكام ويذهب في فتياه إلى مذهب الشافعي، ويميل إلى النظر والحجة»([65]).

وفي عهده وصلت قرطبة إلى قمة المجد والتألق والسؤدد، وأصبحت تنافس عواصم العالم المعاصر آنذاك بدون أدنى شك. إذ وصلت دُورها إلى مائة وثلاثة عشر ألف منزل، وثلاثة آلاف مسجد، وثلاثمائة حمام وثمانين مدرسة وسبعة عشر مدرسة عليا وعشرين مكتبة عامة حوت عشرات الآلاف من الكتب.

إن عظمة قرطبة ما زالت ماثلة في أذهان أبنائها إلى اليوم، كما يقول أحد أبنائها الباحث (لويس خابيير رويت سييرا) - مدير المركز الثقافي الإسباني في دمشق - «من خلال معايشتي لقرطبة وأناسها، أستطيع القول إن الآثار العربية فيها (الحمامات العمومية - حمام الخليفة مكتوبة باللغة العربية) تؤكد أنها (قرطبة الخلفاء)، فأنا حين أتجول في الطرقات أجد مائة أثر موثقة، يستخدمها أهل قرطبة، وهي تثير مسألة عاطفية تضفي أهمية كبيرة على عظمة قرطبة...

إن قرطبة - كهوية - تتطابق مع الآثار العربية والفلسفة العربية التي صنعت عظمة قرطبة، لذا لا يمكن النظر إلى العرب بمعزل عن هذه العظمة، وفي مثل عظمة قرطبة، ترى عظمة دمشق التي منها انطلق الأمويون لتأسيس قرطبة»([66]).

إنها المدينة الساحرة التي يقول عنها شاعرها الكبير لويس ذي غونغورا:

 

آه أيها الجدار الشامخ

آه أيتها الأبراج المتوجة

بالشرف والجلال والشهامة

أيها الوادي الكبير

إرث الأندلس العظيم

ذي الرمال النبيلة

التي لم تعد ذهبية!

*  *  *     

آه يا بلدي المجيد

بالأقلام والسيوف

بين تلك المعالم والمآثر

التي يزينها نهر شنيل

ويغسلها نهر الدارو

*  *  *     

آه يا بلدي، يا زهرة إسبانيا([67]).

 

الزهراء درة الناصر الخالدة

كان عبد الرحمن الناصر كلفا بعمارة الأندلس، وإقامة المعالم، وتخليد الآثار الدّالة على قوة الملك وعزة السلطان، فهو صاحب الزيادة الثالثة في المسجد الجامع ومنشئ العدد الكبير من قصور الخلافة، وباني سور قرطبة الكبرى الذي شيده خارج السور القديم ليضم المدينة بجانبيها الشرقي والغربي، وإذا كان الوليد بن عبد الملك بناء بني أمية المشارقة فإن عبد الرحمن الناصر بناؤهم بالأندلس. وقد نسبت إليه أبيات من الشعر تعبر عن هذه النزعة، وتنم على هذا الإحساس. وهي:

 

همم الملوك إذا أرادوا ذكرها

 

من بعدهم فبألسن البنيان

أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم

 

ملك محاه حوادث الأزمان

إن البناء إذا تعاظم شأنه

 

أضحى يدل على عظيم الشأن

 

ولعل أهم منشأته العمرانية الشهيرة بمدينة الزهراء التي قام بتشييدها على بعد ثمانية كيلومترات شمال غرب قرطبة على سفح جبل العروس. وقد ظل آلاف العمال ينهضون ببنائها والتأنق فيه لمدة خمسة وعشرين عاماً، ويعزو المؤرخون أنها بنيت على شرف جارية من جواريه اسمها (الزهراء) يقول ابن حيان: «فأنشأ مدينة الزهراء بأسفل قرطبة، ووغل من سعة مبانيها وجلالة مصانعها، فيها نُعم باله، وجلا فكره عما سواه»([68]). وبنى بها قصراً للخلافة وبيوتاً لرجال الحكومة والبلاط، ومساكن للحرس والجند، ومسجداً للصلاة والتعليم، وكان يشرف بنفسه على العمل أو ينيب عنه فيه ابنه الحكم، وجلب إليها الرخام الأبيض من ألمرية، والمجزع من رية، والوردي والأخضر من إفريقية (تونس) والحوض المنقوش المذهب من الشام. وجعل عليه (12 تمثالاً) من الذهب الأحمر مرصعة بالدر النفيس الغالي، وهي صورة أسد بجانبه غزال إلى جانبه تمساح، وفيما يقابله ثعبان وعقاب وفيل، وفي المجنبين حمامة وشاهين وطاووس ودجاجة وديك وحدأة ونسر. وكلها تمج الماء من أفواهها في الحوض. وكان بالقصر أربعة آلاف وثلاثمائة وثلاثة عشر من السواري الرخامية الملونة (4313 سارية). فما أكثر ما أشارت المصادر الأندلسية إلى بنائها تفضيلاً وتدقيقاً([69]).

ويطلق عليها الإسبان اليوم (مدينة الخليفة Laciudad del Califa) أو (قرطبة القديمة). والغريب في الأمر أن هذه المدينة ظلت مطمورة ومندرسة إلى غاية 1910 م. حيث شرعت الحكومة الإسبانية في البحث عن موقعها، فقام المهندس الإسباني الشهير (ﭬﻴﻼ سكيث بوسكو Velazques Bosco) بأعمال الحفر والتنقيب، فتمكن من العثور على أصول بعض الأسوار والأبهاء والأعمدة والجدران، كما عثر على كميات كبيرة من الخزف والأواني والرخام، وعلى قطع من الزخارف التي كانت تحلى بها الأسقف والجدران. واستطاع على ضوء الآثار والأنقاض مع الاستعانة بالنصوص التاريخية أن يرسم تخطيطاً ملوَّناً للمدينة مع دراسة معمارية لها([70]).

وأخيراً نقول إن مدينة الزهراء تعد بحق، بأوابدها التأريخية والفنية وبموقعها الجغرافي، من أروع المدن الأندلسية، موقعاً، وإتقان صنعة، خطة وبراعة في الأعمال الزخرفية والهندسية والمعمارية، التي تألقت فيها يد الفنان العربي. لقد خربت الزهراء أيام الفتنة الكبرى، لكن قول ابن زيدون فيها يستحضرها متذكراً ومتشوقاً:

 

ألا هل إلى «الزهراء» أوْبَة نَازح

 

تَقْضِي تَنَائيها مدامعه نَزَحا

مقاصيرُ ملكٍ أشرقت جنباتها

 

فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا

يمثل قرطيها لي الوهم جهرة

 

فقبتها فالكوكب الرحب فالسُّطحا

محل ارتياح يذكر الخلد طيبه

 

إذا عز أن يصد الفتى فيه أو يَضْحَى

 

 


الخليفة الحكم الثاني، المستنصر بالله (350- 366 ﻫ) راعي العلماء وجامع الكتب

ربما كان الحكم الثاني أعظم خلفاء بني أمية في الأندلس ألمعية وذكاء، إذ كان أبوه عبد الرحمن الناصر قد بلغ بالخلافة في الأندلس شأواً عالياً ومقاماً سامياً، فنشأ الحكم وقد ورث عن أبيه هذا المجد التليد، وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من شهر رمضان سنة خمسين وثلاثمائة وكان عمره وقتئذ قد جاوز الخامسة والأربعين. شارك أباه في تدبير شؤون الدولة فاكتسب خبرة وحنكة بتدبير الحكم، فسار على نهج أبيه بالضرب على أيدي البغاة وتوسعاً في أراضي الشمال مما دفع بإسبانيا المسيحية أن تلتمس تحكيمه، وتوقفت حركة الاسترداد المسيحية. ولم يقف عند محاربة النصارى والتوسع في أراضيهم بل إنه تطلع إلى ما وراء شبه الجزيرة الإيبيرية صوب أراضي العدوة من المغرب الأقصى والأوسط حيث تلقى بالترحيب دعوته كل من ملوك زناتة من مغراوة ومكناسة، وخطب له على منابرهم، وزاحموا بها دعوة الشيعة فيما بينهم([71]). وسار على سياسة والده العدائية نحو الفاطميين، ويذكر ابن عذاري أنه في سنة 353 تحرك من قرطبة إلى ألمرية توقعاً لما يصدر من صاحب إفريقية (تونس) المجاور لأهل الأندلس، ولمعاينة ما استكمله بها من الحصانة([72]). كما أشرف على أحوال المجاهدين المرابطين فيها استعداداً لصد أي هجوم فاطمي عليها. على أنه يبدو أن الفاطميين شعروا باستحالة غزو الأندلس، كما شعروا أن بقاءهم بالمغرب أمر محفوف بالمخاطر أمام وثبات البربر وتقلباتهم، وأمام غارات الأمويين ودسائسهم، ولعل هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلهم يصممون على إخلاء هذا الميدان والتحول إلى مصر([73]). ورغم ذلك كان الحكم المستنصر لا يزال يعتقد في وجود الخطر الفاطمي في المغرب، ويرى ضرورة الاحتفاظ بمضيق جبل طارق والقواعد المغربية التي احتلها والده (مليلية وسبتة وطنجة) ومد نفوذه عن طريقها إلى وسط المغرب، إلا أنه ما لبث أن اصطدم بالأمراء الأدارسة من بني محمد الذين كانوا يطمعون في استعادة ملكهم على هذه النواحي الشمالية للمغرب، فقاموا بثورة عامة سنة 361 بقيادة الحسن بن ﮔﻨﻮن. وقطعوا الدعوة للأمويين، واحتلوا طنجة وتطوان وأصيلا وسائر المنطقة الجبلية الممتدة شمال وادي اللوكس. فاتصل خبره بالحكم المستنصر فحقد عليه في ذلك. فبعث قائده محمد بن القاسم في جيش كثيف إلى قتال الحسن بن ﮔﻨﻮن، فجاز إليه من الجزيرة الخضراء إلى سبتة في خلق عظيم وأسطول قوي، فزحف إلى قتاله الحسن بن ﮔﻨﻮن وجيشه فالتقا الجمعان في أحواز طنجة، فأنزل به هزيمة ساحقة، وقتل محمد بن القاسم وذلك في شهر ربيع الأول سنة 362. فثارت ثائرة الحكم المستنصر وصمم على استرداد كرامته ونفوذه في المغرب. فاستدعى وزيره وقائده الأعلى غالب بن عبد الرحمن من ثغر مدينة سالم Medinacel. وكان على غاية الحزم والنجدة والشهامة والدهاء والإقدام([74]). فأمده بجيش كبير وأمره بالتوجه لقتال هذا الثائر قائلاً له: «سر سير من لا إذن له في الرجوع حياً إلى منصوراً، أو ميتاً فمعذوراً. وابسط يدك في الإنفاق، فإن أردت نظمت لك الطريق بيننا قنطار مال»([75]). فعبر المضيق إلى طنجة ثم تقدم لقتال الأدارسة في معاقلهم إلى أن انتصر عليهم اضطر فيها الحسن بن ﮔﻨﻮن إلى الاستسلام، وصار إلى مدينة فاس فملكها، واستعمل عليها محمد بن علي بن قشوش في عدوة القرويين، وعبد الكريم بن ثعلبة في عدوة الأندلس([76]). فعاد إلى الأندلس ومعه هذا الأخير وأقربائه حيث استقبلهم الحكم المستنصر استقبالاً حاراً «وركب في جمع عظيم من وجوه أهل دولته، فتلقاهم، فكان يوم دخولهم قرطبة أول يوم من شهر محرم سنة 364 فسلم الحسن بن ﮔﻨﻮن على الحكم، فأقبل عليه وعفا عنه ووفا له بعهده، وأوسع له ولرجاله في العطاء... وأسكنه قرطبة»([77]).

 

التمدن والحضارة في عهده

واصل الحكم المستنصر معالم التمدن والحضارة التي ابتدأها أبوه، وهذا ما ظهر من صنيعه في مسجد قرطبة حيث رصعه بالفسيفساء المجلوبة من إيطاليا مع صناعه، ثم قيامه بتيسير العلم للفقراء والمساكين مجاناً. يقول ابن عذاري في هذا الصدد: «ومن مستحسنات أفعاله، وطيبات أعماله، اتخاذه المؤدبين يعلمون أولاد الضعفاء والمساكين القرآن حول المسجد الجامع وبكل ربض من أرباض قرطبة، وأجرى عليهم المرتبات، وعهد إليهم في الاجتهاد والنصح ابتغاء وجه الله العظيم، وعدد هذه المكاتب سبعة وعشرون مكتباً، منهم حوالي المسجد الجامع ثلاثة، وباقيها في كل ربض من أرباض المدينة، وفي ذلك يقول الشاعر محمد شخيص:

 

وساحة المسجد الأعلى مكللة

 

مكاتبا لليتامى من نواحيها

لو مُكّنت سور القرآن من كلِمٍ

 

نادتك يا خَيْر تاليها وَوَاعِيها»([78])

 

إلا أن أهم ما اشتهر به الخليفة هو شغفه بالعلوم وحرصه على اقتناء دواوينه من شتى الأقطار والبلدان بالغالي والنفيس من الأموال «ونفق ذلك لديه فحملت من كل جهة إليه، والملك سوق، وما نفق فيها جلب إليها حتى غصت بها بيوته، وضاقت عنها خزائنه»([79]).

وقال ابن حيان: «كان من أهل الدين والعلم، راغباً في جمع العلوم الشرعية من الفقه والحديث وفنون العلم باحثاً عن الإنسان، حريصاً على تأليف قبائل العرب وإلحاق من درس نسبه أو جهله بقبيلته التي هو منها، مستجلباً للعلماء ورواة الحديث من جميع الآفاق، يشاهد مجالس العلماء ويسمع منهم ويروي عنهم... ولم يسمع في الإسلام بخليفة بلغ مبلغ الحكم في اقتناء الكتب والدواوين وإيثارها والتهمم بها. أفاء على العلم، ونوه بأهله، ورغب الناس في طلبه، ووصلت عطاياه وصلاته إلى فقهاء الأمصار النائية عنه»([80]). وقد نقد ألف دينار لأبي الفرج الأصبهاني نظير نسخة من كتاب "الأغاني" الذي وصل بذلك إلى الأندلس قبل أن يظهر في بغداد، ولهذا عد في طليعة أكابر المولعين بجمع الكتب في بلاد الإسلام، فكانت دار كتبه تحوي أربعمائة ألف مجلد. «قد يكون في هذا العدد مبالغة ولكنه يدل على ما كانت تحتويه المكتبة من مصنفات وكان فهرسها يقع في أربع وأربعين كراسة في كل كراسة عشرون ورقة»([81]).

ومن مواقفه المهمة كذلك تشجيعه لأحد أساقفة قرطبة المدعو (ابازيد) في تأليفه كتاب عن علم التنجيم، ومما يوضح لنا إنصافه رعاياه من الملل المختلفة ومدى سعة عقله في ذلك تكليفه أحد علماء اليهود بترجمة "المشنه" إلى العربية. مما يدل على تسامحه وكرمه ورحابة صدره. توفي سنة 366 بعد حكم دام خمسة عشر تاركاً طفلاً صغيراً دون العاشرة وهو هشام المؤيد لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الأموية بالأندلس.

 

البيت العامري وأزمة الخلافة

بموت الخليفة المستنصر (366 ﻫ/ 976 م) دخلت الأندلس تاريخ الاندحارات والفوضى السياسية التي كان من نتائجها البعيدة اندثار دولة الإسلام في شبه الجزيرة الإيبيرية. وكان من أهم العوامل التي ساعدت على دك رسوم الخلافة وبث بذور الفتنة بهذا البلد؛ تنصيب غلام لم يبلغ الحلم على عرش الخلافة، وهي سابقة خطيرة لم يحدث مثلها من قبل([82]). إلا أن ذلك كان يوافق معظم القوى السياسية المتنازعة، فقد كان «كل منها يطمع في فرض وصايته على الخليفة الصغير والتصرف في الحكم باسمه، وكانت هذه القوى تتمثل في ثلاثة أحزاب: حزب الصقالبة من خدم القصر القائمين بأموره. وحزب جعفر بن عثمان المصحفي الحاجب (الحجابة كانت بمثابة رياسة مجلس الوزراء). أما محمد بن أبي عامر فلم يكن آنذاك إلا واحداً من جملة الوزراء الحاطبين في حبل الحاجب جعفر»([83]).

 

فمن هو المنصور بن أبي عامر؟

هو محمد بن عبد الله بن أبي عامر المعافري، أصله من الجزيرة الخضراء، ولسلفه بها قدر ونباهة، ولد سنة 327 ﻫ بقرية "طرش"، قدم قرطبة شاباً فطلب بها العلم والأدب وسمع الحديث([84]). وكانت طموحاته لا تقف عند حد. رفيع الموهب والخلال، يعتقد أن الغاية يجب أن يتبع في سبيلها كل الطرق الشرعية وغير الشرعية، والشريفة والدنيئة، فاستطاع أن يصل إلى أعلى مرتبة وأسمى مكان في الأندلس، فقد سعى لتحقيق أحلام كانت تراوده منذ الصغر بتولي حكم الأندلس، فما لبث حتى خدم بيت الإمارة في شخص (صبح) زوجة الحكم المستنصر فأضحى متصرفاً في أموالها وضياعها([85]). حتى سمت مكانته وعظمت منزلته عند هذه السيدة التي أعجبت بذكائه الخارق وحسن روائه وظرف شمائله. فتفانى في خدمتها، ويرى فيها ملاذ حمايته ورعايته لدى الحكم المستنصر، فبذل لها كل ما وقع تحت يده. يقول ابن عذاري: «قال الحكم يوماً لبعض ثقاته: ما الذي استلطف به هذا الفتى حرمنا حتى ملك قلوبهن مع اجتماع زخرف الدنيا عندهن، حتى صرن لا يصفن إلا هداياه ولا يرضيهن إلا ما أتاه؟ إنه لساحر عليم أو خادم لبيب وإني لخائف على ما بيده!»([86]).

فتاقت همته العظيمة إلى درك عوالي المهام الإدارية زمن الحكم المستنصر، حيث تقلد عدة مناصب خلافية كإدارته لدار السكة، وتقديمه على خطة المواريث واستقضائه على كورة إشبيلية وبلغت به المراتب الديوانية إلى أن أمره الخليفة على ديوان الشرطة وجعله قاضي القضاة. وكتب إلى أرباب الدولة من العمال والقواد ألا ينفذوا أمراً دونه، ولا يعقدوا فعلاً إلا بعد مشورته، وختم هذه المناصب بأعظمها من كونه نظر في أعمال القصر الداخلية([87]).

إن هذا التدرج في هذه المناصب بهاته السرعة أثار عدة تساؤلات فهناك من أرجع ذلك إلى جديته وكفاءته المهنية واحترافيته العلمية، وإلى حظه وسعده، وكذلك إلى الظرفية التاريخية المواتية. وكيف ما كان الأمر فإن نجاح ابن أبي عامر من (أعاجيب الدنيا)([88]). استهوى الناس برفيع أدبه وتواضعه، وكريم عطائه، ورقة إحساسه، ومساعدته للبائسين، ولم يترك مناسبة إلا واستغلها لتوسيع شعبيته «فاحتاج الناس إليه، وغشوا بابه، فأنساهم من سلف أصحاب السلطان سعة إسعاف وكرم لقاء وسهولة حجاب وحسن أخلاق، فعرض جاهه وعمر بابه»([89]). كما أسقط عن الناس ضريبة الزيتون التي أثقلت كاهل الشعب «وكانت إلى الناس مستكرهة، فسروا بذلك أعظم سرور، ونسب شأنها إلى محمد بن أبي عامر، وأنه أشار بذلك، فأحبوه لذلك»([90]). واستمال إليه الجيش وتقرب إلى العلماء وأصحاب الرأي. وكان ذلك وفق مخطط محكم، وضعه للانفراد بالسلطة، وطبقه تدريجياً وخصوصاً بعد وفاة الحكم المستنصر وخلافة هشام المؤيد.

 

سيطرته على الحكم ورفع لواء الجهاد

لخص ابن الخطيب صفات المنصور بن أبي عامر السياسة فقال: «كان المنصور آية من آيات الله بالدهاء والمكر والسياسة، عدا بالمصاحفة (أي أعوان الحاجب المصحفي) على الصقالبة حتى قتلهم، ثم عدا بغالب (قائد الجيش) على المصاحفة حتى قتلهم، ثم عدا بجعفر بن عثمان الأندلسي (الحاجب) على غالب حتى استراح منه، ثم عدا بنفسه على جعفر حتى أهلكه. ثم انفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر: "هل من مبارز؟" فلما لم يجده، حمل الدهر على حكمه، فانقاد له وساعده، فاستقام له أمره منفرداً بسابقة لا يشاركه فيها غيره»([91]). فحجر على هشام المؤيد بحيث لم يسمح لأحد الاقتراب منه إلا نادراً، وفي سنة 371 تسمى بالمنصور، ودعي له على المنابر استيفاء لرسوم الملك، وفرض نفسه حاكماً مستبداً على البلاد. ورأى أن خير ما يؤكد به سلطته ويكسب به تأييد رعيته الأندلسية هو رفع لواء الجهاد في سبيل الإسلام، فاعتمد على عناصر من غير أهل البلد ليكونوا عماد جيشه ومركز ثقته، فرأى في البربر والصقالبة خير من يحقق هذه الرغبة، وكان قد عرف عنهم ما عرف مع الشيعة - العبيديين - أيام ولايته قضاء القضاة بالمغرب. فوجه النداء لاستقدامهم من عصم الجبال، ومن معاقل ثكناتهم في السهول والوهاد، فوفدوا عليه من كل حدب وصوب. «فاعتدل بالبرابرة أمره، وقوي ظهره، وكانت هذه القطعة من البربر نحو الستمائة، وما زال بعد ذلك يستدعيهم ويتضمن الإحسان إليهم والتوسعة عليهم، إلى أن أسرعوا إلى الأندلس، وانثالوا على ابن أبي عامر، وما زالوا يتلاحقون، وفرسانهم يتوافرون، يجيء الرجل منهم بلباسه الخلق على الأعجف، فيبدل له لباسه الخز الطرازي وغيره، ويركب الجواد العتيق، ويسكن قصراً لم يتصور له في منامه مثله، حتى صاروا أكثر أجناد الأندلس، ولم تزل طائفة البربر خاصة ابن أبي عامر وبطانته، وهم أظهر الجند نعمة، وأعلاهم منزلة»([92]).

لبث المنصور زهاء عشرين سنة يقبض بيديه القويتين على مصاير الأندلس ويسير من ظفر إلى ظفر، ويثخن في ممالك إسبانيا النصرانية، ولم تبلغ إسبانيا المسلمة ما بلغته في عهد المنصور من القوة والسؤدد، ولم تبلغ إسبانيا النصرانية ما بلغته في عهده من التمزق والضعف. «وقد غزا المنصور سبعاً وخمسين غزوة باشرها كلها بنفسه»([93]). ولم يهزم في واحدة منها طوال حكمه الذي بلغ خمساً وعشرين سنة. لقد حارب في جبهات النصارى المتعددة: في قشتالة، وليون، وقطالونيا، ونبرة. أما بالنسبة للمغرب فقد عمل على الاحتفاظ به تحت السيطرة الأندلسية جرياً على سياسة عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم، ليكون خط دفاعها الأمامي ضد الخطر الشيعي من هذه الجبهة الجنوبية. ونجح في ذلك. «إذ دخل في الطاعة الأموية كل البلاد المغربية الممتدة إلى سجلماسة (تافيلالت) جنوباً سنة 370، وإلى ولايتي تلمسان وتاهرت شرقاً سنة 381»([94]).

ولم تشغل المنصور أعماله السياسية والعسكرية عن العناية بالمنشآت العمرانية العسكرية منها والمدنية على السواء، فكان من أجل أعماله إنشاؤه لمدينة (الزاهرة) ذات القصور الفخمة والمتنَزهات البديعة، وقد نقل إليها إدارات الحكومة، أراد أن يضاهي بها مدينة (الزهراء) كما قام ببناء القناطر بنهري قرطبة واستيجة وزيادته في المسجد الجامع بقرطبة.

أما اهتمامه بالثقافة فما أكثر ما تشير كتب الأدب إلى مجالس المنصور الأدبية التي كان يعقدها كل خميس ويجمع فيها الأدباء والعلماء للمناظرة، ويطارحهم قرض الشعر، فقد كان عالماً أدبياً يقرض الشعر ويجيد القول فيه. وهو القائل:

 

رميت بنفسي هول كل كريهة

 

وخاطرت، والحر الكريم مخاطر

وما صاحبي إلا جنان مشيع

 

واسمر خطي، وأبيض باتر

وإني لزجاء الجيوش إلى الوغى

 

أسود تلاقيها أسود خوادر

لسدت بنفسي أهل كل سيادة

 

وكاثرت حتى لم أجد من أكاثر

وما شدت بنياناً، ولكن زيادة

 

على ما بنى عبد المليك وعامر

رفعنا المعالي بالعوالي حديثة

 

وأورثناها في القديم معافر([95])

 

 

بداية النهاية

بعد هذا العز الشامخ والمجد الباذخ الحافل بالقوة والعزة والكرامة هوت هذه القمة من عليائها وانطفأ المشعل الذي حمله المنصور فمات وهو عائد من إحدى الغزوات عند بلدة تسمى (قلعة النسور) وهناك مثل شعبي إسباني شائع حول موته يقول:

«En calatanazor murio El Manzor y perdio altambor»     

ومعناه: «في قلعة النسور مات المنصور وفقد طبله» وذلك في 27 رمضان سنة 392 ﻫ/ 1002 م وهو في الخامسة والستين من عمره، وجاء بعده ابنه عبد الملك وسار على نهج أبيه، فأحبته الرعية، ولكنه توفي بعد فترة قصيرة، فحكم أخوه عبد الرحمن شنجول وأساء السيرة، وطالب بالخلافة بعد شهر ونصف من توليه الحجابة، فكان له ذلك وتلقب بألقاب الخلافة مثل ناصر الدولة، والناصر لدين الله، والمأمون، فكان عمله هذا سبباً في إثارة سخط الشعب الأندلسي، وسبباً في انقراض دولته ودولة قومه. فاندلعت الفتن وشكلت نقطة تحول في تاريخ الأندلس وبداية انقلاب موازين القوى بين العالمين الإسلامي والأوربي في جنوب القارة الأوربية. وبدأت رحلة الضياع مع (عصر الفرق) كما أسماه المؤرخ ابن الكردبوس. والأندلس حاضرة تاريخياً لتجديد دورها وفي الآن قابلة للانفجار الداخلي وأي احتمال من الاحتمالين يعني بداية تاريخ ونهاية تاريخ. إلا أن خيار بداية النهاية تغلب على خيار بداية جديدة. دويلات تظهر لتختفي وأخرى تتسع لتختنق، وتمتد لتتقلص. وعمرت الساحة بهؤلاء. فجاء المرابطون ثم الموحدون، فكانت معركة العقاب سنة 609 الهزيمة الكبرى للمسلمين بالأندلس. وبدا لأهلها أن كل شيء بدأ ينذر بالسقوط والانهيار، وكثر المتآمرون وطغى الاستبداد وهجومات النصارى تتوالى، فتساقطت القواعد الإسلامية تباعاً كما تتساقط أوراق الخريف، وبقيت ذكرى في التاريخ العربي أو كما قال الشاعر السوري نزار قباني: «إن إسبانيا بالنسبة للعربي هي مرجع تاريخي لا يحتمل»، ولكن بالنسبة للإسبان كما قال الكاتب الإسباني (رامون سيندير) «نحن الإسبان تجري في عروقنا قطرات من الدم العربي».

 

الاضطهاد الكنسي وظهور الموريسكوس

انتهى الأمويون، وسقطت الأندلس، وبسقوطها انتهى الوجود العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وبدأت مطاردة المسلمين قتلاً وتشريداً وتنصيراً، وكان الاضطهاد الكنسي موازياً لجميع الحملات متربصة بهم في كل مكان، وصاحب هذا التدخل الكنسي الفصول النهائية لمأساة الوجود العربي الإسلامي. ففر من فر وهاجر من هاجر وبقيت الفئة المغلوبة تقاوم دفاعاً عن نفسها ودينها ولغتها. وبدأت مرحلة التنصير تشق طريقها شيئاً فشيئاً وأدخل الصليب في عدة مساجد، ويذكر المقري في "أزهار الرياض" وصفاً مؤثراً ومؤلماً لما حل بالإسلام والمسلمين من طرف هؤلاء القساوسة الطغاة «فلو رأيتم ما صنع الكفر بالإسلام بالأندلس وأهله، لكان كل مسلم يندبه ويبكيه، فقد عبث البلاء برسومه وعفَّى على أقماره ونجومه، ولو حضرتم من جبر بالقتل على الإسلام وتوعد بالنكال والمهالك العظام، ومن كان يعذب في الله بأنواع العذاب، ويدخل به من الشدة من باب ويخرج من باب، لأنساكم مصرعه وساءكم مفظعه، وسيوف النصارى إذ ذاك على رؤوس الشرذمة القليلة من المسلمين مسلولة، وأفواه الذاهلين محلولة، وهم يقولون: ليس لأحد بالتنصير أن يمطل، ولا يلبث حيناً ولا يمهل وهم يكابدون تلك الأهوال، ويطلبون لطف الله في كل حال»([96]).

لقد استطاع رجال الكنيسة أن يركزوا في أذهان مواطنيهم أن كل شر أصاب أو قد يصيب إسبانيا لم يأتيها ولن يأتيها إلا على يد خصوم المسيحيين الكاثوليكيين. ولهذا وجب القضاء على المسلمين أينما وجدوا في شبه الجزيرة الإيبيرية. ويبلغ الظلم مداه في عهد الملك كارلوس الأول الإمبراطور الدخيل الذي قدم من ألمانيا لوراثة عشر إسبانيا، حيث خير المسلمين بين اثنين: إما الموت أو التنصير. فلجأ المسلمون إلى التظاهر بالنصرانية وإخفاء الإسلام رغم المراقبة الشديدة التي فرضتها عليهم محاكم التفتيش، وقد عرف هؤلاء بالموريسكيين وهم العرب المتنصرون من بقايا الأمة الأندلسية المغلوبة الذين عاشوا تحت الحكم الإسباني بعد إرغامهم على التنصير زهاء قرن من الزمن، منذ سقطت غرناطة 1492 م حتى أصدرت إسبانيا قرارها الشهير بنفيهم من أراضيها في سنة 1609 م.

وقد استقر الموريسكيون في أنحاء مختلفة من إسبانيا والبرتغال والمغرب وتونس وفرنسا، بل وصل بعضهم إلى القارة الأمريكية([97]).

ويرى الدكتور الحسين بو زينب «الموريسكي طرف إسباني انصهر فيه العنصر المغربي العربي بالعنصر الأوربي ولذلك ليس في استطاعتنا اليوم أن نأتي بالبرهان القاطع على صفاء دم الإسبانيين الذين لم يشملهم قرار الطرد سنة 1609 م من العنصر المغربي العربي، كما لا نستطيع أن نبين صفاء دم من طردوا من العنصر الإيبيري، هذا فإن بعض المؤرخين يغالطون حينما يقدمون الموريسكيين وكأنهم شعب عربي بقي في إسبانيا، لكن مفاهيم القرون الوسطى لم تكن تسمح بالتصرف بغير الطريقة التي تم سلوكها. وعلى أي حال فإن المسلمين وهم الأغلبية واليهود هم الأقلية طردوا من بلادهم وكأنهم أجانب»([98]). وماذا كانت النتيجة إذاً؟ إن إسبانيا لم تجن من هذه الاضطهادات المخزية إلا الضرر والتخلف من مسايرة الركب الحضاري والثقافي والصناعي الذي عرفته أوربا. ورغم كل المجهودات التي بذلتها الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية من أجل محو أي آثار للوجود الحضاري العربي والإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، ولكن سكان إسبانيا اليوم لا يجدون بداً من الإشارة إلى الحضارة العربية باعتبارها مرجعاً مهماً في حياتهم. فقد عاش الرومان والقوط قروناً في إسبانيا، فلا نجد في كتاباتهم شيئاً عن تميز لهذه البلاد بزراعة ولا فاكهة ولا خضرة، أو تدبير للماء فـ"محاكم الماء" ما زالت تقام في منطقة (فالينسيا) كل يوم أحد، وهو تقليد عربي([99]) كما تجري على ألسنة الإسبانيين اليوم مئات الكلمات ذات الأصل العربي يستعملها في مجالات حياته: (الفلاحة، التجارة، الحرف، البناء والعمارة، المهن والوظائف، الملابس...) وبالرجوع إلى كتاب اللغوي الأستاذ (رفائيل لابييسا) الذي نشره سنة 1962 م بعنوان "تاريخ اللغة الإسبانية" نجد في فصوله القيمة ما يلي: «تأتي أهمية العنصر العربي في اللغة الإسبانية بالدرجة الثانية بعد العنصر اللاتيني، ويوجد في لغتنا اليوم ما يقارب أربع آلاف كلمة عربية، ما عدا التعابير الدارجة على ألسنة الأندلسيين المأخوذة منها، فقد تبناها الناس وتوارثوها جيلاً بعد جيل، بدافع تفاعل حضارة العرب في أرضهم قديماً، وتأثرهم بأسلوب حياتهم وتفكيرهم، إلى جانب تأثرهم بلغتهم»([100]).

وتجدر الإشارة إلى أن شخصية (الموريسكي) تسللت إلى الأدب الإسباني، فقد استلهم فيه الأدباء (شعراء وكتاب القصة والرواية والمسرحية) قصائدهم وقصصهم ورواياتهم ومسرحياتهم، وذلك في عصره الذهبي. وقد خصص الدكتور حسن الوراكلي دراسة مهمة عن ملامح من صورة الموريسكي في الأدب المسرحي الإسباني([101]).

خرج الموريسكيون من الأندلس وتركوا فيها حضارة لا يمكن أن تموت، يجنون منها ملايير الدولارات عن طريق السياحة...

 

الأندلس في المغرب: شفشاون بنت الحمراء

إن إسبانيا البحر الأبيض المتوسط هي مرآة المغرب وابنة عم الشرق المقربة. فبعد الطرد الجماعي الذي نفذ بحق الموريسكيين، توجهت أعداد كبيرة منهم إلى المغرب بحكم قربه من إسبانيا، ولاعتباره أرضاً صالحة لاحتواء وإيواء هؤلاء، فوجدوا فيه كل عناية وترحيب في كل مكان نزلوا به (تطوان - شفشاون - فاس - سلا - الرباط وبعض بوادي شمال المغرب) فاستفادت من خبرتهم ومهارتهم في سائر مرافق الحياة اليومية سواء تعلق الأمر بالفلاحة والتجارة أو بالشؤون الثقافية والعلمية. وقد حافظت تلك الجماعات على أسمائها وألقابها الأندلسية حتى اليوم، ومنهم من احتفظ بمفاتيح منازلهم التي حملها أجدادهم على سبيل الذكرى نذكر منهم: الغرناطي، والغرنادي، وبيصة، وبن عبدون، وعذرون، والحضري، وبرهون، وعرضون، وقشتول، ومورسيا، وبو عسل، حمدون وحجاج (في شفشاون) وبيرميجو، وهراندو، ومورينو، والدليرو، ومولاطو، مدينة، لوقاش، القرطبي، بياسا، الطريس، الركينة، داوود، طنانة، زوزيو، الشودري، رعنون، بلانكو، (في تطوان وأحوازها) القشتالي، بلامينو، الدياز، كارمون، قشتيلو، أندلسي، والمالقي، وباينة، وبرﮔﺎش والرندة، والمدور، ومتجينوس، ومورينو، ﮔﺪيرة، ملين، سباطة، ضاكة، بونو، بلا فريج، بربيش، بن يعيش، أراغون، بريطل، اللوشي، كولان، كليطو، فنيش، اليابوري، جوريو، ومكانا، قورية، اشماعو([102])... وكركاشو وغيرهم -(في الرباط وسلا وفاس). وقد قام الباحث الأستاذ محمد بن عزوز حكيم بتوثيق الألقاب والأسماء التي كانت تتخذها أسر موريكسية نزلت تطوان وهي أسماء قشتالية أصلاً، أو هي قشتالية نطقاً، عربية أصلاً، أصبحت أسماء لأسر عربية مسلمة أريد لها أن تكون قشتالية([103]).

وكان قد قام سنة 1951 م ببحث ميداني بالقبائل الغمارية العشرة (إقليم شفشاون) فوجد أن الأسر الميسورة والتي لها مكانة مرموقة أصلها أندلسي وجل أسمائها العائلية إسبانية وعددها (385) عائلة([104])؛ إضافة إلى ألقاب وأسماء لأسر أخرى في مدن وجهات مغربية أخرى.

وكان لاستقرار الأندلسيين في شفشاون الأثر الأكبر في ازدهار حركة العلوم والآداب والفنون والمعمار والصناعة التي عرفتها المدينة عبر حقب متلاحقة، في حين حافظت المدينة على معمارها الأصيل المستوحى من مدن الأندلس العتيقة، وإعجاب أبناء شفشاون بالفن الأندلسي الرفيع تعدى كل إعجاب واعتزازهم بتقاليدهم القومية في السكن والملبس والمأكل والأفراح والأتراح، وهو ما جعل من المدينة قلعة حصينة من قلاع الأصالة والتراث الأندلسي الإسلامي في المغرب، ونبعاً زلالاً لكل متعطش يريد الارتواء من فيضه الغني العذب، فأطلقوا عليها أسماء عديدة: بنت الحمراء، غرناطة الصغيرة، فردوس المغرب الأندلسي، وديعة الأندلسيين بالغرب. فقد عرفت ثلاثة هجرات أندلسية. الأولى سنة 888 ﻫ/ 1483 م/ فأنشأت بها حومة (حي) الخرازين وحومة الصبانين. والثانية سنة 898 ﻫ/ 1402 م حيث حلت بها مجموعة من الأسر الأندلسية وكانت السبب في إنشاء حومة ريف الأندلس، وكانت تغطي حوالي ثلث سكان المدينة. والثالثة كانت سنة 907 ﻫ/ 1502 م والتي نتج عنها إنشاء حومة جديدة بالمدينة هي حومة العنصر([105]). وقد أحدث هؤلاء تطوراً مهماً في إعمار المدينة والحفاظ على الطابع الأندلسي في البناء والتشييد.

ويلاحظ هذا في المساجد العتيقة، والحمامات والفنادق والبيوتات الكبرى بفضائها المفتوح وزخرفة سقفها وأبوابها زخرفة أندلسية بالألوان الطبيعية ونوافذها المستطيلة والمربعة ذات الشبابيك الحديدية الرائعة الصنع، وزجاجها الملون تشبه في ذلك النموذج الشامي. ثم أبواب المدينة وأقواسها وأزقتها الضيقة ودروبها الملتوية، والجدران المصبوغة بالأبيض، فإذا شاهدتها من الأعلى تراها وكأنها صفحة واحدة بيضاء، كما أن حضارة الأندلس حاضرة في تطريز الألبسة النسائية والرجالية، وفنون النقش على الخشب وفن الدرازة والخراطة؛ وقد عرفت المدينة عبر حقبها أن بعض الأسر الأندلسية كانت تختص بحرفة من الحرف وتشتهر بتجارتها كصناعة الصوف والحرير والجلد والنجارة وغيرها. كما أن هناك تقليد أندلسي (غرناطي بالخصوص) جميل، هو ولوع النساء بالنباتات وخصوصاً زراعة الحبق، فعندما يحل وقت غرسها، لا تبقى امرأة كبيرة أو شابة بدون محبقة (نسبة إلى الحبق) تغرس فيها هذه النبتة وترعاها. وكيف ننسى البرقوق البلنسي والرمان السفري والتين السفري الذي كانت تتيمز بهما مدينة شفشاون، وقد جلبها الموريسكيون.

ومن المظاهر التي يتجلى فيها التأثير الأندلسي الموريسكي الملابس كالسلهام والصدرية والفراجية والتحتية والمضمة، والحايك الذي كانت تستعمله المرأة في شفشاون عند الخروج، وقد اختفى منذ سنوات قليلة ولم تعد تستعمله إلا القلة من النساء العجائز. (والسبنية والشربيل والريحية: أحذية محلية)، والأحزمة والحراز وأغطية الأفرشة والموائد والوسادات المطرزة بالحرير. والمائدة الأندلسية حاضرة هي الأخرى في الوسط الشفشاوني بأطعمتها المختلفة كالإسفنج، والتفايا، والثريد، والثردة، والدشيش (السميد) والمجبنة والرغايف، وبعض أنواع الحلويات.

أما الموسيقى الأندلسية فإنها باقية بأنغامها وشداها تطرب الأسماع في المناسبات، بل ويقام لها مهرجان سنوي تحضره الوفود من جهات مختلفة من المغرب بل ومن خارجه.

إن مدينة شفشاون محروسة بالتقاليد الاجتماعية الصارمة، قلما تشهد اجتماعات للناس خارج الطقوس والاحتفالات الدينية وخارج المسجد، أو نجد المسنين يقتعدون مجلساً في الساحة الفسيحة (وطاء الحمام) على مقربة من الصنوبرة القديمة والمرتفعة يتبادلون الحكايا والذكريات عن ماضي المدينة التي أرادها مؤسسها أن تكون شبيهة لمدينة (بيخير دي لا فرونطير Vejer de La Frontera) الواقعة بإقليم قاديس جنوب إسبانيا. المدينة التي تزوج فيها الأمير علي بن راشد بالسيدة الزهراء الأندلسية المسلمة، والتي صاحبته إلى مدينته، فكانت تحن إلى مسقط رأسها، فيواسيها قائلاً لها: «سأبني لك مدينة شبيهة بها لتعيشي فيها مع أبنائك وأحبائك» فكانت المدينة الجديدة التي هي شفشاون، وكانت تلك رغبة الجميع، والأمل المنشود، فأصبحت مأوى للنازحين والعابرين والمقيمين.

وقد وصفها أحد أبنائها أبو حفص عمر الحراق قائلاً:

 

«زدت جمالاً على حَمْرَاء أندَلس

 

وفُقت بيْضَاء غرب منتهى الأدب ([106])

 

وتبقى شفشاون مغربية الانتماء أندلسية الهوى.

 

 



([1])      محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط. 4، ص. 147.

([2])      انظر ذلك بالتفصيل عند: عنان، المرجع السابق، صص. 152-153؛ وحسين مؤنس، فجر الأندلس، ص. 684-690.

([3])      انظر كتاب أخبار مجموعة، مؤلف مجهول، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب اللبناني، بيروت، صص. 52-53.

([4])      انظر ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق إبراهيم الأبياري، ص. 44؛ ابن حيان، المقتبس في أخبار بلد الأندلس، تحقيق عبد الرحمن الحجي، ص. 56؛ ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب،
ج
2، ص. 33؛ ابن الأبار، الحلة السيراء، تحقيق حسين مؤنس، ج 1، ص. 4، 46، 61.

([5])      انظر حواراً معه في "أخبار الأدب" المصرية، عدد 132، 21 يناير، 1996، صص. 26-27، أجراه من مدريد خالد سليم.

([6])      عبادة عبد الرحمن كحيلة، صقر قريش... عبد الرحمن الداخل، سلسلة أعلام العرب، عدد 76،
ص.
60 و67.

([7])      محمد عبد الله عنان، مرجع سابق، ص. 160؛ وأخبار مجموعة، مصدر سابق، ص. 101.

([8])      "شقيا - شقنا": هكذا ورد اسمه في بعض الدراسات. (صقر قريش، عبد الرحمن الداخل، مرجع سابق، ص. 84؛ دراسة لمحمود علي مكي عن التشيع في الأندلس ، صحيفة المعهد المصري بمدريد، عدد 1-2، 1954، ص. 98).

([9])      أخبار مجموعة، مرجع سابق، صص. 97-98.

([10])     دراسة لمحمود علي مكي عن التشيع في الأندلس منذ الفتح حتى نهاية الدولة الأموية ، المرجع السابق، م 2، ص. 99.

([11])     عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مرجع سابق، ص. 191؛ وانظر ما كتبته المستعربة الإسبانية (Maria J. Viguera) في المجلة الإسبانية: Historia, 16, N° 52, La independencia de Al-Andalus, pp. 71-72.

.

([12])     انظر القصيدة في أخبار مجموعة، مرجع سابق، ص. 106.

([13])     المقري، نفح الطيب، طبعة محمد محي الدين عبد الحميد، القاهرة، 1949، ج 1، ص. 311.

([14])     أحمد مختار العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، ص. 11 و113.

([15])     «وصف الأندلس»، تحقيق ﻟﻴﭭﻲ بروفنسال، ص. 72؛ مجلة الأندلس، المجلد XVIII، 1953،
ص.
51-108.

([16])     بحث شارك به في ندوة عن الأندلس تحت عنوان «تراث الإسلام في إسبانيا»، انظر جريدة الشرق الأوسط، عدد 9/5/1995، ص. 17.

([17])     أنظر ذلك بالتفصيل في: ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، دار الثقافة، بيروت، ط. 2، 1980، ج 2، ص. 223-238.

([18])     انظر دراسة المستعربة الإسبانية:

M. Jesus Rubieramata, Revista Historia, 16, N° 52, (Losomeyas-arte y Literatura), p. 78-79-80.

            وانظر كذلك كتاب:

Ciudad Hispano Musulmanas, Leololdi Torres Balbās; Instituto Hispano-Arabe de Cultura, Madrid, 1985, p. 209-210-212.

                وانظر: غوميث مورينو، الفن الإسلامي، ترجمة لطفي عبد البديع، صص. 54-55.

([19])     انظر احميدة النيفر، «المدنية في الأندلس ومسألة الدين والدولة»، جريدة الحياة، عدد 24/1/1999، ص. 14.

([20])     المقري، نفح الطيب، المصدر السابق، صص. 545-563.

([21])     المصدر نفسه، ج 1، ص. 615.

([22])     أخبار مجموعة، مرجع سابق، ص. 109.

([23])     عنان، دولة الإسلام في الأندلس، المرجع السابق، صص. 228-229؛ وانظر: فرحات الدشراوي، «مظاهر من الصراع المذهبي بالأندلس في عهد الإمارة والخلافة»، مجلة المجلة العربية للثقافة، عدد خاص بالأندلس، عدد 27، 1994، ص. 9.

([24])     الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966، ص. 218.

([25])     الحميدي، جذوة الاقتباس، مصدر سابق، صص. 382-383.

([26])     انظر: المقدمة، ص. 449.

([27])     انظر كتاب: أحمد مختار عبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، مرجع سابق، صص. 123-124؛ وانظر ما كتبته المستعربة الإسبانية الدكتورة ماريا إيزابيل فيرو عن:

"Los Malikies De Al Andalus Y Los Dos Arbitos Al-Hakaman Al-Qantara", N° VI, 1988, p. 79-102.  

             فقد قدمت للمكتبة الأندلسية أعمالاً مهمة في هذا المجال نذكر منها "مبدأ سد الذرائع المالكي" في كتاب "الحوادث والبدع" للطرطوشي، وبحثها في موضوع "رفع اليدين في الصلاة عند الأندلسيين"؛ وعملها عن "فهرسة ابن الطلاع" ودراستها حول كتب الحديث ومروياته في الأندلس من القرن الخامس إلى القرن السابع من خلال كتاب "التكملة" لابن الأبار؛ وعملها عن ابن وضاح القرطبي وكتابه "البدع والنهي عنها"، وغيرها.

([28])     أخبار مجموعة، مرجع سابق، ص. 113.

([29])     عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مرجع سابق، ص. 249-251.

([30])     أحمد مختار العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، مرجع سابق، ص. 128.

([31])     Historia de Los Mozarabes, vol. 1, p. 362.

وانظر ما كتبته المستعربة الإسبانية (ماريا خيسوس فيكيرا Maria J. Viguera) عن ثورة (بنوقسي Banuqasi ضمن دراستها عن:

La indépendance de Al-Andalus, Revista Historia, 16, N° 52, pp. 72-73.

([32])     أحمد مختار العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، مرجع سابق، ص. 128.

([33])     عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مرجع سابق، ص. 245.

([34])     العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، مرجع سابق، ص. 132.

([35])     عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مرجع سابق، صص. 252-253.

([36])     الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، دار المعارف، القاهرة، ط. 7، 1979، صص. 107-109.

([37])     انظر مجلة Letra (حروف) الطبعة الإسبانية، عدد ماي 1988، ص. 63-80.

([38])     انظر الوصية عند عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مرجع سابق، ص. 248.

([39])     ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق عبد الله أنيس الطباع، دار النشر للجامعيين، ص. 80.

([40])     حسين مؤنس، «من دمشق إلى قرطبة»، مجلة دعوة الحق، عدد يوليوز 1959، ص. 26.

([41])     إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة، دار الثقافة، بيروت، ص. 19.

([42])     المغرب في حلى المغرب، تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة،  1964، ج 1، ص. 45.

([43])     المصدر نفسه، صص. 46-47.

([44])     انظر ذلك بالتفصيل في: ابن عذاري، البيان المغرب،  مصدر سابق، ج 2، صص. 83-89؛ عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مرجع سابق، ص. 257 و259 و261.

([45])     ابن عذاري، البيان المغرب، مصدر سابق، ص. 88.

([46])     المقتبس، تحقيق محمود علي مكي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1973، صص. 2-3.

([47])     عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مرجع سابق، ص. 281.

([48])     انظر: محمد أحمد الحنفي، زرياب موسيقار الأندلس، سلسلة أعلام العرب، عدد 54، ص. 116-118؛ ﻟﻴﭭﻲ بروفنسال، حضارة العرب في الأندلس، ترجمة دوقان قرقوط، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، صص. 56-57؛ العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، مرجع سابق، صص. 141-142.

([49])     انظر دراسة الدكتور عبد السلام الهراس في مجلة المناهل، «موقف آخر من زرياب المغني»، عدد 24، ص. 318.

([50])     عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مرجع سابق، ص. 288.

([51])     أخبار مجموعة، مرجع سابق، ص. 135.

([52])     عبد الله أنيس الطباع، القطوف اليانعة، دار ابن زيدون، بيروت، 1986، صص. 145-146.

([53])     قام بنشره المعهد الإسباني للثقافة بمدريد بالتعاون مع كلية الآداب بالرباط، واعتنى بإخرجه شالميتا وكورينطي ومحمود صبح، 1979 م.

([54])     الجزء الأول، صص. 172-179.

([55])     انظر مجلة العربي، «قرطبة درة مدن أوربا في العصور الوسطى»، عدد 95، 1966، ص. 84.

([56])     ابن الأبار، الحلة السيراء، تحقيق حسين مؤنس، القاهرة، 1963، ص. 197.

([57])     ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب، ج 2، ص. 198 (وهي خلافة عربية إسلامية ثالثة في العالم العربي الإسلامي بعد الخلافة العباسية في العراق والخلافة الفاطمية في مصر).

([58])     انظر مجلة:  Historia, 16, N° 58 «Judios y Juderias», p. 50-54، ضمن ملف: اليهود في إسبانيا (Los Judios en España)؛ وانظر كذلك: أحمد مختار العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، مرجع سابق، ص. 184.

([59])     الناصري، الاستقصا، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1954، ج 1، ص. 85.

([60])     Dozy, Histoire des musulmanes de l'Espagne, p. 612.

([61])     المقري، نفح الطيب، مصدر سابق، ج 1، ص. 169؛ ابن عذاري، البيان المغرب، مصدر سابق،
ج
2، ص. 219، 220، 225، 237.

([62])     أحمد هيكل، الأدب في الأندلس، من الفتح إلى سقوط الخلافة، دار المعارف، القاهرة، 1979،
ص.
176.

([63])     ابن عذاري، البيان المغرب، مصدر سابق، ج 2، ص. 223.

([64])     فيما يخص التعايش اليهودي الإسلامي في الأندلس. انظر المجلة الإسبانية: Historia, 16, N° 58, De la convivencia a la Expulsion Julio Valdeons, p. 62-67.

([65])     ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1966، ص. 33.

([66])     انظر الحوار الذي أجراه معه عمر شبانة مترجماً إلى اللغة العربية في جريدة الحياة، عدد 27/7/1988، ص. 17.

([67])     واحد من قمم الشعر الإسباني (1561-1627 م) ترجمها عن الإسبانية محمد القاضي.

Antologia Poetica, coleccion Austral, España, p. 28.

([68])     المقتبس، مرجع سابق،  ج 5، ص. 437.

([69])     انظر ما قيل عن الزهراء في "نفح الطيب" للمقري، ج 1، ص. 245-247، 265 وما بعدها؛ وابن عذاري، البيان المغرب، مصدر سابق، ج 2، ص. 325.

([70])     انظر المجلة الإسبانية: Historai, 16, N° 45, p. 113 a 115, «Jose Luis Zavala».

([71])     المقري، نفح الطيب، مصدر سابق، ج 1، ص. 369.

([72])     ابن عذاري، البيان المغرب، مصدر سابق، ج 2، ص. 236.

([73])     أحمد مختار العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، مرجع سابق، ص. 228.

([74])     ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1973، ص. 91.

([75])     المصدر نفسه، ص. 92.

([76])     المصدر نفسه، ص. 92.

([77])     المصدر نفسه، ص. 93.

([78])     البيان المغرب، مصدر سابق، ج 2، صص. 240-241.

([79])     ابن الأبار، الحلة السيراء، مصدر سابق، ج 1، ص. 201.

([80])     المصدر نفسه، ص. 201.

([81])     ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب، تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، 1964، ج 1،
ص.
186.

([82])     وهو هشام المؤيد بن الحكم، المؤيد بالله. وكان عمره إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر. (ابن عذاري، البيان المغرب، ج 2، ص. 253).

([83])     انظر دراسة الدكتور محمود علي مكي عن المنصور بن أبي عامر في مجلة العربي، عدد 224، يوليوز 1977، ص. 133.

([84])     ابن الأبار، الحلة السيراء، مصدر سابق، ج 1، ص. 268.

([85])     الحميدي، جذوة المقتبس، مصدر سابق، ص. 73؛ ابن الأبار، الحلة السيراء، ج 1، ص. 268.

([86])     ابن عذاري، البيان المغرب، مصدر سابق، ج 2، ص. 252.

([87])     ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، مصدر سابق، ج 1، ص. 31.

([88])     أنظر المجلة الإسبانية: Historia-16/ N° 52, pp. 81-82, Arte y Leteraturea por: Mariajesus Rubira Mata, Dictadura de Almanzor.

([89])     ابن عذاري، البيان المغرب، مصدر سابق، ج 2، ص. 258.

([90])     المصدر نفسه، ص. 259.

([91])     أعمال الأعلام، تحقيق ﻟﻴﭭﻲ بروفنسال، رباط الفتح، 1934، ص. 77.

([92])     ابن عذاري، البيان المغرب، مصدر سابق، ج 2، ص. 279.

([93])     المصدر نفسه، ص. 301.

([94])     مجهول، مفاخر البربر، نشر ﻟﻴﭭﻲ بروفنسال، ص. 16.

([95])     ابن عذاري، البيان المغرب، مصدر سابق، ج 2، ص. 274.

([96])     ج 1، صص. 70-71.

([97])     انظر ذلك بالتفصيل في كتاب: لوي كارديالك، الموريسكيون الأندلسيون والمسيحيون/ المجابهة الجدلية (1492-1642 م)، تعريف وتقديم الدكتور عبد الجليل التميمي، صص. 145-166.

([98])     انظر جريدة العلم، عدد يوم 24/2/1992 م، ص. 12.

([99])     انظر دراستنا عن «محكمة المياه.. من تقاليد العرب في إسبانيا» في مجلة الفيصل، عدد يونيو 1980 م.

([100])   نقلاً عن كتاب العربي (الأندلس)، عدد 58 أكتوبر 2004 «الإسبان المعاصرون والحضارة العربية في الأندلس»، سلمى الحفار الكزبري، صص. 21-22.

         يستحسن للاستفادة أكثر في هذا الموضوع الرجوع إلى:

Los Arabimos del Castellano El La Baja Edad Media, Felipe Maillo Salgado, Universidad De Salalanca, 1991.

وانظر الملف الذي أعدته المجلة الإسبانية: Historia, 16, N0 25, 1978, Mil Años de Castellano, pp. 65-98.

([101])   انظر مجلة المناهل، عدد 28، ص. 154 إلى 203، وزارة الثقافة المغربية، الرباط.

([102])   انظر ما كتبه الأستاذ أحمد القادري عن جذور هذه الأسرة الأندلسية التي ربطها بالاسم اللاتيني (simao) في جريدة العلم، عدد 17 يوليوز 1992.

([103])   انظر كتاب "كشاف أسماء عائلات تطوان"، تطوان، 1999، ص. 8.

([104])   انظر مشاركة في ندوة أكاديمية المملكة المغربية المنعقدة بشفشاون (21-23 شتنبر 2000 م، «أولاد النقسيس: الأسرة الأندلسية التي حكمت تطوان»، ص. 95.

([105])   انظر كتاب محمد بن عزوز حكيم، مولاي علي بن راشد مؤسس شفشاون، ج 1.

([106])   انظر القصيدة في: الأنيس المطرب، للطيب العلمي، المطبعة الحجرية، فاس، ص. 163.