العلاقات التاريخية القديمة بين بلاد الشام

والخليج العربي

 

                                                  الدكتور أحمد جلال التدمري

                                              رأس الخيمة - الإمارات العربية المتحدة

 

تمهيد

تتصف العلاقات بين بلدان الخليج العربي وبلاد الشام عبر العصور والأزمنة المتعددة بأنها علاقات وثيقة ومترابطة نتيجة لعوامل كثيرة أهمها الترابط السكاني والحضاري القديم الذي يعود إلى العرب الأوائل الكنعانيين والفينيقيين وغيرهم، ثم إن الطبيعة الجغرافية التي شملت مناطق صحراوية بين الطرفين لم تكن حائلاً دون الاتصال البري وانتقال القوافل التجارية بين ربوع الشام وحواضر الخليج وبالعكس، كما أن مياه الخليج العربي قد وفرت الطرق البحرية التي ربطت الجانبين عن طريق موانئ الخليج ونهر الفرات مروراً بشط العرب.

 

الصلات السكانية

تعود الصلات السكانية التاريخية بين منطقة الخليج العربي وبلاد الشام إلى عصور التاريخ الأولى حيث نشأ العرب. وقد ثبت تاريخياً بأن الكنعانيين هم أول من سكن سواحل الخليج العربي، وهم من القبائل السامية التي يرجع نسبها إلى (كنعان بن سنحاريب بن غرود الأول بن كوس بن سام بن نوح) وقد رحل الكنعانيون إلى سوريا حيث استقر بهم المقام في بلاد الشام فأسسوا المدن ومن أشهرها مدينة القدس الحالية ومدينة الخليل، واشتغلوا بالزراعة والتجارة.

ومن الكنعانيين نشأ الفينيقيون الذين اشتهروا بالملاحة والتجارة وببعض الصناعات، واخترعوا الحروف الأبجدية المكونة من 22 حرفاً، واتخذوا من شجر النخيل شعاراً لهم نقشوه على نقودهم، كما أطلقوا على المدن التي أسسوها على السواحل السورية نفس أسماء مدنهم السابقة القائمة على السواحل العمانية وعلى الجزر الأخرى في ربوع الخليج العربي.

وبالإضافة إلى الكنعانيين والفينيقيين فقد استوطنت منطقة الخليج العربي قبائل عربية أخرى عدنانية هي قبائل قضاعة وربيعة وإياد، كما استقرت في عمان قبائل الأزد من كهلان التي نزحت من اليمن بعد انهيار سد مأرب عام 120 قبل الميلاد.

إن الموجات الحضارية السامية والآمورية والكنعانية والفينقية والآرامية والبابلية التي مرت بمنطقة الخليج العربي وانتشرت فيها وفي شمال الجزيرة العربية في وادي الرافدين وبلاد الشام وتركزت على الساحل السوري والمدن الداخلية الموازية له تشكل أصول الحضارة العربية والسامية المتقدمة التي تنتهي إليها أمتنا العربية اليوم.

لم تنقطع الصلات بين الأقوام العربية في الخليج وبلاد الشام عبر تلك الأزمنة وحتى وقتنا الحاضر فقد كانت العلاقات وطيدة بين العشائر والقبائل في جذورها والصلات منذ تلك العهود مستمرة سواء بالترحال في المواسم أو بالتبادل التجاري والعلاقات الاجتماعية.

ومن المعروف أن جزيرة العرب أرض واسعة مترامية الأطراف غنية بثرواتها المعدنية والنباتية والحيوانية، ففيها يتوفر الذهب والفضة والنحاس والعقيق واللؤلؤ، كما أنها تضم بقاعاً زراعية خصبة ذات مياه وافرة تنتشر في مختلف الربوع وفي بعض حواضر الحجاز وعمان الكبرى وواحاتها([1]).

وتشرف منطقة الخليج العربي على طرق المواصلات البرية والبحرية بين الشرق وجنوب شرقي أسيا وبين الغرب عبر جزيرة العرب وبلاد الشام. وقد أكسبها هذا الموقع أهمية خاصة في التجارة العالمية، كما كان له أعظم الأثر في قيام حضارات عريقة بجزيرة العرب، كالحضارة التي ظهرت في وادي الرافدين والبحرين واليمامة وعُمان وحضرموت واليمن وفي بلاد الشام في تدمر وبصرى الشام والمراكز التجارية على الساحل السوري، وكانت بين هذه الأقاليم روابط وصلات تجارية نشطة وعلاقات ثقافية واجتماعية واسعة.

ويذكر المسعودي([2]) أن سفن الصين والهند كانت ترد إلى ملوك الحيرة عبر موانئ الخليج العربي، فقد ارتبطت حاضرة الخلافة الإسلامية في دمشق ومن ثم في بغداد ارتباطاً وثيقاً بالخليج العربي، فمعظم منتجات الشرق الأقصى وسواحل إفريقيا كانت تصل إلى تلك الربوع عن طريق الخليج العربي بواسطة التجار من أهل الخليج سواء كانوا من بلاد عُمان أو البحرين وجنوب العراق، الذين كانت سفنهم تصل إلى ميناء الأبلة قرب البصرة الذي كان يعتبر مرفأ سفن البحر القادمة من البحرين وعُمان وبلاد فارس والهند والصين والمغادرة إليها.

كما اشتهرت اليمامة كأحد أهم المراكز التجارية في تلك المنطقة فكانت تستقبل تجارات البحر عن طريق البحرين، وتستقبل التجارات القادمة من جزيرة العرب والمراد نقلها إلى مناطق الخليج. فكان تجار اليمن يسافرون إلى بلاد الرافدين عن طريقها.

وعند قيام القرامطة وانتشار سلطانهم خضعت عُمان ومناطق واسعة من بلاد الشام لفترة من الزمن لنفوذهم فكان بذلك تسلطهم على الطريق التجاري، فربحوا من وراء ذلك أرباحاً طائلة لما جمعوه من ضرائب على السلع التجارية المارة بهذه الطرق([3]).

لقد امتاز الخليج بسهولة الملاحة بين موانئه لا سيما وأن عرب الخليج قد برعوا في علوم الملاحة والإبحار وعرفوا مكامن الخطر في شواطئه وتياراته. ومن موانئ الخليج الجنوبية في إقليم عُمان والجزر العربية كانت تنطلق السفن التجارية إلى الموانئ الشمالية إلى البحرين والإحساء وكاظمة والأبلة التي خلفتها البصرة، ومن ثم تبحر المراكب في رحلات نهرية في نهر الفرات إلى إقليم الجزيرة من بلاد الشام ومنها إلى دمشق وغيرها من مدن وحواضر.

احتل الخليج مكانة بارزة منذ القدم بحكم موقعه الجغرافي المتميز، فقد كان من أهم طرق الملاحة البحرية للتجارة الدولية. وكانت موانيه مراكز تجارية وأسواقاً للبضائع المحلية والمستوردة تشهد حركة واسعة للتبادل التجاري مع كل من الهند والصين وشرق إفريقيا من جهة ومع بلدان الخليج العربي والجزيرة العربية امتداداً إلى بلاد الشام ومنها إلى بلدان حوض البحر المتوسط وشمال إفريقيا.

ورغم التنافس الملاحي والتجاري القائم بين الخليج العربي والبحر الأحمر، فقد امتدت الحركة التجارية من موانئ الخليج العربي إلى مناطق جديدة ساعد على ذلك توسع الفتوحات الإسلامية وانتشار الدعوة المحمدية.

فقد امتاز العصر الأموي بالفتوحات ونشر الدعوة الإسلامية وتوسيع رقعة دولة الخلافة مما مهد الطريق أمام التجارة العربية وأمام انتقال القوافل وتبادل المنتجات المختلفة وتركزت اتجاهات الطرق التجارية نحو عاصمة الخلافة الأموية دمشق من مختلف الموانئ عبر الطرق البرية وكذلك عبر الملاحة النهرية من شط العرب حيث مدينة الأبلة - كما سبق أن ذكرنا - ومنها تنقل البضائع فوق نهر الفرات إلى مشارف بلاد الشام.

في ذلك العهد اشتهرت من الموانئ الخليجية مدينة هجر في البحرين بمغاصات اللؤلؤ وتجارته، والإحساء وجزيرة أوال، وكذلك مدينة القطيف في الإحساء التي ربطت الطريق البحري بالطريق البري إلى قلب الجزيرة العربية([4]).

وفي القرنين الرابع والخامس عشر احتلت هرمز مكانة كبيرة كأحد أهم المراكز التجارية في مدخل الخليج العربي والمطلة على بحر العرب والمحيط الهندي من جهة وعلى مشارف حوض الخليج العربي من الجهة الأخرى، مما جعلها تتحكم في مدخل الخليج العربي.

وفي إقليم عُمان برزت عدة موانئ كان أشهرها مدينة صحار حيث تلتقي فيها السفن التجارية العاملة على الخطوط الملاحية في المحيط الهندي والخليج، فكانت تفرغ فيها السفن حمولاتها ليتم تبادلها بالسلع والمنتجات التي تحتاجها المناطق المتجهة إليها تلك السفن أو التي يتم تصديرها إليها من الموانئ الأخرى عبر الخليج وعبر الطرق البرية والنهرية في الشرق أو الغرب ودول حوض البحر المتوسط.

كما استرعت مدينة جلفار انتباه الإخباريين والمؤرخين العرب والأجانب على حد سواء فقد نقلوا أخباراً ومعلومات كثيرة عن مدينة جلفار ومينائها والتي كان اسمها يشمل المنطقة الساحلية وحتى السهول الجبلية، ومن تلك الأخبار أنه في أيام الحجاج بن يوسف الثقفي اتخذ الأمويون من مدينة جلفار قاعدة لحكم المنطقة ومنها كان يتم الاتصال بالعراق والشام ومناطق الخليج الأخرى إضافة إلى بلاد الإقليم العماني الكبير.

لقد احتلت جلفار مكانة مهمة في الخليج العربي في العصور الإسلامية وفي العصور الحديثة، ففي العصور الإسلامية كانت جلفار واحدة من مدن الساحل العماني التي احتلت مكانة سياسية واستراتيجية وتجارية مهمة، أثارت تجارتها التطلعات والطموحات الخارجية مما عرضها للغزو الفارسي والأوربي فشهدت جراء ذلك أحداثاً سياسية وحربية عديدة.

ومن مقومات مدينة جلفار القديمة والتي تشكل مدينة رأس الخيمة اليوم جزءً منها إنتاجها الزراعي، وخاصة زراعة النخيل العمود الفقري لحياة الناس ومعيشتهم خلال العصور المختلفة، إلى جانب استخراج اللؤلؤ والتجارة والملاحة التي امتاز بها ميناؤها، حتى أن المؤرخ البرتغالي (دورات باربوسا) وصف مدينة جلفار وموقعها عام 1518 بقوله: «جلفار يقيم فيها الأثرياء ومشاهير معالمة البحر وكبار تجار الجملة».

ونقل الإخباريون والمؤرخون العرب والأجانب أن الموقع الاستراتيجي لجلفار أعطاها أهمية اقتصادية وعسكرية، لكون مينائها محطة تتوقف فيه السفن الشراعية التي تبحر من البصرة وبقية موانئ الساحل العربي للخليج حيث أنها المحطة التي تلج بعدها السفينة في مياه الخليج المرتبط بخليج عمان وبحر العرب.

وقد كشفت بعثات أثرية مختلفة منها العربية واليابانية والبريطانية صلة المدينة تجارياً وملاحياً ببلاد جنوب شرق آسيا والهند وصولاً إلى مناطق جنوب الصين من جهة ومع إيران وبلاد الرافدين وبلاد الشام من جهة ثانية.

 

نهر الفرات

شكل نهر الفرات عبر التاريخ أهم طرق الملاحة النهرية التي تصل الخليج العربي ببلاد الشام، وقد امتاز الفرات بحركة الملاحة المستمرة فيه حيث تصعد المراكب شمالاً من مدخل الخليج حتى مدينة الرقة السورية.

ومنها في طريق العودة تصل المراكب إلى مدينة عانة ومن هناك يدور النهر إلى جهة الشرق ويعود ليمر ببلدة (آلوسة) ([5]) ثم قرية ناووسة ثم مدينة هية وبينهما قرى كثيرة يتفرع بعدها النهر إلى عدة أنهار أشهرها القسم المسمى بنهر عيسى([6]) الذي يخرج من نهر الفرات عند مدينة الأنبار ويمر ببغداد حيث يصب في نهر دجلة. إلا أن المجرى الرئيسي لنهر الفرات يواصل مساره فيتجه إلى مدينة (سورا) في أرض بابل قرب مدينة الحلة، ويستمر إلى الجنوب حيث يسقي كثيراً من أرض السواد ويحاذي مدينة واسط من جهة الغرب وهناك يتسع مشكلاً بحيرة كبيرة محاطة بقرى كثيرة عامرة. تأتيها السفن القادمة من الرقة، وبعدها يكون اتجاه النهر متواصلاً نحو الجنوب الشرقي ليلتقي بنهر دجلة مشكلين مجرى موحداً هو شط العرب الذي يرفد بمائه الخليج العربي، وتتركز في ذلك الجزء مدينة الأبلة التاريخية ومن ثم مدينة البصرة ومنطقة الفاو فالكويت حيث يتسع الأفق البحري على امتداد مياه الخليج العربي إلى موانئه المتعددة على طول شاطئيه الشرقي والغربي.

 

الطرق البرية

من الطرق البرية التي اعتمدها الرحالة للوصول إلى بلاد الشام من الخليج العربي تلك الطرق الموازية لمجرى الأنهار، تيسيراً للتزود بالماء عند الضرورة وخوفاً من التعرض للعطش في حالة تعذر وجود الآبار في الطرق الصحراوية.

ومن تلك الطرق المارة ببلاد وادي الرافدين الموازية لنهر الفرات الطريق الذي يمر ببغداد ومنها يتجه غرباً إلى مدن الشام ماراً بمدينة الرقة ومنها تتخذ التجارة سبلها إلى الأسواق المحلية وإلى الأسواق الخارجية سواء إلى مصر أو إلى آسيا الصغرى وبلاد البحر المتوسط. وطريق آخر يتجه من بغداد إلى الكوفة ومنها إلى البادية وجزيرة العرب([7]).

ومن الطرق الساحلية اشتهر طريق البصرة البحرين بفرعيه الصحراوي القصير الذي تشح فيه المياه، والآخر بحرياً طويلاً يسير بمحاذاة الساحل ويمر بقبائل العرب وتتوفر فيه المياه، إلا أن الرحالة وصفوه بأنه غير مأمون([8]). ومن البحرين يمتد طريق بري طويل وشاق لا يخلو من المخاطر حتى يصل جنوباً إلى بلاد إقليم عمان.

وفي عمان ارتبطت مدينة صور بعلاقات تجارية نشيطة مع مدينة البصرة وشواطئ فارس وظفار وحضرموت وزنجبار([9]) ومما كانت تصدره عمان إلى بلاد الشام والعراق اللؤلؤ والنحاس الذي يتوفر بكميات كبيرة فيها. وكان الطريق البري الذي يربط البصرة بعمان لا يسلك إلا نادراً لوعورته حتى أن جماعة من أهل عمان يسلكونه على ظهور الحمير وعندما يصلون إلى البصرة يحطون رحالهم عند أحد المساجد، فنسب هذا المسجد إلى أهل عمان، ويشير ابن حوقل إلى خطورة هذا الطريق البري فيذكر أنه ممتنع وخطر لتأثره بالخلافات والنزاعات التي تحدث بين قبائل العرب، ولهذا فإن التجار كانوا يفضلون الطريق البحري عليه.

 

مملكة هرمز وبلاد الشام

اهتمت شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط منذ القرن الثالث قبل الميلاد بتناول التوابل في طعامهم واستخدامها في حفظ مؤنهم مما جعل تجارة هذه المادة رائجة حيث كانت تلك الشعوب تحصل على التوابل عن طريق التجار العرب في الجزيرة العربية، ثم نشطت هذه التجارة فأصبح التجار يصلون عبر الإسكندرية والبحر الأحمر (بحر القلزم) من بلاد الملبار الهندية. إلا أن تلك التجارة امتازت بنشاطها الواسع في أيام الملك أُذينة وزوجته زنوبيا عن طريق الخليج العربي، حيث يذكر المؤرخون أن السفن القادمة من الهند كانت تقطع مياه الخليج العربي إلى ميناء (خاركس) في بلاد السواد (جنوب العراق) وتصعد نهر الفرات ثم تُنقل حمولتها بالقوافل إلى مدينة تدمر ومنها إلى دمشق جنوباً وإلى حلب شمالاً وكانت تصل هذه البضائع إلى ميناء طرابلس الشام أو إلى جزيرة أرواد على الساحل السوري.

وفي هذا المجال يروي كبار السن من سكان منطقة شمل في أطراف مدينة جلفار (رأس الخيمة) نقلاً عن أجدادهم قصصاً وأساطير عن الملكة الزباء التي بنت قصراً يحتل مساحة واسعة فوق جبل أبيض صغير قليل الارتفاع يطل على مياه الخليج العربي في زهو وإشراق. وقد احتلت أركانه وجنباته أنحاء ذلك الجبل.

تحيط بالقصر هالة من العراقة التاريخية وعبق أسطوري فيه من الحقائق المروية والخيالات المحكية التي توارثها الأبناء عن الآباء في المنطقة. وتكاد أسوار القصر وبرك مياهه وأطلال قاعاته تحكي للأجيال قصة تلك الأيام الغابرة، كما تغني النسمات العابرة لأطلال ذلك القصر، لحناً أسطورياً يترك آثاراً روحية من الجلال والعظمة في نفوس الزائرين.

ومن ذلك ما يرويه كبار السن عن عظمة الملكة الزباء التي جاءت إلى هذه البلاد من أعماق الصحراء العربية من وسط بادية الشام من مدينة تدمر (مدينة الجان) فكانت سفنها تصل إلى الشاطئ القريب حيث يحملها زورقٌ صغير يعبر قناةً حُفرت خصيصاً لهذا الغرض تصل بين البحر وحافة الجبل وما أن يحط الزورق مرساته عند قدم الجبل الأبيض حتى يقوم العبيد بحمل هودج الملكة الحسناء إلى القصر يحيط بها كبار القوم والجند في موكب ينم عن الرهبة والعظمة.

ويقولون: إنها كانت كريمة مع أتباعها، عنيفةً مع المقصرين في تنفيذ أوامرها، شديدة مع المتمردين والعصاة حتى أن عقابها لهؤلاء كان متمثلاً في ربط الساعدين بعقدة صغيرة من ورق النخيل حيث يبقى الْمُعاقَب في الخلاء جالساً القرفصاء حتى مغيب الشمس، فإن انفكت العقدة عن ساعديه كان مصيره الموت وإلا فإنه في أمان مع عفو من صاحبة الأمر الملكة الزباء.

لم يدم عهد الملكة الزباء طويلاً في تلك الربوع من إمبراطوريتها التي شملت بلاد الجزيرة العربية وأرض الكنانة وبادية العرب حتى حدود الروم شمالاً وبلاد الفرس شرقاً. إلا أن آثار تلك الحقبة باقية حتى اليوم شاهدة على عظمة الماضي وعراقة الأصول، والترابط بين بلاد العرب شمالاً وجنوباً.

وتشير الدراسات والأبحاث التاريخية والآثارية لعدد من المستشرقين إلى النشاط التجاري الذي امتد من موانئ الخليج العربي إلى عاصمة الشرق (تدمر) وكما يسميها الباحث الفرنسي (أوريان ميسونيوف) "بمرفإ الصحراء".

وعلى مرآى من القصر برزت مدينة جلفار كأحد الأوابد التاريخية المطلة على الخليج العربي والتي كان ميناؤها كما ذكرنا من أشهر موانئ الخليج طيلة فترة طويلة من الزمن يطل عليها قصر الزباء من علٍ.

أما في القرن الثاني عشر الميلادي فقد اشتهر تجار الخليج بإيصال التوابل وغيرها من السلع إلى مدينة حلب الشهباء عن طريق البصرة وكذلك إلى مدينة طرابلس الشام. فقد ذكر البحار العربي شهاب الدين أحمد بن ماجد في "كتاب الفوائد"([10]) أنه ولج في ثلاثة مراكب من هرموز إلى مدينة جدة ومنها إلى الشمال مصر وبلاد الشام، وكانت حمولة المركب الواحد تزيد على ألف بهار، وكانت مدينة البندقية الإيطالية سوقاً مشهورة بالتوابل المتوسطية.. ولهذا اصطلح في تلك الفترة على تسمية الخليج العربي والبحر الأحمر بطريقي (التوابل المتوسطية)، مقابل طريق التوابل الغربية عبر المحيط الأطلسي بالدوران حول رأس الرجاء الصالح والوصول إلى الهند.

وكانت المنافسة شديدة في تجارة التوابل بحيث أن ما ينقل عن طريق الخليج العربي من مملكة هرمز إلى بلاد الشام عبر الفرات ثم على قوافل الإبل إلى تدمر وحلب وطرابلس الشام ودمشق وأحياناً إلى بيروت والإسكندرية، قد شهد ازدهاراً وتطوراً في الأسواق الأوربية والشامية.

وظلت طريق الخليج العربي إلى بلاد الشام منتعشة ومزدهرة على مر السنين، ولم ينقطع توريد التوابل والحرير وغيرها من البضائع إلى الأسواق الشامية، حتى بعد وصول البرتغاليين إلى الهند وإلى بلاد الخليج في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. من ذلك ما ذكرته وثائق مدينة مرسيلية في عام 1578 م والتي تتحدث عن شراء جوز الطيب من سورية، كما تشير رسالة تجارية خارجة من حلب في شهر كانون الثاني سنة 1579 م، إلى أن مركبين بندقيين حملا من مدينة طرابلس سلعاً قيمتها نصف مليون دوكا لكل منهما، وأن مركباً ثالثاً راسياً في قبرص ينتظر دوره ليقصد ميناء طرابلس الشام.

وذكر الإخباريون عن الموانئ في جنوب الخليج العربي التي كانت تتعامل مع بلاد الشام فقالوا إن ميناء مدينة صور المشهورة بقلعتها في جنوب الساحل العماني قد برز في السجلات التجارية تتوالى بعده موانئ مراكز عديدة تتعاقب خلالها عدة مدن منها مدينة قلهات وهي مدينة كبيرة وثرية يقيم فيها أصحاب الحوانيت وتجار الجملة وغيرهم من الأثرياء، تليها بلدة طيبي التي تتوفر فيها المياه العذبة وتستقي منها السفن، ثم مدينة قريات وفيها تجارة الخيول التي تربى بها، كما تكثر فيها الأغذية([11]).

وعلى ذات الخط الملاحي يذكر المؤرخ البرتغالي بربوسة اسم مدينة أخرى تلي قريات وهي (إيتم) التي فيها قلعة لسلطان هرمز العربي، تجاورها مدينة مسقط التي يقطنها كثير من أصحاب المكانة الرفيعة لتميزها بتجارتها العظيمة وبمصايد السمك الواسعة حيث تتوفر فيها الأسماك المملحة والمجففة التي تباع إلى بلدان عديدة.

وتبرز في هذا الخط مدينة صحار، تليها مدينة تسمى (التاركسة) وقلعة (مايل) ثم بلدة خورفكان التي تحيط بها البساتين والمزارع الكثيرة.

وبعد خورفكان وفي داخل الخليج العربي اشتهرت مدينة جلفار وسكانها قوم أثرياء وبحارة ماهرون وتجار جملة وأنه بالقرب منها تقع مصايد سمك واسعة جداً، وتكثر فيها مغاصات اللؤلؤ الصغير والكبير، ويأتي إليها تجار هرمز لشراء اللؤلؤ وحمله إلى الهند وإلى بلدان عديدة أخرى، وإن تجارة جلفار كانت تدر واردات هائلة على سلطان هرمز العربي الذي جنى دخلاً عظيماً منها ومن جميع المراكز التجارية الخليجية الأخرى.

 

الاتصال البريدي مع بلاد الشام

        كانت القوافل التجارية هي الواسطة الرئيسية لإيصال المعلومات والمراسلات بين منطقة الخليج العربي وبلاد الشام، وكثيراً ما كان المبعوثون الرسميون يصاحبون القوافل لما في تلك الرفقة من الأمان والسلامة نظراً لصعوبة الرحلة وللمخاطر التي قد يتعرضون لها.

        وفي أواخر القرن الثامن عشر أولت حكومة بومباي المشرفة على شؤون ومصالح شركة الهند الشرقية البريطانية في الخليج العربي عناية خاصة بخط البريد الصحراوي الواصل بين مدينتي البصرة وحلب، والتي كانت القوافل التجارية تقطعه في ثمانين يوماً.

لقد أثبت هذا الخط فعاليته وسرعته في نقل البريد من الهند إلى لندن عبر الخليج العربي وبلاد الشام، فاهتمت حكومة بومباي بتوثيق الصداقة مع قبائل بادية الشام والعراق، وجعلت تلك المهمة من المسؤوليات الرئيسية لوكيل الشركة بالبصرة في ذلك الوقت. وذكر هارفورد جونز - وكيل شركة الهند الشرقية في مدينة البصرة في عام 1784 - أن هجمات الموحدين (الوهابيين) على بادية البصرة كانت تثير قلق باشا بغداد ونائبه في البصرة، وأنه عند انتقال الوكالة إلى القوين (الكويت) سنة 1792 وأثناء حصار الموحدين للكويت ومهاجمتها حاول شيخ الكويت أن يستغل وجود حرس الوكالة البريطانية ليشاركوا في الدفاع عن المدينة ولكن هارفورد جونز قال: إنه لمن المهم جداً لسلامة مراسلاتنا بين حلب والبصرة أن نؤكد علاقة المودة بيننا وبين ابن سعود. وأضاف: «لقد أرسل مستر لاتوش - الوكيل الأسبق - أيام عمله في البصرة الهدايا إلى ابن سعود وتلقاها الأمير بالترحاب، واستمر مستر مانتسي على هذه السياسة، وكذلك استمررت أنا على نهج هذه السياسة، وهكذا سار بريدنا في سلام، وإذا حدث أن أُسِر أحد رجالنا كانت صناديق البريد والبضائع تعود إلى البصرة بأختامها لم تمس».

أما القسم الجنوبي من خط البريد بين الهند والبصرة فكان يعتمد على الملاحة البحرية في مياه الخليج العربي حيث يمتد عبر مسقط وبعض موانئ الخليج إلى مقر الوكالة في البصرة أو الكويت ومن هناك يواصل البريد رحلته المعهودة. إلا أن القسم الجنوبي من الخط تعرض لهجمات القواسم على السفن البريطانية باعتبارها سفناً غازية وأن محاربتها جهاد ديني ووطني لما تشكله في وجودها من عدوان على الحقوق التجارية لعرب الخليج وعدوان على سيادتهم واستقلاليتهم في المنطقة، لذلك عمدت حكومة بامباي إلى القيام بحملات عسكرية مركزة على سفن القواسم وموانئهم وأطلقت عليهم لقب القراصنة.

فكانت حملة عام 1805 على جزيرة قشم ومن ثم حملة 1809 التي شملت موانئ القواسم في لنجة على الساحل الشرقي وموانئهم على الساحل الغربي من الخليج وبالأخص على مدينة رأس الخيمة، لكن حكومة بومباي أعطت تعليماتها الصريحة لقادة هاتين الحملتين البحريتين بأن لا يتورطوا في أعمال قتالية برية في أرض الجزيرة العربية حتى لا يكون صدامهم مباشرة مع السعوديين، حرصاً على مودتهم وحتى يستمر طريق البريد في الشمال آمناً، وكذلك حتى لا يصبح جهاد القواسم الديني والوطني ضدهم قضية عامة يتبناها عرب الجزيرة فتتهدد مصالح البريطانيين، لذا تحملت حكومة بومباي هجمات القواسم المتكررة بصبر حتى واتتها الفرصة بسقوط الدرعية على يد إبراهيم باشا ابن محمد علي والي مصر العثماني، وهنا أعدت الحكومة البريطانية في بومباي حملة عسكرية ضخمة في عام 1819 على القواسم بينما بعثت مندوباً عنها هو الضابط سادليبر إلى إبراهيم باشا بالدرعية لإقناعه بمشاركة البريطانيين في حملتهم على القواسم، وتتبع الضابط البريطاني إبراهيم باشا إلى أن حظي به في المدينة المنورة، إلا أن إبراهيم باشا لم يستجب لحكومة بومباي ولم يرد أن يتدخل بالأمر، مما أعطى الضوء الأخضر للحملة البريطانية للقيام بهجماتها فلاحقت سفن القواسم وحطمت موانئهم واضطرت شيوخهم في عام 1820 للدخول معها في معاهدات سلام تحولت فيما بعد إلى معاهدات حماية شملت الساحل العماني على الخليج الذي انقسم إلى عدة إمارات.


 

 

 



([1])      أحمد صالح العلي، مقدمة كتاب: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، لابن بسام.

([2])      المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص. 85.

([3])      ابن حوقل، صورة الأرض، ص. 33.

([4])      محمد عبد العال أحمد، دور الخليج في حركة التجارة البحرية في العصر العباسي الأول.

([5])      البلاذري، فتوح البلدان، ج 1، ص. 212.

([6])      شهر آب، عجائب الأقاليم السبعة، ص. 119.

([7])      ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص. 125.

([8])      ابن حوقل، صورة الأرض، ص. 47.

([9])      أبو بشير حميد السالمي، نهضة الأعيان بحرية عمان، ص. 16.

([10])     كتاب الفوائد في أصول البحر والقواعد، إصدار مركز الدراسات والوثائق، رأس الخيمة.

([11])     يشير إلى ذلك البرتغالي دوراتيه بربوسة في كتاب المسمى "كتاب دوارته بربوسة".