المآذن الطينية بمنطقة حوض الفرات الأوسط وصيانتها في سورية

 

                              الأستاذ شوقي شعت

                        أمين المتحف الوطني بحلب - سورية

 

تنتشر المآذن الطينية في منطقة الفرات الأوسط في سورية، وبتعبير أدق في ما بين دير الزور ومسكنة / بالس. فهناك واحدة في بالس / مسكنة، وثانية في منطقة أبي هريرة، وثالثة في قلعة جعبر، ورابعة في مدينة الرافقة / الرقة، وخامسة في دير الزور ( 1 ) . وبالطبع، لا يقتصر انتشار هذا النوع من المآذن الطينية على سوريا. فهناك نماذج منها في العراق الذي يعتقد أن هذا  النمط قد نقل منه أو من إيران، وهناك أخرى في جنوب شرقي تركيا. وسيقتصر موضوعنا على المآذن الطينية في سورية فقط.

ربما سأل سائل لماذا بنيت هذه المآذن من الطين المشوي بهذه المنطقة دون غيرها من المناطق الأخرى في سوريا ؟ وقد يكون الجواب على هذا السؤال هو عدم وجود حجارة تستطيع مقاومة التقلبات المناخية كما هو الحال في المدن السورية الأخرى مثل حلب ودمشق وحماه واللاذقية وغيرها، فلا شك في أن هذه الإجابة صحيحة إلى حد كبير. فالحجارة المتوافرة في هذه المنطقة التي سبقت الإشارة إليها هي من نوع الحجر الطباشيري الطري الذي لا يقاوم طويلا الرياح أو تقلبات الطقس، كالمطر. إلا أنه توجد أسباب أخرى، منها أن المنطقة تتعرض للزلازل والطوب المشوي ( القرميد) أكثر مرونة من الحجارة. وعليه، لا تتأثر الأبنية الطينية   بالزلازل تأثر الأبنية الحجرية بها . وهناك سبب ثالث هو أن ارتفاع درجة الحرارة في هذه المنطقة نهارا وانخفاضها ليلا قد يجعل البناء الطيني أكثر مناسبة في هذه المنطقة من البناء الحجري. وهناك سبب رابع اقتصادي :فالبناء بالطين قد يكون أقل تكلفة. ومهما يكن الأمر، فقد تكون الأسباب التي أتينا على ذكرها هي التي دفعت المعماريين إلى استخدام الطين المشوي في البناء لضمان مقاومته لعاديات الزمن ( 2 ) .

ولا شك في أن هذه المآذن أقيمت بجوار المساجد ملاصقة لها أو منفردة في الصحن أو خارجه لمناداة الناس لإقامة الصلاة في أوقاتها أساسا، لكن البعض يضيف بأنها اتخذت أبراجا للمراقبة. ويسوغ قبول هذا الرأي وقوع تلك المآذن في مواقع استراتيجية هامة. فمئذنة بالس / مسكنة تمكن الرائي في يوم صاف من مشاهدة القادم، من بعيد ، في جميع الجهات، وخاصة القادم من الجانب الآخر من نهر الفرات. فمن مئذنة مسكنة / بالس يمكن مراقبة العدو القادم من الجزيرة السورية.

وقس على ذلك مئذنة أبي هريرة التي كانت تنتصب فوق مرتفع من الأرض تحرس منطقة يقول البعض إنها مناسبة لعبور النهر، ناهيك عن أنها مقابلة لقلعة جعبر. أما مئذنة قلعة جعبر، فهي - ولا شك - أكثر المآذن الطينية في حوض الفرات ارتفاعا حيث تتوسط قلعة جعبر المرتفعة. فإذا أضيف هذا الارتفاع إلى ارتفاع المئذنة نفسها، أمكن بسهولة رصد التحركات في الجزيرة السورية أو منطقة الشامية. ويمكن تصور الأمر نفسه في حالة مئذنة الرقة، ومئذنة الدير العتيق في مدينة دير الزور ( 3 ) .

كيف عرف المسلمون المئذنة ؟ وما الشكل الذي اتخذوه في بنائها ؟ هل هو مربع أو مستدير ؟ للإجابة على هذا السؤال ؟ يذكر كريزويل ( 4 ) أن المئذنة لم تكن معروفة عند ظهور الإسلام. ولكن بعد هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة كانوا يصلون دون أذان، حسب قول ابن هشام؛ وعندما علموا أنه كان لليهود بوق ( شوفار) وللمسيحيين ناقوس أرادوا أن يكون لهم
       شيء مماثل لصلاتهم، فأمر الرسول محمد
r مؤذنه بلال بالأذان من فوق أعلى سطح مجاور و أصبح لزاما على المسلمين إقامة شعائر الأذان من فوق منطقة مرتفعة. ومع الزمن، أصبح لذلك تقاليد فرضت أشكالا خاصة في تصميم المئذنة ( 5 ) أو المنارة التي أضحت عنصرا معماريا إسلاميا متطورا مع الزمن تطلب عمله بناء على تعاليم الدين الإسلامي.

استعمل العرب المسلمون ثلاثة تعابير للدلالة على المئذنة هي : المئذنة والصومعة والمنارة. فقد اشتقت الكلمة الأولى من الأذان، وبذلك تعني المئذنة المكان الذي ينطلق منه الأذان. أما الكلمة الثانية، فقد اشتقت من الاسم الذي أطلقه العرب على أبراج النساك Hermits Towers)  في الكنائس السورية. ومن هنا ربما جاءت كلمة الصومعة في شمال إفريقيا كما شاع الشكل المربع، وحمل هذا الشكل مع العرب إلى إسبانيا ودخل اللغة الإسبانية باسم زوما ( Zoma) ( 6 ) . أما الكلمة الثالثة، أي المنارة، فتعني المكان الذي تشغل فيه النار. ومن أمثلة ذلك في الشمال الإفريقي منارة جامع مدينة سوسة ( 245 هـ / 860 م) المربعة المسقط ( 7 ) . وعليه ، فإن أغلب الظن أن جميع مآذن العالم الإسلامي المبكر كانت تتبع تكوينا معماريا مشتركا مشابها لمئذنة جامع القيروان المربعة أو قريبا منها. وينحصر الاختلاف في النسب المعمارية للأجزاء العلوية من المئذنة أو أبدانها ( 8 ) . ومما يستوقف النظر أن مآذن الشام حتى القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي كانت تخضع في الأجزاء الرئيسية منها الشكل المربع في مسقطها، بينما تخضع تلك الأجزاء - أي بدن المئذنة - في العراق وفارس للشكل الدائري الأسطواني الذي كان يوضع فوق قاعدة مربعة المسقط، متفاوتة الارتفاع، ولكن لا يزيد ارتفاعها عن ارتفاع البدن الأسطواني، وأحيانا كانت البداية من فوق السطح العلوي الجامع. وربما كان أقدم مثل لهذه المنارات ببلاد الشام هو منارة قصر الحير الشرقي التي يعود تاريخها إلى حوالي 110 هـ/ 729 م، ومنارة جامع المنطير بالقرب من الرقة. أما منارات العراق، فأقدم مثل لها هو بناء المحضة ويرجع تاريخها هي وقصر الأخيضر إلى حوالي عام 161 هـ؛ إذ كان شكلها أسطوانيا، وخاصة البدن منها، الذي يرتكز على قاعدة مربعة المسقط شيدت بالآجر، وهي ناقصة في جزئها العلوي؛ ويبدو أنها شيدت وسط الصحراء لتكون علامة يهتدي بها من يقصد الأخضير الذي شيد بعيدا عن العمران، أو لتكون علامة يهتدي بها من يقصد الأخيضر الذي شيد بعيدا عن العمران، أو لتكون نقطة ارتكاز ساكني القصر ( 10 ) .

بعد هذه العجالة القصيرة، نأتي إلى مآذن الفرات الأوسط الطينية في سوريا لنتحدث عن تاريخ بنائها وطبيعة هذا البناء، وعن أشكالها وتزييناتها وصيانتها والوسائل والطرق التي اتبعت في الحفاظ عليها، ولا سيما بعد أن أصبحت مهددة مع غيرها من البقايا الحضارية في منطقة الفرات الأوسط.

تأتي في طليعة تلك المآذن :

1- مئذنة الجامع الكبير في بالس / مسكنة

تتخذ هذه المئذنة شكلا مثمنا، خلافا لمئذنة جعبر ومئذنة أبي هريرة وجميع المآذن في منطقة حوض الفرات. وهي تعود إلى أوائل القرن السابع الهجري، إلا أنها ربما كانت أقدم مئذنة مثمنة في سورية ترتفع إلى نحو سبع وعشرين مترا ويقوم بدنها فوق قاعدة مربعة، بابها عند مستوى الأرض - خلافا لباقي المآذن الأخرى الطينية في حوض الفرات - وتزيينها عدة أشرطة من الكتابات ( 11 ) . وصف "فان برشم" بعض هذه الكتابات الموجودة على مئذنة مسكنة / بالس بأنها تقع في أربع حواش. ولا شك المئذنة هو بين عامي 589 و 615 هـ / 1193 - 1218 م.وتشير الكتابة الثانية الكوفية إلى التاريخ الحقيقي لبناء المئذنة أو تجديدها. وحسب "برشم"، فإن الكتابة هي : "بسم الله الرحمن الرحيم جددت هذه المئذنة سنة سبع وست مائة"،أي إبان حكم الملك العادل في عام 607 هـ لبالس. إذ تذكر كتب التاريخ أن الملك الظاهر غازي حاكم حلب كان قد تخلى عن بالس لعمه العادل قبل موته عام 613 هـ. وإن أمعنا النظر في الكتابات الموجودة على المئذنة، نجدها ثلاثا وهي من الأسفل إلى الأعلى : الكتابة الأولى كتابة نسخية وتضم اسم السلطان والمعمار؛ الكتابة الثانية وهي بالكوفية وتشير إلى تاريخ البناء؛ أما الكتابة الثالثة، فهي كوفية وتشير إلى مدائح وتعابير.

تمتاز المئذنة بالانسجام وأناقة الزخرفة الكتابية مع شكل المئذنة المثمن. ونجد في مئذنة سنجار مشابها ومعاصرا لمئذنة بالس؛ كما أنها تشبه المآذن العراقية في أسلوب بنائها الذي كان شائعا في القرن السابق والذي كان واقعا تحت تأثير الفن الإيراني السلجوقي. إلى جانب هذه المئذنة كان يقوم جامع سال ودولوريه تنقيبات أثرية عام 1932، أماطت اللثام عن أن الجامع كان مزينا بزخارف جصية عليها نباتات وكتابات.

يبلغ ارتفاع هذه المئذنة نحو 27 مترا ( 12 ) . ولقد أوجبت أعمال الإنقاذ في منطقة حوض الفرات نقل هذه المئذنة إلى منطقة مرتفعة بمسكنة نفسها حفاظا عليها من المياه. وقد نفذت أعمال النقل الذي تم بواسطة تقطيعها إلى قطع، ثم أعيد تركيبها في المكان الجديد. والحق يقال إن النقل تم بكفاءة عن طريق فنيي ومهندسي المديرية العامة للآثار والمتاحف بالطريقة نفسها التي سبق أن اتبعت في نقل مئذنة أبي هريرة مع مراعاة طول المئذنة ووزنها وقطرها وتصميم درجها الذي يختلف نسبيا عن درج مئذنة أبي هريرة ( 13 ) . وإذا اطلعنا على ما كتب في دليل معرض المكتشفات الأثرية بحوض الفرات، وجدنا أن جهودا كبيرة بذلت في حقل الدراسات والتوثيق والأعمال الأخرى. فمن بين تلك الأعمال بناء سقائل خشبية بارتفاع ثلاثين مترا، نظرا لصعوبة الحصول على رافعة آنذاك يبلغ طول ذراعها ثلاثين مترا؛ كما جرى تقطيع المئذنة إلى الفقرات ووضعت على عربات حديدية تتحرك على سكة حديدية صممت خصيصا لهذه الغاية. وجرى نقل تلك الفقرات إلى المنطقة التي اختيرت لإقامة المئذنة فيها عند منسوب يصل إلى حوالي 345 م    فوق سطح البحر. وعلى الرغم من أن هذا المكان لا يبعد سوى كيلو متر واحد في خط النظر، إلا أنه كان لابد من قطع مسافة نحو ثلاثين كيلو مترا للوصول إلى المكان الجديد. وفي هذا المكان الجديد حفرت الأسس وأقيمت ركائز " البيتون" المسلح وأعيد تركيب السقائل الخشبية مرة جديدة لبناء المئذنة أو على الأصح لتركيب حلقاتها ( 14 ).

هكذا حفظت آبدة جميلة هي مئذنة مسكنة التي بناها أو جددها السلطان العادل أبو بكر الأيوبي في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي. وهذه الآبدة كانت موضع دراسة مفصلة لتكوينها المعماري وزخرفتها وكتاباتها ( 15 ) . وكان يقوم بجوار المئذنة مسجد ذو طابع أموي واضح يبدو أنه أقيم فوق مسجد أقدم، أصغر من قبل البعثة الفرنسية في الفترة ما بين ( 1970 - 1973 ). فتبين أن أحدث مراحله تعود إلى العهد الأيوبي ولم تكتشف أي معالم بيزنطية تحت هذا المسجد الأول ( 16 ) .

 

2- مئذنة جامع الرقة

 

وفي الرقة مسجد جامع له مئذنة مستديرة الشكل تقع في باحته الداخلية، وهي من أعمال نور الدين محمود الزنكي، وتشبه إلى حد كبير مئذنة أبي هريرة ومئذنة قلعة جعبر اللتين سيأتي الحديث عنهما. أحيطت المئذنة في أعلاها بشريط نباتي حجري يتضمن كتابات تشير إلى أن بانيهما هو نور الدين محمود، كما أشرنا، وعليها ألقابه. بنيت المئذنة بالآجر الذي يبلغ طوله نحو   23.5 سم. أما ارتفاعها، فيبلغ نحو عشرين مترا ( 17 ) . وأقيمت فوق قاعدة حجرية كلسية منحوتة جددت عدة مرات كان آخرها عام 1986 ( 18 ) .

لقد ارتبط مصير هذه المئذنة بمصير المسجد الجامع بالرقة. فكان العمران والخراب يتناوبان عليهما. ويعود بناء المسجد إلى عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، أي إلى زمن بناء مدينة الرافقة عام 155 هـ/ 772 م ( 19 ) . وفيه تجتمع خصائص المسجد الرافدي ( الكوفة) والمسجد الشامي- الأموي. فالأبراج نصف الدائرية في زواياه تذكر بمسجد الكوفة. أما حرمه المؤلف من ثلاثة مجازات، فتذكرنا بطراز جامع دمشق ( 20 ) . لقد توالت أعمال التجديد والترميم على هذا المسجد ومئذنته؛ إلا أنها أهمها كان ذلك الذي تم في عهد نور الدين محمود الزنكي عام 561 هـ / 1159 م. وهذا ما تؤيده لوحة كتابية بالخط النسخي وتوجد في منتصف واجهة ما تبقى من الأقواس الجنوبية.  وتقول : "الزاهد المجاهد المظفر المنصور نور الدين ركن الإسلام والمسلمين أبو القاسم محمود بن أتابك بن أفه سنقر ناصر أمير المؤمنين. وذلك في شهور سنة إحدى وستين وخمسمائة" ( 21 ) .

يصف كريزويل جامع الرقة قائلا : "يقع الجامع الكبير في الرقة في النصف الشمالي من الرافعة، وهو يتألف من مستطيل تبلغ أطواله 108.10x 92.95 وتحيط به بقايا من الأسوار الطينية المقواة بأبراج نصف دائرية" ( 22 ) 

نجد في باحة المسجد ضريحا هو لأبي سعيد قسيم الدولة المتوفى عام 541 هـ على ما يذكره بعض المؤرخين. ويضيف البعض أن السطان السلجوقي محمود بن محمد ملكشاه بن ألب أرسلان كان قد ندبه لولاية ديار الموصل في البلاد الشامية بعد مقتل سنقر البريسقي ( 23 ) .

3- مئذنة أبي هريرة :

تقع هذه المئذنة المستديرة فوق جبل يعرف باسم جبل بنات أبي هريرة بالقرب من قرية "الكرين". وهي ترتفع ب 287 م فوق سطح البحر ( 24 ) . ويعتقد البعض أنه بالقرب من موقع أبي هريرة جرت موقعة صفين المشهورة بين علي ومعاوية تولى بعدها معاوية بن أبي سفيان الخلافة الإسلامية مؤسسا بذلك الحكم الأموي ( 25 ).

مئذنة أبي هريرة مئذنة مستديرة الشكل مبنية بالقرميد الطيني، تقوم على قاعدة مربعة. ويبلغ ارتفاع هذه المئذنة نحو خمسة عشر مترا، وقطرها نحو 3.5 م؛ ويقع إلى جانبها آثار جامع دارس. وهي في ذلك تشبه مئذنة قلعة جعبر ومئذنة جامع المنصور بالرقة ( 26 ). ونظرا لأن هذه المئذنة تقع على ارتفاع 287 م فوق مستوى سطح البحر، فإنها معرضة للغرق كليا. ولذلك تطلب الأمر دراسة إمكان نقلها إلى مكان بعد دراسات مستفيضة للاقتراحات المطروحة. وقد طبقت الطريقة نفسها التي طبقت في حالة نقل مئذنة مسكنة، أي قطعت إلى قطع حتى يتسنى بعد ذلك نقلها إلى مكانها الجديد. ويذكر الباحث أنه جرى احتفال رسمي لذلك الغرض حضره لفيف من المسؤولين والمهتمين مساء يوم 30 آب من عام 1972.وكان الكاتب يشغل آنئذ وظيفة مدير آثار المنطقة الشمالية ومتاحفها. وفي بدء العمل تم قص أولى فقراتها وفكها وتنزيلها في  ذلك الاحتفال. وانتهى العمل من إعادة بنائها في منتصف كانون الأول عام 1973 ( 27 ) .

يذكر البعض أن المئذنة بعد إعادة إقامتها، أصبحت أحسن حالا مما كانت عليه في مكانها القديم؛ كذلك أصبحت الشاهد الأثري الوحيد الذي يمثل حضارة حوض الفرات في أحدث مدينة من مدن القطر العربي السوري. ولا شك في أن الأمر يحتاج إلى متابعة لتحسين وضع تلك المئذنة وتشجيع زيارتها؛ وإلا شعرت بالغربة والإهمال، وحينها تعود سيرتها الأولى يوم كانت تقوم فوق جبل أبي هريرة لا تؤنسها سوى بنات أبي هريرة وتاريخ موقعة صفينالذي يعود إلى مطلع العهد الإسلامي بسوريا ( 28 ) .

 

4- مئذنة قلعة جعبر

 

عرفت قلعة جعبر باسم "قلعة دوسر" . وأكبر الظن أنها بنيت في العهد
السلجوقي ( القرن الخامس الهجري) : أخذها السلطان ملكشاه السلجوقي من صاحبها النميري من سابق القشيري عام 477 هـ أو 479 بعد أن قتل؛ وسلمها ملكشاه إلى سالم بن مالك بعد أن تسلم حلب منه وظلت بيد أولاده وأحفاده من بعده. ويبدو أن النميري هو الذي أعطى القلعة الاسم الذي لا تزال تحمله إلى يومنا هذا. ثم أخذها السلطان نور الدين محمود الزنكي عام 564 هـ. وظلت عامرة في العهدين الأيوبي والمملوكي. ويذكر أن نائب الشام المملوكي سيف الدين تنكز عندما كلف بترميمها، بذل جهودا كبيرة وأنفق أموال الخزينة بالشام من أجل ترميمها وإصلاحها. وبعد ذلك، أخذت مكانتها تضعف تدريجيا حتى عفا عليها الزمن في العصر العثماني. يتوسط القلعة جامعها الكبير الذي تقوم بجواره مئذنة مستديرة تتخذ شكل أسطوانة ترتكز على قاعدة م بعة مبنية بالآجر تنصب بطول نحو ثمان وعشرين مترا، وتعد من أجمل المآذن وأضخمها في سورية. ويوجد في أعلاها نص كتابي يشير إلى أن بانيها أو مجددها هو نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي. وهي تشبه مئذنة المسجد الجامع في مدينة الرافقة / ومئذنة أبي هريرة، وهما من القرن السادس الهجري والثاني عشر أو الثالث عشر الميلادي ( 29 ). ويرجح أن يكون هذا المسجد قد تهدم عام 658 هـ عند اجتياح المغول للقلعة والعالم الإسلامي الغربي. وأكبر الظن أن القلعة ظلت خرابا فترة طويلة من الزمن حتى قام المماليك بترميمها سنة 735 هـ. وبخصوص الشواهد الكتابية المتعلقة بالقلعة، فلدينا النص الذي أشرنا إليه سابقا، وهو عبارة عن

 

نص تأسيسي يقول : " هذا ما أنشأ مولانا الملك العادل المجاهد نور الدنيا والدين، ركن الإسلام  والمسلمين ، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين" ( 31)  .

5- مئذنة الدير العتيق بدير الزور :

كان يوجد في الحي القديم من مدينة دير الزور مسجد تقوم إلى جواره مئذنة مضلعة على الأرجح ( 32 ). وكانت في الوقت الذي شاهدتها فيه في وضع جيد. إلا أنه من سوء الحظ حدث ما يحدث في كثير من المدن العرية القديمة. فيبدو أن المخططين شعروا بأن الماضي أصبح عبئا على الحاضر، فقرروا إزالة العتيق برمته وأزيل الجامع وأزيلت المئذنة؛ فقد بذلك التراث الإسلامي في مدينة دير الزور معلما هاما من معالمه لا يمكن تعويضه ( 33 )  

 

مناقشة

 

مما سبق يتبين أن أبدان المآذن التي تحدثنا عنها بنيت بالقرميد المشوي وكذا قواعدها، فيما عدا قاعدة مئذنة الرقة التي بنيت من الحجر. كما نلاحظ أن مئذنة الرقة ومئذنة مسكنة منفصلة عن الجامع التابع لها. ومداخل المآذن كلها مرتفعة، في حين أن مئذنة مسكنة مدخلها منخفض قريب من الأرض. ففي الحالة الأولى، يصعد إلى المئذنة من السطح الخاص بالجامع أو بواسطة  سلم..أما في الحالة الثانية، فيصعد المؤذن مباشرة من المكان المنخفض من الأرض. وقد زينت أكثر هذه المآذن بتزيينات كتابية، وفي بعض الأحيان بأشكال إنشائية أو هندسية وبفتحات ( طلاقات) سهمية لجلب النور والهواء؛ ويمكن استخدامها في بعض الأحيان فتحات لإطلاق السهام. ولم يقتصر استعمال القرميد في البناء على بناء المآذن : فقد بنيت به المساجد والأسوار   والبوابات وغيرها لأسباب مر ذكرها. وهو تقليد نجده في أبراج سور الرقة وفي باب بغداد وقلعة  جعبر وأسوار مسكنة.

والمادة الأساسية التي يصنع منها القرميد متوافرة في منطقة الفرات. لذلك أقيمت الأفران لشي القوالب الطينية بعد تشكيلها. وهذا ما قامت به المديرية العامة للآثار والمتاحف بالجمهورية العربية السورية عند تصديها بكفاءة لترميم الأوابد الطينية في منطقة الفرات الأوسط، كأسوار الرقة وباب بغداد العائد للسور نفسه، وقلعة جعبر وهرقلة ومئذنة مسكنة ومئذنة أبي هريرة وغيرها. إذ تم إقامة فرنين أحدهما بقلعة جعبر، والآخر بهرقلة لتزويد ورشات الترميم بالقرميد المطلوب بعد شيه. وقد جاء مطابقا في أوصافه وتكوينه وقياساته. وقد قام الباحث بزيارتهما ومشاهدة إنتاجهما. كما أن بعض المؤسسات الحكومية قامت بصناعة بعض أنواع القرميد المتطور  للاستفادة منه في أعمال البناء والتزيين.

خاتمة

إن هذا النمط من المآذن  شاع في منطقة الفرات الأوسط في المنطقة الممتدة بين دير الزور  جنوبا ومسكنة شمالا. وقد يكون ذلك  لأسباب أتينا على ذكرها سابقا، ومنها المناخ الحار صيفا والبارد شتاء؛ كما أنه حارا أحيانا بالنهار، رطب ليلا. كما أن نقص الحجر المناسب والمقاوم  كان سببا في ذلك يضاف إلى ذلك السبب البيئي. و هناك أمر آخر يمكن استدراكه - ويتعلق بتاريخ هذه المآذن - وهو أن معظمها أقيم في العهدين السلجوقي والأيوبي، وهما عهدان يتمم أحدهما الآخر؛ ناهيك عن أن العهد الأول حمل معه كثيرا من التقاليد المعمارية الرافدية إلى سورية. وقد استفاد العهد الثاني من ذلك.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو : هل بالإمكان صيانة هذا النوع من المنشآت ؟ بالطبع، يمكن ذلك بكل سهولة. فمن قام بالأعمال الصعبة التي تتلخص في نقل مئذنتي مسكنة وأبي هريرة بوسائل غير مألوفة وغير مكلفة، يستطيع أن يرمم تلك المنشآت ويصونها، ويدخل في إطار الصيانة والتوثيق الذي يرى الباحث ضرورة القيام به وفق الأساليب العلمية المتفق عليها في مثل هذه الحالة. فهذه الأوابد، من مآذن وغيرها، تستحق أن يحافظ عليها لتظل شواهد حية على فترة زمنية هامة في تاريخ العرب والمسلمين تكاد تكون من ألمع فترات تاريخهم. فلولا انتصارتهم التي حققوها بفضل تعاونهم وتفاعلهم مع عقيدتهم، لكان العالم العربي الإسلامي مقاطعة صليبية إفرنجية، وبالتالي لانحسر الإسلام عن رقعة كبيرة من الأرض الإسلامية.

 

 

المراجع

 

 

سوبرديل، جانيين، الحوليات الأثرية السورية، مجلد 3، ج1 و 2، 1953، بام 4 و 5، 1954 / 1955.

ريحاوي، عبد القادر، الحوليات الأثرية السورية، مجلد 19،1969.

طوير قاسم، الحوليات الأثرية السورية، مجلد 34، 1984.

زقزق عبد الرزاق، دليل قلعة جعبر، مطبوعات المديرية العامة للآثار والمتاحف.

مجموعة من الباحثين، دليل مكتشفات حوض الفرات، النسخة العربية، 1974.

مجموعة من الباحثين، الرقة درة الفرات، دمشق، 1992.

شافعي فريد، العمارة العربية في مصر الإسلامية عصر الولاة، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، م1، 1970.

Raymond A., et Paillet J.L, Balis II, Damas,1955.

Creswell K.A.C.,A Short Account Of Early Muslim Architecture, A Pelican

Book,1958.

Middle East Guide,hacette, 1968.

Bloom J., Minaret symbol of Islam, Oxford Univ.,1987.

 

 

 



( 1 ) هدمت هذه المئذنة عند إزالة الدير العتيق بدير الزور قبل نحو عشرين سنة أو أكثر بقليل. وبإزالتها فقدت العمارة الإسلامية في سوريا نموذجا هاما من نماذج العمارة الطينية لسوريا. وأغلب الظن أنها كانت مئذنة مثمنة الشكل.

( 2 ) هناك استخدام للطوب المشوي في العصور التي سبقت العصر الإسلامي. فهناك أمثلة على ذلك في بالس وقصر ابن وردان وغيرها من المواقع السورية.

( 3 )  يقول الأستاذ الدكتور فريد شافعي ( في كتابه العمارة العربية في مصر الإسلامية، ص .648 ) : "شيدت المنارات في أقطار العالم الإسلامي لتؤدي معظمها وظيفتي الأذان والمراقبة، وخاصة في المساجد والأربطة الواقعة على سواحل البحر أو القريبة منها".

( 4 )  K.A.C. Creswell, Early Islamic Architecture, a Pelican Book, Penguin, 1958, P .5.

( 5 ) فرسد شافعي ، مرجع مذكور، ص.684.

( 6 ) Creswell, Op cit , P : 14 and P : 156.

( 7 ) فريد شافعي ، مرجع مذكور ، ص .648 ؛ و 14 . Creswell , Ibid , P

( 8 ) فريد شافعي ، المرجع نفسه ، ص.643،646.

( 10 ) المرجع نفسه ، ص.647.

( 11 ) عبد القادر ريحاوي، "إنقاذ منطقة سد الفرات"، الحلويات الأثرية السورية، مجلد 15، ج1، ص.65.

( 12 ) المهندس يوسف جبلي، آثار الفرات، معرض مكتشفات الحملة الدولية لإنقاذ الفرات، 1974، ص.22.

( 13 ) المرجع نفسه والصفحة نفسها. ولمزيد من التفصيل عن مئذنة بالس / مسكنة، أنظر : الحوليات الأثرية العربية السورية، تعريب كامل عياد، المجلدات 4 و 5 ( 1954 و 1955 ).

( 14 ) يوسف جبلي، مرجع مذكور، ص.22،23.

( 15 ) تمت قراءة شريط الكتابة الأخير الذي كان مستعصيا على الباحثين ( دليل مكتشفات حوض الفرات،ص.111).

( 16 ) المرجع نفسه.

( 17 ) مجموعة من الباحثين، الرقة درة الفرات، دمشق، 1992، ص.314.

( 18 ) المرجع نسفه ، ص.315.

( 19 ) قاسم طوير، الحوليات الأثرية العربية السورية، م 34، 1984، ص.60/ ب؛ الرقة درة الفرات، مرجع مذكور،ص.313.

( 20 ) قاسم طوير، المرجع نفسه والصفحة نفسها.

( 21 ) الرقة درة الفرات، مرجع مأثور، ص.313.

( 22 )  Crewell, Opcit., Early Musium Architecture, P .187. . ويورد كتاب " الرقة درة الفرات" في ص.317. أن أطول الجامع هي 98x110 سم. وهي مختلفة قليلا عما ذكره كرزويل.

( 23 ) الرقة درة الفرات، مرجع مذكور، ص.314.

( 24 ) دليل مكتشفات حوض الفرات، مرجع مذكور، ص.20.

( 25 )   Middle East Guide, Hacette, 1966, P .484

( 26 ) قاسم طوير، الحوليات الأثرية، مرجع مذكور ، م 34، 1984 ، ص.62 / ب؛ عبد القادر ريحاوي، "إنقاذ..."، مرجع مذكور، م 15، ج1، ص.65.

( 27 ) دليل مكتشفات حوض الفرات، مرجع مذكور، ص.21.

( 28 ) نقيت في المكان بعثة لمدة قصيرة جدا، وكنا نأمل أن نعرف تاريخ الموقع على وحه الدقة؛ إلا أن البعثة لم تنشر أي شيء عن تنقيباتها.

( 29 ) عبد القادر ريحاوي ، "إنقاذ...." مرجع مذكور، ج1، م15، ص.65؛ دليل مكتشفات حوض الفرات، مرجع مذكور، ص 44.

( 31) أنظر عبد الرزاق ، دليل قلعة جعبر، نشر المديرية العامة للآثار والمتاحف.

( 32 ) إذا لم تخن الباحث الذاكرة؛ إذ شاهدها لأول مرة منذ ما يزيد على خمسة وثلاثين عاما.

( 33 ) من المؤسف أن هذه المئذنة والمسجد لم يوثقا لينتفع بذلك الباحثون والدارسون. إلا أن هناك نفرا من أهالي دير الزور يحتفظ ببعض الصور للمئذنة.