معالم من التجربة الفلسفية لابن طفيل

 

 

الأستاذ إبراهيم بنعبد الله بورشاشن

كليــــــــــة الآداب - مكنـــــــاس

 

 

تعتبر "قصة حي بن يقظان" لابن طفيل من أجمل النصوص الفلسفية التي خطها فيلسوف عربي مسلم. ومن الغريب أن هذا الأثر الفلسفي اليتيم قد مات بموت صاحبه، وإن عرف هنا أو هناك، عرف تحت اسم آخر غير اسم الرجل الذي قدم مجمل الموضوعات والإشكالات التي عرفها تاريخ الفلسفة في إهاب قصصي جذاب، والغريب كذلك أن هذه الرسالة الفلسفية لا يزال الغبن يلاحقها، فمنذ أن لفت بوكوك عناية الدارسين لها حيث ترجمها إلى اللاتينية سنة 1671، وهذا الأثر الفلسفي يشكو من أكثر من شكاة؛ ففضلا عن عدم وجود أي تحقيق علمي له رغم تعدد نشراته، فهو يشكو من قلة الاحتفال العلمي به. فإنه رغم كثرة الدراسات التي أنجزت حوله فإن هذه الدراسات لم تقرأ الرسالة كنص متكامل في سياقه الاجتماعي - الثقافي وتقف عند لغته ورموزه. إذ أن الدراسات التي حاولت أن تقدم قراءة نقدية تراعي النص ولغته ورموزه وسياقه الاجتماعي - الثقافي دراسات نادرة، وإن كانت قراءة بهذا المعنى لاتزال في طي المشاريع ...

وإن تفحصنا لبعض هذه الدراسات أوقفنا على ملاحظة هامة، وهي أن
هذه الدراسات تتعامل مع نص ابن طفيل معاملة تجزيئية حيث تجد نفسها تقطع
النص أوصالا وتباعيض، وتغيب عنها النظرة المتكاملة له. فتنزع في قراءته إما
منزعا تقمصيا، فترى فيه "سيل الخلاص" كما نجد مثلا في قراءة الشيخ عبد الحليم
محمود، وإما تقرأه إسقاطية، فتراه سابقا إلى كثير من الكشوف التي عرفها العلم

الحديث كما نجد ذلك عند بعض الدارسين العرب، أو تقرؤه قراءة تاريخية تربطه بأصول يونانية أو هندية كما نجد ذلك عند كثير من المستشرقين. وسنحاول في هذا البحث أن نعرف بهذا الفيلسوف وكتاباته قبل أن نضرب إلى فلسفته نتعرف على بعض من معالم هذه التجربة الفلسفية الغنية لفيلسوف الموحدين بدون منازع.

1- حياة ابن طفيل؛ نظرة موجزة :

لا يحدثنا التاريخ عن السنة التي ولد فيها ابن طفيل، في حين لا نجد صعوبة في الوقوف على تاريخ وفاته. فقد وقع الإجماع على أنه توفي سنة 581 هـ، أما إذا أردنا أن نتحمل من أجل الوقوف على سنة ميلاده، فإن القرائن لا تدل سوى على أنه قد يكون ولد بين سنة 495 هـ وسنة 505 هـ، فهذا ليون غوتييه يؤكد أن ابن طفيل ينتمي إلى الجيل السابق لجيل ابن رشد، ففي اللقاء الشهير الذي دعا ابن طفيل فيه ابن رشد إلى "شرح" كتب أرسطو، يعتذر ابن طفيل عن القيام بهذه المهمة بكبر السن(1). وهكذا ففي الوقت الذي يكون فيه ابن رشد في أتم نضجه، يكون ابن طفيل شيخا مسنا، وفي وقت لاحق سيتنازل ابن طفيل عن دور طبيب الخليفة لابن رشد - حسب ل. غوتييه(2) -، وأخيرا يموت ابن طفيل سنة 581. ففارق السن

بينهم يكون بين 15 إلى 25 سنة. وقد جزم خير الدين الزركلي بأن سنة ولاده ابن طفيل هي 494 (3).

وأما اسم ابن طفيل فهو محمد، وأما اسم أبيه فهو عبد الملك، أما اسم القريب فمحمد، وأما اسم جده البعيد فطفيل. ولا نعرف شيئا عن أبيه، ولا عن جدوده، وتؤكد الكتب التي أوردت نسبه على رفع نسبه إلى القبيلة العربية الشهيرة قيس بن غيلان(4).

أما عن مسقط رأسه، فتذهب جل المصادر إلى أنه ولد في واد آش(5) ، وهي "مدينة بالأندلس قريبة من غرناطة، كبيرة خطيرة، تطرد حولها المياه والأنهار، ينحط نهرها من جبل شلير، وهو في شرقها -  وهي على ضفته ولها عليه أرجاء لاصقة بسورها، وهي كثيرة التوت والأعناب وأصناف الثمار والزيتون والقطن بها كثير ..."(6). وإذا كان ابن طفيل قد قضى في هذه المدينة الجميلة طفةلته، وصدرا من شبابه، فلعل جو هذه المدينة أن يكون هيأ لفيلسوفنا مكانا هادئا للتأمل، وساهم كثيرا في إرهاف حسه. ووادي آش فضلا عن ذلك مدينة أنجيت كثيرا من العلماء يصادفهم الباحث، وهو يطالع كتب الرجال والطبقات التي اهتمت بالتأريخ لرجال العلم والأدب في الأندلس.

 

 

 

أما عن أسرة ابن طفيل، فنعرف أن ابن طفيل خلف ثلاثة أبناء على الأقل، لعل أكبرهم هو أبو بكر(7) الذي ينسب إليه عادة ابن طفيل ثم جعفر(8). ثم ابنه يحي الذي التقى به صاحب "المعجب" بمراكش سنة 603 وأنشده من شعر لأبيه(9).

أما عن استمرارية أسرة ابن طفيل، فهذا ابن رشيد، يلتقي بحفيد ابن طفيل "أبي زكرياء يحيى بن أحمد ابن يحيى بن محمد بن عبد المالك ابن طفيل القيسي"، ويمده بكتاب نادر لابن طفيل في انتقال مصحف عثمان من قرطبة إلى مراكش(10). وكان أبو زكرياء هذا وزيرا، وهو أمر ذو دلالة على منزلة أسرته العلمية والسياسية عند المرينيين.

لقد كان ابن طفيل رجل علم وسياسة، ولا نعرف الكثير عن حياته العلمية ولا عن حياته السياسية، سوى بعض الشذرات لا تغني كثيرا في هذا المجال؛ لكن لا يجب الإشارة إليه هو أن ابن طفيل لم يكن غريبا عن ثقافة عصره بكل أشكالها ولويناتها، فدرس الفقه على يد عبد الحق بن عطية وأبو محمد الرشاطي، والأدب على يد ابن شرف، كما درس الفلسفة على شيوخ لم يحفظ لنا التاريخ ذكر أحد منهم، وغير ذلك من العلوم التي كرع من معينها والتي أهلته لوظائفه في الدولة الموحدية، حيث نجده في سنة 540 هـ كتابا لابن ملحان الطائي(11)، ثم بعد ذلك سنة 548 هـ كتابا لوالي غرناطة أبي سعيد(12). ثم كتابا له سنة 549هـ عندما عين

 

واليا لسبتة وطنجة(13). وفي سنة 552 هـ يسجل ابن طفيل لعبد المومن بن علي حدث نقل المصحف العثماني من قرطية إلى مراكش(14). وفي سنة 533 هـ يأمر عبد المؤمن ابن طفيل بكتابة قصيدة يستدعي فيها العرب من بين سليم(15)، ثم نجده سنة 565 هـ يكتب قصيدة أخرى لأبي يعقوب يوسف يستدعي فيها العرب إلى الجهاد(16). وفي سنة 576 هـ يكتب قصيدة للخليفة يبشر فيها بفتح قفصة(17). ونجده قبل ذلك في مرض الخليفة أبي يعقوب يكثر الدخول عليه للرعاية(18). ثم يتوفى سنة 581 هـ ويحضر الخليفة أبو يوسف يعقوب جنازته، كرمز على المنزلة الخاصة التي نالها ابن طفيل في قلوب الأسرة الموحدية، فقيها وطبيبا وفيلسوفا ووزيرا(19). ويبدو أن هذه المنزلة لم يكن وراءها فقط تمكنه من الثقافة الإسلامية، وإنما كذلك رعايته لخليفة الموحدين يوسف بن عبد المؤمن وتربيته له، وسيرته الشخصية التي رفعها البعض
إلى درجة سيرة الأولياء
(20). وكذلك ثقافته العلمية الواسعة وتكوينه الفلسفي

 

 

كما سلف؛ وقد خلف ابن طفيل آثارا أدبية وعلمية فلسفية تبين مدى مساهمته في علوم عصره.

2- آثار ابن طفيل :

لقد نسب الذين ترجموا لابن طفيل الفيلسوف آثارا علمية، منها ما كتبه ابن طفيل، ومنها ما يبدو أنه لم يكتبه قط، ومنها ما يبدو أنه لا يزال مفقودا.

* أما الآثار التي كتبها ابن طفيل، وتوجد بين أيدينا، فهي رسالته الفلسفية "حي اين يقظان"، و"أرجوزته الطبية"، ونصوص أدبية أخرى.

أ- ليس هناك من شك في أن ابن طفيل هو مؤلف رسالة "حي بن يقظان"، فقد أشار إلى ذلك صاحب "المعجب"(21)، ونسبها له ابن الخطيب في "الإحاطة"(22)، كما أن المخطوطات التي بين أيدينا لهذه الرسالة الفلسفية ممهورة بتوقيع ابن طفيل، وإن كان في بعضها زلل واضح كما نجد مثلا في "مخطوط الجزائر" الذي ينسب الرسالة خطأ إلى ابن سينا، وقد عاينته. وفي مخطوطي القاهرة وليدن اللذين ينسبان الرسالة خطأ إلى ابن سبعين وقد عاينهما ليون غوتييه، وهذا الزلل وقع فيه أيضا ابن خلدون عندما نسب الرسالة خطأ إلى ابن سينا وذلك في معرض لمالجته لـ "صناعة التوليد" حين ذكر رأي الفارابي وحكام الأندلس في "عدم اتقراض الأنواع، واستحالة النقطاع المكونات، وخصوصا النوع الإنساني" فقال : "وتكلف ابن سينا في الرد على هذا الرأي لمخالفته إياه، وذهابه إلى إمكان انقطاع الأنواع، وخراب التكوين، ثم عوده ثانيا لاقتضاءات فلكية وأوضاع غريبة تنذر في الأحقاب بزعمه، فتقتضي تخمير طينة مناسبة لمزاجه بحرارة مناسبة فيتم تكونه إنسانا، ثم يقيض له حيوان يخلق فيه إلهام لتربيته والحنو عليه، إلى أن يتم وجوده وفصاله. وأطنب في بيان ذلك في الرسالة التي سماها رسالة حي بن يقضان(23). مما دفع غرسية غومس في دراسة له أن يستخلص بأن هناك رسالة ثالثة لـ "حي بن يقظان"

 

غير التي كتبها ابن سينا وابن طفيل، والتي من الممكن أن تشبه أكثر الرسالة السينوية، وقد رد ليون غويتة على هذا الزعم، ولكن ميغل كروس قدم سنة 1949 في رسالته للدكتوراه ما يدعم به أطروحة غومس، ولكن حجمه لم تتوجه إلى أساس المشكل(24). بل إن طائفة الكويكرز قد عرفت هذه الرسالة الفلسفية وجعلتها من المراجع الأساسية في تربية مريدها لفترة طويلة قبل أن تعرف أنها لفيلسوف عربي ! وهذا الخطأ في نسبة الرسالة إلى صاحبها يطرح - من جملة ما يطرح - مشكل موت نص حي بن يقظان بموت صاحبه ابن طفيل. إن موت نص ابن طفيل بعد وفاة صاحبه يطرح تساؤلات مهمة حول وضعية المناخ الثقافي الذي أنتج فيه النص؛ فقد كان فذا المناخ يعادي العمل الفني بعامة والشعري بخاصة كما يتجلى خاصة في شعور حازم القرطاجي بالاغتراب عن عصره، كما كان يعادي العمل الفلسفي - كما بين ابن طفيل نفسه ثم ابن رشد - فضلا عن أن نص ابن طفيل يدخل في باب "الاختلاف الامتناعي » وهو باب غير مثمن في النقد البلاغي القديم(25). ومن هنا، فلعل الانحطاط الثقافي العام هو الذي كان وراء الصمت الكبير الذي أحاط بنص ابن طفيل، كما أحاط بنصوص معاصره ابن رشد.

أما عن الدراسات التي تناولت النص فهي في مجملها لاتزال نادرة، ولا تزال في كثير منها أبعد عن ملامسة النص في طبيعته وإشكالياته، إذ أن هذا النص - رغم صغر حجمه - يثير صعوبات كبرى، وإشكاليات أكبر، ويتطلب مقاربات متعددة، ولعل أقرب طريق لمقاربة هذا النص هو الطريق المونغرافي إذ أن تضافر الجهود ضرورة للقيام الجاد بشأن هذا النص الأدبي والفلسفي الخالد، وكل دراسة مفردة، ستظل دراسة قاصرة مهما ادعت من دعاوي وبذلت من جهد ...

ب- لم يذكر الأجورة الطيبة - ممن أرخوا لابن طفيل - سوى ابن الخطيب، وأطلق عليها اسم "الأجوزة الطبية المجهولة"(26)، وإن كانت الإشادة بمهارة ابن طفيل الطبية
 تمت بأكثر من قلم؛ فقد ذكر صاحب "القرطاس" أن ابن طفيل كان من
أهل الحدق بصناعة الطب والنظر في الجراحات
(27)، كما نسبه إلى الطب صاحب "الإحاطة"(28) و"الذيل والتكملة"(29) و"المطرب"(30) و"المقتضب"(31) و"البيان المغرب"(32).

لكن الأرجوزة اليوم لم تعد مجهولة، فقد تم اكتشافها، وإن لم تعرف بعد طريقها إلى النشر، وتوجد نسختها الوحيدة في خزانة القرويين بفاس، "تحت رقم 1969"، وتحتوي الأرجوزة على أكثر من 7700 بيت من الرجز السهل الواضح البين ... وهذه النسخة تشمل على ثمان وأربعين ومائة ورقة من مقياس 30 × 21 إلا أنها عارية عن ذكر تاريخ نسخها وعن ذكر الناسخ نفسه، وكثير من أوراقها مصابة بالسوس والرطوبة، وقد ألف ابن طفيل ولأرجوزته على سبع مقالات ..."(33)، أما نسبة الأرجوزة لابن طفيل فأمر غير قابل للشك، فذلك ما تؤكده وثيقة التحبيس الموجودة في الهامش الأيسر من الورقة الأولى للأرجوزة حيث نقرأ : "حبس مولانا الإمام ... هذا الجلد المشتمل على رجز ابن طفيل"، فضلا عن الطابع التعليمي الذي يسودها؛ سواء من خلال الأسلوب الذي ضيعت به الأرجوزة، أو من  خلال التوجيهات الثانوية فيها، مما يشي بقرابة واضحة بين أرجوزته وبين رسالته "حي بن يقظان"، ويكشف عن شخصية ابن طفيل التربوية. وإن كان هذا النص الطبي لا يقدم كثيرا في فهم شخصية ابن طفيل الفلسفية، رغم انطواء الطب تحت "العلم الطبيعي" وارتباطه به، اللهم ما يمكن أن نكشف من خلاله عن الشخصية العلمية لابن طفيل، من خلال الوقوف على المعالم الكبرى للمنهج العلمي الذي يبلوه في الأرجوزة، أو من خلال الوقوف على بعض المفاهيم التي يشترك فيها الطب والفلسفة، فيشرف بها هذا العلم الطبيعي على بعض موضوعات العلم الإلهي.

 

 

وأرجوزة ابن طفيل فوق هذه كله موسوعة علمية كبرى في علم النبات وعلم الحيوان، يشيد فيها كثيرا بجالينوس بالحكيم(34). وأبقراط "الحكيم الفاضل"(35).

ج- خلف ابن طفيل أيضا من جملة ما خلف، بعض الآثار الأدبية التي كتبها من مناسبات مختلفة، ومن أهم هذه الآثار الموجودة؛ رسالته الرائعة في نقل المصحف العثماني(36)، وقصيدته في رخص العرب على الجهاد(37)، وأشعار متفرقة حفظها لنا صاحب "المعجب"(38).

والناظر في هذه الآثار يقف على الأقل على ملاحظتين اثنتين :

أولاهما، قدرة ابن طفيل الفائقة على الوصف، ترفدها دقة الملاحظة وجمال الأسلوب؛ فابن طفيل يعتني كثيرا بأسلوبه، من خلال اغترافه من معين تقنيات الخطاب الشعري الذي يقوم على التخييل. وهذا الأسلوب رافق ابن طفيل كثيرا في رسالته الفلسفية أيضا، مما يطرح مسألة العلاقة بين الأدب والفلسفة عند ابن طفيل كثيرا في رسالته الفلسفية أيضا، مما يطرح مسألة العلاقة بين الأدب والفلسفة عند ابن طفيل.

ثانيهما، ولوع ابن طفيل بالغرابة وكلفه بها، فرسالته الأدبية الرائعة في المصحف العثماني مثلا يتردد فيها مفهوم "الغريب" 09 مرات، كما يتردد فيها مفهوم "العجيب" 05 مرات، فضلا عن الفضاء العجائبي التي تحرص على خلقه في الرسالة من خلال مفاهيم كثيرة، وبخاصة مفهوم الكرامة التي يتردد في هذا النص الأدبي كثيرا. وهذا الولع يترجمه اختفاء ابن طفيل في قصته الفلسفية بكتاب المسعودي "أخبار الزمان"(39) واستفادته منه، وهو كتاب يعبق غرابة كله، ذكر فيه المسعودي كما قال : "طرفا من أخبار الروحانية على ما نقل إلينا ... على طريق التعجب لا من طريق التصديق"(40). وقد استعار منه ابن طفيل الفضاء العجائب لقصته "حي بن يقظان".

 

** أما الآثار التي يبدو أن ابن طفيل كتبها ولكنها لن تصل إلينا؛

أ- فمراسلاته الطبية مع ابن رشد، والتي يذكرها ابن أبي أصيبعة(41)، أما ليون غوتييه قينزع في دراسته عن ابن طفيل إلى القول بأن المؤلف الطبي الذي أشار إليه ابن الخطيب والمراسلات التي ذكرها ابن أصيبعة هي في الحقيقة مؤلف واحد(42)، وهو أمر أصبح مستبعدا بعد اكتشاف الأرجوزة. فيبقى إذن أن لابن طفيل كتابات أخرى في الطب لازالت مجهولة.

ب- كذلك لابن طفيل كتابات في الفلك، يبدو أنها هي أيضا لازالت مجهولة، وخاصة ما كتبه عن المواضع المسكونة من الأرض، كما أكد ذلك ابن رشد ومن الصعب أن نطمئن إلى ما قرره غوتييه من أن هذا المكتوب هو نفسه ما كتبه ابن طفيل في الفلك، في بدايات حكايته الفلسفية(43)، لأن النص الذي أشار إليه ابن رشد، يدخل في إطار سجالي جمع بين ابن طفيل والمسمى أبو عبد الرحمن بن طاهر، مما يؤكد أن الأمر يتعلق بمقالة أفردها ابن طفيل لهذه المسألة؛ مقالة في الرد على أقاويل خصم الإعتراض على مقدماته، وهي مقالة اطلع عليها ابن رشد، واعتبر أن أقاويلها جدلية. يقول ابن رشد :

"فهذه البراهين هب التي اعتمدها أرسطو في هذا الموضع، وهي كما ترى براهين طبيعية صحاح. وقد يمكن أن نستدل على هذا بدلائل غير هذه. وقد ذكرنا نحن في ذلك طريقا من البيان في الجوامع الصغار التي لنا هو لعمري صحيح، ومقدماته مأخوذة من "الحس والقياس". وقد أطال صاحبنا أبو عبد الرحمان بن طاهر القول في هذه المسألة، واستعمل في ذلك مقدمات كثيرة ر يخفى جنسها عند من ارتاض العلوم الطبيعية. لكن ما رام اثباته من ذلك حق هو لا شك فيه. وقد نازعه قوم من زمننا، وقد تكلف هو بالرد عليهم،
وأقاويلهم في ذلك مشهورة بأيدي الناس. ولصاحبنا أبي بكر بن طفيل قول جيد في
الاعتراض على المقدمات التي استعملها في ذلك البيان، وقد ناقضه هو. وهي
كلها أو جلها أقاويل جدلية"
(44) ونحن نعد هذه المقالة مما لا يزال مفقودا من مؤلفات ابن طفيل.

*** أما الكتب التي يبدو أن ابن طفيل لم يكتبها قط، فرسالة في علم الفلك، ورسالة في النفس.

أ- أما الرسالة في الفلك، فقد ذكر البطروجي أن ابن طفيل وعد بكتابة رسالة فلكية، يبسط فيها ما توصل إليه من حقائق جديدة في علم الفلك قد تعتبر فتحا جديدا فيه، لكن البطروجي صاحب ابن طفيل وتلميذه لم يؤكد هذا الأمر ولم ينفه. فيقول : "وقد علمت بأن أبا بكر ابن طفيل رحمه الله تعالى، كان يذكر لنا أنه عثر على هيئة وأصول لتلك الحركات غير ذينك الأصلين اللذين وضعهما بطليموس، ودون أن يضع فلكا خارج المركز أصلا، ولا فلك تدوير، وتصح معه تلك الحركات جميعا ودون أن يلزم عنها شيء من المحال. وكان وعد أن يكتب فيه، ومكانه من العلم بحيث لا يجهل"(45) لكن يبدو من سكوت البطروجي هذا أن وعد ابن طفيل ظل معلقا، وأن انصرافه - كما قال في اغتذاره لابن رشد عن معالجته لنصوص أرسطو - إلى همومه السياسية، وهمومه التأملية"(46)، قد حال بينه وبين هذه الكتابة، وربما كتابات أخرى كانت ستغني البحث في العلم العربي الإسلامي.

ب- أما الرسالة في النفس، فقد ذكر المراكشي أنه رأى بخط ابن طفيل
"رسالة في النفس". وقد نال هذا القول من لدن مؤرخي الفلسفة احتفاء كبيرا، وتم قبوله
كقول لا يرقى إليه الشك، كما يلاحظ ل. غوتييه، بحجة ان المراكشي مؤرخ ثقة،
ويتحدث عن كتاب رآه بأم عينيه، وهو فضلا عن ذلك عرف يحيى ابن الفيلسوف
الذي قدم له ما تركه أبوه من مخطوطات، فكيف يشك بعد ذلك في

 

 قوله ؟ لكن الحجج التي يقدمها ل. غويتييه لتنفيذ هذا الزعم، قد تجعل دعوى المراكشي هذه متسرعة وباطلة(47).

إن المراكشي عند غوتييه يكون دقيقا عندما يكتب في التاريخ، لكنه عندما يخرج عنه إلى ميدان آخر كالفلسفة مثلا فإنه يفقد دقته، ويقدم دليلا على ذلك ثلاث أو أربع هفوات زل بها المراكشي في نظره، وبان بها عدم تحقيقه.

أولى هذه الهفوات، زعمه أن ابن طفيل تتلمذ على يدي ابن باجة في حين ان ابن طفيل نفسه في رسالته ينفي هذا الزعم، وهو ما يلقي ظلا من الشك حول قراءة المراكشي لرسالة ابن طفيل.

ثانيهما، زعمه ان رسالة حي بن يقضان "في الطبيعيات ... غرضه فيها بيان مبدأ النوع الإنساني على مذهبهم" أي الفلاسفة. ويعتقد ل. غوتييه أن هذا القول يحمل أكثر من خطإ :

- إن القصة لا تنتمي إلى العلم الطبيعي، فالثلث الأول منها هو الذي يمكن أن ينسحب عليه هذا القول.

- أن الغرض من الرسالة ليس بيان مبدإ النوع الإنساني، لأن ميلاد "حي" من غير أم ولا أب حسب ل. غوتييه، هو حدث استثنائي فريد وتخيل حاذق يهيئ ويكمل تخيلا آخر؛ تخيل فيلسوف يعلم نفسه بأقصى معاني الكلمة. وهذا القول لهذا الباحث يمكن ان يناقش.

3- أن هذا التولد الذاتي ليس حسب غوتييه مذهب الفلاسفة، وهو قول مردود
على غوتييهن فإن أرسطو يقول به في كتاب "الحيوان" وإن  بمستوى معين
(48)،

 

كما يقول به الشيخ الرئيس حيث نجد ابن رشد يحكي عن ابن سينا، بأنه "يقول إنه ممكن أن يتولد الإنسان من تراب، كما يتولد الفأر" ولكنه "وإن كان يعتقده ... لم يقله موافقة لأهل زمانه ..."(49).

إننا دون أن نسلم لغوتييه فلسفيا بما يقرر من أحكام، فإننا نأخذ باستنتاجه في أن المراكشي لم يقرأ رسالة ابن طفيل، ونرجع احتماله في أن يكون هذا المؤرخ قد عرضت عليه نسختان من "خي"، فأخذ إحداهما على أنها رسالة في النفس، والأخرى على أنها قصة "حي"، ويكون المراكشي بذلك لم يقرأ كتاب النفس المزعوم، كما لم يقرأ قصة "حي بن يقظان" كلها. ومما يقوي هذا الإفتراض أن مخطوطا بمدريد ظن لأمد على أنه كتاب النفس المفقود في حين أنه ليس نسخة من الرسالة الفلسفية، "حي بن يقظان"(50). وينتهي ل. غوتييه إلى القول إن ابن طفيل لم يكتب سوى رسالة "حي بن يقظان"(51) وهو جزم بعد اكتشاف كتابات أخرى لابن طفيل في حاجة إلى مراجعة.

3- الصلة بين شخصيات ابن طفيل وابن سينا :

إن قراءة قصة "حي ابن يقظان" لابن طفيل بمعزل عن التراث الأدبي -
الفلسفي السينوي هي قراءة قاصرة، فإن هذا التراث، وخاصة في جانبه القصصي

الذي اقتبس منه ابن طفيل شخصيات قصته الفلسفية، يعتبر من المداخل الأساسية لفهم جوانب مهمة من هذه الرسالة الطريفة، سواء على مستوى شكلها أو على مستوى مضمونها، فكيف ذلك ؟.

استعار ابن طفيل الشخصية الرئيسية لقصته، من رسالة لابن سينا تحمل نفس العنوان، فقد كتب ابن سينا قصته الفلسفية، "حي ابن يقظان"(52)، من أجل "الدعوة إلى السفر برفقة ملك الإشراف"(53)، للسياحة في العوالم الممكنة، وبلوغ أقصى كمالات الإنسان. وقد رمز لهذا الملك بالشيخ المهيب "حي بن يقظان"، "الذي يحترف السياحة في أقطار العوام"، ووجهه لا يحيد عن "أبيه الدائم الحياة" والذي سلم له مفاتيح العلوم كلها، حتى أحاط بكل شيء خبرا. ويشترط هذا الشيخ الكامل، على من يطمع في هذه السياحة، ليدرك كماله، أن يعلم استحالة السياحة الخالصة، وأن يقنع بالسياحة المدخولة مركز على استحالة التجرد من المادة. وأن يتخلص من "رفقة السوء"؛ ورمز الشهوات. ويرقى عن "الخافقين"؛ رمز العالم المحسوس. عندئذ في السياحة والترقي، حتى يدرك "الملك المطاع"، ويذوق لذة الوصال؛ رمز واجب الوجود، والفناء والمشاهدة. ويحرص هذا الشيخ، - وهو يصف العوالم، وعلاقة الملك بأمته التي هي في وصال دائم؛ تمتع النظر إلى وجهه، فيغض الدهش أطرافهم، - على التشويق والترغيب في اتباعه من أجل السياحة.

ذلك باختصار شديد السمات الكبرى لحي "ابن سينا. وما يقيم العلاقة بين الشخصيتين السينوية وشخصية ابن طفيل أن كليها على الأقل يحترف السياحة بلغة ابن سينا
والجولان بلغة ابن طفيل. أما الشخصيتان المعينتان ل "حي" ابن طفيل، على
اكتشاف الدين والمجتمع؛ آسال وسالمان
(54)، فاقتبسهما ابن طفيل من قصة نوه بها ابن
سينا في القسم الأخير من سفره "الإشارات والتنبيهات"، وأومأ إلى انها من الرموز

التي تحمل معاني جديرة بالتأمل. قال ابن سينا : "وإذا قرع سمعك فيما يقرعه، وسرد عليك فيما تسمعه، قصة لسلامان وأبسال، فاعلم أن سلامان مثل ضرب لك، وأن أبسالا مثل ضرب لدرجتك في العرفان إن كنت من أهله. ثم حل الرمز إن أطلقت"(55). ويقدم الطوسي - شارح ابن سينا - إمكانات لحل هذا الرمز السينوي المعلق(56)، فيؤكد أن كلام ابن سينا يشعر "بوجود قصة يذكر فيها هذان الإسمان، ويكون سياقهما مشتملة على ذكر طالب ما لمطلوب لا يناله إلا شيئا فشيئا، ويظفر بذلك النيل على كمال بعد كمال، ليمكن تطبيق سلامان على ذلك الطالب، وتطبيق آسال على مطلوبه ذلك، وتطبيق ما جرى بينهما من الأحوال على الرمز الذي أمر الشيخ بحله". فيأتي على ذكر قصة يراها الطوسي، مطابقة لما ذكره ابن سينا. وهذه القصة تدور في ظاهرها حول تيمة الحب والانتقام؛ وتضمر في باطنها رموزا وأسرارا نحاول تلخيص هذه القصة لبيان مواطن التأثير  والتأثر :

أحبت زوجة سالمان، أخاه الأصغر آسال، الذي نشأ في كنف أخيه الأكبر، حتى استوى شابا ذا بسطة في العلم والجسم، وكمال في الخلق والشجاعة. فأغرمت به المرأة وأوعزت إلى سالمان أن يشجع اخاه على مخالطة أهله، حتى يسرقوا منه طابعه العالية. ولما اتتها الفرصة وخلت به، راودته عن نفسه فاستعصم. ودبرت حيلة؛ فأوحت إلى زوجها أن يزوج آسال أختها، حتى إذا جاء الليل، "باتت امرأة سالمان في فراش أختها ... وقد تغيم السماء في الوقت غيما فلاح منه برق أبصر بضوئه وجهها، لإزعجها، وخرج من عندها،وعزم على مفارقتها"، فطلب من أخيه، أن يبعثه في مهمة عسكرية، فلما طال غيابه، وأيقن أن زوجة أخيه سلته، رجع، فعادت لمراودته، فلما استيأست منه، تملكتها شهوة الانتقام؛ فأوعزت إلى الجنود أن يخذلوه في الحرب، ففعلوا وتركوه مضرجا بدمائه، وقد أيقنوا هلاكه. فأتته "مرضعة من حيوانات الوحش، ألقمته حلمة ثديها، واغتدى بذلك، إلى أن انتعش وعوفي". فعاد إلى البيت، فـ"واطأت [المرأة] طابخه، وطاعمه، وأعطتهما مالا، فسقياه السم" فمات. فحزن عليه سالمان، وفزع إلى العزلة يناجي ربه، إلى أن "أوحى إليه جلية الحال"، فانتقم من قتلة أخيه آسال.

ويمضي الطوسي في فلك رموز هذه القصة، مؤكدا أن سالمان هو "مثل للنفس الناطقة. وأبسال مثل للعقل النظري المترقي إلى أن حصل عقلا مستفادا، وهو درجتها في العرفان، إذ كانت تترقى إلى الكمال ..."، منتهيا في الأخير، إلى "أن هذا التأويل مطابق لما ذكره الشيخ، ومما يؤيده أنه قصده بهذه القصة، أنه ذكر في رسالة - في القضاء والقدر - قصة سالمان وأبسال، وذكر فيها حديث لمعان البرق من الغيم المظلم، الذي أظهر لأبسال وجه ارمأة سالمان، حتى أعرض عنها". وهو ما أوله الطوسي بـ"الخطفة الإلهية التي تسنح في أثناء الاشتغال بالأمور الفانية ...". ونحن لا نشك ان ابن طفيل قد اطلع على هذه القصة، وتأثر بها. لكن هناك قصة أخرى، تمت الإشارة إليها آنفا، وهي قصة "الملك والصنم"، وهذه بدون شك ابن طفيل.

إن العناصر التي نعتبر ان اين طفيل استلهمها من فلسفة ابن سينا، وخاصة من رسالتي "حي ابن يقظان" و"آسال وسلامان" السينويتين، باعتبارهما تضمان كثيرا من هذه العناصر السينوية، التي هي من أسرار هذه الحكمة المشرقية التي نوه بها ابن طفيل في بداية رسالته الفلسفة، هي : القول بالتولد الذاتي، وجوهرية النفس، والقول بـ"ألوهية" الأجرام السماوية، والقول بالمجاهدة،والقول بالحياة بعد الموت، وهي عناصر تخترق النص الفلسفي وتشكل لحمته الأساسية.

لكن كيف فهم ابن طفيل "حي ابن يقظان" و"أسال" و"سلامان"، وأي زظيفة قاموا بها في رسالته الفلسفية ؟.

لقد اختار ابن طفيل لبطل قصته اسم "حي ابن يقظان"، و"الحي هو الدارك
الفعال [إذ أن] خاصية الحياة الإدراك والفعل"
(57)، وهو "المتحرك من ذاته

بحركات محدودة نحو أغراض وأفعال محدودة تتولد عنها أفعال محدودة"(58) "واليقظان هو المستعمل للحواس"، فجمع له بين الإدراك العقلي وبين الممارسة العلمية الخاضعة للتدبير. وهكذا أدرك "حي" باشتغاله المضمي بحواسه، وبتفتحه الفكري الناتج عن فطرته الفائقة معرفة نظرية وعلمية كاملة، وتحرك بالفعل ذاتي واع، وبتدبير كبير - مشدوها بلغز هذا الوجود - لبلوغ الكمال الميتافيزيقي. فـ "حي" إذن يرمز عند ابن طفيل لأدوات المعرفة في تحررها وتفتحها وتألقها وشوقها إلى المعرفة التي ترمي بالذات من خلال أفعال محدودة في أتون المطلق.

أما "آسال" ابن طفيل فيرمز "للعقل الديني" الذي يترقى في المعرفة مكسرا طوق التقليد متجاوزا ظواهر النصوص، كلفا بالتأمل والغوص على المعاني، محبا للعزلة المعنية على ذلك حتى يصل بمساعدة "حي" إلى درجة الاتصال. إن هذا العقل، بمواصفاته التي حرص ابن طفيل على التشديد عليها، هو وحده القادر على التجاوب مع "العقل الفلسفي" الذي يمثله "حي بن يقظان". ولذلك سيجسد ابن طفيل من خلال لقاء "آسال" "بحي"، واطمئنان بعضهما لبعض، وتبادلهما لتجاريهما، غخاء "الفلسفة" والشريعة، و"المحبة الطبيعية" التي تحدث عنها ابن رشد في "فصل المقال"، ولا يخفى أن هناك قرابة واضحة بين "الآسلين"؛ "آسال" ابن سينا وآسال ابن طفيل، وإن لم يكن بينهما تطابق تام؛ فكلاهما ترقى في مراقي المعرفة، حتى بلغ درجة من الكمال.

أما "سالمان" ابن طفيل فرمز "للعقل الديني"، والوقاف عند الظواهر،
المحب للاجتماع الإنساني والحريص عليه، العقل غير مؤهل - عادة - لفهم
"الحكمة" والتجاوب معها. وقد أسند ابن طفيل لسالمان نفس الوظيفة التي أسندها
ابن سينا لسميه، فكلاهما "ملك"، وإن كانت الأدوار التي قام بها كل منهما
منسجمة مع السياق الفلسفي - الأدبي للقصة. ففي رسمه لصورة سالمان يقدم لنا ابن
طفيل معالم الشخصية الأندلسية التي ينبو ذوقها عن التفلسف ويعسر عليها فهم الحكمة، ولا

تستطيع أن ترفع إلا يفاع الاستبصار، "لما ركب في طباعه [ا] من الجبن عن الفكرة" ووقوفها عند ظواهر النصوص،وبعدها عن التأمل والتأويل الناتج عن نقص فطرتها. فهذا النقض هو العائق الكبير الذي يقف دون هذه الشخصية وفهم الحكمة، وهو الذي يكمن وراء هذه الخصومة العميقة لها، فها هو سالمان وأهل جزيرته ينقبضون عن "حي" لما "ترقى عن الظاهر قليلا وأخذ في وصف ما سبق إلى فهمهم خلافه" ويشمئزون مما أتى به، ويستخطونه في قلوبهم - وهي نفس المشاعر التب بودلت بها الفلسفة عبر تاريخها في المجتمع الأندلسي، في حين لم يجد آسال الذي ربي بينهم أي حرج في فهم الحكمة، ولم يظهر عليه أي تردد في قبولها لما شعر به من استنارة أكبر وفهم لدينه أعمق. لكن للمجتمع منطقه وللخاصة منطقها، وهو من الدروس التي أراد ابن طفيل الوحي بها من خلال توظيفه لهذه الشخصيات السينوية.

4- أهمية قصة حي بن يقظان وموضوعها :

لقدكتب ابن طفيل رسالته الفلسفية - الأدبية وقسمها إلى ثلاثة أقسام؛

القسم الأول، يمكن النظر إليه باعتباره مقدمة في تاريخ الفلسفة يؤرخ فيه ابن طفيل لكثير من الإشكاليات التي عرفها تاريخ الفلسفة في الإسلام، منها إشكالية الاتصال، غشكالية الكتابة الفلسفية، إشكالية المعاد، وغيرها من الإشكاليات التي يطرحها تاريخ الفلسفة في الإسلام والتي عرض لها ابن طفيل بإيجاز كبير من خلال إثارته للصعوبات التي تكتنف النص الفلسفي الإسلامي، سواء من حيث القضايا التي يثيرها أو من خلال الأساليب التي عرض بها قضاياه هذه. وهذه الإشكاليات سيتردد صدى كثير منها في هذا النص الطريف. إم مقدمة "حي بن يقظان" تثير عند القارئ - من جملة ما تثير - مشكلة الكتابة الفلسفية، وكأن ابن طفيل نفسه يقول لنا إن ما سيكتبه سيكون مشكلا ولابد من النظر إليه ونظرا خاصا. فإذا كان الفارابي يعتقد أن أفلاطون اشتهر بكتابة الرموز والأساطير، وأنه عندما يذكر الحقيقة واضحة
يظنها القارئ رمزا وليس حقيقة، وعندما علم ذلك "واستبين أنه قد شهر بذلك، وعرف
الناس أجمع عنه ذلك، ربما عمد إلى الشيء الذي يريد ان يتكلم فيصرح به تصريحا
ظاهرا، فيظن القارئ والسامع لكلامه أن في ذلك رمزا، وأنه يريد به
خلاف ما صرد به"
(60). أفلا يمكن أيضا بهذه الجهة أن تنظر إلى نص ابن طفيل على انه مخادع ؟ وأن علينا أن ننتبه إلى الحالات القليلة التي يقال فيها الشيء في النص والذي يخالف الطبيعة التامة للكتاب، غذ أن الأمور المهمة تقال عادة في بعض الأحيان وخاصة عند فلاسفة يدركون خطورة القول الفلسفي ؟ ولعل هذا مصدر شعورنا في "أننا نجد دائما أكثر صدقا وعمقا ما نظن أننا وجدناه من خلال النص رغم مؤلفه"(61). وما يؤكد هذا الأمر هو تثمين ابن طفيل لطريقة الغزالي في الكتابة والتي أسسها على التمييز بين الآراء أو المذاهب في آخر كتابه "ميزان العمل"، والتي تثوي وراء هذا التناقض الذي يخترق نصوصه، والتي لا تفتأ يلمسها كل متعامل مع التراث الغزالي.

ثم قسم صغير، ختم به رسالته وقد جاء على شكل اعتذار. وهو قسم غني بالمعطيات التي تربط القصة بفضائها السوسيو - ثقافي. واعتذارا ابن طفيل في آخر النص، وإن كان من أجل توضيح أن ما قدمه في الرسالة لا يراد منه مخالفة طريق "السلف الصالح" - وإنما على العكس من ذلك، الإفصاح عما ظن به السلف من معرفة من جهة، والرد على منكري الشرائع من جهة أخرى، فاحتمى ابن طفيل بالسلف الصالح، وصرح بمقاصده من الكتابة الفلسفية، خفية ان ترشقه نبال المكفرين(62) - فإنه أيضا اعتذار عن عجزه الطبيعي عن التعبير الواضح عن موضوعات تلح على الفكر البشري إلحاحا كبيرا، وتند عن التعبير الواضح وتنفلت منه، واللجوء إلى التعبير عنها، يفقدها حقيقتها ويحيلها إلى شيء آخر.

وبين هذين القسمين، جاء القسم الأكبر من الرسالة كوحدة روائية متسعة، قسمها ابن طفيل إلى جملتين كبيرتين؛ جملة تشكل الجزء النظري من الرسالة، وجملة تشكل الجزء العملي منها، وتبتدئ هذه الجملة بظهور اسم الجنيد، وحضور مفهوم المشاهدة الذي سيحدث انقلابا في المشهد الميتافيزيقي للرسالة.

 

وتكمن أهمية الرسالة الفلسفية لابن طفيل، في أنها تقذف بقارئها في أعماق الفلسفة الإسلامية بتياراتها المختلفة، وبخاصة مع الفلاسفة الكبار، ليعيش معها في قالب تعليمي أخاذ، حيث تعرض الرسالة في شكل أدبي أهم الإشكالات التي أرقت فلاسفتنا سواء كانت تلك الإشكالات ذات طبيعة ميتافيزقية أو ذات طبيعة فلسفية - علمية، أو ذات طبيعة لغوية مرتبطة بالشكل الذي صيغة به تلك الإشكالات والقضايا الفلسفية. وإن وقوفا عند مقدمة الرسالة من جهة، وقراءة الرسالة على ضوئها ينير لنا معرفة كثيرة من الروافد التي شكلت النسيج العام للرسالة. وبخاصة لابد وأن يمر خاصة بفهم الكتب المتأخرة الفلسفية الباجية والغزالية، والكتاب السينوية ذات النفس المشرقي. باعتبار أنها تشكل أسس بناء فلسفته.

وتكمن أهمية التأثير الباجي في قرب العهد بين الفيلسوفين أولا، ثم ثانيا، لأن ابن اعتبر ابن باجة أول فيلسوف في المغرب، - ولا غرو أنه أول فيلسوف يأتي مباشرة بعد هجمات الغزالي على الفلسفة - وأفراد له حيزا مهما في مقدمته بحيث تكرر اسمه فيها كثيرا بشكل يلفت النظر، وفي هذه المقدمة حرص فيلسوفنا خاصة على المقارنة بين تجربته الفلسفية وتجربة أبي بكر بن الصائغ، ثم أخيرا وليس آخرا لأننا نلمس في مفهوم المتوحد الذي "استعاره" فيلسوفنا من ابن باجة الهيكل العام الذي بنى عليه ابن طفيل رسالته.

أما التأثير السينوي قيبرز من خلال هذه المواضع التي تعتبر من أسرار
هذه الحكمة المشرقية السينوية المفترضة التي استلهمها ابن طفيل. ويبدو أن ابن
سينا لم يكتب سفرا خاصا بالفلسفة المشرقية، إذ أن هذه الفلسفة - انطلاقا من
إحالات ابن طفيل - منبثة في أكثر من كتاب سينوي. ومما يؤكد ذلك ان بعض
الدارسين ذهبوا إلى أن نصوصا من الفلسفة المشرقية توجد في "الإشارات" وهو
ما تدعمه "جواشون"
(63)، وإلى ذهب د. الجابري(64)، وفي حواشي ابن سينا على
كتاب "الربوبية" المنسوب إلى أرسطو، يلاحظ كوربان أن من أصل ستة مواضع يستشهد

فيها ابن سينا بفلسفته المشرقية، هناك خمسة مواضع تتعلق بالوجود بعد الموت، مما جعله يؤكد أن الفلسفة المشرقية هي مذهب الحياة الآخرى(65). ومن هنا ضرورة الأصل السينوي في فهم رسالة ابن طفيل. فقد صرح ابن طفيل أن حضور ابن سينا بفلسفته المشرقية في الرسالة حضور استلهام وليس حضور عرض محايد فقط. وقد استعار فيلسوفنا من هذا المتن السينوي على الأقل خمس عناصر مشرقية : عنصر التولد الذاتي - عنصر قداسة الأجرام السماوية - عنصر جوهرية النفس - وعنصر المجاهدة - عنصر الحياة بعد الموت. وهي العناصر التي تخترق نسيج رسالة ابن طفيل الفلسفية.

أما التأثير الغزالي فنلمسه خاصة من خلال هذا التأثير العميق الذي خلفه الكتاب الفلسفي "مشكاة الأنوار" للغزالي على رسالة ابن طفيل؛ إن التأملات الغزالية ليست غريبة عن تأملات حي بن يقظان، وإن النص الذي أثر في البنية السطحية والعميقة لنص ابن طفيل، لنفسه الفلسفي - الإشراقي، هو نص "مشكاة الأنوار"، سواء من خلال انفعال ابن طفيل بتعابيره الغزالية، ويمكن القيام بمقارنة بسيطة بين أسلوبي الكتابين لملامسة هذا الأثر الكبير لرسالة الغزالي على رسالة ابن طفيل. أو من خلال بنيته الأولية للدلالة المكونة من الزوج نور/ظلمة والتي ترجمها ابن طفيل من خلال الزوج علم/جهل من خلال ستة مستويات كل مستوى علمي ينقلنا إلى مستوى علمي أعلى حتى نصل إلى المستوى الأخير مستوى المعرفة المطلقة، وفي كل مستوى يتم التحرر من جهل أساسه الارتباط بما هو جسماني إلى التعلق بمعرفة أساسها الارتباط بما هو معقول. وهذه المستويات يمكن النظر إليها باعتبارها محطات، لأننا أمام رحلة استعارية ينتقل فيها البطل "حي" من محطة إلى محطة، وكل محطة تؤدي إلى الأخرى حتى ينتهي به المطاف إلى المحطة الأخيرة. ويمكن إحصاء ستة من هذه المحطات : محطة الموت ومحطة الصور ومحطة الفاعل ومحطة الذات العارفة ومحطة الفناء وفيها يتم الاستغراق في النور الأعلى وطرح كل ما يتعلق بالبدن وبخاصة اللغة و"العقل النظري"، وأخيرا محطة المجتمع.

 

 

لقد أبرز ابن طفيل "نسقه الفلسفي" في قصة حي بن يقظان انطلاقا من تجربة تجمع بين هم التوحد الباجي المؤسس على فعل النظر، وبين هم المجاهدة السينوية - الغزالية المؤسسة على فعل الذوق؛ تجربة منفتحة على الممكن، مغايرة للمألوف، وباعثة على التأمل. وقد حرص ابن طفيل على أن يؤطر تجربته هذه ضمن "الفلسفة المشرقية" السينوية التي كان كلفا بها، ويجعل فلسفته تعبيرا عن بعض أحوالها، ويعمل ما وسعه ذلك على التعبير عنها لأنها الحق المطلق الذي ينبغي الحرص على طلبه في تقديره. كما حرص ابن طفيل، دون أن يمنعه استلهامه الفلسفة الباجوية، على أن يضرب في عمق التجربة الفلسفية الغزالية من خلال ارتياضه العميق في كتبه المختلفة وبخاصة كتاب "مشكاة الأنوار"، يقيم بذلك كله الأسس الفلسفية لتجربته، حيث نجد فيلسوفنا من خلال ذلك يقدم لنا ابن باجة في إهاب سينوي - غزالي، كما سيقدم لنا ابن سينا في ثوب غزالي، ليجمع في تركيب غريب بين فلاسفة لا يكاد يجد أحدهم ذاته عن غيره؛ فابن باجة انتقد الغزالي وسكت عن ابن سينا، والغزالي "كفر" ابن سينا وأجهز على كثير من آرائه، ويأتي ابن طفيل وكأنه يريد أن يلم شملا تفرق، ويجمع بناء تصدع. وقد طرح هذا الأمر مسألة أساسية حول وضعية هذه رسالة ابن طفيل هل هي قصة فلسفية أم أنها قصة تنتمي إلى الأدب الصوفي ؟.

لقد أدب كثير من الدراسين على الذهاب إلى أن ابن طفيل قد انتهى في آخر مطافه العلمي إلى التصوف(66)، وأنكر البعض ذلك، والمتصفح لرسالة "حي بن يقظان" يلمس أن علاقة ابن طفيل بالتصوف هو إشكال من الإشكالات التي يطرحها النص، فإن القارئ لنص ابن طفيل يلمس أن التصوف حاضر في النص على مستوى خاطبين : خطاب حول التصوف، وهو خطاب نقدي، يتخذ مسافة بينه وبين شكل من أشكال التصوف. وهو خطاب نلمسه في أول النص وآخره. وخطاب آخر ينفتح على التصوف، ويظهر في بداية النص، ليخترق فيما بعد كثيرا من أجزائه، ويطرح هذا الخطاب الثاني على القارئ السؤال التالي : هل انفتاح ابن طفيل هذا على التصوف انفتاح تبن وانتصار ؟ أم هو انفتاح من نوع خاص ؟.

لقد بدأ ابن طفيل نصه الفلسفي وأنهاه بنقد تجربتين في التصوف، تجربة مشرقية يمثلها كل من الحلاج والبسطامي، وتجربة مغربية لم يفصح عن أقطابها، وإن كان قد حدد بعضا من معالم خطها الفكري. أما التجربة الألوى فقد انتقدها ابن طفيل باعتبارها شطحت في التعبير عن بعض الحقائق التي يجب أن يطويها أصحابها ولا يحكوها كما يقول أبو حامد. فوقع أحدهم في القول بالحلول، ووقع الآخر في التصريح بوحدة الوجود. ونحن نجد في رسالة ابن طفيل نصا واضحا يكشف عن مراقبة "العقل" للتجربة الميتافيزيقية حتى تظل في نجوة عن "الوهم"، و"البهة"، وعن "الحلول"، و"الاتحاد". ويبرز المزالق التي أدت بهؤلاء إلى الوقوع في هذه الأوهام، والظنون، والشبهات. أما التجربة الثانية، فتجربة تيار صوفي أندلسي، يلتقي مع التيار المشرقي في غلوه، فهو تيار نبغت أفكاره في العدوتين، و"انتشرت في البلدان وعم ضررها، وخشينا على الضعفاء - كما يقول ابن طفيل - الذين أطرحوا تقليد الأنبياء صلوات الله عليهم، وأرادوا تقليد السفهاء والأغبياء أن يظنوا أن تلك الآراء هي الأسرار المضنون بها على غير أهلها، فيزيد بذلك حبهم فيها وولعهم بها"، إنه تيار يأخذ ببطان الشريعة، ويطرح ظاهرها، وهو بذلك يحدث من البلبلة في الغرب الإسلامي، ما أحدثه التيار السابق في مضرقه.

وابن طفيل كفيلسوف أدبته المعارف، حيث نجده في مراقبة تجربته الفلسفية، بذلك الرصيد المعرفي الذي تراكم لديه من ممارسته للعلوم النظرية، فأشعرته بأهمية حضور العقل في كل معرفة ممكنة، وهو ما يترجمه نصه الفلسفي. وابن طفيل كوزير حنكته تجارب الحكم، فأشعرته بأهمية الحفاظ على وحدة الجماعة، وهو ما تعكسه تجربته السياسية من جهة، وما يفصح عنه سرديا في آخر رسالته الفلسفية من جهة أخرى. لا شك أن ابن طفيل هذا، يجد من الحجج والدعاوي ما يكفيه لفرض هتين التجربتين الصوفيتين معا؛ المشرقية والمغربية.

أما الخطاب الثاني الذي ينفتح به ابن طفيل بشكل واضح على التصوف، فيظهر على الأقل في قرائن أربعة : إعلانه للانتصار لطريق أهل الولاية، ذكره للجنيد كحجة سلطة، رفضه "للعقل"، توظيفه للقاموس الصوفي.

لكن الدارس للنص الفلسفي وإن كان يلاحظ أن ابن طفيل انفتح على التصوف
انفتاحا كبيرا، فإن نصه ظل نصه ظل نصا فلسفيا في العمق، يعتبر ان التجارب

الفلسفية لا يمكن أن تثبت من غير طريق الفلاسفة من أهل النظر، ويعتبر أن النظر والتأمل وأدواته المعرفية لا يمكن أن يتجاوزه إلا الشاذ النادر، وأن الطريق النظري طريق أساسي في المعرفة الفلسفية. ومن هنا أهمية الطب والرياضيات في قصة ابن طفيل. فقد شهد ابن طفيل - في مقدمته الفلسفية - على أن طرفا من النخبة المثقفى في الغرب الإسلامي قطعت أعمارها في الاشتغال بهذه العلوم، بل إن ابن طفيل نفسه اشتغل بهذه العلوم، وخص علم الهيئة بأثير عنايته في رسالته الفلسفية،ويعتبر البعد الفلكي في الشخصية العلمية لابن طفيل، من الأبعاد التي لا يزال يكتنفها الغموض، لكن هناك قرائن كثيرة تكشف عن إلمام ابن طفيل بعلم الهيئة وتجويده فيه. أما الشخصية الطبية لابن طفيل فتبرز في الرسالة في المواضع التي قدم فيها ابن طفيل وصفا بديعا للأعضاء الداخلية لحي بن يقظان أثناء تخلقه من الطينة المتخمرة، وأثناء تشريحه للظبية.

إن التجربة اللسفية لابن طفيل كما عرضها في رسالته لا تنفصل عن أساسها العلمي رغم نهايتها الغنية بالاستعارات والموغلة في التخييل. ولا غرو، فلقد ظلت الفلسفية عند ابن طفيل تتغذى بالعلم وتقوم عليه. وإن فهم شخصية فيلسوفنا الطبية، بظلالها الموحية، وفهم شخصيته الفلكية، من المفاتيح الأساسية لفهم خطابه الفلسفي - الميتافيزيقي. ومن هنا هذا التنوع في الكتابة عند ابن طفيل في نصه الفلسفي؛ أسلوب أقرب إلى الوضوح حين يتعلق الأمر بحكي "العلم" و "الفلسفة"، وأسلوب يتوغل في الغموض وتكاد تنتصر فيه الحكاية على الفلسفة، حين يتعلق الأمر بعرض "المشاهدات" وتقريب "الأذواق". وهو في كل هذا أسلوب غمره صاحبه في فضاء من الغرابة والتعجيب؛ يضفي على النص سحر الإيحاء وبلاغة المجاز، ويشرع الباب أمام تأويلات الخطاب، وهو أفق آخر من آفاق البحث الذي يفتحه هذا النص الفلسفي - العجيب لدارسه !.

ومن هنا فهم هذا الغني في الكتابة عند ابن طفيل، فجاءت المقدمة
الفلسفية تحمل بصمات الفيلسوف الأكاديمي الصارم، وجاءت الوحدة الروائية تحمل
في جزئها الأول حرص العالم ودقته، وتحمل في جزئها الأخير انطلاق الأديب - الفيلسوف.
فإذا كان الجزء النظر يستجيب في موضوعه للرصد والملاحظة، وفي تثبيته للأمانة و
"الموضوعية"، فإن ابن طفيل يتعبر - في الجزء العلمي من الرسالة - أن "الحقائق

الروحية الباطنية" هي أس الحقائق وملاكها، مما يجعل فعل الكتابة - باعتباره فعلا يقدر به المرء على التعبير عن حقائق بعيدة الإدراك، والرصد والملاحظة - فعلا صعب المنال؛ لأن هذه الحقائق تتعلق بتجارب شخصية فردية لا تقبل التعميم، بل إن نقلها هو خيانة لها. ولذلك تصبح اللغة عند ابن طفيل في هذا السياق قاصرة وغنية في نفس الوقت؛ قاصرة من حيث طبيعتها الحسية العاجزة عن نقل هذه الحقائق المتعالية، وغنية من حيث تعويضها هذا القصور باللجوء إلى تقنيات البلاغة من استعارة ومجاز، لإخراج الأفكار صورا، وبعث الحقائق مشاهد ناطقة. فيتأرجح ابن طفيل بين أسلوبين مختلفين في التعبير لاختلاف الموضوعات وتباين المخاطبين، فيصبح هذا النص الفلسفي وكأن هاجسه الأول هو لفت الانتباه إلى طبيعة السبل التي ينبغي سلوكها من أجل تصريف التجربة الميتافيزيقية وإيصالها إلى الغير، هل يوصلها له بلغة البرهان أن بلغة الشعر والخطابة ؟.

لقد كان ابن طفيل على وعي كبير بأهمية الكتابة الفلسفية ودورها في فهم النصوص الفلسفية من جهة كما نجد في موقفه من ابن باجة عندما اشتكى من قلق العبارة لدية، وفي موقفه من ابن رشد عندما التمس منه رسميا بأن يقوم بمراجعة المتن الأرسطي ليرفع عنه قلق العبارة أيضا، والخطر الذي تمثله هذه الكتابة في تثبيت التجارب الفلسفية إن هي لم تدرك حدودها كما نجد في موقفه من بعض المتصوفة ومن أبي حامد بخاصة من جهة أخرى، وكما نجد في حرصه على تقديم نص فلسفي في حلة أدبية رائقة.

وهكذا فإن الحديث عن الكتابة الفلسفية عند ابن طفيل هو حديث عن هاجس من الهواجس التي أرقته، وأرقته، وقد بذل ابن طفيل لأجل ذلك جهدا فلسفيا وفنيا في كتاب نصه الفلسفي، مستلهما أشكالا من التعبير من الفضاء الثقافي - الفلسفي الذي كان يتنفس فيه؛ فعالج إشكال الكتابة ضمن تجربة في الكتابة تتوخى في الآن نفسه التقريب للوضوح، والرمز للتعمية، مما أضفى على هذه الكتابة طابعا من قلق وإغماض.

ولقد جهد ابن طفيل في إنتاج نص فلسفي - أدبي قريب أيضا من التداول
الإسلامي شكلا ومضمونا، وعانى كثيرا في إنشاء هذا النص الفلسفي إلى الحد الذي

أصبحت فيه حجب الغموض تتكاثف على النص وتتكاثف وتضطر القارئ إلى كثير من التأويل والاعتبار. وقد استفاد في كتابة نصه هذا من تجربتي ابن حزم في "التقريب لحد المنطق"، والبطليوسي في "الحدائق كذلك".

لقد حاول ابن طفيل في رسالته "حي بن يقظان" أن يتقصى على طريقته خطى ابن حزم وابن سيد في تقريب الفلسفة. فقد عاش ابن طفيل مثله مثل ابن حزم وابن سيد في مجتمع ينبو ذوقة عن التفلسف، وكان من جملة أسباب رفض الفلسفة طبيعة اللغة الفلسفية باعتبارها تهويلا وزخرفة، وشخصية الفيلسوف باعتبار أخلاقياته وسلوكه، وطبيعة الفلسفة وما تؤدي إليه - بزعمهم - إلى الإلحاد والكفر. وقد حاول ابن طفيل في رسالته هذه أن يرد بشكل ضمني وصريح على هذه الدعاوي المناهضة للفلسفة؛ فأنشأ نصا بلغة عربية فصيحة تمتح من تقنيات البيان العربي؛ لغة أبعد عن التهويل والزخرفة. كما أنشأ نصا حرص فيه على تقريب الفلسفة - على غرار ما فعل سابقاه - من المقتضى التداولي الإسلامي. وفضلا عن كل ذلك، فإن الذي أنشأ هذا النص هو فيلسوف أبعد ما يكون عن الأوصاف التي دمغ بها الفلاسفة كحجة على رفضها من طرف خصوم الفلسفة، فقد كان ابن طفيل يعتبر من حسنات الزمان الموحدي؛ بل "وليا" فوق كل تهمة أو ريبة في شخصه أو دينه، بل إن مكانته العلمية والسياسية لم تكن محل نزاع في أي وقت، وعلاقته بأبي يعقوب يوسف، وحضور الخليفة جنازته أكبر دليل على الإجماع الذي تم حول شخصية الفيلسوف، مما يجعل لانتصاره لفعل التفلسف أبلغ الأثر في نفوس الخصوم. وهذا الانتصار رافقه الانتصار أيضا للشريعة من خلال الدفاع خاصة عن أهمية النبوة في الحياة الاجتماعية بعامة وحياة الفيلسوف بخاصة؛

يستعير ابن طفيل من التراث السينوي شخصيتين يلج بهما عالما أوشكت
الفلسفة المشرقية أن تجعله فضلا وهو عالم النبوة
(67). وقد لاحظ كثير من الدارسين
أن رسالة ابن طفيل تستبطن فكرة أن "الإنسان الفائق الفطرة مستغن عن النبوة بما
وهب من العقل"
(68)، وأن « الفيلسوف في غنى عن الشرع"(69)، بل إن ابن طفيل
في ذلك النص الذي انتزعه من "الإشارات والتنبيهات" في مقدمة رسالته لذو دلالة كبرى في هذا السياق، ففيه تحل الرياضة العقلية محل العبادة الشرعية.

لكل إذا كان ابن طفيل قد أخضع جزءا كبيرا من رسالته لهذا المنطق المشرقي، وفي الوقت الذي تبدو فيه الرسالة وكأنها انتهت، يستأنف ابن طفيل الحديث في أفق غزالي يؤسس للنبوة ويبين اضطرار كافة الخلق إليها بمستويات مختلفة(70)، فبعدما أعلن ابن طفيل في بداية رسالته عن تصوره الفلسفي لتكون شخصية النبي وتم له تأسيسها، فهو يعلن في أخرها عن ضرورة تقليد هذه الشخصية، ليؤكد ما أقره في معرض اعتذاره لإخوانه، من ان رسالته تدخل في إطار الدعوة إلى بيان أهمية النبوة في حياة الإنسان. ومن هنا فإن درس "المنقذ من الضلال" حاضر في نهاية رسالة ابن طفيل، فالغزالي برهن في هذا الكتيب على أصل النبوة وبين حاجة الخلق جميعهم إليها، بل إن أبا حامد ينتقد الإختبار السينوي الذي يعتبر النبوة راجعة "إلى الحكمة والمصلحة، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق ..." وأن الحكماء ليسوا من العوام الجهال حتى يدخلوا في حجر التكليف فهم متبعون للحكمة يبصرون بها، ويستغنون فيها عن التقليد(71)، في حين يؤكد الغزالي أنه "كما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل، بل يجب فيها تقليد الأطباء ... فكذلك بان لي على الضرورة - يقول الغزالي - بأن أدوية العبادات ... لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة
العقل، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة لا ببضاعة
العقل"
(72). إن الدعوة إلى تقليد الأنبياء هذه هي من المهام التي أعلن ابن طفيل اضطلاعه
بها من وراء كتابة رسالته الفلسفية، وهو شعار ابن طفيل من جهة لإتمام الاختيار
المشرقي السينوي بالاختيار الغزالي، ومن جهة أخرى لمحاربة التيارات الباطنية التي
تريد أن تنال من وحدة الأمة الثقافية، وخاصة تلك التي أشاعت بالأندلس كما يقول
ابن طفيل "آراء فاسدة ... نبغت بها ... وصرحت بها، حتى انتشرت في البلدان، وعم

ضررها [فخشي ابن طفيل] على الضعفاء الذين اطرحوا تقليد الأنبياء صلوات الله عليهم، وأرادوا تقليد السفاء والأغبياء أن يظنوا أن تلك الآراء هي الأسرار المضنون بها على غير أهلها، فيزيد بذلك حبهم فيها وولعهم بها"، فقد عرفت الأندلس إذن هذه التيارات الصوفية التي تقول كما أنبأ بذلك فيلسوفنا برفع التكليف الشرعي، حيث زعموا - كما سجل ذلك عياض - قبله - في "الشفاء"(73) أن ظواهر الشرع وأكثر ماجاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمر الآخرة، والحشر، والقيامة، والجنة، والنار، ليس فيها شيء على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها، وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة لهم، إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم وهكذا أبطل هؤلاء الشرائع، ودعوا إلى ترك تقليد الأنبياء لأن ذلك التقليد ديدن العوام، وتحدثوا عن أسرار مضنون بها تكتشف الحقيقة للخواص. فأراد ابن طفيل رسالته الفلسفية، "حي بن يقظان"؛ بيانا لتهافت "متفلسفة العصر" هؤلاء، بأن عرض فيها ما يعتبره الحقيقة التي تحفظ للشريعة وظيفتها وتفتح للفلسفة أفقها، ولا تضحي بأحدها في سبيل الآخر. إنه موقف يريد للشريعة أن تؤدي وظيفتها في لم شمل المجتمع وإصلاح الجمهور. موقف يحافظ على الشريعة من أن يداخلها تغيير، ومنفتح أيضا على الفلسفة والعلم ويرى فيهما طريق الكمال والسعادة. إن حرص ابن طفيل على إنقاذ الحكمة ممن يهددونها في وجودها، وحرصه على إنقاذ النبوة ممن يرون إمكان الاستغناء عنها، كان من جملة الأسباب التي حدث به إلى كتابة هذا الأثر الفلسفي الخالد.

* * * * * * * * * *

إن نص ابن طفيل لا يمكن فهمه إلا إذا نظرنا إليه باعتباره نصا "متعدد
القيم" بعبارة تودوروف
(74)، بمعنى أن أصواتا كثيرة تسكنه. إنه نص لا يمكن
أن يدرك إلا في علاقته بالإرث الثقافي السابق عليه؛ فهو كعمل فني لا يمكن إدراكه
إلا في علاقته بالأعمال الفنية الأخرى، وكنص فلسفي لا يمكن غدراكه إلا في
علاقته بالعمال الفلسفية الأخرى. وقد رأينا أن رسالة "حي بن يقظان" لا يمكن فهمها

إلا في تعارضها واختلافها مع نصوص الفلاسفة المشار إليهم. إذ من الوهم أن نعتقد ان عمل ابن طفيل ذو وجود مستقل؛ إنه يظهر مندمجا داخل مجال أدبي وفلسفي ممتلئ بالأعمال السابقة. ونضيف ها هنا أن مؤشرات وجود مفهوم "التناص" في رسالة ابن طفيل كثيرة، فهذا المفهوم يكشف لنا أن عملية إنتاج النص تمت من خلال تفاعله وتحاوره مع نصوص أخرى سبقته فشكلت ذاكرته كنصوص المسعودي والجنيد وابن سينا والغزالي وابن حزم وابن سيد وغيرهم، وأخرى عاصرته فتأثر بها معارضا لها ومنتقدا لها كنصوص ابن باجة خاصة(75)، فمن هنا يمكن النظر إلى رسالة ابن طفيل باعتبارها فضاء سيميائيا تتلاقح فيه وتتصارع جملة من الأشكال والخطابات بحثا عن شكل أدبي - فلسفي متميز ينفي عنه صفة التقليد والمحاكاة ليجعل منه نصا إبداعيا يمتص النصوص والكتابات ويهدمها قبل أن يعيد توزيعها بشكل منظم داخل بنيته الخاصة. فنص ابن طفيل يتخذ طابعا جدليا وحواريا من حيث الشكل والدلالة - كما رأينا - مع نصوص ابن سينا والغزالي خاصة، بحيث يمكن النظر إلى ابن طفيل باعتباره قارئا جيدا لأعمال هؤلاء الفلاسفة. وأهم نوع من التناص نجده في رسالة "حي بن يقظان" ما سماه جيرار جينيت بـ"الميتا نص"، ويعني العلاقة التي تربط بين نص وآخر يمثل موضوعه دون أن يسميه، أي أنه يشير إليه بطريقة ضمنية غير معلنة وتكون مهمة القارئ هو الذي يكتشف ذلك(76). وإنه يمكن اعتبار نص "مشكاة الأنوار" موضوعا مفترضا بامتياز لرسالة ابن طفيل دون إلغاء أهمية النصوص الأخرى كالتدبير والإشارات والمنقذ وميزان العمل وربما التوهم والوصايا للمحاسبي ونصوص ابن شرف الأدبية وغيرها من النصوص. إن رسالة لبن طفيل هي نسيج من أصوات آتية من الأدب والفلسفة والتصوف والقرآن والحديث والسيرة ومن الحياة اليومية ولغة الاتصال الاجتماعي أيضا؛ إنها بهذا المعنى فسيفساء من النصوص تتجاور فيما بينها وتتبادل التأثير لتؤدي وظيفة التقريب والتشويق والترغيب في دخول الطريق التي أرادها ابن طفيل لرسالته.

 

وأخيرا فإن هذه الرسالة الفلسفية بإعلائها من شأن الذات وتأكيدها على استقلاليتها في المعرفة، وجمعها بين محبة العقلانية والشغف بالخيال حين تلتقي الفلسفة والسرد عند ابن طفيل لإعطاء معنى للكون. والرسالة برجوعها إلى الينابيع العميقة للتاريخ الإنساني والنفس الإنسانية وكأنها تدعونا إلى القيام برحلة استعارية إلى هذه الأغوار، والرسالة الفلسفية كذلك باعتبارها "تجربة روحية لوعي مبدع"(77) ... كل أولئك، وغيرها من الأمور التي تجععل من ابن طفيل معاصرا لنا، تجعل من هذا الأثر الفلسفي - الأدبي تراثا فلسفيا نشأ ولم ينته بعد من استوائه. إن رسالة ابن طفيل تعلمنا درسا أساسيا حول انفتاح الفلسفة على حقول متنوعة من المعرفة، وعلى أشكال مختلفة من الكتابة. إنها تعلمنا أن الفلسفة إيقاعات متنوعة وليست إيقاعا واحدا نمطيا يسهل استنساخه او الكشف عن دلالته ومعناه؛ والرسالة الفلسفية بهذا التفرد والتنوع تضع أمام قارئها أكثر من تحد في الفهم والمقاربة. فهل سيستطيع أحد يوما أن يكشف عن المقاصد الحقيقية لهذا العمل الفلسفي اليتيم هذا، أم أن الرسالة قدر لها أن تظل موضع تأويلات لا متناهية، يشكو منها البعض، ويقر لها البعض الآخر ؟!.

 



(1) انظر نص اللقاء في المعجب في تلخيص أخبار المغرب للمراكشي تقديم ممدوح حقي دار الكتاب الدارالبيضاء الطبعة السابعة، 1978، صص. 353، 354.

(2)  Ibn tofail, sa vie, ses ouvres, par Léon Gautier, Paris, Ernest Leroux, Editeur 1909, Vrin, Reprises, p. 19، ويؤكد ابن رشد في كتاب الكليات أنه لم يزاول صناعة الطب كبير مزاولة، اللهم إلا في نفسه وفي أقرباء له أو أصدقاء، مؤكدا أنه لم يكن هو الذي يتولى علاجهم وإنما كان فقط يتصفح ما يعرض لهم من التغايير عند معالجة الأطباء لهم في وقته الذين هم أبعد الخلق عن هذه الصناعة ... كما يقول. (كتاب الكليات في الطب تح خ.م. فورنياس -ك. الباريث دي مورالس مدرسة الدراسات العربية في غرناطة - المجلس الأعلى للبحوث العلمية، مدرية 1987، ص. 445) مما قد يوحي بأن ما تقرر عند ل. غوتييه من إسناد مهمة طبيب الخليفة لابن رشد في حاجة إلى مراجعة كما قد يفهم من إشارة للأستاذ جمال الدين العلوي في كتابه القيم المتن الرشدي (دار توبقال، ط 1، 1986، ص. 60). لكن في روض القرطاس لابن أبي زرع (دار المنصور للطباعة الرباط 1973، ص. 176) إشارة واضحة إلى ان ابن رشد دعي برسم مهنة الطب إلى مراكش. ومن هنا ينبغي أن يفهم قول ابن رشد في الكليات فهما لا ينفي عن ابن رشد البتة ممارسة المهنة، وإن كان ابن رشد لم يتفرغ لها تفرغا كاملا. فيمكن أن يكون قد دعي لممارستها في القصر - لفترة من الزمن - بعد تأليفه لكتابة الكليات هذا قبل سنة 565 هـ (المتن الرشدي، ص. 59) في حين أنه دعي لممارسة مهنة الطب سنة 578 هـ.

(3) الإعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستغربين، الجزء السادس دار العلم للملايين بيروت الطبعة الرابعة، 1979، ص. 249.

(4) الذيل والتكملة، السفر السادس، تحقيق إحسان عباس، الطبعة الألوى، 1973 درا الثقافة بيروت، 1956، ص. 407 رقم الترجمة 1089؛ ونفح الطيب، أحمد المقري، تح إحسان عباس المجلد الأول، بيروت 1968، ص. 606؛ والإحاطة في إخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب تح محمد عبد الله عنان، المجلد الثاني، مكتبة الخانجي بالقاهرة، الشركة المصرية للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1394-1974 وقد وردت ترجمة ابن طفيل من ص. 478 إلى 482.

(5) الذيل والتكملة، مرجع سابق؛ روض لقرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس لابن أبي زرع دار المنصور للطباعة الرباط 1973، ص. 176، الإحاطة مرجع سابق.

(6) الروض المعطار للحميري نشره ليقي بروفنصال، مطبعة التأليف والنشر القاهرة، 1973، صص. 192، 193.

(7) المقتضب من كتاب تحفة القادم لابن الأبار تحقيق إبراهيم الإيباري دار الكتاب اللبناني، ط 2، 1983، صص. 85، 86.

(8) كما يذكر مخطوط البودليان بإكسفورد في نسبته لابن طفيل ورقة 23.

(9) المعجب، مرجع سابق، ص. 350.

(10) أورده صاحب نفح الطيب، مرجع سابق، صص. 606-615. أما عن رحلة ابن رشيد التي ورد فيها النص الأصلي فاسمها ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة، وتتألف الرحلة من سبعة أجزاء ولا يعرف منها الآن سوى نسخة واحدة مخطوطة بمكتبة الأسكوريال بمدريد وتوجد مصورتها في الخزانة العامة بتطوان وتوجد صورة الجزء الثالث بخزانة الرباط وفي أيدي الناس الجزء الثالث تحقيق د. بلخوجة والقسم الأول مفقود وكذلك الجزء الرابع "المشكاة العدد، 2، 1403 - 1983.

(11) الذيل والتكملة والإحاطة مرجان سابقان. ولنظر محمد عبد الله عنان، أندلسيات كتاب العربي العشرون، يوليوز 1988، ص. 42.

(12) ابن عذاري، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب تحقيق جماعة من الأساتذة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، دار الثقافة، ط1، 1985، ص. 50.

(13) روض القرطاس، مرجع سابق، ص. 152.

(14) نفح الطيب، مرجع سابق.

(15) اليان المغرب، مرجع سابق، ص. 63.

(16) توجد قصيدة عند ابن صاحب الصلاة في المن بالإمامة، تحقيق عبد الهادي التازي، دار الأندلس، بيروت، الطبعة الأولى، 1964 وهي أربعة وأربعون بيتا، صص. 411، 415 ... وتوجد في البيان المغرب، صص. 114، 115 وقد سقط منها 13 بيتا. وللقصيدة نشرة ودراسة قام بها غرسية غومس تحت عنوان "قصيدة سياسية لابن طفيل" لم تنشر نشرت في مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد العدد الأول 1953، وقد عد د. محمد مفتاح كتابه التلقي والتأويل بدراسة مفصلة لهذه القصيدة، مرجع سابق، ص. 149.

(17) البيان المغرب، مرجع سابق، ص. 142؛ الإحاطة، مرجع سابق؛ والمقتضب، مرجع سابق، صص. 85، 86.

(18) المن بالإمانة، مرجع سابق، ص. 411.

(19) من المؤكد أن ابن طفيل قد مارس الوزارة في عهد الموحدين؛ أولا لنه كان كاتبا، وكثيرا ما جمع الكتاب مع مهارته الإنشائية والوزارة أيضا، البيان المغرب، ص. 51، ثانيا لأن وظيفة "الوزير" هي سياسة أحوال الخليفة والنظر في أعماله وأشغاله (نم، ص. 92)، وقد كان ابن طفيل يجمع الأمرين معا، وثالثا لأن شخصية ابن طفيل كوزير ينفرذ بذكرها صاحب روض القرطاس كما يزعم ذلك ل. غوتييه (مرجع سابق، ص. 6) وإنما أثبتها كذلك ابن دحية في المطرب (المرجع سابق، ص. 66)؛ وابن رشد في رحلته كما أثبت ذلك صاحب النفح الذي أورد عن ابن رشد رسالة ابن طفيل في المصحف العثماني.

(20) يدرج ابن صاحب الصلاة ابن طفيل ضمن الأطباء الأولياء الذين كانوا يدخلون على الخليفة أبي يعقوب إبان مرضه. المن، مرجع سابق، ص. 410.

(21) مرجع سابق، ص. 349.

(22) مرجع سابق، ص. 49.

(23) المقدمة الجزء الثالث تح عبد الواحد واف لجنة البيان العربي، ط3، 1967، صص. 1077، 1078.

(24) انظر ملخصا للمشكلة وللردود في Histoire de la philisophie en Islam par Abdurrahman Vrin 1972, pp. 722, 724. Badawi t2 Paris.                                                                                                                                    

(25) انظر جابر عصفور، مفهوم الشعر، درا التنوير ط2، 1982، ص. 149 وص. 204.

(26) الإحاطة المجلد الثاني، مرجع سابق، ص. 479.

(27) ص. 176.

(28) مرجع سابق، ص. 479.

(29) مرجع سابق، ص. 407.

(30) مرجع سابق، ص. 66.

(31) مرجع سابق، ص. 65.

(32) مرجع سابق، ص. 142.

(33) عبد العزيز الدباغ "الأرجوزة الطيبة لأبي بكر بن الطفيل"، دعوة الحق، غشت 1984، ص. 239.

(34) ص. 7 من الأرجوزة.

(35) طن.م، ص. 7، وص. 101.

(36) ذكرها صاحب المن، مرجع سابق.

(37)

(38) مرجع سابق، صص. 350، 352.

(39) أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران، تصنيف أبي الحسن علي بن الحسين المسعودي، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت 1966.

(40) ن.م.، صص. 39، 40.

(41) عيون النباء، الجزء الثالث درا الثقافة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1981، ص. 126.

(42) مرجع سابق، ص. 25.

(43) غوتيه، مرجع سابق، ص. 26.

(44) تلخيص الآثار العلوية، تح جمال الدين العلوي، دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1994، صص. 116، 118.

(45) كتاب الهيئة للبطروجي، صورة نسخة مكتبة الإسكوريال نشرها جولدستاين نيوهافن سنة 1971، ذكره د. عبد الحميد صبرة في مقاله "ابن رشد وموقفه من فلك بطليموس" والذي نشر ضمن أعمال مؤتمر ابن رشد، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر نونبر 1978.

(46) المعجب، مرجع سابق، ص. 345.

(47) غوتييه، ابن طفيل، حياته آثاره، مرجع سابق، صص. 38، 41.

(48) إن أرسطو لا يتحدث أبدا عن التوالد، ولكنه يتحدث عن توالد الحيوانات ... فقد لاحظ أرسطو أن الحيوانات منها ما يولد من أبوين شبيهين، وتارة من التولد التلقائي. والتولد عند أرسطو يستند على معطيات علمية جديدة، وعلى ملاحظات قوية، ويمكن تفسير ألياته بالاستدلال انطلاقا مما يظن أنه يعرفه حول تكون الحيوانات التي تولد من أبوين متشابهين. إن، Pierre Louis, La découverte de la vie, Aristole, collection savoir, 1975, pp. 139, 141؛ وانظر   Aristole, Histoire des Animaux, tome 1, npuvelle traduction, J. Tricot, Paris, 1975, p. 319.

(49) مقال الألف الصغرى ضمن تفسير ما بعد الطبيعة تح موريس بويج ط2، بيروت 1967، صص. 46، 47. وقد وجدنا في كتاب الحيوان لابن سينا في التولد، وهو مذهب ينزع إلى القول بأن الإنسان يتولد مثله مثل الحيوان يقول ابن سينا : "... فليس يجوز إذا كان الحيوان يتكون بالتوالد أن لا يتكون بالتولد، فإنه يجوز أن يكون التوالد يحفظ النوع، والتولد يحدث في الأحيان أشخاصا تبتدئ منها الولادة، كما أن الناس ربما قطع التوالد والولد عنه واحد ينتهي إليه التولد، ويجوز أن تكون العوارض التي تعرض في الهواء تقطع النسل، ثم يعود النوع بالتولد، فيكون التولد والتوالد معاونين في استحفاظ النوع، وقد وجدنا في الوادي الذي يسيل عنه بهستون حيوان الجندبيدستر، ومعلوم أن ذلك الوادي حادث وأن هذا الحيوان في غالب الظن الشديد الغلبة قد تولد فيه، فإنه لا يجوز أن يقال إنه من البحار التي يكثر فيها للبعد العظيم بين ذلك الموضع وبين البحار. كتاب الحيوان تح عبد الحليم منتصر - سعيد زايد - عبد الله إسماعيل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1390 هـ - 1970، صص. 385، 386.

(50) كما برهن على ذلك غوتييه نفسه، مرجع سابق، صص. 38، 41.

(51) مرجع سابق، ص. 41.

(52) نشرة أحمد أمين مع قصتي ابن طفيل والسهروردي في سلسلة ذخائر العرب (8) ط3، دار المعارف، 1966، مصر.

(53) هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات، ط1، 1966، ص. 262.

(54) هما إسمان عربيان، انظر الإشارات والتنبيهات تح سليمان دنيا، القسم الرابع، دار المعارف، مصر، عند شرح الطوسي، صص. 791، 792.

(55) انظر الإشارات والتنبيهات، مرجع ساابق، صص. 790، 793؛ وانظر تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، تح حسن عاصي، دار قباس، ط1، 1986، صص. 132، 133.

(56) نجد شرح الطوسي، ضمن هوامش الإشارات والتنبيهات، صص. 790، 799؛ وضمن تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، صص. 133، 139.

(57) المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، مطبعة العامرية الشرقية، ط1، 1324 هـ، صص. 18، 27.

(58) يقول ابن رشد : "إن الأشياء التي تسمى حية عالمة هي الأشياء المتحركة من ذاتها بحركات محدودة نحو أغراض وأفعال محدودة تتولد عنها أفعال محدودة ..." التهافت تح موريس بويج ط2 بيروت 1987، ص. 187.

(60) الفارابي، تلخيص نواميس لأبي نصر ضمن أفلاطون في الإسلام تح عبد الرحمن بدوي، ط 2، دار الأندلسي، 1980، ص 36.

(61) Ph. Lejeune, Le pacte autobiographique, coll, poétique, Edition du Seuik, Paris p. 26.

(62) انظر في هذا الصدد ما جاء في الشفاء للقاضي عياض في الفصل الذي عقده لبيان الاختلاف في تكفير النازعين إلى التأويل، تح جماعة من الأساتذة دار الوفاء للطباعة والنشر الجزء، ص. 593.

(63) فلسفة ابن سينا وأثرها في أوروبا خلال القرون الوسطى، جواشون، ترجمة رمضان لاود، دار العلم للملايين، ط1، 1950، هامش 1، ص. 20.

(64) نحن والتراث، المركز الثقافي العربي الدارالبيضاء، دار الطليعة، بيروت ط1، 1980، ص. 125.

(65) كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، مرجع سابق، ص. 262.

(66) بل إننا نجد محمود قاسم يعتبر أن الغاية التي قصد إليها ابن طفيل من رسالته هي "تمجيد المعرفة الصوفية وتقديمه لها على كل معرفة سواها"، ابن طفيل، معجم أعلام الفكر الإنساني، تصدير إبراهيم مذكور المجلد الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ص. 194.

(67) د. الجابري، نحن والتراث، ص. 160.

(68) ابن طفيل وقصة "حي بن يقظان"، عمر فروخ دار لبنان للطباعة والنشر بيروت ط2، 1986، ص. 84.

(69) ابن طفيل، يوحنا قميرء، ص. 86.

(70) انظر في ذلك المنقذ من الضلال "حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها"، مرجع سابق، ص. 144.

(71) ن.م، ص. 156.

(72) ن.م، ص. 152.

(73) مرجع سابق، صص. 607، 608.

(74) الشعرية ترجمة شكري بوخوت ورجاء سلامة، دار توبقال البيضاء، ط2، 1990، صص. 41، 42.

(75) ومن يدري، لعل نصوص ابن رشد كانت بين يدي فيلسوفنا أيضا، فحاوره حوار خفيا دون ان يذكره، لاختياراته المناهضة للاختيار السيوني، الغزالي الذي انتصر له ابن طفيل.

(76) G. Gennette, Palmpsestes, seuil, paris, 1982, p. 10؛ وانظر أيضا جيرار جينيت، مدخل لجامع النص، ترجمة عبد الرحمن أيوب، درا توبقال، ط1، 1985، ص. 90.

(77) النقد الموضوعاتي، دانييل برجير عن كتاب مدخل إلى مناهج النقد الأدبي ترجمة رضوان ظاظا سلسلة عالم المعرفة الكويتية العدد 221 ماي 1997، ص. 135.