العلامة محمد بن أحمد بنعبد الله

 

                                             الدكتور عبد الكريم كريم

                                                                           الرباط

 

ولد العلامة الحاج محمد بن أحمد بنعبد الله برباط الفتح يوم 13 قعدة عام 1313 الموافق 27 أبريل 1886 م:

 

«لما بلغتُ سن التمييز أدخلني والدي كتَّاب الفقيه محمد سباطة فتدربتُ على الكتابة وقراءة القرآن الكريم، وبعد وفاة الفقيه أدخلني عمي إلى كتَّاب الفقيه محمد بن عبد الله النصيري فمكثت فيه زمناً غير يسير ثم نقلني إلى كتّاب الفقيه محمد التادلي فتعلمتُ عليه قراءة القرآن الكريم والمتن المتداولة في ذلك الوقت.. ولما ناهزتُ سن الاحتلام شرعت في طلب العلم الكريم في حياضه العذبة على جماعة من علماء الرباط وشيوخه»([1]).

 

سافر محمد بن أحمد بنعبد الله إلى المشرق العربي طلباً للعلم ولأداء فريضة الحج:

 

«أديت فريضة الحج عام واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف وأنا في فوْر البلوغ، وكان أمير الحجاز إذْ ذاك الشريف الحسين الهاشمي، وذلك أيام كان الحجاز تحت حكم الدولة العثمانية حيث كان الأمن مفقوداً في الأرض المقدّسة.

فكنا إذا صلينا العشاء بالحرم الشريف نرجع إلى إقامتنا في مكة المكرمة جماعات خوفاً على أنفسنا ونقودنا من الأعْراب الذين كانوا يتعرّضون تحت ستار الظلام لمن وجدوه من الحجّاج منفرداً أو منعزلاً عن المجموعات، فيشبعونه ضرباً، ويسلبون ماله، ويتركونه ذا متْربةٍ في دماء جروحه، وربما خلّفوا جثّته هامدةً باردةً. ولن أنْس فلا أنْس الحوادث التي وقعت لنا في طريق سفرنا لمدينة الرسول r، هذا السَّفر الذي كان يتم على الدواب والذي كان يستغرق بعض الأيام، وقد كنا نصلي يوماً العصر، فإذا ببدوي أتى رجلاً من المغاربة كان بعيداً من القافلة يتوضَّأ لصلاة العصر، فضربه بعصا كانت بيده وأخذ ماله وتركه طريحاً على الأرض مغمى عليه، وفرّ هارباً يعْدو عدو سليك بْن السّلكة (أحد العدَّائين المشهورين من العرب)؛ وحاول بعض حُرَّاس القافلة الظّفر به لكن البدو أصحابه المختبئين برزوا لهم، وتبادل الجميع بعض الطّلقات النارية، والحجّاج مختبئون وراء البهائم والجمال، وبينهم الحاج العابد غنَّام يصيح بأعلى صوته رحمه الله: «الحجُّ حرام يا عباد الله، الحجُّ حرام يا عباد الله» من شدّة الخوف والرُّعْب...

 

ولما قربنا من جبل يشرف على المدينة المنوّرة يسمى في لسان أهلها "المفرَحات" ترجّل بعض الحجاج على الأقدام مريدين سبْق الرَّكْب إلى المدينة، وبمجرَّد ما حدوا الجبل المذكور حتى نزل إليهم بعض الأعْراب منه فأشبعوهم رمْياً بالحجارة وضرباً بالعصيّ وأخذوا ما عندهم من نقود و"أطاروا" لواحدٍ منهم قطعةً من أذنه بعصا وجَّهها البدوي إليه من بعيد. وقد كنت ذات يوم أتجوَّل في سوق قريب من الحرم النبوي فإذا أنا برجل من زوار المدينة محمولاً على عربة "يتشحَّط" في دمه؛ فلما سألت عنه قيل لي إنه خرج لزيارة سيدنا حمزة عمَّ الرسول r فأصيب هناك من بعض البدو»([2]).

 

لما استقرت أوضاع الحرمين زمن الملك عبد العزيز آل سعود قصد محمد بن أحمد بنعبد الله المدينة المنورة التي ظل بها نحو ثلاثة أعوام (1348-1351 ﻫ) طلباً للعلم:

 

«أجازني كتابة الفقيه التَّقِيّ الصالح البركة السيد عبد القادر أفنْدي بن السيد محمَّد أفنْدي حواري المدني من درِّية الزُّبيْر بن العوَّام حواري الرسول r في سابع جمادى الأولى من سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف، ثم أجازني ثانياً في التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة خمسين بعد ثلاثمائة وألف، وأشرك في هذه معي عقبي ما تناسلوا وامْتدَّت فروعهم بجميع ما أجازه به شيخه محدِّث المدينة المنوَّرة وعالمها الأكبر وسندها الأشهر الشيخ محمَّد علي بن ظاهر الوتري من الفنون وكتب الحديث المذكورة في إثبات مشايخه ومشايخهم؛ كما أجاز كتابةً شقيقي الحاج عثمان»([3]).

 

ثم أدى فريضة الحج للمرة الثانية.

 

«وفي عام واحد وخمسين وثلاثمائة وألف عدت لحجّ بيت الله الحرام وكان ملك الحجاز إذْ ذاك جلالة عبد العزيز ابن عبد الرحمن بن سعود فألفيت الأمن ضارباً أطنابه بالأراضي المقدّسة وموجوداً في كل مكان، حتى كانت المرأة من عيَّالنا تخرج منفردة للحرم الشريف فلا تمسُّ بسوء بفضل حزم الملك عبد العزيز قدّس الله روحه في الجنان؛ وهكذا لما توجهنا إلى المدينة المنوَّرة كنا نرى الحجَّاج سائرين لطيبة مدينة الرسول r لا يخشون سوءً»([4]).

 

كما حضرت بمصر بعض دروس علمائها بقصد الاستفادة منهم والتَّتَلْمذ لهم:

 

n         منهم العلامة شمس الدين بخيت المطيعي حافظ المذهب الحنفي في وقته وشيخ إفْتاء الديَّار المصرية ورئيس المجلس الشَّرْعي بمحكمة مصر الكبرى سابقاً.

n         ومنهم العلامة الكبير شمس الدين محمّد السَّمالوطي المالكي.

n         ومنهم العلامة ذو المشاركة التَّامة في العلوم الإسلامية الشيخ محمّد حسنين بن مخلوف العدوي([5]).

 

انتقل محمد بن أحمد بنعبد الله إلى الشام وحضر في المسجد الأموي دروس علمائها:

 

«أجازني شيخنا حافظ العصر ومحدّثه الشهير أبو المعالي محمد بَدْر الدين الحسني المغربي الأصل شيخ دار الحديث الأشْرفية بدمشق التي يقول فيها الإمام تقيُّ الدين السَّبْكي حين تولَّى مشْيخها:

 

وفي دا الحديث لطيفُ معنى

 

على بسْطٍ لها أصْبو وآوي

عسى أنِّي أمسُّ بحْر وجْهي

 

مكاناً مسَّه قدم النَّواوي

 

حضرت بالمسجد الأموي خلال شهر محرم الحرام من سنة 1352 ﻫ، دروسه في الإملاء الحديثية على طريقة قدماء أهل الحديث المذكورة في كتب اصطلاح الحديث التي ألّفوها؛ توفي رحمه الله في ربيع النّبوي عام أربعة وخمسين وثلاثمائة وألف»([6]).

 

ولما عاد إلى المغرب «شرعتُ في طلب العلم والكرْع في حياضه العذبة على جماعة من علماء الرباط وشيوخه([7]):

ومنهم شيخنا وشيخ بعض مشايخنا الفقيه العلامة الدرَّاكة الفهّامة الأديب الناظم النّاثر مادح الرسول r والمتشوّق إلى ربِْعه الطاهر في عدة قصائد سيدي أحمد بن قاسم جسُّوس الرِّباطي. حضرت بعض دروسه حول همْزية البوصيْري وأنا في ابتداء الطّلب. كما حضرت كذلك ختْمه لصحيح البخاري بضريح العارف بالله أب المواهب سيدي محمد الغرْبي بن السَّائح الْعمْري رضي الله عنه؛ توفي رحمه الله عام واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف([8])؛

ومنهم شيخنا الفقيه المحدِّث الأصولي المتكلم الأديب المحقِّق الأريب جامع أشتات العلوم والمبرِّز في المنْقول منها والمفهوم صاحب الفضل الباذخ والقدم الرّاسخ والمجْد السَّنيِّ سيدي أحمد بن المأمون العلوي البلْغيثي. قرأت عليه شمائل الإمام التِّرْمدي بالزّاوية التُّهامية وحضرْت لبعض دروسه "لصحيح" البخاري بالضّريح المذكور. توفي رحمه الله عام ثمان وأربعين وثلاثمائة وألف([9])؛

وكشيخ مشايخنا شيخ الجماعة بالرِّباط العلاّمة الشّهير الأديب الكبير صاحب الأشعار الخفيفة الرُّوح سيدي المكِّي البيطاوْري المتوفّى ليلة الأربعاء فاتح محرّم الحرام عام خمسة وخمسين وثلاثمائة وألف([10])؛

ومنهم شيخنا شيخ الشيوخ المحدِّث الهمام أوْحد علماء عصره وأشهرهم في وقته المتضلّع من علوم الحديث والسُّنة وفقْه معاني الآثار والخلاف العالي والمتْقن لعلوم القراءات العارف بوجوهها المتمكّن في علوم العربية وفنونها مضرب الأمثال في الحفظ والاستحضار المعروف لدى الخاصّ والعامّ أبو شعيْب الدُّكالي؛

 

الجهْبذ الْبارع في الفنون

 

عالم قطْر المغرب الْمَيْمون

 

وقد توفي رحمه الله ليلة السّبت الثامن جمادى الأولى من عام ستة وخمسين وثلاثمائة وألف([11])؛

ومنهم شيخنا العلاّمة النَّوازلي الموثِّق الفرضي قاضي الرّباط سيدي عبد السلام بن إبراهيم، توفي رحمه الله في سابع من شوال عام ستة وخمسين وثلاثمائة وألف([12])؛

ومنهم شيخنا الفقيه الجليل والعدْل الأمين السيِّد قاسم بن السَّيِّد عبد الله "الْحَاجِّي" المتوفّى في اليوم الخامس عشر من شهر شوال من عام سبعة وخمسين وثلاثمائة وألف رحمه الله وأسْكنه فسيح جناته([13])؛

ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه الصالح المتَّقي ربّه تعالى الخاشع المحبُّ لآل الرسول r سيدي عبد الرحمن بن الْقرْشي الأمامي؛ حضرْت عليه في القرويِّين لما زرت فاس بعض دروس "صحيح" الإمام البخاري، وفي الرِّباط بعض دروس الرسالة لابن أبي زيد القيرواني أيام توليته وزارة العدْل لما كانت سكْناه بالرِّباط. توفي رحمه الله بفاس يوم الأحد عشر محرّم الحرام من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف([14]).

ومن هؤلاء شيخنا العالم الحبْر الفهَّامة المدقِّق أعجوبة الدَّهْر في الفهم والتّفهيم وتوضيح المعْنى توضيحاً يقرِّب المعقول من المحسوس، ذو الْباع الطويل في معرفة القواعد العلمية والتّصرف بها الفقيه النَّوازلي المشارك سيدي:

 

وما أرى أحداً في الناس يشْبهه

 

وما أحاشي من الأقْوام من أحد

 

محمد بن عبد السلام الرُّنْدَى (أو الرُّنْدي والرُّنْدة حسب آخرني)، كان له شعف كبير بتقييد الطُّرر والحواشي على الكتب التي يطالعها، وقَفْتُ على تعاليق وحواش على المصْباح المنير في اللغة، وكان مولعاً بنظْم القواعد العلمية. فقد كانت قواعد الفروق للإمام القرافي نصْب عينه، ولشدَّة كلفه بها وبحاشيها ابنْ الشَّاط، نسخ كلاهما بخطِّ يده؛ فأما القواعد النحوية، فكانت ممتزجة بلحْمه ودمه؛ قرأت عليه آخر عصره، كتاب "الإيمان" من "صحيح" البخاري، ولما ختمه اختاره ربُّه لجواره ضُحى يوم الجمعة ثاني عشر ربيع النَّبوي عام خمسة وستين وثلاثمائة وألف، رحمه الله وأسْكنه فسيح جناته([15]).

ومنهم شيخنا وعمْدتنا حامل راية العلوم العقْلية والنَّقْلية، المتحقّق منها بالمنْطوق والمفهوم، المحيط بدقائقها وأسرارها، المتمكِّن من ظواهرها وغوامضها، البحر الذي لا يُدْرك له ساحل، ولا قعْرٌ، الأصولي النظار العلامة سيدي محمَّد بن عبد السَّلام السَّائح،

 

وكان من العلوم بحيث يقْضى

 

له منْ كلِّ فنٍّ بالجميع

 

كانت له اليد الطُّولى في تقرير القواعد الأصولية وإدْراج الجزئيات تحت كلياتها،

 

حبْرٌ متى جال في بحْثٍ وجاد فلا

 

تسْألْ عنِ الْبَحْر والهطالة الْوطفِ

له على كلّ قوْل بات ينْصره

 

وجْهٌ يُصان عن التَّكْليف بالْكلفِ؛

 

وقد توفي رحمه الله خلال شهر صفر الخيْر من عام سبعة وستِّين وثلاثمائة وألف([16]).

ومنهم شيخنا الفقيه العلامة النَّحْوي سيدي مَحمَّد بن عبد الله ملين وزير الأوقاف سابقاً، له حاشيةً على شرح السَّيوطي على ألْفية ابن مالكٍ لم تكْملْ، وإرشاد الخواصِّ والعوامِّ لفعْل الواجب وترك الحرام وشرْحٌ عليه، توفي رحمه الله في جمادى الأولى عام اثْنَيْن وسبْعين وثلاثمائة وألف([17])؛

ومنهم شيخنا الفقيه العلامة العدْل ومقدّم زاوية الشيخ العارف بالله تعالى أبي العباس مولانا أحمد التِّجاني رضي الله عنه بالرِّباط، الشريف سيدي محمَّد ابن الْعياشي العلمي المتوفّى يوم الجمعة متمِّ صفر الخيْر عام ستة وسبعين وثلاثمائة وألف([18]).

ومنهم شيخنا العلاَّمة النَّحْوي الأديب البليغ السيِّد التُّهامي بن الْمُعْطي الْغرْبي المتوفّى أوائل شوال عام ثمان وسبعين وثلاثمائة وألف([19])؛

ومنهم فخْر الرِّباط، وبحْر العلْم الذي لا تكدِّره الدَّلاء، ومعْدن الخير الذي لِقاصده منه ما يشاء، صاحب الأماني والآمال التي طارت شهْرته في الآفاق والأمْصار، والمصنَّفات القيِّمة والقصائد البديعة التي انتشر صيتها طولاً وعرضاً في الأقطار، وضاع ريحه فيها ضَوْع الرَّياحين والأزهار؛

 

وما هوَّ إلاَّ الْمسْك عند ذوي النُّهى

 

يضوع وعنْد الجاهلين يضيع،

 

وهل يخْفى القمر؟ إنه هو، كما غيْر خافٍ على الجميع، الأستاذ الجليل، والعالم العلاّمة الكبير، والمحدِّث الأمين، والشاعر الكامل، سبْط الرَّسول الموْلى محمَّد المدني بن العالم العلامة الشريف المولى محمّد الغازي بن الحسني العلمي؛

 

ذو الْبحْث والتَّحقيق والإفادة

 

والحفْظ والإتقان والإجادة

 

لقد أخذْتُ عنه زمناً طويلاً وقرأت عليه عدَّة فنون، واسْتفدْت منه كثيراً؛ وُلد عام سبعة من القرن الرَّابع عشر وتوفَّى أواخر شوال عام ثمانية وسبعين وثلاثمائة وألف رحمه الله رحمةً واسعةً([20])؛

ومنهم شيخنا الفقيه الصّالح سيدي محمد التَّادلي. فقد كان رحمه الله يشرح لنا مقدِّمة الإمام ابن آجرُّوم الصَّنْهاجي والمرشد المعين، له إلْمام بالنَّحْو وفقه العبادات، وكان له شغفٌ بقراءة الجرائد التي تصْدر في بلاد الشَّرْق العربيّ، لم يحضرْنِي تاريخ وفاته الآن([21])؛

ومنهم شيخنا العلاّمة الأصولي المحقِّق النَّوازلي الزَّاهد الورع المتَّقي ربّه سيدي أحمد بن الفقيه الجريري السَّلوي. حضرت بعض دروسه أيام الموْلد النبوي بضريح سيدي أحمد حجِّي بسلا للْبرْدة البوصيْري وتقريره لمبْحث الرِّياء من الْحِكم العطائية، وحضرْت عنده كذلك في بعض دروس لامية الزِّقاق بالمسجد الأعظم بسلا([22])؛

وكالشيخ العلامة المتشبع بأفكار أصحاب المذهب السَّلفي مولاي الكبير العلوي نائب قاضي صفْرو وخاطب مسجدها الأعظم الذي جرت بيني وبينه مذاكرت علمية في جلسات متكرِّرة... كما استمعنا لدروسه القيِّمة في فقه العبادات وأخرى في فقه الأحكام بالمسجد المذكور؛ فكثيراً ما كان يختار ويسْتَوْحي موضوع درسه من خلال أسئلة الحاضرين لاستماعه وذلك لاستحضاره الجيِّد. كان يجلُّه في المدينة سكّانها كبارهم وصغارهم، المسلمون منهم واليهود على حدٍّ سواء،

وكالعلاَّمتين الجليليْن مولاي عبد الرَّحْمن الشَّفْشاوني والنَّوازلي المتضلِّع مولاي المهدي العلوي شقيق المولى الكبير. فقد استفدْت منهما كثيراً في تطبيقات الأحْكام على النَّوازل الفقهية وقت عضْويتي بالمجلس الشَّرْعي بالحضْرة الشريفة أيام جلالة الملك المجاهد محمَّد الخامس، الزَّاهرة، طيَّب الله ثراه، وذلك لما كان يترأسه شيخي سيدي المدني بن الحسيْني، جزى الله جميع أشياخنا عنَّا أحسن الجزاء؛ هذا:

 

إذا أفادك إنْسان بفائدةٍ

 

من العلوم فأكْثرْ شكْره أبدا

وقلْ فلان جزاه الله صالِحةً

 

أفادني وخلِّ اللُّؤْم والحسدا»([23])

 

بعد وفاة شيخه أبي شعيب الدكالي:

 

       كلمة وجيزة ألقيتها في حفل تأبين شيخنا أبي شعيب الدُّكالي رحمه الله

 

الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

إنَّ موت شيخنا شيخ الإسلام المحدِّث الإمام أبي شعيْب الدُّكالي لخسارةٌ تفوق كل خسارة، ومصابٌ أليمٌ يفوق كل مصاب. جلَّ الخطْب وعظم الجزع بموت شيخنا أبي شُعَيْب الذي فضْله منْ،

 

فضل الأنام بفضْل علْمٍ واسعٍ

 

وعلا مقالهمُ بفضْل المنْطق،

 

أجل، لم يكن شيخنا أبو شعيب من أولئك الرجال الذين لا يجزع لموتهم، ولا يؤسف لفقدهم، وهو الإمام، العالم، الرُّحْلة، المحدِّث، المفسِّر، الرَّابع لأعْلام علوم الحديث والتفْسير على ربوع هذا الْقُطْر الأسف لرحيله؛

 

كما أنه رحمه الله لم يكن من أولئك الرجال الذين حياتهم وموتهم سواء، إنه الإمام السَّلفيُّ الذي رفع راية الدعوة إلى عقيدة السلف الصّالح الصافية والخالية من البدع، والشَّعودة والأهواء، غير هِيَّابٍ، ولا وجلٍ؛

 

ولم يكن أيضاً من أولئك الرجال الذين تنقطع أعمالهم بالموْت، إذ هو العالم الذي لم يكن ملازماً لتدريس العلم،  دءوباً على نشره بين الناس أينما حل وارتحل فحسْب بل كان الشيخ أبو شعيب كذلك هو ذلك الرجل العظيم الذي حفظ القرآن بالرِّواية السَّبْع، ورزق السعادة والاستبْحَار في علوم العربية، والامتلاء والتضلُّع من علو الحديث وفنونه، والتّفسير وما انْتمَى إليه، والقرآن ووجوهه، ومعاني الآثار وآراء أئمّة المذاهب فيه ومآخذها، وحفظ المتون، والأحاديث، والجمع بين الروايات ومعرفة تراجم الرجال وأنساب الرُّواة.

 

رحل في طلب العلم بعدما حصَّل القسط الوافر منه في بلده عن جماعة من أهله وذويه، فألقى عصا التِّرحال بمصر وارتوى من حياض شيوخ الأزهر الأعلام واستجازهم فأجازوه، ثم انتقل إلى مكة المكرمة وجاور فيها فأعْظمه أميرها الشريف عون الشهير وقدَّمه على غيره من علماء الحرمين الشريفين، وأجازه هناك أيضاً كثيرون من علماء الحجاز والهند واليمن والشام والعراق؛ ورجع بعد ذلك إلى المغرب فكانت له حظْوَة كبيرة عند ملوكه العظام فقرّبوه إليهم وقلَّدوه الوظائف العالية، والمراتب السّامية، واسْتوزَره السلطان المولى يوسف طيب الله ثراه في شؤون المعارف والعدْل. فكان يسمى لذلك ذا الوزارتين، على غرار تلْقيب ذي الْمَيْتَتَيْن ابن الخطيب وزير أبي الحجاج يوسف أحد ملوك بني الأحْمر، وابنه أبي عبد الله الْغَنِيّ بالله وسفيره إلى المغرب بذي الوزارتين، وقدموه أيضاً في تقرير دروسهم الحديثية على غيره من العلماء لغزارة علمه وطول باعه في علوم الحديث والتفسير ولغة العرب، فكان لذلك يدعى شيخ الدروس السلطانية.

 

ولما تشرَّفت مدينتنا الرباط باتخاذه لها دار مقامه، لازم فيها نشر العلم والدَّأْب على بثّه وتدريسه؛ فدرَّس فيها الكتب السِّتّة، وغيرها من مصنّفات الحديث، والتفسير، والقرآن وروايات قراءته، والفقه والعلوم العربية والأدبية، فكان في كل ذلك مضرب الأمثال في الحفظ والإتقان والاستحضار وشدة المعارضة وحسن الإملاء،

 

فإذا الرجال تنازعوا في شُبْهةٍ

 

فصل الحديث بحجَّةٍ وبيان

 

وإذا بكينا هذا العالم الكبير نكون بكيْنا سيْفاً من سيوف الله المسلولة على أصحاب البدع والأهواء وحساماً قاطعاً لدابر ذوي العقائد الزَّائفة وداعيةً مخلصاً للإصلاح الديني والدُّنيوي.

 

فإذا جزعنا كلنا اليوم لفقد هذا العالم الفذّ فذلك لأننا قد فقدنا فيه، وبموته، عالماً عظيماً كان من أعظم الناشرين لعلوم الحديث والتفسير في ربوع المغرب، ومن أشدِّهم دأباً عن عقيدة السَّلف الصالح فيه، وأوْفى المكافحين عنها بلا هوادة والقطاع مدى الحياة.

 

فقد كان رحمه الله من الدّاعين إلى التوحيد الخالص، والمنكرين على الغلاة المسرفين في اعتقاد الأموات، والمقبلين على زيارة الأضرحة والطَّلبين قضاء حوائجهم من أصحابها، والذين لا ينادون الله إلاّ مقروناً بأسمائهم؛ لقد كان كثيراً ما يتلو على مسامع الناس قوله تعالى }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{. فلما تجالسه إلا وتسمعه يقول السُّنّة لله، كما كان يردد في كل مناسبة قوله جل من قائل وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدّين، ويقول: إخلاص الدين هو أن تصرف جميع عبادتك لله تعالى وحده ولا تدعو إلا الله ولا تتوكل في أمورك إلا عليه.

 

فشيخنا أبو شعيب لم يكن من أولئك الذين إذا ماتوا مات معهم عملهم بل كان من أولئك العظماء الخالدين بآثارهم الباقية ونصائحهم الغالية وإرشاداتهم القيّمة وأبنائهم الصالحين وذريتهم الصالحة وتلامذتهم الكثيرين وذلك بمقتضى الحديث المعروف القائل إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية (نشر العلم صدقة جارية باتّفاق أهل العلم) وعلْم ينْتف به وولد صالح يدعو له وكل ذلك مجتمع فيه رحمه الله؛ نعم، كان من أولئك العظماء الخالدين لهذه الملة الإسلامية وكفاه هذا المجد الباقي ما بقيت الدنيا.

ورحم الله فقيدنا الغالي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع الذين أنعم عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشّهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وإنا لله وإنا إليه راجعون والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته آمين.

 

                وكتب في متم جمادى الأولى من عام 1356([24]).

 

تعاطى العلامة محمد بن أحمد بنعبد الله الإفتاء والتدريس في مساجد الرباط([25])... وكانت له مشاركة في الحقل السياسي والوطني([26])...

عين عضواً بمجلس الاستئناف الشرعي الأعلى واستقال منه لما نفي الملك محمد الخامس رحمه الله([27])... وبعد الاستقلال عين العلامة قاضياً شرعياً لعاصمة المملكة عام 1956 م ثم تولى رسالة المجلس الإقليمي للاستئناف بالرباط عام 1957 م ومستشاراً بالمجلس الأعلى عام 1963 م([28])...

 

من مؤلفات العلامة محمد بن أحمد بنعبد الله وكتاباته:

 

«وأما ما علَّقته من المباحث العلمية والكتابات الفقهية والفنية والاستخلاصات الحديثية والفحوص اللغوية والنحوية والمقالات الأدبية والتاريخية والرسائل الإفتائية والشروح والتعليقات والتقاليد الاجتهادية فمنها "البيان المعرب عن رحلتيَّ إلى الحرمين من المغرب" ورحلتان أخريان إحداهما كتبتُها في حجتي الثالثة سنة 1378 والأخرى في الحجة الرابعة سنة 1379 التي

أفضلت على السابقات بتعييني عضواً في الوفد الرسمي الذي مثَّل جلالة الملك المعظم محمد الخامس في البقاع المقدسة برئاسة الأمير مولاي الحسن بن مولاي المهدي العلوي سفير جلالته بلندن عاصمة الدولة البريطانية...»([29]).

 

توفي العلامة محمد بن أحمد بنعبد الله في حجته الخامسة يوم 6 أبريل 1964 م رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الجزاء الأوفى.

 

 



([1])       عبد الرحيم بنعبد الله، من قلم الشيخ محمد بن أحمد بنعبد الله، القسم الأول، الرباط، 2009،
ص.
42.

([2])       المصدر السابق، ص. 249.

([3])       المصدر نفسه، ص. 46.

([4])       المصدر نفسه، ص. 250.

([5])       المصدر نفسه، ص. 46.

([6])       المصدر نفسه، ص. 45.

([7])       المصدر نفسه، ص. 42

([8])       المصدر نفسه، ص. 45.

([9])       المصدر نفسه، ص. 45.

([10])     المصدر نفسه، ص. 46.

([11])     المصدر نفسه، ص. 43.

([12])     المصدر نفسه، ص. 44.

([13])     المصدر نفسه، ص. 44.

([14])     المصدر نفسه، ص. 45.

([15])     المصدر نفسه، ص. 44.

([16])     المصدر نفسه، ص. 42.

([17])     المصدر نفسه، ص. 44.

([18])     المصدر نفسه، ص. 42.

([19])     المصدر نفسه، ص. 44.

([20])     المصدر نفسه، ص. 42.

([21])     المصدر نفسه، ص. 44.

([22])     المصدر نفسه، ص. 45.

([23])     المصدر نفسه، ص. 46.

([24])     المصدر نفسه، صص. 227-228.

([25])     المصدر نفسه، ص. 51.

([26])     المصدر نفسه، ص. 60.

([27])     المصدر نفسه، ص. 54.

([28])     المصدر نفسه، ص. 48.

([29])     المصدر نفسه، ص. 54.