جوامع مدينة تونس في العهد العثماني

دراسة تاريخية وفنية ومعمارية

 

                                                        الدكتور محمد الباجي بن مامي

                                                                       تونس

 

        مرّت مدينة تونس بعدّة فترات. فامتازت كل فترة منها بقدوم ممثلين لحضارات مختلفة. وهكذا تنوعت مصادر التأثيرات في الناحية الفنية والمعمارية بتنوع منابعها، واتسم كل عصر بطابعه الذي يميزه عن العصور السابقة. إلا أنه لم يوجد أي انقطاع في سلسلة الحلقات التي تربط بين مختلف هذه الحقبات التاريخية([1]).

        اختلف مجيء الأتراك العثمانيين اختلافاً تاماً عن الهجرات الأخرى خاصة منها الهجرة الأندلسية، إذ أن قدومهم كان متصلاً بحضور عسكري وسياسي قِوامه الجند. وقد حاول الحكام الجدد بثّ المذهب الحنفي عن طريق العلم، فبدأوا بتأسيس الجوامع والمدارس لهذا الغرض، وأحيوا ما هرم منها، وحبّست على المذهب المتّبعين له([2]).

        كما كان لتأثيرهم الفني والمعماري أهمية لا تقل عن تأثيرهم الثقافي والمذهبي، مما أعطى صبغة جديدة لفن البلاد ومعمارها. وهكذا أدّى الوجود العثماني إلى ظهور خصائص واتجاهات فنية جديدة([3]). ومن الأكيد أن الحديث عن كل التأثيرات التركية التي عرفتها مدينة تونس، سيحملنا للحديث على أربعة قرون متواصلة من الحضور العثماني ببلادنا. لذلك سنهتم في هذا البحث بالعمارة الدينية المتمثلة في الجوامع، والتي تعتبر أحد العناصر الهامة لهذا الحضور والتي تعطينا فكرة واضحة عن التأثيرات التركية بمدينة تونس.

        بالطبع، احتاج الدايات الأوائل الذين حكموا البلاد إلى إيجاد جوامع خطبة تتسع للجنود العثمانيين الذين استقروا في تونس بداية من سنة 1574 م. وتفيدنا المصادر بأن عددهم كان آنذاك حوالي أربعة ألاف([4]). لهذا الغرض رمّم الجامع الموحدي بالقصبة سنة 992 هـ/ 1584 م. كما رمّم جامع بني خرسان المعروف بجامع القصر سنة 1008 هـ/ 1599 م([5]). وأدخل العثمانيون بعض العناصر الجديدة على هذين المعلمين؛ من ذلك كسوهم محراب جامع القصبة بالرخام، وإضافتهم المنبر المبني. وحبّس الجامعان على المذهب الحنفي، مما سمح لهؤلاء الجنود بأداء مناسكهم في جوامع خاصة بهم.

        بلغ عدد الجوامع المؤسسة بمدينة تونس خلال الفترة العثمانية خمسة، أسس حاكم البلاد يوسف داي أولها، وهو الجامع المشهور باسمه والذي كان يعرف أيضاً بجامع البشامقية ([6])، وتمّ بناؤه سنة 1021 هـ/ 1612 م.

        أما ثاني الجوامع، فهو الذي أسسه الباي حمودة باشا المرادي سنة 1066 هـ/ 1655 م. وثالث الجوامع زمنياً هو جامع محمد باي المرادي المعروف بجامع سيدي محرز الذي بدأ هذا الباي في بنائه سنة 1104 هـ/ 1692 م، لكنه توفي قبل إتمامه فأكمله أخوه رمضان باي سنة 1110 هـ/ 1699 م، قبل بناء المئذنة.

        كما بنى حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية الجامع الرابع سنة 1139 هـ/ 1727 م.

        وآخر هذه الجوامع هو جامع الوزير يوسف صاحب الطابع الذي انتهى من بنائه سنة 1230 هـ/ 1814 م.

       

جامع يوسف داي

        أسس إذن يوسف داي أوّل الجوامع العثمانية بالبلاد التونسية، وهو الذي تولى الحكم انطلاقاً من سنة 1019 هـ/ 1610 م ([7]). طالت مدة هذا الداي في الحكم، إذ بلغت حوالي ثمان وعشرين سنة، استطاع أن يوجه عنايته خلالها إلى إعطاء نفس جديد للحياة الاقتصادية والعلمية بعد فترة الركود والتراجع التي شهدتها البلاد خلال القرن 10 هـ/ 16 م. وقد تمكن من ذلك بفضل عدة عوامل، من بينها خاصة قدوم نخبة من كبار التجار وأصحاب الحرف الأندلسيين الذين توافدوا على تونس في عدد كبير قبل توليه الحكم بثلاث سنين ([8]). وقد حرص على إيوائهم وتسهيل إدماجهم في الحياة الاقتصادية للبلاد.

        هذا، ولم يكن إنجاز الجامع نتيجة لتلك الظروف الاقتصادية السانحة، إذ تم بناؤه بعد سنة فقط من تولّي هذا الداي الحكم بتونس، بل يغلب على الظن أنه كان نتيجة لضغوط سياسية واجتماعية. ذلك بأنه قد مر على وجود العثمانيين المتبعين للمذهب الحنفي بتونس أكثر من ثلث قرن لم يحصل خلالها تشييد ولو جامع واحد، بل اقتصر الولاة ـ كما أشرنا إلى ذلك ـ على تحويل جامعين مالكيين إلى المذهب الحنفي. ولاشك في أن الحاجة كانت في أوائل عهد يوسف داي ملّحة إلى حدّ أن الداي المذكور أسرع على أثر توليه الحكم للأمر ببناء هذا الجامع. فلم تدم الأشغال أكثر من أحد عشر شهراً (من شوال 1020 هـ/ ديسمبر 1611 م ـ جانفي 1612 م إلى رمضان 1021 هـ/ 1612 م) مثلما تدل على ذلك النقيشة ذات الخط النسخي الموجودة بالجامع([9]).

        هذا، ولا يخفى أنه كان للجند دور أساسي في إدارة البلاد، وحتى في تسمية الحكام عليها. ولربما قد ازداد عددهم بصفة جعلت من المتأكد إضافة جامع جديد لم يفتأ أن أصبح جامع الخطبة الحادية عشر في مدينة تونس([10])، فيكون الداي يوسف قد جلب بهذا العمل عطف وتأييد هؤلاء القوم الذين كانوا دوماً مصدر شغب وفتنة.

        وقام ببناء هذا المعلم المهندس ابن غالب الأندلسي الأصل([11]). لكن بغضّ الطرف عن هذا الجامع، شيّد يوسف داي مدرسة([12]) مجاورة له وميضأة فوقها مقهى([13])، وكذلك كتاباً. وأضاف إليها سوق البشامقية الملاصقة للجامع، وسوق الترك وسوق البركة. وهكذا كوّنت في جملتها كتلة متكاملة، تذكرنا بـ»الكولوليا« التركية.

        ولما توفي يوسف داي سنة 1047 هـ/ 1637 م، دفنه ابنه أبو العباس أحمد في التربة التي أقامها في مدخل الجامع بسوق البشامقية.

        يقع الجامع اليوسفي في مدخل المدينة العتيقة من ناحية القصبة بنهج سيدي علي بن زياد، ومما يجلب الانتباه أن المؤسس اختار موقع جامعه على مقربة من الجامع الأعظم. ويمكن تفسير هذه العملية بأن الجند الذين بني من أجلهم هذا الجامع كانوا يقطنون بقرب من هذا الموقع. فإضافة إلى وجود العديد منهم بقلعة القصبة، فإن البعض الآخر كان يقطن في المكان الذي تحتله حالياً المدرسة المرادية([14]). كما أنه من الممكن أن وجود جامع محبّس على المذهب الحنفي بقرب الجامع الأعظم ساهم في جلب عدد من كبار القوم الذين كانوا يقطنون في هذا الحي للاستماع لدروس الشيوخ المتفقهين على مذهب الإمام أبي حنيفة، وبالتالي يعتبر هذا تقوية لصفوف المتبعين لهذا المذهب في بلاد ما زال سكّانها متشبّثين بالمذهب المالكي.

        مما يجلب الانتباه أن أول جامع أسس بالبلاد على يد العثمانيين هو جامع يوسف داي، الذي تأثر في بعض مكوناته وفي قسم من تصميمه بالمساجد العثمانية. وهكذا يبدو الصحن الذي يحيط ببيت الصلاة من الجهات الثلاث ـ الشرقية والشمالية والغربية ـ من المميزات النادرة التي قلما نجدها في الجوامع التونسية، وهي في الحقيقة ظاهرة اختصت بها بعض الجوامع التركية ـ خاصة منها جامع بيالي باشا (Piali Pacha) الذي أسس بإسطنبول سنة 992 هـ/ 1585 م، وجامع ياني فاليدي (Yani Validé). أما بتونس، فنجد الشكل نفسه، وهو المشابه لحرب U اللاتينية في ثلاثة جوامع أخرى فقط([15])، وهو ما لا نجده في الجوامع التي سبقت زمنياً تأسيس الجامع اليوسفي([16]). ويتمثل هنا أهم الصحون الثلاثة في الصحن الشمالي، بينما يتسم الصحن الشرقي بمساحته المحدودة جداً، لكنه يمتاز باحتوائه على محراب يستعمله المصلون خلال فصل الصيف([17]).

        لكن ما يجلب الانتباه هو أنه بالرغم من بناء هذا الجامع في بدايـة القرن 11 هـ/ 17 م، فقد صممت بيت الصلاة حسب النماذج المستعملة من قبل في البلاد. فأغلب عناصرها تمثل بعض التأثيرات والتقاليد المعمارية المحلية. وهكذا حصل اختلاف أساسي بين ما يوجد بالصحن ونمط الصومعة والتربة من جهة، وبين العديد من عناصر بيت الصلاة من جهة أخرى، التي تم تسقيفها عن طريق أقبية متقاطعة([18]). وربطت الجدارات ببعضها عن طريق عوارض خشبية. وتختلف بيت الصلاة هذه اختلافاً تاماً عما نجده بجامع محمد باي المرادي (المعروف بجامع سيدي محرز) المسقوف عن طريق القباب المعتمدة على أربع دعامات، بينما اعتمد سقف الجامع اليوسفي على غابة الأعمدة التي تعودنا وجودها بأغلب جوامع البلاد.

        لبيت الصلاة هذا شكل مستطيل: فعرضها أقل من عمقها، إذ يساوي عرضها 6/7 من عمقها. ونحن نعلم أن شكل بيت الصلاة بصفة عامة يكون العرض فيها أكثر من العمق([19]). وبما أننا نعثر في بيت الصلاة هذه على الكثير من المعطيات التي نجدها في الجوامع الأفريقية الأخرى، فقد كنا ننتظر أن يمثل عرض بيت الصلاة أكثر من هذه النسبة بالمقارنة مع العمق. إلا أن الأبعاد تكاد تكون متوازية (أي شكل مربع) مثلما هو حال جامع سيدي محرز([20]).

        تتكون بيت الصلاة من تسع بلاطات ـ أهمّها البلاطة الوسطى المواجهة للمحراب ـ وسبع مسكبات، أكثرها عرضاً المسكبة الموازية لجدار القبلة. وهكذا تكون بمعيّة البلاطة الوسطى التصميم المعروف حسب شكل T اللاتينية. ويتكون السقف ـ كما لاحظنا ـ من أقبية متقاطعة تتسم بالجمال. وهكذا تضفي على بيت الصلاة شيئاً من الأناقة أنقذها من الرتابة التي كان من الممكن أن تتردّى فيها. ذلك، إضافة إلى القبة ذات عقود الزوايا التي تعلو المحراب([21]). بينما لا يجلب الانتباه في واجهة المحراب، إلا المحراب نفسه والزخرفة الجصية التي تعلوه. وكسي القسم الأسفل لجوف المحراب الذي يتوسط هذه الواجهة باللوحات الرخامية، وزخرفت الطاقية بنقوش جصية ذات تأثير أندلسي، كما يتكون العقد الحدوي الذي يحيط بالقسم الأعلى للمحراب من فقرات رخامية متناوبة، بيضاء وسوداء، ويحيط به إفريز مقعّر. ويستند هذا القسم على عضادتين يحدّ كلاًّ منهما من الداخل عمود رخامي يعلوه تاج من الطراز الحفصي. ونمط هذا المحراب جديد بالنسبة إلى جوامع البلاد، فلم يكس جوف المحراب بالرخام، ولم ينتشر هذا النمط إلا مع دخول الأتراك العثمانيين. أما قبة المحراب، فهي مرتكزة على أربعة عقود، مشكّلة بذلك قاعدة مربعة للقبة التي تتكون من ثلاثة أقسام. ويتم الانتقال من القاعدة المربعة إلى الطابق الأوسط المثمّن الشكل عن طريق أربعة عقود زوايا يحتل كل منها إحدى زواياها الأربع([22]). ويحد المحراب شرقاً باب مقصورة الأمام، وغرباَ المنبر، وهو منبر قار بني بالحجارة وكسي بلوحات المرمر المتعدّدة الألوان([23])، وهو يذكرنا بمنابر جامع القصبة وجامع حمودة باشا وجامع محمد باي المرادي والجامع الجديد وجامع صاحب الطابع. أما أجمل العناصر التي تحتوي عليها بيت الصلاة، فهي الختمة القرآنية التي أثريت في واجهاتها الأربع بنقوش جميلة وبنقيشة تثبت تحبيسها على الجامع سنة خمس وأربعين وألف للهجرة (1045 هـ/ 1635 م).

        من بين العناصر المعمارية التي تلفت الانتباه المئذنة، وهي أولى الصومعات المثمنة الشكل التي تم بناؤها بالبلاد، إذ أن جميع الصومعات التي سبقتها زمنياً كانت في أغلبها ذات نمط موحدي، ولها قاعدة مربعة الشكل؛ كما أن لجامع حمودة باشا المرادي والجامع الجديد وجامع صاحب الطابع مآذن لها هي أيضاً النمط نفسه.

        اختلف المؤرخون في مصدر هذا النمط من المآذن. فأغلبهم يرون أنها من تأثير تركي، أو ينعتونها بـ»ـالنمط الحنفي«. ويرى البعض الآخر أنها من تأثير أندلسي. ويستدل الأستاذ ميكال دي إيبلزا (Mickel de Epalza) على ذلك بوجود صومعة بألمرية تتشابه نوعاً ما مع هذا النوع من الصومعات التونسية. لكن المؤكد أن المآذن المثمنة الشكل وجدت بتركيا وبمصر وببعض المناطق التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية. وبالرغم من أن المآذن الموجودة بتركيا أكثر رشاقة وطولاً من التي نجدها بمدينة تونس، فمن الواضح أن هذه متأثرة بطريقة غير مباشرة بتلك، وهي ربما تأثرت بصفة مباشرة بالصومعات المثمنة الشكل الموجودة ببعض مناطق سوريا ولبنان، خاصة منها بحلب. لكن نلاحظ أن الفنان التونسي قد أضفى عليها شيئاً من شخصيته وتقاليده، مما أعطاها بعداً مميزاً.

        من بين العناصر الأخرى الهامة: التربة. فانطلاقاً من هذه الفترة العثمانية، أصبح كل مؤسس لجامع خطبة بمدينة تونس يضيف تربة إلى الجامع، وهو ما حصل فعلاً بجامع حمودة باشا، وكذلك بالجامع الجديد وبجامع صاحب الطابع. وقد حاول محمد باي المرادي إضافة تربة إلى جامعه؛ إلا أنه توفي قبل إنجازها، فدفن في تربة أبيه حمودة باشا. ومفهوم إضافة التربة إلى الجامع مشرقي بحت ولم يعرف لدينا خلال العهد الحفصي إلا في بعض المدارس (كمدرسة ابن تافراقين ومدرسة القائد نبيل أبو قطاية).

        وقد لاحظنا بعد أن المهندس الذي أشرف على بناء هذا المعلم أندلسي الأصل. إلا أنه بالرغم من ذلك، فإن التأثيرات التي سيطرت على نمط هذا المبنى فيها امتزاج بين الفن والهندسة المعمارية المحلية والعثمانية. لهذا نستغرب من عدم محاولة هذا المهندس استعمال الأنماط الهندسية التي تعودها بالأندلس.

        وهكذا احتوى هذا الجامع بالرغم من بساطته على عناصر جديدة أدخلها معهم العثمانيون، كالصحن الذي يمثل شكل U اللاتينية، والمئذنة المثمنة الشكل، والمنبر القار والمكسو بالمرمر، وكذلك التربة المضافة للجامع، هذا إضافة إلى المحراب الخارجي الواقع في الصحن الشرقي، وهو قاسم مشترك بين الخمسة الجوامع المؤسسة خلال فترة الأتراك العثمانيين. وهذه المعطيات تعدّ من الأهمية بمكان، إذ تعرفنا عمارة الدايات الأوائل بتونس، والتطور الحاصل مع قدوم الحكام الجدد للبلاد.

 

جامع حمودة باشا

        أما ثاني الجوامع المؤسسة خلال هذه الفترة، فعمارته تشابه في أغلب النقاط الجامع الأول. ويوجد هذا الجامع وسط الأسواق المحيطة بالجامع الأعظم. ومن أهم أسباب اختيار موقعه هذا هو قربه من جامع الزيتونة؛ إذ لا يفصل بينهما إلا بضعة أمتار، وهو ناتج عن إرادة الحكام الجدد المتبّعين للمذهب الحنفي نشر مذهبهم بين العامة. وكانوا يعتبرون أن الحل الوحيد لنشر الحنفية هو إنشاء جوامع ومدارس تحبّس على مذهبهم. وبما أن الزيتونة مثلت على مر التاريخ معقل العلماء والشيوخ المالكية، فإن إنشاء جامع قريب منهم يحبّس على المذهب الحنفي كان يشكل في نظرهم أهم الطرق لدعم وجودهم المذهبي وبالتالي السياسي.

        من أهم ما يمكن إذن ملاحظته هو تأثر مهندس هذا الجامع  بنمط جامع يوسف داي، وهو ما تصفه المراجع بالنمط التركي. كما تجلب الانتباه بعض الاختلافات الجزئية بين مئذنة جامع حمودة باشا وتلك التي ذكرناها في جامع يوسف داي: فمنارة جامع حمودة باشا أكثر رشاقة وطولاً من الأخرى.

        وبالرغم من احتواء هذا الجامع على بعض العناصر الجديدة التي لا حظناها بعد في جامع يوسف داي، ومن بينها خاصة الصحون الثلاثة المحيطة ببيت الصلاة، والمحراب المكسو جوفه بلوحات المرمر وكذلك بروز العناصر النباتية في تزويق قاعدة أطر الأبواب؛ كما أن للمنبر أيضاً طابع المنابر الراجعة للفترة التركية، وكذلك التربة المشابهة لتربة يوسف داي ـ بالرغم من وجود هذه العناصر الجديدة، فإن الطابع العام يدل على بقاء التاثيرات المحلية قائمة الذات. فأطر الأبواب والنوافذ التي تفتح على بيت الصلاة تذكرنا بما يوجد في أغلب معالم مدينة تونس، خاصة منها الفقرات الرخامية المشعّة والمتناوبة البيضاء والسوداء، وطبيعة البناء نفسه، وكذلك السقوف المتمثلة في أقبية متقاطعة، كل هذا دليل على أن التأثير التركي تمثل في بعض الأجزاء فقط، بينما بقي التأثير المحلّي (خاصة طابع بيت الصلاة نفسه) موجوداً في النمط العام للجامع وفي شكله وكذلك في زخارفه.

 

جامع محمد باي المرادي

        ثالث الجوامع، ولعله أهمها على الإطلاق. وبالرغم من إطلاق العامة على هذا الجامع اسم »جامع سيدي محرز«، فهو لا ينتمي بأيّ صلة إلى هذا الولي. فقد أسسه محمد باي المرادي في نهاية القرن 17 م، وأطلق عليه اسم »جامع سيدي محرز« لوقوعه أمام زاوية الولي ([24]). وأهمية هذا الجامع متأتية من أنه انفرد بالنمط المتأثر بالجوامع التركية، وهو ما لا نجده إلا في عدد قليل جداً من الجوامع بالبلاد العربية. وبالرغم من هذا، فإن جامع محمد باي، في شكله العام وفي نواحيه الفنية، يختلف في العديد من النقاط عن الجوامع التركية عكس جامع محمد علي بقلعة صلاح الدين المعتبر الجامع الوحيد في البلاد العربية الذي يشكل نسخة مطابقة للأصل لجوامع إسطنبول، كجامع السليمانية وبايازيت وغيرها، المتأثرة مباشرة بآيا صوفية، والتي أبدع في تصميمها المعماري سنان. أما جامع محمد باي، فيبدو أنه تأثر في أغلب نواحيه المعمارية وفي هيكله الخارجي بجامع ياني فاليدي (Yeni Validé).

        امتاز هذا الجامع عن غيره إذن ببعض الخاصيات، أهمها اعتماد السقف المتكون من قباب متفاوتة الحجم، على أربع دعامات ضخمة. لذلك لا نجد في بيت الصلاة الأعمدة التي اعتدنا وجودها في كل المساجد التونسية، فلا تحتوي بيت الصلاة هذه على البلاطات والمسكبات المعهودة.

        تبدو بيت الصلاة من الخارج على شكل هيكل مكعب تتدرج في فضائه المساحات الكروية الشكل، فتبدو القبة الوسطى مرفوعة على رقبته تتخللها ثماني نوافذ وتعلوها طاقية ذات شكل نصف كروي، في حين أن القبيبات الأقل ارتفاعاً لا تتخللها إلا أربع نوافذ، وتنتهي كلها برمانة من ثلاثة عناصر كروية يعلوها هلال.

        أول ما يجلب نظر الداخل إلى بيت الصلاة الفاتحة على الأروقة الخارجية بتسعة أبواب، الدعامات الأربع الضخمة الحاملة للسقف والمتشابهة تقريباً([25]). وتحتل الدعامات مكاناً ممتازاً في وسط القاعة الفسيحة الأرجاء، وتجمع بينهما عقود أربعة في شكل نصف دائرة تكون القاعدة المربعة التي تحمل القبة الوسطى الرئيسة. ويتم الانتقال من المربع إلى القسم الأوسط بواسطة عنصر المثلثات الكروية. أما بقية المساحة المسقوفة، فتحتوي على أربعة أنصاف قباب، تساند القبة الرئيسة من جهاتها الأربع، في حين أن قبيبات أربع أخرى تحتل زوايا القاعة. وتستند كل من أنصاف القباب والقبيبات إلى عقود معترضة تنطلق من الدعامات الوسطى لترتكز على العضادات المتكئة على الجدران.

        تتقدم بيت الصلاة أروقة تتمادى في الزاويتين الشرقية والغربية مكونة سلسلة متواصلة من البائكات المرفوعة عن طريق أعمدة مرمرية تعلوها تيجان من الطراز التركي المتأثر بالنوع الكورنتي الجديد ([26]). ويتألف الرواق الجنوبي الغربي المساند لجدار القبلة من ثلاثة عقود، في حين أن الرواق الجنوبي الشرقي يتكون من أربعة عقود ([27]). أما الواجهة الشمالية، فتعتبر أهم الواجهات الثلاث، إذ تشتمل على رواق متكون من بائكة ذات سبعة عقود. والملاحظ أن المناطق العليا لكل الأروقة قد كسيت بغشاء من حجارة الهوارية الصفراء اللون، بينما اختصت الزوايا بكسوة من حجارة الكذال الوردي اللون، والذي يعتبر الرخام المحلي، والمجلوب من منطقتين قريبتين من المدينة العتيقة، أولاها بضاحية حمام الأنف والثانية بالوطن القبلي وبالتحديد قريباً من القرية الأندلسية: سليمان.

        أما المئذنة، فقد جرت العادة في مثل هذه الجوامع على أن تتحلى بمئذنة شديدة الارتفاع ومثمنة الأضلاع. غير أن هذا الجامع لم يساعده الحظ على استكمال الصومعة؛ إذ أن المنارة الحالية الموجودة في الركن الجنوبي الشرقي والمشرفة على سوق سيدي محرز لم تشيد خصيصاً للجامع الجديد، بل هي من توابع المسجد الصغير القديم المعروف بمسجد الفلاري([28]). وهي صومعة مربعة الشكل صغيرة القاعدة لا تتناسق من حيث حجمها وشكلها مع نمط الجامع وفخامة الهيكل. والسبب في فقدان صومعة تتماشى والنمط المعماري الخاص بالجامع هو موت محمد باي قبل إتمام المئذنة. ثم تبعه أخوه رمضان باي الذي مات قبل اكتمال البناء، وقد امتنع الخلف من إتمام الصومعة تشاؤماً بمصير السلف.

        بالطبع، أثرى أقسام بيت الصلاة هي واجهة جدار القبلة، التي تتألف من قسمات أفقية وقسمات عمودية. أما القسمات الأفقية، فهي ثلاث: منطقة سفلى تحتوي على إطارات رخامية وألواح القشاني، ثم منطقة مغشاة بزخارف الجص المحفور والتي تدعى لدينا بـ »النقشة الحديدة«. وأخيراً ينتهي الجدار بقسم خال من الزخارف، وفوق ذلك نجد القباب وأنصاف القباب([29]) تعلو بيت الصلاة والتي كانت خالية من كل زخارف على عكس ما هي عليه الآن.

        تتشكل الزخارف السفلية من عدة مجموعات عمودية يتوسطها المحراب المكسو تماماً بالمرمر المتعدد الألوان، والذي تحيط به من الجانبين نوافذ تعلوها كسوة من القشاني (أو مربعات الخزف) ([30]) المجلوب من مدينة أزنيك([31]) والمتميز بنصاعة ألوانه وأناقة الأشكال الزخرفية المستوحاة في أغلبها من العناصر النباتية الطبيعية، وهو الطراز الطاغي من حيث الاستعمال([32]). وفي أطراف الجدار يتمادى النظام نفسه مع استعمال زخارف خزفية من الطراز الأندلسي المتمثلة في أطباق الفسيفساء التي تتخذ أشكالاً هندسية والتي تسيطر عليها الأطباق النجمية البسيطة التركيب.

        والجدير بالذكر أن مجموع الدعامات والعضادات قد رتبت فيها ألواح من المرمر والقشاني والنقشة حديدة حسب نظام مشابه للذي لاحظناه بخصوص جدار القبلة مع تداخل بعض العناصر المميزة. أما بقية جدران القاعة، فتتمادى في زخرفتها المواد نفسها ونسب الترتيب الأفقي، مع نظام خاص عمودي في المنطقة السفلى.

        من بين أهم عناصر بيت الصلاة المنبر المبني بالحجارة والمزوق بالمرمر مثلما هو حال بعض الجوامع الأخرى([33]). أما تيجان الأعمدة، فجلها من النوع المسمى بـ»ـالتركي« (22 تاجاً على 25) وثلاثة من الطراز الحفصي. كما نلاحظ نوعاً ثالثاً يعرف بالأندلسي([34])، وهو المستعمل في عمودي المحراب والمنبر.

        وفيما يتعلق بالنقش على الجص، فقد استعمل في هذا المعلم طراز أول، وهو من تأثير أندلسي يتسم باستعمال العناصر الهندسية المتمثلة خاصة في أطباق النجوم. أما الطراز الثاني، فهو من تأثير تركي، ويتمثل في ألواح يطغى عليها الشكل المنفرد (خاصة المزهريات والنجوم وكوز الصنوبر...).

 

الجامع الجديد

        أما رابع الجوامع، فهو الذي أمر ببنائه حسين بن علي تركي مؤسس الدولة الحسينية الذي تولى مقاليد الحكم سنة 1117 هـ/ 1705 م([35]). أسّس هذا الباي ثلاث مدارس خلال الفترة الأولى لحكمه، وآخر مدرسة أنجزها الباي حسين تمّ بناؤها سنة 1139 هـ/ 1727 م، قبل سنة فقط من اندلاع الحرب الأهلية التي انقسمت فيها البلاد بين حسينية وباشية([36]).

        الجامع الجديد هو أول جامع شيّد في الفترة الحسينية([37]). وباستثناء هذا الجامع لا نملك مثالاً آخر لجامع استعمل صحنه مدرسة، لأنه في صورة بناء جامع ومدرسة في المكان نفسه: كجامع ومدرسة التوفيق ثم الجامع اليوسفي والمدرسة، وكذلك جامع ومدرسة صاحب الطابع. فإن كلاًّ من المعلمين يكون مستقلاً بذاته، وربما نتج هذا الاختيار عن ضيق المكان الذي تمّ استغلاله. وهو على كل  حال تطور لمفهوم المدرسة ولتخطيطها، فالمسجد الذي تحويه كل مدرسة كان يمثل المكان الذي استغله الطلبة والشيخ للتدريس والصلاة، وهنا من الممكن جداً إن اضطر هؤلاء لاستعمال بيت الصلاة الجامع.

        تعلمنا المصادر أن الأشغال انطلقت سنة 1136 هـ/ 1723 م، وأن الباي حسين أزال ثلاث خمارات كانت توجد قرب مسجد المسدوري وبنى عوضها دوراً للسكنى. أما بقية المساحة، فقد أنجز عليها الجامع والمدرسة وتربة أعدّها لنفسه([38]) وكتّاباً. وأول صلاة أقيمت بالجامع كانت ظهر يوم الأحد 14 شعبان 1139 هـ/ 16 أفريل 1727 م([39]). ويفيدنا الصغير بن يوسف أن الباي حسين أنفق أموالاً طائلة في بناء الجامع والمدرسة، وأنه جلب أعمدة الرخام من إيطاليا، بينما أتى بالزليج من إسطنبول.

        مما يبرهن على أهمية هذا المكان إحاطة العديد من المعالم الدينية والمدنية بهذه المجموعة التي توجد المدرسة في شمالها. ويبدو أن العثمانيين اهتموا بهذا الحي اهتماماً خاصاً منذ بداية القرن 11 هـ/ 17 م، فقد بنى به الداي عثمان قصره الراجع إلى حوالي سنة 1605 م.

        أول ما يجذب الانتباه بالجامع الصومعة المثمنة التي تطل على الصحن الشرقي للجامع وعلى سوق الصبّاغين من الخارج. وتشدّ بيت الصلاة اهتمام المصلين نتيجة لثرائها الفني والزخرفي والمعماري. وأول ما يلفت الانتباه هو التصميم المتّسم بالطابع المحلي الذي تعودناه في بيوت الصلاة المنشأة خلال الفترة الحفصية، والتي استعملت أيضاً في الجوامع العثمانية بمدينة تونس كجامع يوسف داي وجامع حمودة باشا المرادي، والمختلف عن تصميم جامع محمد باي، وهو التخطيط المتمثل في قاعة مستطيلة الشكل، عرضها أكثر من طولها: فلها في هذا الجامع من الطول 17.20 م ولها من العرض 19.20 م. لهذا، فإن مساحة بيت الصلاة بالجامع الجديد متواضعة نسبياً.

        قسّمت بيت الصلاة بالجامع الجديد إلى خمسة أروقة لها الأبعاد نفسها، وهو ما نلاحظه أيضاً بخصوص المسكبات الأربع الموازية لجدار القبلة. وهي تختلف في هذه الناحية عن تصميم الجامع الأعظم وغيره من الجوامع التي تتميز ببلاطة المحراب الأعرض من بقية البلاطات؛ وقس على ذلك المسكبة الممتدة بطول جدار القبلة، والتي تمثل أعرض المسكبات، مما سمح بتكوين التخطيط المتعارف عليه بشكل T اللاتينية، وهو التصميم الأكثر انتشاراً بالبلاد التونسية.

        يختلف سقف هذا الجامع عن أغلب الجوامع الأخرى بما فيها الجوامع المؤسسة خلال القرن 11 هـ/ 17 م. فهو متكون في كل من طرفيه الأيمن والأيسر من أقبية طولية، وتتوسطها بالرواق المواجه للمحراب أشكال مقبّبة. وهي طريقة سيحصل اعتمادها فيما بعد في جامع صاحب الطابع الذي أثريت فيه هذه الأقبية الطولية بالنقوش الجصية. حملت هذه الأقبية الطولية بالجامع الجديد عن طريق عقود متقاطعة تستند بدورها إلى جدارات تتكون كل منها من حجارة متناوبة بيضاء وسوداء، وهي محمولة على أعمدة من الرخام الأبيض المستورد من كرارة، وهي المادة نفسها المستعملة في تيجانها ذات النمط الخليط الذي نلاحظ وجوده في صحن الجامع، وهو يحتوي على تأثيرين متداخلين: كورنتي من حيث عنصر الأوراق، وايوني من حيث الشكل الحلزوني. وقد استمده الرومان من هذين الطرازين، بينما للأربعة الأعمدة الحاملة لقبة المحراب تيجان من النمط المعروف بـ»ـالتركيّ« والذي نجده في الجوامع التي يطلق عليها »الجوامع الحنفية« لتأسيسها في الفترة العثمانية وتحبيسها على هذا المذهب. وبعكس أغلب الجوامع الأخرى، ونتيجة لضيق المساحة، تمت إضافة طابق علوي في جزء من أقسام الجامع، إذ خلا وسط بيت الصلاة من هذا القسم المضاف، وهو مصنوع من الخشب، ذلك ما يسمح بمضاعفة طاقة استيعاب الجامع. ولم تحصل هذه الإضافة إلا خلال القرن الفارط. فمن الواضح أن عدد سكان الحي ازداد بصفة جعلت الجامع يضيق بالمصلين، وهو ما دفع إلى إضافة السدّة وهي نفسها المستعملة من قبل الخوجات لتلاوة القرآن.

        يتسم إذن تصميم بيت الصلاة هذه بتواصل الأنماط الموجودة بالبلاد منذ عصور الإسلام الأولى. غير أن الإطار العام مختلف عن أغلب هذه الجوامع، خاصة فيما يتعلق باستعمال مربعات الخزف الكاسية للنصف الأسفل لجدار المعلم؛ وهو ما نلاحظه أيضاً في جامع صاحب الطابع. وبالرغم من تشابه هذه المربعات مع تلك التي لا حظناها بعد في جامع سيدي محرز، فإنها تختلف عنها في أشكالها، وهي تتسم في الجامع الجديد بوجود العديد من أنماط المربعات الخزفية، وهي التي اشتهرت بها جوامع مدينة إسطنبول كجامع الأحمدية وجامع السليمانية وبايزيت، إلخ.

        وإن كان النصف الأسفل للجدران مكسواً بمربعات الخزف، فإن النصف الأعلى مكسو بالنقوش الجصية، وهي أيضاً متأثرة بالنمط التركي.

        وبالرغم من ثراء جميع جدران الجامع بشتى أنواع المربعات الخزفية والنقوش الجصية، فإن واجهة جدار القبلة تلفت الانتباه بصفة خاصة. فأول العناصر هو المنبر القار المبني بالحجارة، وهو يتشابه في نمطه مع الخمسة المنابر الأخرى الموجودة بالجوامع الحنفية.

        أما المحراب، فلا يختلف في نمطه عن بقية المحاريب الموجودة انطلاقاً من  القرن 11 هـ/ 17 م، والتي تواصل العمل بها إلى اليوم. فالنصف الأسفل لهذا المحراب مكسو بسبع لوحات رخامية، متناوبة سوداء وبيضاء. ويعلو كل لوحة شكل معقود على هيأة محراب. كما خرّمت طاقية المحراب بالنقوش الجصية

المتمثلة في أشكال هندسية متداخلة، تتوسط كلاًّ منها أشكال عديدة متأثرة في جملتها بالفن التركي.

        آخر العناصر الهامة ببيت الصلاة هو قبة المحراب المحمولة على أربعة أعمدة ذات تاج عمود »تركي«، وهي التي لا تختلف في شكلها أو في مضمونها عن أغلب القباب التي لاحظناها في بيوت الصلاة بالمساجد ومساجد المدارس وبعض الأضرحة([40]).

        لكن مقارنة مع ختمة جامع الزيتونة أو جامع يوسف داي، فإن الختمة القرآنية الموجودة بهذا الجامع تعدّ بسيطة في شكلها ومكوناتها.

 

جامع صاحب الطابع

        آخر جامع هو جامع صاحب الطابع الذي يعد آخر المنشآت الدينية العظمى التي أسّست خلال الفترة العثمانية بمدينة تونس. فهو سابع الجوامع الحنفية وآخرها زمناً. وإن كانت الجوامع الأخرى التي ذكرناها بعد قد أسست من قبل دايات وبايات، فمؤسس هذا الجامع، الوزير يوسف صاحب الطابع لا ينقص عن هؤلاء في الأهمية؛ إذ أدّى دوراً هاماً جداً في حياة البلاد كاد يضاهي به دور البايات أنفسهم([41]). فقد بلغ أعلى المناصب وأصبح الساعد الأيمن لحمودة باشا، باي الإيالة التونسية، حتى وصل به الأمر إلى أن أوكلت إليه كل الأمور. وكان هذا الوزير يعد أثرى شخص في الدولة، وتأتّت ثروته خاصة من التجارة مع البلاد الأوروبية، وكذلك من استعمال سفنه العديدة في القرصنة؛ كما أدّى هذا الوزير دور البنوك، إذ كان يقرض الكثير من وجهاء المملكة مع فائدة طائلة. كل هذا سمح له بأن يكوّن ثروة طائلة وازت جباية الدولة آنذاك([42]).

        كان الابتداء في بناء الجامع يوم الأحد أول محرم 1223 هـ/ 1808 م، وأقيمت أول صلاة في الجامع يوم الجمعة 12 ربيع الأول 1229 هـ/ 4 مارس 1814 م. وهي تعتبر من أحسن الفترات الحسينية ـ وبنى صاحب الطابع مع الجامع مدرسته المشهورة باسمه. ويوجد الجامع بقرب من منزل المؤسس، كما بنى عدة منجزات أخرى في الحيّ نفسه([43]). وتوجد شمالي الجامع والمدرسة الزاوية البكرية، وغربيها زاوية سيدي شيحة، وجنوبيها زاوية وسبيل سيدي عبد السلام([44]). وهو دليل على أهمية الموقع.

        باشر بناء الجامع وملحقاته([45]) المهندس الحاج ساسي بن فريجة([46]). ومن المؤكد أن بعض الأسرى الأوروبيين ساهموا في البناء. فيفيدنا محمد بن الخوجة »بوجود أسارى كثيرين بدهاليز أبراج غار الملح ومعامل ترسخاته حلق الوادي وسجون تونس« ([47]). لهذا أذن الباي حمودة باشا بجعل سبعة وعشرين أسيراً من أصيلي مدينة نابولي الواقعة جنوبي إيطاليا([48]) في تصرف وزيره لاستخدامهم في البناء. أما النقش على الجصّ والزخرفة وغيرها من الأعمال الفنية، فقد قام بها تونسيون([49]).

        تذكر بعض المصادر أنه أتى بالرخام المستعمل في أطر الأبواب والنوافذ وفي صنع الأعمدة وتيجانها وفي تبليط الأرضية من جنوب إيطاليا (حسب محمد بن الخوجة) ([50]). أما ابن أبي الضياف، فيذكر أن أبا محمد حسين المورالي: »وكان من رؤساء شقوف يوسف (صاحب الطابع)، أنه خصه بنقل الرخام لجامعه من القرنة« ([51]). إلا أنه من الواضح أن الرخام وارد من كرّارة. فقد كانت الإيالة التونسية قد اشترت مقاطع رخام بها، واعتمدت عليها في جل ما بني انطلاقاً من القرن 12 هـ/ 18 م والقرن 13 هـ/ 19 م. وقد جازى الوزير هذا القبطان بأن ملّكه السفينة بجميع مدافعها وما يوجد عليها من آلات. ويبدو أن حسونة المورالي نفسه هو الذي تبرع برخام قبر يوسف صاحب الطابع. كما احتفظ هذا الأخير بكمية هامة من الرخام والآجر ومربعات الخزف وآلات الردم في مخازنه: »ما يبني جامعاً آخر«([52])، إلا أنها سرقت كلها بعد موته.

        لكن حسنات صاحب الطابع لم تمنعه من أن يموت مقتولاً. فبعد موت حمودة باشا، اغتنم الفرصة أعداء الوزير وعلى رأسهم الوزير أبو عبد الله محمد زروق، ففتكوا به، وذلك قبل أن يتمّ صومعة جامعه سنة 1230 هـ/ 1814 م، ولم يقدم أحد بعد المؤسس على إتمامها، ولم تكمل نهائياً إلا منذ حوالي ربع قرن. ودفن المؤسس بتربته في الجامع الذي تعلوه قبّة بديعة الصنع تذكرنا في نمطها بقبّة التربة الباشية، خاصة في شكلها وفي حجمها وفي طريقة إثرائها بالنقشة حديدة.

        يتم الصعود إلى الجامع عن طريق مدرج أول رئيس يفتح على ساحة الحلفاوين، وعن طريق مدرج خلفي يذكرنا في نمطه بالمدرج الخلفي لجامع حمودة باشا. هذا، إضافة إلى مدرج ثالث قريباً من مدخل زاوية سيدي شيحة، يشبه في نمطه مداخل زاوية سيدي عبد القادر وزاوية سيدي قاسم الجليزي وكذلك دار لصرم... ([53]).

        لا يختلف الجامع في تصميمه وفي عناصره المعمارية عن بقية الجوامع المؤسسة خلال الفترة التي تلت انتصاب الأتراك العثمانيين بالبلاد. فللصحن شكل U اللاتينية، وهو يحيط ببيت الصلاة من ثلاث جهات: الأقسام الشرقية والشمالية والغربية، كما تظل بيت الصلاة هذه ثلاثة أروقة أهمها على الإطلاق ذلك الذي يوجد في الناحية الشمالية للصحن؛ وهو متكون من بائكة ذات تسعة عقود لها شكل حدوي، وهي محمولة عن طريق أعمدة مجزّعة. أما التيجان، فهي من النمط التركي الذي انتشر آنذاك. غير أن الصدفة المحلية للقسم الأسفل للتاج تعتبر من العناصر الجديدة بالنسبة إلى تيجان الأعمدة بصفة عامة، كما تعلوها زئبقة طويلة تنتهي في الأعلى بهلال. وإن كان الهلال من العناصر التي نعثر عليها في الكثير من تيجان تلك الفترة، فإن الزئبقة تعتبر من العناصر المضافة والمتميِّزة على تيجان هذا الجامع. كما أن زرقة الأقنثة التي تنحدر انطلاقاً من الشكل الحلزوني الموجود في كل من الزوايا الأربع للتاج، لها شكل قلّما نعثر عليه في تيجان الأعمدة الأخرى.

        نلاحظ في قصر دار حسين أن يوسف صاحب الطابع هو الذي أضاف فيه القسم الثاني للطابق العلوي بما فيها الصدفات البحرية التي تعلو النوافذ المحيطة بهذا الصحن، ونجد في الجامع النمط نفسه الذي يميِّز هذه الصدفات التي تعلو هي أيضاً النوافذ والأبواب المنفتحة على بيت الصلاة والمظلِّلَة للأروقة. لكن تلك التي توجد بالجامع تعتبر أثرى وأجمل من الموجودة بدار حسين؛ فقد زخرفت من الداخل بأشكال تضفي عليها جمالاً فتاناً.

        كما أن المئذنة هي من النمط نفسه الذي منه المنارات الأخرى التي نلاحظها في جوامع يوسف داي وحمودة باشا والجامع الجديد، لكن يمكن اعتبار مئذنة صاحب الطابع أكثر  رشاقة وأناقة وارتفاعاً من الأخريات. وفي المكان نفسه الذي أشرنا إليه في جامع محمد باي المرادي وجامع حمودة باشا والجامع الجديد، نجد أيضاً محراباً خارجياً بجامع صاحب الطابع، أي في الصحن الشرقي، وهو يشبه في نمطه وفي زخارفه المحاريب الراجعة إلى النصف الثاني للقرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي وبداية القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي. فإن كان القسم الأسفل مكسوّاً بلوحات من الخزف ذات التأثير المغربي، فقد حلّيت الطاقية بنقوش جصيّة مقسّمة إلى خمسة أجزاء متأثرة بالنمط الأندلسي والتركي على حد سواء.

        أما بيت الصلاة نفسها فهي تتكون من سبع مسكبات لها كلها الأبعاد نفسها. وهي منفصلة بعضها عن بعض عن طريق أروقة يبلغ عددها تسعة، لها هي أيضاً الأبعاد نفسها. ويمتاز جامع صاحب الطابع بسقفه المتكون من أقبية طولية يبلغ عددها سبعة، لها اتجاه شرق ـ غرب ويحدّها يمنة ويسرة قبوان طوليان آخران لكل منهما اتجاه شمال ـ جنوب، وهي كلها مزخرفة بنقوش جصّية بديعة. إلا أننا نلاحظ اختلافاً في أنماط الزخارف بين القبو والآخر، وتمثل في مجملها تأثيرات تركية؛ وهي تتكون من مزهريات وغصون وأوراق وزهور، ثم نجد في البعض الآخر أطباق نجوم صغيرة تتوسط مربعات متكونة من أشكال هندسية، إلخ. مما يضفي على هذه السقوف الكثير من الجمال والبهجة، وهي تذكرنا في شكلها وفي نمط نقوشها بقبو طولي موجود بإحدى قاعات تربة البايات، فهي ترجع هي أيضاً إلى بداية القرن الماضي. وإضافة إلى القباب السبع، توجد أربع منها بزوايا بيت الصلاة، وتتشابه كل اثنتين في زخارفها. إذ توجد بالناحية الجنوبية (شرق المحراب وغربه) قبّتان لهما الشكل نفسه. فقاعدة كل قبّة مربعة الشكل، ولها في زواياها الأربع عقد زاوية محلّى هو أيضاً بنقوش جصّية. ويتم الانتقال إلى الطاقية عن طريق رقبة مستديرة الشكل. أما القسم الأخير لكل من هذين القبتين، فقد حلّي في وسطه عن طريق نجمة تنطلق نحو أطباق نجمية ذات تأثير تركي، وإن كان للقبّتين الأخريين الموجودتين بالزاوية الشمالية الشرقية والشمالية الغربية شكل القبتين الأوليين نفسه، فتختلف زخارف طاقيتهما عن القبّتين الأخريين. فلهذه نجمة مثمّنة تتفرع عنها ثمانية ضلوع، تتوسط كلاًّ منها مزهرية. كما توجد قبّة خامسة تواجه قبّة المحراب من الناحية الشمالية، وهي تعلو الباب الأوسط الذي يفتح على بيت الصلاة من ناحيتها الشمالية. وبالطبع، فإن وجود أربع قباب بزوايا بيت الصلاة، إضافة إلى قبّة المحراب وقبتين أخريين، يشكل نمطاً فريداً من نوعه بمدينة تونس.

        أما الأعمدة المجزّعة والتيجان التي تعلوها، فلها الشكل نفسه الذي لاحظناه بخصوص الأعمدة الحاملة للأروقة الخارجية. كما أن العقود لها شكل عقود بائكات الصحن نفسه، وهي تشابه في نمطها الأعمدة الموجودة بدار البارون درلنجي وكذلك أعمدة دار باش حامبة...

        يظهر ثراء الجامع بارزاً للعيان في الواجهات الداخلية لبيت الصلاة التي كسيت بلوحات الرخام المستورد من كرارة والتي تعلوها مربعات الخزف، وينتهي الجدار في قسمه الأعلى بنقوش جصيّة بديعة الصنع. أما جدار القبلة، فيتوسطه المحراب، وهو يعتبر تطوراً بالنسبة إلى محاريب الجوامع الأخرى الراجعة إلى القرن 11 هـ/ 17 م و12 هـ/ 18 م. فجوف المحراب مكسو بلوحات رخام تذكرنا بتلك التي نجدها في تربة البايات وكذلك بدار البارون درلنجي وبقصر باردو... وهو الرخام نفسه الذي كسيت به طاقية المحراب([54])، كما يستند العقد الحدوي للمحراب على عمودين مجزعين لهما لون أسود.

        تعتبر قبّة المحراب هي أيضاً فريدة من نوعها، إذ كسيت كل أقسامها السفلى انطلاقاً من المربع، ثم الرقبة التي تتلوه والتي تتخذ شكلاً مثمّناً، بلوحات من المرمر يحدّ كل واحدة منها إفريز من الرخام الأسود. أما الطاقية، فكسيت بعشرة صفوف أفقية من النقوش الجصيّة المخرّمة التي تذكّر بخلية النحل، وهو نمط نادر ليس في تونس فقط، بل خارجها أيضاً.

        كما أن المنبر يشبه في نمطه بقية المنابر التي لاحظناها في الجوامع المؤسسة خلال القرنين الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي والثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. لكن الصانع تفنّن هنا في تزويقه بالرخام، مما جعل منه أجمل المنابر القارة والمبنية بالبلاد التونسية.

        للجامع إذن طابع خاص به. وهو من أكثر الجوامع تأثراً بالنمط التركي. فبالرغم من وجود العناصر المستوحاة من الطابع الإيطالي والمحلي، فإن الشكل العام يبرهن على أن الفن والعمارة التركية كان لهما حضور متميز في بداية القرن الماضي.

        هكذا نرى أن الحضور العثماني في الخمسة الجوامع هذه كان متميزاً. فبالرغم من مواصلة اعتماد الأنماط المحلية في بعض عناصرها، اتجه البناة والمؤسسون إلى الأخذ عن الفن والعمارة التركية بالرغم من تساؤلات العديد من المؤرخين والمستشرقين عن إمكان تأكيد وجود فن ومعمار عثماني بالبلاد التونسية وبمدينة تونس بالذات؛ كما أن بعضهم حاول التقليل من شأن هذا الحضور أو مسحه تماماً. لكن جامع محمد باي المرادي، وكذلك تربة الباي يفنّدان هذه الآراء؛ كما أن الجوامع الأخرى تعتبر دليلاً قاطعاً على الحضور العثماني:

        1  ـ  وبالذات عنصر الصّحن ذي النمط الجديد الذي يحيط ببيت الصلاة من ثلاث جهات (الشرق والغرب والشمال) والذي عوّض الصحن المستطيل الشكل.

        2  ـ  المنبر المبني والمثرى بلوحات المرمر.

        3  ـ  المحراب المغشى بالمرمر.

        4  ـ  ظهور تيجان أعمدة جديدة في بداية الفترة العثمانية، والتي ليس لها أي علاقة بالتأثيرات التركية. لكن نتيجة لظهورها خلال تلك الفترة، أصبح يطلق عليها: »تاج العمود التركي«.

        5  ـ  وجود محراب بالصحن الشرقي لكل جامع، وهو ما لا نجده قبل وصول الأتراك العثمانيين.

        6  ـ  من بين أهم العناصر الجديدة، المئذنة المثمنة الشكل. فهذا النمط من المآذن أدخله يوسف داي، وتبناه فيما بعد الدايات المراديّون والبايات الحسينيّون. أما الصومعة الموحدية الشكل، فاستغني عنها لفائدة المآذن الجديدة.

        7  ـ  تربة المؤسس التي انطلقت مع جامع يوسف داي.

        8  ـ  بعض هذه الجوامع ـ خاصة منها الجامع الأول (يوسف داي) والأخير، جامع صاحب الطابع ـ حصل إلحاقها بمجمّع اجتماعي واقتصادي وثقافي.

        تلك بعض نماذج التأثيرات العثمانية بمدينة تونس، إلا أنها لا تمثل إلا قسماً من هذا الحضور الثري الذي نشاهده في العديد من المعالم الأخرى، خاصة منها الترب والقصور وغيرها. غير أن هذه الجوامع الخمسة حافظت على معمارها وعلى عناصرها الأولى، بينما فقدت جل المعالم الأخرى الراجعة إلى الفترة نفسها، وخاصة منها القصور والدور الفخمة والمقامات، طابعها الأول والعديد من عناصرها المميزة. وهذا، نتيجة لعدة عوامل، من بينها على الخصوص تقسيمها وتجزئتها أو إعادة بنائها.


 

المصادر والمراجع

 

أولاً: بالعربية:

المصادر المخطوطة

 

     ابن يوسف، محمد الصغير، تاريخ المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي تركي، مخطوط بالمكتبة الوطنية بتونس، عدد 18688.

     برناز، أحمد، الشهب المخرقة لمن ادعى الاجتهاد لولا انقطاعه من أهل المخرقة، مخطوط بالمكتبة الوطنية، رقم 18198.

     سعادة، أبو عبد الله، قرة العين بنشر فضائل آل حسين، مخطوط بالمكتبة الوطنية بتونس، رقم 21730.

 

المصادر المطبوعة

 

     ابن أبي دينار، أبو عبد الله، المونس في أخبار إفريقيا وتونس، تحقيق وتعليق محمد شمّام، المكتبة العتيقة، تونس، 1967.

     ابن أبي الضياف، أحمد، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، نشر وزارة الثقافة، 8 مجلدات، تونس، 1963 ـ 1966.

    ابن عبد العزيز، حمودة، الكتاب الباشي، تحقيق محمد ماظور، تونس، 1970.

     خوجة، حسين، ذيل بشائر الإيمان بفتوحات آل عثمان، تحقيق وتقديم الطاهر المعموري، الدار العربية للكتاب، تونس، 1975.

     السراج، أبو عبد الله محمد، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1970 ـ 1985.

     المسعودي، الباجي، الخلاصة النقية في عمارة أفريقية، تونس، 1323 هـ.

 

المراجع

 

     ابن الخوجة، محمد، تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد، تونس، 1939.

     ابن مامي، محمد باجي،  »جامع يوسف داي أوّل المعالم العثمانية بالبلاد التونسية«، مجلة أفريقية، تونس، عدد 1998.

     زبيس، سليمان مصطفى، الأثار الحسينية بالقطر التونسي، تونس، 1955.

        ـ            ـ         ، بيوت آذن الله أن ترفع، تونس، 1968.

     سامح، عزيز، الأتراك العثمانيّون في أفريقيا الشمالية، بيروت، 1969.

 

ثانياً: بالفرنسية:

  

Abdelwahab (Hassn Hosni), « Coup d’œil général sur les apports ethniques étrangers en Tunisie », in Rev. Tun., XXIV, 1917.

     Gabriel (A), Monuments Turcs d’Anatolie, Paris, 1931, p. 34.

     Golvin (Lucien), Essai sur l’architecture religieuse musulmane, Paris, 1970.

         -          -         , La Mosquée, ses origines, sa morphologie, ses diverses fonctions,

Alger, 1960.

     Latham (J. K), « Contribution à l’étude de l’émigration andalouse et se place dans l’histoire de la Tunisie » , dans Etudes sur les Moriscos andalous en Tunis, Madrid-Tunis, 1983.

     Lezine (Alexandre), Deux villes d’Ifriqiya, Paris, 1971.

     Marçais (Georges), « L’Architecture musulmane d’Occident (AMO) », Arts et métiers graphiques, Paris, 1955.

       -            -       , Manuel d’art musulman, 2 Tomes, Paris, 1926-1927.

     Revault (Jacques), « L’habitation Tunisoise », Pierre, marbre et fer dans la construction et le décor , C.N.R.S, Paris, 1978.

     Raymond (André), Grandes villes arabes à l’époque ottomane, Paris, 1985.

 

 

 



([1])       انظر: H. H. Abdelwahab,  « Coup d’oeil général  sur  les apports  ethniques      

étrangers en Tunisie », in Rev. Tun. XXIV, 1917, pp. 305-316 et 371-379.               

([2])      وهو ما حصل للمدرسة الشماعية والمدرسة العنقية، كما تم ترميم جامع القصبة وجامع القصر وذلك في أواخر القرن 9 هـ/ 16 م وحبّس كل منهما على المذهب الحنفي.

([3])      انظر:  L. Golvin, Essai sur l’architecture religieuse musulmane, p. 59.

([4])      أحمد بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، تونس، 1963، ج 2، ص. 26.

([5])      الباجي بن مامي، »جامع يوسف داي أوّل المعالم العثمانية بالبلاد التونسية«، مجلة إفريقية، تونس، 1998، عدد 16، ص. 107.

([6])     البشامقية: هم صنعة البشمق، وهو الحذاء الذي يلبسه الفقهاء ورجال الدين، كما لبست النسوة هذا    النوع من الأحذية، وحرّف مصطلح البشمق من الكلمة التركية »البشماق« التي ورد مفهومها في كتاب محمد بن الخوجة: معالم التوحيد، ص. 177.

([7])      حسين خوجة، ذيل بشائر الإيمان بفتوحات آل عثمان، ص. 92.

([8])      انظر: H. H. Abdelwahab, « Coup d’œil général sur les apports ethniques étrangers en Tunisien », dans Etudes sur les Moriscos Andalous en Tunisie, p. 16; et J. D. Latham, Contribution à l’étude de l’emigration andalouse et sa place dans l’histoire de la Tunisie, p. 21.                                                     

([9])        يعتبر الجامع الأعظم بتونس أثرى المعالم الدينية من حيث وجود نقائش تمدنا بتاريخ المعلم على مرّ العصور، لكننا نلاحظ أن النقائش الموجودة في الجوامع الراجعة للفترة العثمانية ليست بالعديدة ولا يمكن أن تعرّفنا بالأطوار التي مرت بها كل من هذه الجوامع.

([10])      يستفاد من وقفية المؤسس أن الجامع كان في البداية مسجداً للخمس، ثم حوله مؤسسه جامعاً للخطبة في سنة 1041 هـ/ 1631 م ورتب به إماماً وراوياً لـ"صحيح البخاري"، ورتّب فيه خمسة مؤذنين من أبناء الأتراك واثني عشر من أهل البلاد. وهذا حسب وثيقة حبس الجامع الموجودة بأرشيف الدولة. (كارتون "د").

([11])      لهذا المهندس أهمية بالغة في حركة البناء والتعمير خلال النصف الأول من القرن 11 هـ/ 17 م، ولدينا نقيشة بالجامع الأعظم (جامع الزيتونة) تدل على قيامه بأعمال بهذا الجامع؛ كما أنه أشرف على بناء المدرسة الموجودة بمقام السيد الصاحب بالقيروان.

([12])       أدمجت هذه المدرسة خلال عهد الصادق باي في المستشفى الصادقي، وذلك في سنة 1291 هـ/ 1874 م، لكن ما زال هذا القسم على التصميم نفسه الذي كان عليه من قبل.

([13])       يجب أن يربط إنشاء المقاهي في ذلك العصر بالمسائل التابعة للعبادات، وبطرق التصوف والذكر التي كانت منتشرة بكثرة في القرن 11 هـ/ 17 م. حول هذا الموضوع يمكن الرجول إلى مقال:

« Kahwa », in Encyclopédie de l’Islam, T. IV, pp. 469-475.

([14])      وهي كانت تدعى أيضاً مدرسة التوبة. ويفسر ذلك ابن أبي دينار بأنها كانت »مسكناً للجند قبل بنائها، ويقع فيها الفجور، فغيّر (الباي) رسمها وجعلت لتلاوة كتاب الله والعلم«. (ابن أبي دينار، المونس، ص. 248).

([15])      وهي جوامع: حمودة باشا المرادي، ومحمد باي المرادي، المؤسس كل منهما خلال النصف الثاني للقرن 11 هـ/ 17 م. وكذلك جامع صاحب الطابع المؤسس خلال الربع الأول للقرن 13 هـ/ 19 م.

([16])      اعتقد ج. مارسيه أن شكل هذا الصحن قد استعمل قبل ذلك في جامع المهدية الفاطمي: إلا أن عملية الاسبار التي قام بها ليزين عند إعادة بناء الجامع، أثبتت أن الجامع الفاطمي كان على نمط الجوامع الإفريقية الأخرى ذات الصحن المستطيل الشكل، والذي يتقدم بيت الصلاة في ناحيتها الشمالية، وتحيط به الأروقة.

([17])      وهو القاسم المشترك بين الجوامع الخمسة موضوع بحثنا هذا.

([18])      هي طريقة مألوفة في سقوف معالم مدينة تونس الدينية منها أو المدنية.

([19])      مثلما هو شأن جامع عقبة بالقيروان وجامع الزيتونة والجامع الأعظم بسوسة وغيرها.

([20])      من المؤكد أن المهندس اضطر اضطراراً إلى اختيار هذا التصميم، لضيق قطعة الأرض التي تصرّف فيها لبناء المعلم. لكن من الملاحظ أن الجوامع الأخرى الراجعة إلى الفترة العثمانية، لها التصميم نفسه، خاصة جامع حمودة باشا المرادي.

([21])      يفسر هذا الفقر المعماري بالفترة الزمنية الوجيزة جداً والتي أنجز خلالها الجامع. فهي لم تسمح بإثرائه بعناصر أخرى. هذا، إضافة إلى أن الإيالة التونسية لم تسترجع قواها بعد من جرّاء المصائب التي لحقتها خلال الحرب التركية التي انتهت بانتصار الأتراك سنة 981 هـ/ 1574 م.

([22])      إلا أنه وجدت قباب يتم فيها الانتقال من المربع الأسفل إلى القبة عن طريق عنصر المثلثات الكروية، كما حصل ذلك في جامع محمد باي، وتربة البايات، وزاوية سيدي إبراهيم الرياحي. هذا، إضافة إلى قبة قصر دار حسين وغيرها.

([23])      هذا، على عكس المنابر التي عرفتها أفريقية في السابق وكانت منابر خشبية متحولة.

([24])      حسين خوجة، ذيل بشائر الإيمان بفتوحات آل عثمان، تحقيق الطاهر المعموري، تونس، 1976، ص. 95.

([25])      إلا أنه إذا أمعنا النظر جيداً في هندسة هذه الدعامات، وفي كيفية تغطيتها بالألواح المرمرية، فإننا نلاحظ بعض الفوارق الجزئية التي تبين نوعاً من الارتجال في إثبات هذه الحلية الرخامية، وما احتوت عليه من لوحات خزفية.

([26])      يحتوي هذا التاج في كل من زواياه الأربع على ورقة أقنثة ذات ثلاث شحمات، وتنتهي كل شخمة بشكل حلزوني بارز، ويتوسط كل ورقتين حزّ يتوسطه بدوره (في غالب الأحيان) هلال.

                وأول من وصف هذا النمط بالطراز التركي، هو المستشرق الفرنسي جورج مارسيه، لأنه أدخل إلى البلاد في أوائل الفتح العثماني، لكن مأتاه غير معروف، وقد صنعت الكثير من هذه التيجان بالبلاد الإيطالية، وبدأ انتشارها انطلاقاً من القرن 11 هـ/ 17 م.

(G. Marçais, Manuel d’art Musulman, T. II, p. 904).

([27])      تواصل استعمال نمط العقود نفسه الذي تعودته البلاد التونسية منذ قرون عدة، ولم يغيّر القدوم العثماني في نمط هذه العقود. وهكذا بقيت مدينة تونس وفية للعقد الحدوي.

([28])      المؤسس سنة 1039 هـ/ 1629 م حسب محمد بن الخوجة (معالم التوحيد، ص. 114). غير أننا نرجح أنه يرجع إلى الفترة الحفصية.

([29])      تمّت أعمال النقوش الجصية خلال سنة 1980، عند ترميم المعلم.

([30])      يدعى القشاني بالبلاد التونسية:» زليز«. والمصطلح في الأصل هو »الزلّيج«، إلا أن الجيم حرفت إلى الزاي لثقل نطقها.

([31])      لا نجد هذا النمط من القشاني إلا في معلم آخر فقط، وهو الجامع الجديد الذي كسيت جدران بيت الصلاة فيه بعدد من أنماط مربعات الخزف التركية والمتشابهة مع ما يوجد في جامع محمد باي.

([32])      تدخل في زخارف هذا القشاني العناصر النبانية كالزهور والأوراق القريبة جداً إلى الطبيعة، ويدخل في ألوانها  اللون الأحمر المشهورة به مدينة أزنيك وكذلك الأزرق والأخضر.

([33])      ذكرنا بعدُ منبر جامع يوسف داي وكذلك منبر جامع حمودة باشا، هذا إضافة إلى المنبر المضاف بجامع القصبة...

([34])       يتميز هذا التاج بزخارف الخطوط المنعرجة، ونجده في بعض المعالم الراجعة إلى الفترة الحفصية، كزاوية سيدي قاسم الجليزي وميضة السلطان، كما استعمل في بداية القرن 11 هـ/ 17 م بدار عثمان داي...

([35])       تذكر المصادر أن أصله من جزيرة كريت (حسين خوجة، ذيل بشائر أهل الإيمان، مصدر سابق، ص. 115؛ محمد سعادة، قرّة العين، مخطوط ورقة 5. ب، بينما يرى عزيز سامح (في كتابه الأتراك العثمانيون في أفريقيا الشمالية) أن ذلك غير صحيح (صص. 232 ـ 233).

([36])      حول حياة هذا الباي وتأسيسه لعدد هام من المعالم وترميمه لعدد آخر، راجع: حسين خوجة، المصدر السابق، صص. 115 ـ 153؛ السراج، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، ج 3، صص. 55 ـ 76؛ محمد سعادة، قرّة العين، المصدر السابق، ورقة 92 أ وب؛ ابن الضياف، إتحاف...، مصدر سابق، ج 2، ص. 100 وما بعدها.

([37])      ابن الخوجة، معالم التوحيد، مصدر سابق، صص. 132 ـ 133.

([38])      لاحظنا بعده أن التربة أضيفت في جلّ الحالات إلى الجامع خلال الفترة العثمانية بمدينة تونس.

([39])      محمد سعادة، المصدر السابق، ورقة 44 أ؛ حسين خوجة، المصدر السابق، ص. 161؛ الصغير بن يوسف، المشرع الملكي، المصدر السابق، ص. 15.

([40])      تتكون القبة من ثلاثة أجزاء: أولها مربع الشكل وأثريت أقسامه بنقوش جصية دقيقة الصنع تشبه في شكلها خلايا النحل، ويتم الانتقال إلى الطاقية عن طريق قسم ثان متكون من عقود زوايا تذكر بشكل المحارات. ونجد في الرقبة عميدات ثمانية (فقدت منها خمسة سيتم وضع أخرى مشابهة لها) بينما كسي أعلى قسم من القبة (الطاقية) بنقوش جصّية متمثلة في نجمة مثمّنة وسطى، وينطلق من كل واحد من أجزائها فرع، وهي تحصر فيما بينها مثلثات ثريّة.

([41])      أحمد بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان...، مصدر سابق، ج 7، صص. 89 ـ 100.

([42])      أحمد بن أبي الضياف، المصدر نفسه، ج 7، ص. 98.

([43])      خصوصاً منها الحمّام، الذي يعتبر متأثراً مباشرة بالنمط التركي والذي تم ترتيبه في سنة 1928 م.

([44])      كما نجد قصر مصطفى خزندار على مقربة من مسكن يوسف صاحب الطابع. هذا، إضافة إلى عدد من المعالم الهامة الأخرى.

([45])      خاصة المدرسة الطابعية والكتاب.

([46])      وهو المدفون بقبّة سيدي مصطفى الجزيري داخل الباب الجوفي للجامع.

([47])      محمد بن الخوجة، معالم التوحيد، مصدر سابق، ص. 140.

([48])      وهي ربما من الأسباب التي جعلت نمط الجامع متأثراً في بعض أجزائه بالفن والعمارة الإيطالية، خاصة منها أطر الأبواب والنوافذ.

([49])      ابن الخوجة، المصدر السابق، ص. 140.

([50])      المصدر نفسه.

([51])      ابن أبي الضياف، المصدر السابق، ج 7، ص. 97.

([52])       راجع ابن أبي الضياف، المصدر نفسه.

([53])      وهي كلها معالم مرتبة موجودة داخل مدينة تونس العتيقة.

([54])     صنع هذا المرمر الأبيض من قطعة واحدة. أما الأقسام المجوّفة، فقد وضع داخلها مستطيلات من الرخام الملون المكون من قطع صغيرة الحجم، ويبلغ سمكها سنتمتراً واحداً.