الجالية المغربية ببلاد السودان الغربي (ق 8 هـ/ 14 م)

ملاحظات حول دورها في التفاعل الحضاري  بين ضفتي الصحراء

 

                                                                الأستاذ محمد الشريف

                                                                   كلية الآداب ـ تطوان

 

        من المؤكد الآن أن الروابط والصلات التجارية بين السودان الغربي وبلاد المغرب روابط تجارية تعود إلى أزمنة تاريخية قديمة. فقد كانت قوافل قرطاجة تقطع الصحراء لجلب الذهب والعبيد والعاج مقابل المنسوجات والنحاس والأدوات المصنّعة. وظل هذا التبادل قائماً في العهديْن اليوناني والروماني ثم البيزنطي. وبعد الفتح الإسلامي للمغرب، تولى سكان المغرب تأمين أسواق السودان الكبرى وعملوا على تنظيم المواصلات مع هذه البلاد على أساس تجاري أولاً، ما فتئ يتوطّد عبر الفترات التاريخية اللاحقة، حاملاً معه مجموعة من التنظيمات الاجتماعية والدينية والحضرية.

        ودون الدخول في تفاصيل التجارة القافليّة بين الشمال والجنوب وتنظيم القوافل وظروف السفر ومحاور الطرق وجغرافية المبادلات، ولا معالجة أساليب التعامل بين الطرفين([1])...، يمكن القول إن العلاقات التجارية كانت تنفث الروح في باقي العلاقات الأخرى من كل نوع. فالعنصر الحاسم الذي أثر في التطور الاجتماعي والحضاري بالسودان يتمثل في العامل التجاري. فإليه ينسب كثير من المؤرخين ما عرفته أقاليم السودان من ازدهار حضاري وتطور سياسي واقتصادي، وذلك لما أتاحته القوافل من فرص الاطلاع على العادات والمعطيات الحضارية في حوض البحر المتوسط([2]).

        نريد في هذا المقال التطرق لأهمية العنصر البشري في التفاعل الحضاري بين ضفتي الصحراء، وذلك عن طريق تسليط الأضواء على الجالية المغربية بالسودان الغربي خلال القرن الرابع عشر الميلادي. وسندنا الرئيس في هذه المحاولة هو القسم السوداني من رحلة ابن بطوطة "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"([3]). ومن الملائم أن نشير إلى أن ابن بطوطة عاصر ثلاث قوى سياسية رئيسة في القارة الإفريقية هي دولة المرينيين بالمغرب، ودولة المماليك بمصر، ودولة مالي بالسودان الغربي. ومن نافلة القول كذلك إن معلومات ابن بطوطة تعتبر ذات أهمية قصوى لمعرفة المجتمع السوداني. فهي تصور لنا مكوناته الاقتصادية والثقافية والذهنية والعقدية تصويراً دقيقاً، كما تخبرنا بطريقة غير مباشرة عن أفراد الجالية المغاربية وتنظيمها وعلاقاتها بباقي مكونات المجتمع السوداني؛ فضلاً عن دورها في الربط الحضاري بين شمال  الصحراء وجنوبها.

        ومن الطبيعي أن يكون التواجد المغربي ببلاد السودان الغربي كثيفاً، نظراً للعلاقات التجارية والروحية التي ربطت المنطقتين منذ فترة طويلة. فقد انْبَنَت الجالية المغربية ببلاد السودان الغربي إلى جانب الجاليات الأخرى، وخاصة المصرية منها، وأدت أدواراً كبيرة في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والروحي للسودان الغربي كما سنرى.

        ويمكن القول إن العناصر الفاعلة في التجارة الصحراوية كانوا إما سكان الحواضر المغربية والسودانية، وإما عناصر رُحَّلاً غالباً ما انتهى بهم الأمر إلى الاستقرار في المدن. ويظهر أنه إلى حدود القرن 6 هـ/ 12 م، كانت المبادرة بيد التجار المسلمين الذين كانوا يتاجرون مع بلاد السودان. ولم يبدأ السودانيون يترددون على مدن الجنوب الغربي للمغرب إلا عند نهاية القرن 6 هـ/ 12 م([4]).

        عند وصول التجار المغاربة إلى المراكز الحضرية السودانية، كانوا يقومون بكراء المنازل لسكناهم ولتخزين سلعهم طيلة فترة مقامهم هناك؛ وهي إقامة كانت تطول شهوراً([5]).  ولكن في غالبية الحالات كانوا يقيمون مع زبنائهم أو لدى وكلاء الشركات التي ينتمون إليها. والجدير بالذكر أن الفنادق المخصصة للجاليات الأجنبية لم تكن معروفة بالسودان الغربي، على عكس بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط حيث انتشرت الفنادق المخصصة للتجار الأجانب في أغلب المدن التجارية، بل إن التجار المغاربة كانوا يسكنون أحياء خاصة بهم حيث يتوفرون على منازل وحوانيت ومساجد خاصة. فابن بطوطة وصل إلى »محلة البيضان« بمدينة مالي حيث اكترى له محمد ابن الفقيه »داراً إزاء داره«([6]). وفي مدينة كوكو أضَافَهُ الفقيه محمد الفيلالي »إمام مسجد البيضان«([7]). إن إقامة المغاربة في أحياء خاصة بهم لا تعني انعزالهم أو ترفُّعهم عن المجتمع السوداني. فقد سجل ابن بطوطة حسن التعايش بين أهل السودان ومن يخالطهم من البيض، ومعظمهم من المغرب وباقي الشمال الإفريقي.

        ويمكننا التأكيد أن الجاليات المغربية في مدن السودان كانت مهمة من حيث المستوى الاجتماعي، وتمثلت في أسر تجارية أو علمية سَكَنَتْ في مدن السودان، مؤقتاً أو بصفة دائمة. فقد كانت الجالية المغربية تشمل، إلى جانب التجار، فقهاء وقضاة ومدرسين ومقرئين وطلبة وخطباء، وحتى رجال الأدب والشعراء والمهندسين. ولا نعلم تاريخ إقامة أفراد الجالية المغربية الذين يذكرهم ابن بطوطة؛ إلا أن بعض المؤشرات تؤكد أن عدداً منهم لم يكن طارئاً على البلاد، وإنما يمثل الجيل الثاني أو الثالث مثل مدرك بن فقوص، الذي على يَد جدّه أسْلَمَ جدُّ إمبراطور مالي مانسا موسى حسب رواية ابن بطوطة([8]).

        ومن خلال أسماء بعض المغاربة الذين تذكرهم المصادر، نلاحظ أن التجارة الصحراوية كانت تستقطب التجار من جميع أنحاء بلاد المغرب، وخاصة من المدن الكبرى. ويذكر البكري أبا بكر أحمد ابن خلوف الفاسي الذي استقر بغانة. ونعلم أن أخوي المقري (عبد الواحد وعلي) كانا يمثلان شركتهما العائلية بولاتة([9]). ويقول العمري إن أبا عثمان سعيد الدكالي »سكن مدينة بيتي [عاصمة امبراطورية مالي] خمساً وثلاثين سنة«([10]). أما ابن بطوطة، فبالإضافة إلى كلامه عن »المغاربة« أو عن »البيضان« وعن »التجار« بصيغة الجمع، فإنه يذكر أسماء عدد من المثقفين والتجار المغاربة المقيمين في مختلف مدن السودان. إلا أن تلك الأسماء لا تترجم في الواقع إلا جزئياً حقيقة الوجود التجاري المغاربي ببلاد السودان وكثافة هذا الوجود.

        ومع ذلك، لابد من أن نلاحظ أن الجاليتين المغربية والمصرية كانتا متساويتين من حيث الأهمية بالعاصمة المالية، حيث كانت »جماعة البيضان« بها خاضعة لقيادة شخصين من كبار القوم: الأول مغربي كما تدل على ذلك نسبته لقبيلة جزولة، وهو محمد بن الفقيه الجزولي؛ والآخر مصري هو شمس الدين بن النقوش المصري. إلا أن »ابن بطوطة يربط حديثه عن المصريين باشتغالهم بالتجارة، ولا يذكر اشتغال المغاربة بها إلا في القليل النادر، ويجعل وجودهم هناك مقروناً بالاشتغال بالقضاء والتدريس وكل ما يتصل بالحياة الثقافية«([11]). فبجانب التجار المحترفين يظهر أن الفقهاء والقضاة ورجال الأدب الذين أقاموا بالسودان الغربي قد تعاطوا التجارة هم كذلك. ويصعب الجزم بأنهم كانوا يقتصرون في نشاطهم على الوظائف الرسمية. فمهما كانت الرواتب التي تدرّها عليهم تلك الوظائف، فإنهم بلا شك كانوا ميالين إلى ممارسة الأعمال التجارية المربحة التي  تفسر وحدها عبورهم للصحراء والإقامة في بلاد بعيدة مثل السودان. فقد كانوا وكلاء للشركات الموجودة بالمغرب أو وسطاء بين المغاربة والسودانيين([12]). إن الجمْعَ بين التجارة والعِلْم هو إحدى خصائص الحضارة الإسلامية في جميع العصور.

        ونعلم أنه لم تكن هناك اتفاقيات تجارية أو معاهدات تقنن العلاقات التجارية بين المغرب وممالك السودان، وتحدّد واجبات وحقوق التجار المغاربة بالسودان؛ كما هو الحال بين البلدان الإسلامية والبلدان المسيحية([13]). ويظهر أن الإسلام الذي نسج خيوط مختلف الروابط بين ضفتي الصحراء، هو أصل عدم وجود تلك الاتفاقيات. وهذا يفسر كذلك تلك التسهيلات التي منحها ملوك السودان للمغاربة، والتي دفعتهم لتنشيط الحركة التجارية والمساهمة في مداخيل الخزينة السودانية. لذلك نجد السلطة المحلية تعمل على ضمان حمايتهم وتعاقب جميع المضرّين بمصالحهم أو بأمنهم، وتُسَهِّل حرية تنقلاتهم([14]). ويؤكد ابن بطوطة أن إمبراطور مالي المانسي موسى »كان يحب البيضان، ويحسن إليهم«([15])، و »هو الذي أعطى لأبي اسحاق الساحلي في يوم واحد أربعة آلاف مثقال [...]، وأعطى لمدرك بن فقوص ثلاثة آلاف مثقال في يوم واحد«([16]). وقد استمرت هذه السياسة سارية المفعول خلال القرنين التاليين حسب شهادة الحسن الوزان([17]). كذلك تقرب أغنياء الجالية المغربية من أغنياء الأرستوقراطية السودانية ومن الدوائر الحاكمة عن طريق الزواج والارتباطات العائلية. إن كبير »جماعة البيضان« محمد ابن الفقيه الجزولي »كان متزوجاً ببنت عم السلطان«([18]). ونجد لاحقاً أن ملك تمبوكتو »زوج اثنتين من بناته من أخوين تاجرين لغناهما«([19]).

        وقد عمل بعض أفراد الجالية المغربية مستشارين في دواليب الإدارة السودانية المحلية وفي دائرة السلاطين السودانيين. فالقاضي والخطيب ابن الفقيه هم من أَعْلَمَ المانسي سليمان بقدوم ابن بطوطة لمالي([20]). كما قاموا بمهمة التحكيم بين الزعامات السودانية المتصارعة: »وفي أيام إقامتي به [تكادّا]، توجه القاضي أبو إبراهيم، والخطيب محمد، والمدرس أبو حفص، والشيخ سعيد بن علي إلى سلطان تكادّا وكان [. . .] وقعت بينه وبين التكركري، وهو من سلاطين البربر أيضاً منازعة فذهبوا إلى الإصلاح بينهما«([21]). وبذلك يمكن القول إن دولة مالي كانت قد دخلت مرحلة جديدة في نموها عندما طور البلاط علاقاتها بالتجار والفقهاء المسلمين.

        وإذا كان ابن بطوطة في سياحته ببلاد السودان قد صدمته بعض العادات وأَنَفَ من بعض الأكلات السودانية في بعض المدن، فإن ذلك لم يكن حالة التجار الذين كانوا متعودين الحياة في هذه المناطق. ويظهر أن عدم تشدد السودانيين وانفتاح قيمهم ومبادئ الديانة الجديدة التي تبنوها قد ساهمت بلاشك في إدماج المغاربة في المجتمع السوداني، حيث تعايشت مبادئ الإسلام مع بقايا الديانة الأنيمية المحلية. والواقع أنه كانت هناك علاقات وصداقات بين السكان المحليين والتجار المغاربة، حيث تزوج البعض حسب الشريعة الإسلامية؛ بينما اتخذ البعض الآخر ـ الذي كان كثير الانتقال بين المغرب وبلاد السودان ـ جواري له. ولقد تعلم المغاربة اللسان السوداني: يذكر الحسن الوزان أنه مع انتشار الإسلام بالسودان، »بدأ تجار بلاد البربر حينئذ يذهبون إلى هذه البلاد ليتاجروا فيها حتى تعلموا لغاتهم«([22]). و»رجل من البيضان« هو الذي شرح (أو ترجم) لابن بطوطة فحوى بعض المحادثات التي جرت في البلاط السوداني([23]).

        إن الامتيازات التي كان يحصل عليها المغاربة لم تمنع ملوك السودان، في ظروف نجهلها، من اعتقال التجار المغاربة ومنع نشاطهم. مثلاً، عند نهاية القرن 12 م عرفت العلاقات المغربية ـ السودانية أزمة من مظاهرها رفض الخليفة المنصور الموحدي »هديّة من بلاد السودان« عبارة عن فيل. إننا لا نعرف أسباب تلك الأزمة، وهناك من يرجّح أنها مرتبطة بما كان يتعرض له المغاربة من مضايقات من طرف حكام السودان([24]). فعلى أثر اعتقال ملك السودان بعض التجار المغاربة وسجنهم، وجه الأمير أبو الربيع سليمان والي سجلماسة وأقاليمها مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إلى ملك غانة يستنكر فيها العراقيل التي توضع في وجه صغار التجار المغاربة و»تعويقهم«، مذكراً إياه بأن اختلاف الاعتقاد الديني بين الجانبين لا يمنع من حسن الجوار ومن حسن التعايش: »نحن نتجاور بالإحسان وإن تخالفنا في الأديان«، وأنه يمكن معاملة التجار السودانيين الموجودين بالمغرب بالمثل: »لو شئنا، لاحتبسنا من في جهتنا من أهل تلك الناحية لكنا لا نستصوب فعله، ولا ينبغي لنا أن ننهى عن خلق ونأتي مثله«([25]).

        ويبدو أن العلاقة بين التجار المغاربة والسلطات السودانية كانت تعرف تأزماً في بعض الفترات. يعكس ذلك مثلاً ما كان يعانيه التجار المغاربة من تعجْرف فرْبا حسين نائب السلطان السوداني بولاتة، »أول عمالة السودان«. فلما وصلتها قافلة ابن بطوطة، »جعل التجار أمتعتهم في رحبة وتكفل السودان بحفظها، وتوجهوا إلى الفربا، وهو جالس على بساط في سقيف وأعوانه بين يديه بأيديهم الرماح والقسيّ [...] ووقف التجار بين يديه، وهو يكلمهم بترجمان، على قربهم منه، احتقاراً لهم«([26]).

        كما أن ممتلكات المغاربة كانت مهددة في فترات الاضطرابات التي كانت تشمل السودان، وخاصة عند فترات الصدام بين السلالات الزنجية المحلية. فنعرف مثلاً أن ممتلكات شركة المقري بولاتة قد تعرضت للنهب والمصادرة عندما غزا »الماندينغ« المدينة في القرن 14 م. ولكن بعد عودة الهدوء إلى البلاد، عوَّض الأسياد الجدد للبلاد الشركة ومنحوها الامتيازات التي كانت تتمتع بها سابقاً ومكنوا أعضاءها من التجارة بجميع بلادهم محققين بذلك أرباحاً طائلة([27]).

        ولا نعدم إشارة إلى جشع بعض المغاربة بالسودان الغربي وضربهم عرض الحائط بحسن الضيافة والثقة والإحسان الذي كان يُتعامل معهم به. مثال ذلك ما يورده ابن بطوطة حول أبي العباس الدكالي وهو »قاض من البيضان«. كان منسى سليمان قد أحسن إليه بأربعة آلاف مثقال لنفقته. ثم إنه اشتكى إلى السلطان بأن الأربعة آلاف مثقال سُرقت له من داره، »ولا سارق يكون بتلك البلاد« كما يؤكد ابن بطوطة. ولما اشتد البحث وتم  تهديد خدّامه، اعترفت إحدى الجواري بأنه »ما ضاع له شيء، وإنما دفنها بيده«. وتم إخراجها، وأُتي بها للسلطان وعُرّف بالخبر، »فغضب على القاضي ونفاه إلى بلاد الكفار الذين يأكلون بني آدم. فأقام  عندهم أربع سنوات، ثم ردّه إلى بلده«([28]).

        وعموماً، ظل السودانيون يكنون الاحترام والتقدير للجالية المغربية؛ بينما نجدهم شديدي التحفظ من المصريين بعد أن فقدوا ثقتهم فيهم. يروي العمري استناداً إلى شهادة »خلق من تجار مصر والقاهرة« أنه بعد أن كان التجار المصريون يحققون أرباحاً طائلة من تجارتهم مع السودانيين في القرن الرابع عشر، مستغلين في ذلك ثقة السودانيين فيهم.

 

                 ساءت ظنونهم [السودان] بأهل مصر غاية الإساءة، لما ظهر لهم من غِشِّهم لهم في كل قول وفي تراجحهم المفرط عليهم في أثمان ما يباع عليهم من الأطعمة والسلع حتى أنهم لو رأوا اليوم أكبر أئمة العلم والدين، وقال لهم إنه مصري، امتهنوه وأساءوا به الظن لما رأوا من سوء معاملتهم لهم ([29]).

 

        وعلى كل حال، فإن المخاطر التي كانت تحدق بالتجار المغاربة بالسودان الغربي لم تكن بالكثافة أو الخطورة التي تمنعهم من التجارة، بينما كانت الامتيازات التي يحصلون عليها قد ساعدت على تنمية رؤوس أموالهم. ولدينا سيْلٌ من النصوص التاريخية والجغرافية وحتى المناقبية المعبِّرة عن درجة غنى التجار المتعاملين مع السودان الغربي، نعرض عنها ونكتفي في هذا المقال بإيراد شهادتين حول ذلك. ذكر المقري عن شركة أجداده أنهم استثمروا أموالهم في التجارة الصحراوية حتى »خرجت أموالهم عن الحدّ وكادت تفوت الحصر والعدّ« ([30]). وورد على لسان الجنوي أنطونيو مالفانطي ((Antonio Malfante أن مضيفه سنة 1447 بـ»تامنتيت« في ناحية توات كان تاجراً مغربياً غنياً عاش في بلاد السودان لمدة 14 سنة. وصرح له هذا الأخير بأنه جمع ثروة تصل إلى مائة ألف دينار([31])، أي حوالي  425 كلغ من الذهب.

        وعلى الرغم من الامتيازات التي كان يتمتع بها المغاربة، فإنهم كانوا يمنعون من التوغل في المناطق الغابوية المنتجة للذهب، بهدف الحفاظ على احتكار ذلك المنبع التبري. ويذكر ابن بطوطة أن بلدة يوفي التي تعد »من أكبر بلاد السودان، وسلطانها من أعظم سلاطينهم« »لا يدخلها الأبيض من الناس لأنهم يقتلونه قبل الوصول إليها«([32]). وقراءة المصادر الجغرافية العربية من القرن 10 إلى القرن 15 توضح أن الجغرافيين استقوا معلوماتهم من روايات شفوية متعلقة بتلك المناطق المنتجة للتبر([33]).

        إن القانون الذي عرفته أوربا الفيودالية، وبموجبه كانت تركة الأجنبي الهالك تؤول إلى سيده، لم يكن معروفاً ببلاد السودان الغربي. إن ممتلكات الأجنبي المتوفى هناك كانت تبقى أمانة بيد مواطنيه إلى أن تؤول إلى ورثته الشرعيين. ذلك ما يقرره ابن بطوطة في معرض حديثه عما استحسنه من أفعال السودان وما استقبحه منها: »فمن أفعالهم الحسنة... عدم تعرضهم لمال من يموت في بلادهم من البيضان، ولو كانت القناطر المقنطرة؛ إنما يتركونه بيد ثقة من البيضان حتى يأخذه مستحقه«([34]).

       

»شيخ المغاربة« بالسودان الغربي

        وبما أنه لم يكن هناك موظفون رسميون للدولة المغربية يمكنهم أن يقوموا بدور القنصل الأوروبي في بلاد الإسلام، فإن المغاربة تعودوا اختيار أحدهم ليمثلهم أمام السلطات السودانية. فعلى غرار الجالية المغربية ببلاد الشام التي كان لها شيخها، من المؤكد أن الجالية المغربية ببلاد السودان كانت منظمة كذلك بدليل وجود »شيخ المغاربة« بها([35]). ولا نعرف شيئاً يذكر عن طبيعة هذه الرتبة أو المهمة؛ فنحن لا ندري إن كانت تختاره السلطات المغربية أو السلطات السودانية أو كان يتم انتخابه من طرف أفراد الجالية المغربية ببلاد السودان. وسواء كان يُعين أو يُنتخب، فإننا لا ندري إن كانت مهمته مؤقتة أو دائمة. كما أننا لا نعرف معايير اختيار شيخ المغاربة هناك. أكانت معايير مادية مرتبطة بدرجة غناه وثروته أم كانت معايير عائلية أو قبلية؟ ([36]) وهل كان اختياره يتم على أساس مؤهلاته الدينية والعلمية والأخلاقية أو على أساس معطيات سياسية؟ ([37]) إن النصوص لا تفصح عن طبيعة هذه المعايير. ولا يمكننا التسليم بأن المغاربة بالسودان الغربي كانوا يختارون »أكبرهم سناً« ليمثلهم كما يعتقد البعض([38]). ثم إن المغاربة لم يكن يمثلهم شيخ واحد ببلاد السودان. فمعطيات رحلة ابن بطوطة توحي بأن شيوخ المغاربة وُجدوا حيث وجدت جالية مغربية، أي في معظم المدن السودانية التجارية المهمّة مثل مدينة مالي، حيث كان محمد بن الفقيه الجزولي أحد كبيري جماعة البيضان إلى جانب شمس الدين بن النقويش المصري([39])، وفي مدينة تكادا حيث كان »شيخ المغاربة« هو سعيد بن علي الجزولي([40]).

        أما عن مهام »شيخ المغاربة«، فمن الراجح أنه كان يشرف على حماية مصالح الجالية المغربية عند السلطات المحلية ويستقبل المغاربة الجدد القادمين إلى السودان ويوفر سبل إقامتهم([41]) ويتولى تقديمهم للسلطان السوداني في حفلات الاستقبال([42]). ومن المفترض أنه كان ينظم الاتصالات لمناقشة مسائل التجارة وتحضير المشاريع المشتركة والحصول على أخبار البلاد. ومن المرجح أنه في غالب الأحيان كان هو المسؤول عن تركة المغربي المتوفى هناك.

       

دور الجالية المغربية في التواصل الحضاري بين ضفتي الصحراء

        يظهر من خلال نماذج لأفراد »الجالية المغربية« بالسودان الغربي التي أوضحناها أعلاه، أن المغاربة علماء وتجاراً وفقهاء ومتصوفة ومدرسين وقضاة وأئمة ومجاهدين...، كانوا ينسجون بصمت، إلى جانب أفراد الجاليات العربية الإسلامية الأخرى، خطوط التواصل بين مختلف مناطق ضفتي الصحراء. وتبرز أهمية الأدوار التي اضطلعوا بها أكثر في أطراف السودان الغربي حيث لم يكن الإسلام قد تركّز بعد. فنشر الإسلام بهذه المناطق لم يكن عبارة عن ظاهرة دينية وثقافية محضة، وإنما كان حركة اجتماعية تقتضي هجرة الأفراد الأدباء وأصحاب المواهب والمتصوفة والتجار. ومن المؤكد الآن ـ من خلال رحلة ابن بطوطة على الأقل ـ أن المغاربة كانت لهم مساهمة هامة في الشؤون العامة للسودان وفي تطور العلوم الدينية في مجتمعاته.

        وعلى الرغم من أهمية هذه الصلات، فإن بعض الباحثين لم يترددوا في وصف العلاقات بين المنطقتين بـ»اللاتكافؤ« على المستوى الاقتصادي، على اعتبار أن التيارات التجارية استهدفت استغلال الموارد الطبيعية الإفريقية، وأن الشمال مثّل »مركزاً للقوة والتفوق في كل جوانب الاتصال والتأثير«([43]). وإذا ما سلمنا بهذا اللاتكافؤ ـ النسبي على كل حال ـ، في المبادلات وطبيعتها([44])، فإنه يصعب مجاراة بعض الخلاصات التي تعتبر »ما ورثته المناطق الاقتصادية الإفريقية من التيارات التجارية الشمالية هو الهيمنة الفكريّة الاقتصادية والاجتماعية«([45]).  أو نعت ما أحدثته المؤثرات الحضارية المغربية بمجتمع السودان بـ»الاستعمار الفكري«([46]). إن الملاحظات الآتية تسعى إلى التخفيف من غلواء مثل هذه الأحكام، عن طريق إبراز مدى مساهمة الجالية المغربية في التواصل الحضاري بين المغرب والسودان الغربي ودورها في تطويره اجتماعياً وحضارياً.

       

       أ  ـ  على المستوى البشري

        لم يقتصر تأثير التجار العرب في السودان الغربي على التقنيات التجارية وأشكال الحياة المادية فقط، بل لامس كثيراً من المظاهر الحضارية والمعتقدات الجماعية للمجتمع السوداني. ومع تكثيف العلاقات بين المنطقتين، اجتاز العلماء والمثقفون المسلمون الصحراء للإقامة في المدن السودانية وفي بعض الأحيان ليستقروا نهائياً هناك. كما توافد الأدباء السودانيون على بلاد المغرب للدراسة. فالقوافل التجارية قادت على مر الأحقاب الدعاة المسلمين إلى دروب إفريقيا وسهلت بالقدر الذي لا ينكر الإشعاع الحضاري بتلك الجهات.

        ومنذ عودة المانسا موسى من الحج سنة 1325، صاحبه من المشرق حاشية كبيرة من الأجانب، تجلبهم ثورات بلاد السودان. ويذكر العمري أن المانسا سليمان قد استقدم بدوره الفقهاء والأدباء العرب المسلمين إلى إمبراطورية مالي ليطوروا بها الإسلام وثقافته. فقد »جلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وبقي بها سلطان المسلمين، وتفقه في الدين«([47]). ويشير ابن بطوطة ـ كما رأينا ـ إلى »جماعة البيضان« بالعاصمة المالية، ويتحدث عن الأدباء والفقهاء والقضاة بمختلف البلدان من السودان الغربي. وهناك شهادة متأخرة من القرن 17 م تشير كذلك إلى أن المانسا موسى قد استقدم من مكة إلى مالي سنة 1325 أربعة شرفاء قرشيين »ليتبرك أهل الناحية برؤيتهم وببركة أثر قدمهم في بلدهم«([48]) »وتبعوه بأهلهم راحلين إلى بلده«([49]). ويشير عبد الرحمان السعدي بدوره إلى حضور عدد كبير من المثقفين البيض الذين استقروا بتمبوكتو، ثم بعد ذلك في دييني([50]).

        إن الحضور العام للجاليات المغربية والإسلامية بالسودان الغربي وزواج أفرادها من السودانيات كان مناسبة لخلق اختلاط دائم في الدماء، ترجم بأهمية السكان المختلطين. ونعثر على عدة أمثلة لأفراد من عائلة تجارية مغربية ـ إسلامية، مثل عائلة المقري المستقرة بولاتة. فقد اتخذ أفرادها »الأقطار الحوائط والديار وتزوجوا النساء واستولدوا الإماء«([51]). ومثل عائلة المهندس والشاعر إبراهيم الأنصاري الساحلي الغرناطي الذي زار قبره ابن بطوطة في تمبوكتو([52]). فقد استقدمه إمبراطور مالي لبلاده. ورجع الساحلي بعد ذلك إلى المغرب، ثم عاد واستقر بتمبوكتو نهائياً وبها »اتخذ إماء للتسري من الزنجيات، ورزق من الجوالك أولاداً كالخنافسة«([53]). مثله مثل جلّ أفراد جالية شمال إفريقيا في مدن مالي([54]). والواقع أن الأبناء الذين ولدوا من هذا الزواج المختلط ساهموا في تركيز »سلالات« تجارية وعلمية ومغربية ـ سودانية بالسودان الغربي، أو حتى سلالات شريفية. فالشريف أحمد الصقلي ترك أبناء وأحفاداً في السودان الغربي يعتبرون شرفاء مثله([55]).

        ولم تترك لنا المصادر إلا معلومات قليلة عن الحضور السوداني ببلاد المغرب. ويمكن افتراض أن كثيراً من الأطر الإدارية والتعليمية السودانية الأصل قد أكملت تكوينها العلمي ببلاد المغرب أو أقامت به لفترة. إنها حالة كاتب موسى الذي كان »من علماء السودان الذين رحلوا إلى فاس لتعلم العلم« بإيعاز من المانسا موسى([56]). وبعد عودته، تولى القضاء والإمامة في الجامع الكبير بتمبوكتو لمدة أربعين سنة. كما أن الشريف عبد الرحمان التميمي الذي اصطحبه المانسا موسى معه من أرض الحجاز عند عودته من الحج، »رحل إلى فاس وتفقه هنالك« لما أدرك تمبوكتو »حافلاً بالفقهاء السودانيين ولما رأى أنهم فاقوا عليه في الفقه«، وذلك قبل أن يختار الاستقرار نهائياً في مدينة تمبوكتو([57]). وفي معرض استنكار ابن بطوطة لعادة اتخاذ النساء السودانيات الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب، يُعَنِّفُ مضيفه السوداني قائلاً: »أترضى بهذا وأنتَ قد سكنتَ بلادنا وعرفت أمور شرعنـا؟! «([58]).

        من جانب آخر، نجد أن العبيد الذين شكلوا إحدى أهم »السلع« التي كان المغاربة يستوردونها من السودان إلى جانب الذهب قد كان لهم أثر في المجتمع المغربي. ويجب التذكير بهذا الصدد أن تجارة العبيد كانت أمراً مألوفاً في العالم القديم وعند كل الشعوب على اختلاف مستويات حضارتها. وظلت العبودية، بصفتها مؤسّسة، قاسماً مشتركاً بين العالم الإسلامي والمسيحي في العصر الوسيط. وقد لاحظ بعض الباحثين أن المغرب »أصبح يقبل على هذه "البضاعة" أكثر منذ العصر المريني، بسبب ركود ذلك التدفق الهائل من الأسرى ـ العبيد المسيحيين من شبه جزيرة إيبيريا منذ هذه الفترة« ([59]). لكننا لا نملك إحصاءً دقيقاً نطمئن إليه عن الأعداد التي كانت تصل إلى بلاد المغرب من العبيد السود وبالإضافة إلى الخصيان ـ الذين كانوا في معظمهم يشكلون حرساً خاصاً للسلاطين ـ و»عبيد المخزن« ـ الذين كانوا يشكلون فرقة عسكرية خاصة في الجيش المغربي ـ، فإننا نجد ذكراً لهؤلاء »الرقيق الحبشان« ([60]) بصفتهم خدماً (طباخات، مربيات) أو جواري لدى الأعيان، أي أساساً لخدمة الفئات العليا من المجتمع المغربي؛ وهذا، على عكس ما كان عليه الحال في إمبراطورية مالي، حيث كان العبيد يستعملون على نطاق واسع ولدى جميع شرائح المجتمع، وذلك حسبما يستشف من رحلة ابن بطوطة.

        لقد ذكر ابن بطوطة أن القافلة التي رافقها من تكادا إلى توات كانت تضم حوالي 600 »خادم«([61])، أي الإماء على ما يُرجح. والجدير بالذكر أن بعض الأوربيين استندوا إلى هذا الرقم للحديث عن »تيار« في تصدير العبيد من السودان إلى المغرب، مقارنين ذلك بما يعرف بتجارة »الرق« في القرون التالية. واعتبرت بعض الأبحاث الغربية  مسألة »الرقيق« من العناصر السلبية في اللقاء المغربي الإفريقي . بلا شك، كان هناك استعمال واسع للعبيد بالسودان الغربي ويباعون في العالم العربي وفي بلدان البحر المتوسط([62]). لكن لا شيء يشهد ـ عند الكتاب العرب ـ باتساع خاص لهذه التجارة. فهي لم تكن تتجاوز في أهميتها تجارة العبيد التي كانت تغذي العالم العربي، والآتية من الدول الأوروبية، حيث كان المسيحيون أنفسهم يبيعون عبيداً جرماناً وسلافيين أو صقالبة.

        كذلك لم يكن لهذه التجارة اتجاه أحادي. فقد كان أباطرة مالي يتوفرون على عبيد بيض يشترونهم من مصر وغيرها من البلدان العربية. فقد ذكر بن بطوطة أن فاربا سليمان كانت له  »جارية دمشقية عربية«([63]). واشترى المانسا موسى ومرافقوه أثناء حجهم عدة جوار وغلمان ومغنيات من الترك العرب أثناء وجود الوفد السوداني بمصر([64]). ويذكر العمري أن سلطان مالي كان  »يقف خلفه نحو ثلاثين مملوكاً من الترك وعندهم ممن تبتاع له من مصر«([65]). لذلك لا يمكن مقارنة الرقّ الصحراوي القديم ـ مهما كانت أهميته ـ مع التيار المنتظم والمستمر للرق الأطلسي الذي دفع بالأفارقة إلى التدفق نحو القارة الأمريكية لمدة ثلاثة قرون. وكيفما كان الحال، فإن هذه التجارة لا يمكن أن تكون ذات أهمية كبيرة؛ لأن الرق في العالم العربي ـ على خلاف رق أمريكا الاستعمارية ـ لم يكن يؤدي دوراً هاماً في الأنشطة المنتجة. فقد كان يستعمل أساساً في الخدمات العسكرية وفي تزويد الحريم والبيوتات الكبرى بالجواري والخدم([66]). والجدير بالذكر أن بعضهم تقلد وظائف سياسية([67])، بل وصل إلى قمّة المسؤولية داخل المجتمع المغربي. فكثير من الجواري السودانيات وجدن داخل البلاط المغربي، بعضهن أنجبن أمراء وملوكاً حكموا البلاد([68]). وبذلك يمكن القول إن هذا الرق وإن لم يترك آثاراً عميقة في البنية السكانية المغربية، فإن العبيد سيمثلون قوة لها وزنها في الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والسياسية بعد القرن الرابع عشر وخاصة ابتداء من القرن السادس عشر.

       


ب  ـ على المستوى الديني والثقافي

        نعتقد أن الصلات الثقافية بين السودان والمغرب التي ابتدأت بشكل عام منذ دخول الإسلام إلى إفريقيا، لم تأخذ في التأثير في المجتمع الإفريقي إلا بفضل الحركة الإصلاحية للمرابطين ودعاتهم الذين عملوا على إيصال الحضارة المغربية ـ الأندلسية إلى مجاهل القارة الإفريقية([69]). والواقع أنه لا يمكن إنكار الدور الفعلي الكبير للإسلام، باعتباره »قوة دينية« فكراً وحضارة، في عملية دفع الترابط المغربي السوداني وفي خلق وحدة متكاملة نتج عنها حدوث »نقلة نوعية« في تاريخ هذه العلاقات. ويلخص الدكتور يوسف فضل جيداً أثر الإسلام في تطور المجتمعات الإفريقية قائلاً:

 

              ومن الشمال الإفريقي توغلت المؤثرات الإسلامية العربية عبر الصحراء إلى بلاد السودان، حيث نشأت السلطنات السودانية الإسلامية التي جمعت في نظمها السياسية بين أنماط محلية ونظم إسلامية. وفيها تفاعلت الثقافة العربية الإسلامية، مع المؤثرات الإفريقية. ونتيجة لهذه الجهود، اتسعت رقعة الإسلام حتى شملت معظم الجزء الشمالي من القارة ([70]).

 

        إن اعتناق التجار السودانيين الإسلام عن طريق احتكاكهم بالتجار المسلمين هو حدث أساسي فيما يخص تسرب الدين الإسلامي إلى السودان الغربي. وقد ساهمت الجاليات المغربية والإسلامية الكثيرة الموجودة ببلاد السودان في نشره، بفضل قوتها التجارية وإشعاعها وتمثيلها للحضارة الإسلامية. أما عوامل انتشار الإسلام بالسودان الغربي، فهي متعددة([71]). ولابد من إيلاء أهمية خاصة للعقلية المتفتحة للأرستوقراطية السياسية والتجارية في المدن، أي الفئات العليا من المجتمع السوداني، التي فهمت بسرعة أن من مصلحتها التحالف مع أرستوقراطية التجار والفقهاء المسلمين. فقد جاء اعتناقها للإسلام تأكيداً لرغبتها في تشكيل جبهة إسلامية قادرة على توطيد التيارات التجارية بالشمال الإفريقي([72]).

        وعلى كل حال، نسلم بالدور الكبير الذي لعبه الإسلام في تأطير الممالك والإمبراطوريات الإفريقية. في القرن 5 هـ/ 11 م، اعتنق أهم سلاطين السودان الغربي (غانة، غاو، مالي، التكرور، سيلا). ابتداء من القرن 8 هـ/ 14 م، أصبح الإسلام متجذراً نسبياً داخل الدائرة المالكة لمالي التي يُعتقد أنها وضعت أسس حضارة إفريقية مسلمة بفضل امتدادها الجغرافي الكبير الذي غطى معظم بلاد السودان الغربي([73]).

        وقد نشطت قوافل الحج السودانية إلى الأراضي المقدسة حتى قبل القرن الرابع عشر([74]). والمظهر الأكثر شهرة هو حجّ المانسا موسى سنة 1324 م. فقد »خرج من بلده بمائة وسق حمل من الذهب، أنفقها في حجته على القبائل بطريقه [. . .] حتى احتاج إلى القرض«([75]). ولقد بهرته الديار المقدسة الإسلامية حتى أنه عزم على ترك الملْك لابنه »ويعود إلى مكة المعظمة ويقيم بها مجاوراً بها«([76]).

        وقد ترك لنا ابن بطوطة شهادة حيّة عن مدى تغلغل الإسلام في إمبراطورية مالي([77]). ويبرز العمري من جانبه تديّن المانسا موسى وإسهامه في نشر الإسلام ببلاده. فعند حديثه عن المانسا سليمان، يقول إن أخاه [المانسا موسى] »بنى المساجد والجوامع والمواذن وأقام به [بلده] الجمع والجماعات والأذن، وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وبقي بها سلطان المسلمين، وتفقه في الدين«([78]). ويذكر محمود كتي أن المانسا موسى »كان سلطاناً صالحاً تقياً عابداً [...] وبنى في حجه مسجد جامع تنبكت وذكر وخندم ودبري وونط وكنك«([79]). ويؤكد السعدي معلومات العمري ومحمود كتي عندما يقول إن إمبراطور مالي »بعد جوازه إلى الحج وبطريقها رجع  فابتنى مسجداً ومحراباً خارج مدينة كاغ صلى فيها الجمعة وهي هنالك إلى الآن«([80]).

        ومع ذلك، ينبغي التساؤل عن مدى تغلغل الديانة الإسلامية ونقائها داخل الفئات الدنيا من المجتمع السوداني، وعن مدى خضوع الأرستقراطية السودانية لأحكام الشريعة. يشير ابن بطوطة وغيره من الجغرافيين العرب إلى تنافر القيم العقائدية الإحيائية والمبادئ الإسلامية بمدن السودان الغربي، بل حتى داخل البلاط. إذ على الرغم من تدين المانسا موسى، فإنه كان يجهل بعض تعاليم الشريعة الإسلامية تماماً، وأعماله لم تكن دائماً مطابقة لها([81]). وبعد أكثر من قرن ونصف من وفاة المانسا موسى، نجد أن المجتمع السوداني ما يزال أنيمياً. فقد جاء في السؤال الثاني الذي وجهه الأسكيا محمد إلى الإمام المغيلي:

                 إن أهل بلادي يزعمون أنهم مسلمون [...] بالجامع والجمعة والأذان للصلوات الخمس، وذلك بعد أن كانت كلها بلاد كفر وأهلها عبدة أصنام. فقام عليهم بعض أجداد هؤلاء السلاطين مع أتباعهم، فقاتلوا أولئك الكفار وملكوا بلادهم وسكنوها بالإسلام أكثر من ثلاثين سلطاناً قبل سني علي... ومن صفات سني علي أنه ينطق بالشهادتين ونحوهما من ألفاظ المسلمين، ولكن لا يعرف لذلك حقيقة؛ إنما يقول ذلك بلسانه ويصوم رمضان ويتصدق كثيراً بالذبائح عند المساجد ونحوها. ومع ذلك، يعبد الأصنام ويتصدق على الكهان ويستعين بالسحرة ونحوهم ([82]).

 

        وبذلك يمكن  القول إن الإسلام لم يسْع إلى:

 

              هدم الأسس السابقة [للمجتمع الإفريقي] وتقويض القيم وجل العادات الإفريقية القديمة، بل عمل على أن تلائم الدين الجديد [...] وقد شهدت إفريقيا ما لم تشهده أكثر البقاع الإسلامية الأخرى احتكاكاً بين التقاليد المحلية والأحكام الجديدة أدى إلى ملاءمة وانصهار بينهما وإلى ظهور المجتمع الزنجي الإسلامي ذي الخصائص المتميزة ([83]).

 

        ومع ذلك، لابد من الإشارة إلى الدور الكبير الذي أدّته فئة من التجار السودان المسلمين الذين يطلق عليهم اسم الونغرة [Wangara] (أو الديولا [Dyoula])، في نشر الديانة الإسلامية داخل الأدغال الجنوبية للسودان الغربي كما تشير الباحثة Barbara Stepniewska إلى ذلك([84]). وقد أشار ابن بطوطة إلى الارتباط الوثيق بين التجار المسلمين والوانكرة وانتشار الإسلام عند كلامه عن زاغاري: »وهي قرية كبيرة يسكنها تجار السودان، ويسمون ونجراتة، ويسكن معهم جماعة من البيضان، يذهبون مذهب الإباضية من الخوارج، ويسمون صغنغو، والسنيون المالكيون من البيض يسمون عندهم توري«([85]). لقد تخصصت »الديولا« في ممارسة النشاطات التجارية حتى أعمق الغابات الاستوائية، وتدريجياً أصبحت حضارة العرب الإفريقي مطبوعة بالدور الطلائعي لهؤلاء التجار المسلمين بتكوينهم لمختلف الشبكات التجارية عبر إفريقيا الاستوائية([86]). ومع ذلك، يمكن القول إن تطبيق التعاليم الإسلامية لم يجد  طريقه إلى سكان الأرياف، وإن الثقافة والآداب الإسلامية لم تمس في العمق إلا الحواضر والقرى الكبيرة بالسودان الغربي.

        من جانب آخر، نجد أن أفراد الجالية المغربية عملوا على نشر الثقافة الإسلامية حتى تجذرت في السودان الغربي. فقد رحل علماء السودان للمغرب للاستزادة من العلم كما أشرنا أعلاه. وبما أن الكتابة هي أحد النقط الهامة في جميع المعاملات التجارية، فقد عمل السودانيون على تعلم اللغة العربية للتعامل مع التجار المسلمين الآتين من الشمال. والواقع أن اللغة العربية ليست لغة تجارة فقط، بل هي لغة القرآن الكريم التي يحتاجها السوداني لأداء فروضه الدينية، خاصة الصلاة، ولغة الشؤون الإدارية في البلاد ولغة التجار والسفراء المغاربة. فاللغة العربية لم تستطع أن تفرض نفسها لغةً وحيدة، ولكنها أصبحت اللغة الأكثر انتظاراً واستعمالاً، وغدت إلى جانب الدين المظهر الأساسي لوحدة المجتمع السوداني([87]). وأقبل السودانيون على تعلمها، وعلى رأسهم الإمبراطور سليمان والإمبراطور موسى الذي كان يتقنها. فلا غرو أن استعمل السودانيون، بمن فيهم الملوك، »الخط العربي على طريقة المغاربة«([88])، ووصلتنا عدة مخطوطات سودانية بالخط المغربي([89]). بل كانت الدراسة تتبنى المناهج المغربية نفسها، وكانت الكتب المتداولة هي كتب المالكية([90]).

        وقد رسم المؤرخ السوداني عبد الرحمان السعدي صورة ناصعة للحياة الثقافية والكتب المتداولة بتمبوكتو في القرن السادس عشر؛ كما أن شهادة الحسن الوزان تؤكد أنه كان بتمبوكتو »عدد كثير من الفقهاء والقضاة والأئمة، يدفع الملك إليهم جميعاً مرتباً حسناً، ويعظم الأدباء كثيراً. وتباع مخطوطات كثيرة تأتي من بلاد البربر، وتدرّ أرباحاً تفوق أرباح سائر البضائع«([91]). ونعتقد أن هذه الصورة هي استمرار لما كان عليه الحال في القرنين السابقين.

 

       ج  ـ  على المستوى المديني

        إذا كانت التجارة التي حملت معها كثيراً من القيم الثقافية العربية ـ الإسلامية هي إحدى العوامل السوسيو ـ تاريخية الأكثر أهمية لنشر الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء، فإن انتشار الديانة الإسلامية في الأوساط الملكيّة للسودان الغربي في العصر الوسيط يُفسر في بعض الأحيان بكون الإسلام تقدم في المقام الأول على أنه ديانة أرستقراطية ومدينية([92]). فالعالم السوداني كان يتلقى التأثيرات الحضارة الإسلامية عن طريق التعامل التجاري الذي دفع بالتجار السودانيين إلى الدخول في حظيرة الدين الإسلامي وفي نسقه القانوني والإداري([93]). وهذه الصيرورة في التوسع للحضارة الإسلامية إلى الظواهر الحضرية والتجارية تجد مثالها في مدن جني وتمبوكتو وغاو وولاتة التي أصبحت مراكز تجارية ودينية وثقافية نشطة في إمبراطوريات السودان الغربي.

        لقد ساعدت التيارات التجارية الشمالية على إنشاء مختلف العواصم الكبرى بالسودان الغربي. ويرى بعض الباحثين أن منطقة إفريقيا الغربية لم تكن تعرف الأشكال المركزية للمدن قبل القرن التاسع الميلادي، وجاءت جل هذه المدن على شكل عواصم لتمركز التجار البربر المغاربة وغيرهم مجسدين جزءاً هاماً من الكثافة البشرية ومساهمين بذلك في مختلف مراحل التنمية العمرانية والاجتماعية([94]). لنأخذ مثال مدينتي جني وتمبوكتو التي تمكننا المصادر التاريخية من تتبع إقامة البنيات الإسلامية بهما وارتباط نشأتهما بالتيارات التجارية الشمالية.

        ـ مدينة جني: يقول عنها عبد الرحمان السعدي:

 

                 هي سوق عظيم من أسواق المسلمين وفيها يلتقي أرباب الملح من معدن تاغزا وأرباب الذهب [...] ابتدأت في الكفر في أواسط القرن الثاني من الهجرة النبوية [...] ثم أسلموا عند تمام السادس. والسلطان كثير هو الذي أسلم وأسلم أهلها بإسلامه. ولما عزم على الدخول في الإسلام، أمر بحشر جميع العلماء الذين كانوا في أرض المدينة، فحصل منهم أربعة آلاف ومائتان عالماً، فأسلم على أيديهم وأمرهم أن يدعوا الله بثلاث دعوات لتلك المدينة، وهي: أن كل من هرب إليها من وطنه ضيقاً وعسراً أن يبدلها الله له سعة ويسراً حتى ينسى وطنه ذلك، وأن يعمرها بغير أهلها، وأن يسلب الصبر من الواردين إليها للتجارة في ذات أيديهم لكي يملوا منها فيبيعونها لأهلها بناقص الثمن فيربحون بها ([95]).

 

        هذا الاعتناق للدين الجديد والأمنية السياسية ـ التجارية لملك جني في القرن 14 ساهم في  تطوير التجارة الصحراوية بالمدينة، مع ما يستتبع ذلك من استقرار التجار والمثقفين المسلمين. ويبين السعدي أن العمليات التجارية ازدهرت بالمدينة بعد ذلك الاعتناق »وقد ساق الله تعالى لهذه المدينة المباركة سكاناً من العلماء والصالحين من غير أهله من قبائل شتى، وبلاد شتى«([96]). أما »علماء البيضان، فقد سكن فيها كثير من أهل تنبكت«([97]). من كل ذلك يبدو أن دخول الإسلام للمدينة شديد الارتباط بتوطيد المعاملات التجارية بها.

        ـ  تمبوكتو: يقول عنها عبد الرحمان السعدي: »مسقط رأسي وبغية نفسي، ما دنستها عبادة أوثان ولا سجد على أديمها قط لغير الرحمان، مأوى العلماء والعابدين، ومألف الأولياء والزاهدين، وملتقى الفلك والسيار«([98]). وهي مدينة إسلامية منذ نشأتها في أواخر القرن الخامس الهجري على يد طوارق مقشرين الذين »جعلوها خزانة لمتاعهم وزروعهم«، إلى أن صارت »مسلكاً للساكنين في ذهابهم ورجوعهم«. ثم أخذ الناس يسكنون الموضع ويزداد عمارة و»يأتيه الناس من كل جهة ومكان حتى صار سوقاً للتجارة«. ويشير السعدي إلى أن أول من كان يتردد على تمبوكتو هم تجار السراقولي، »ثم أهل تلك الجهة كلها«. ومن المرجح أنهم توافدوا عليها بعد سقوط كومبي صالح (عاصمة غانة في العصر الوسيط) في القرن الحادي عشر الميلادي. وفي القرن 7 هـ/ 13 م فقط أصبحت تمبوكتو وجني محوراً للحياة التجارية بالسودان الغربي. وابتداء من القرن 14 م، أصبحت تمبوكتو مركزاً نشيطاً للتجارة في السودان الغربي، حيث »سكن فيها الأخيار من العلماء والصالحين وذوي الأموال من كل قبيلة ومن كل بلد من أهل مصر ووجل وفزان وغدامس وتوات ودرعة وتفلالت وفاس وسوس وبيط إلى غير ذلك«([99])، منتقلين إليها من ولاتة. مع استقرار التجار والعلماء العرب، ازدهرت التجارة والثقافة إلى حد أن تمبوكتو أصبحت منارة للعلم بالسودان الغربي.  

        ولم يقتصر الأمر على إنشاء المراكز الحضرية، بل ساهم المغاربة في تطوير الفن المعماري بها. إذ يُعتقد أن أولى المنشآت العمرانية في غاو وتمبوكتو ونياني هي من تصميم وإشراف المهندس الأندلسي إبراهيم الساحلي، الذي أدخل إلى إمبراطورية مالي هندسة معمارية متكيفة مع البيئة المحلية، لم تكن معروفة من قبل (كاستعمال الجير والآجر المجفف والسقوف المسطحة). وقد حاول البعض أن يربط هذا الأسلوب في البناء الذي أصبح يعرف بـ »الطراز السوداني« بتأثيرات فرعونية. غير أن موريس دولافوس (M. Delafosse) يرى أن الساحلي استلهم ابتكاراته من المغرب أثناء إقامته فيه، ويؤكد أنه »يكفي ملاحظة شكل البناء وطبيعة هندسته، لإرجاعه بالتأكيد إلى الهندسة العربية ـ البربرية في الجنوب المغربي والوحات الصحراوية«([100]). وقد وصف ابن بطوطة بعض المعالم التي رسم تصاميمها المهندس الساحلي مثل المساجد. والقصر الملكي في نياني بقي قائماً مع المسجد إلى بداية القرن السادس عشر([101]). وحاول كبار رجال الدولة والجند والأمراء السودانيين منذئذ تقليد ألوان الحضارة المغربية في البناء([102]). بل إن المؤثرات الحضارية المغربية تجاوزت الميدان الثقافي والديني لتلامس الجوانب الحياتية اليومية من لباس وأكل، إلخ. فالعمري يشير إلى أن زي السودانيين »شبيه بزي المغاربة، جلباب ودراريع، بلا تفريج«([103]). ويضيف القلقشندي أنهم »يرتدون عمائـم بحنك مثل المغرب [...]، وهم في ركوبهم كأنهم العرب«([104]). أما المؤرخ السوداني عبد الرحمان السعدي، فهو أكثر تحديداً وصراحة عندما يؤكد هيمنة الحضارة المغربية بتمبوكتو، موضحاً أن البلد »لم تأته العمارة إلا من المغرب لا في الديانات ولا في المعاملات«([105]).

        والجدير بالذكر أن هذا التأثير لم يقتصر على منطقة السودان الغربي، بل تعداها إلى مناطق أخرى من القارة الإفريقية. إن ابن بطوطة يقدم لنا معلومات قيّمة من النمط الأنتروبولوجي بخصوص تأثير الوجود المغربي بإفريقيا الشرقية. فبخصوص مدينة ظفار من بلاد السواحل، يعتبر رحالتنا »من الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم. نزلتُ بدار الخطيب بمسجدها الأعظم، وهو عيسى بن علي [...]. فكان له جوار مسميات بأسماء خدام المغرب«. ويستطرد قائلاً: »وأكثر أهلها رؤوسهم مكشوفة [...] وفي كل دار من دورهم سجادة الخوص معلقة في البيت يصلي عليها صاحب البيت كما يفعل أهل المغرب« ([106]).

        فهل تسعفنا المصادر في تسليط الأضواء على هذا الحضور المغربي بشرق إفريقيا كما أسعفتنا نسبياً في حالة السودان الغربي؟ وهل تمكننا من تلمس الوجه الآخر من أوجه التواصل الحضاري بين ضفتي الصحراء، وأقصد التأثير السوداني في المجتمع المغربي؟ إنها موضوعات لا تزال بحاجة إلى من يميط اللثام عن بعض جوانبها الخفية.


 

 

 

 

 

 



([1])       انظر عن هذه الجوانب: أحمد الشكري، »مقارنة تقييميّة لدور الصحراء في علاقات بلاد المغرب ببلاد السودان خلال العصر الوسيط«، مجلة المناهل (المغرب)، عدد 58، مارس 1998، ص ص. 62 ـ 71؛

J. Devisse, «Approximatives,  quantitatives,  qualitatives:  valeurs variables de 

l'étude des traversées sahariennes», in Relaciones de la Peninsula Ibérica con

el  Magreb  siglos  XIII-XVI.  Actas  del  Coloquio, éd.  Garcia-Arenal y  M. J.

Viguera, Madrid, 1988, pp. 165-203;  V. M. Godinho, L’économie de l’Empire

portugais au  XVIe siècle,  Paris, 1969, pp. 99-125.

 

([2])      محمد الغربي، بداية الحكم المغربي في السودان الغربي، بغداد، 1982، ص. 569.

([3])      اعتمدنا على طبعة دار صادر، بيروت، 1963. وقد صدرت مؤخراً طبعة جديدة من الرحلة بتحقيق   الدكتور عبد الهادي التازي، منشورات أكاديمية المملكة المغربية.

([4])      انظر: محمد الشريف، نصوص جديدة ودراسات في تاريخ الغرب الإسلامي، تطوان، 1996، ص. 86.

([5])      يقول ابن بطوطة في معرض حديثه عن توجهه إلى ابولاتن إنه كان قد كتب إلى ابن بداء، وهو رجل  من سلا، ليكتري له داراً. وكانت إقامته هناك نحو خمسين يوماً. (رحلة ابن بطوطة، ص. 677)؛ وكذلك فيمـا يخـص إقامته بعاصمة مـالي، فقد كتب لكـبير جمـاعة البيضـان أن يكـتري له داراً. (ص. 681).

([6])      رحلة ابن بطوطة، ص. 681.

([7])      المصدر نفسه، ص ص. 695 ـ 696.

([8])      المصدر نفسه، ص. 689.

([9])      المقري، نفح الطيب، تحقيق إحسان عباس، 1988، ج 5، ص. 205.

([10])     ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، تحقيق د. مصطفى أبو ضيف، الدار البيضاء، 1983، ص. 60.

([11])     حسن حافظي علوي، »علاقة المغرب الأقصى بمالي من خلال "رحلة ابن بطوطة"«، مجلة المناهل، عدد 53، 1996، ص. 129.

([12])    A. El Alaoui, Le Maghreb et le commerce transsaharien   (milieu du  Xiè-                        milieu du XIVè s.), Thése de 3ème cycle, Bordeaux, 1983, pp. 108-109.           

([13])     انظر مثلاً دراستنا: سبتة الإسلامية: دراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، تطوان، 1995، ص. 120 وما بعدها.

([14])     انظر أمثلة من ذلك عند: ابن بطوطة، مصدر مذكور، ص. 688.

([15])     المصدر نفسه، ص. 689.

([16])     المصدر نفسه.

([17])     الحسن الوزان، وصف إفريقيا، تعريب محمد حجي ومحمد الأخضر، بيروت، ج 2، 1983، ص. 162. بمدينة مالي »يوجد عدد كثير من الصناع والتجار المقيمين والطارئين الذين يعيرهم الملك عناية أكثر من غيرهم«.

([18])     ابن بطوطة، المصدر المذكور، ص. 681.

([19])     الحسن الوزان، وصف إفريقيا، المصدر المذكور، ج 2، ص. 166.

([20])     ابن بطوطة، المصدر المذكور، ص. 682.

([21])     المصدر نفسه، ص. 698.

([22])      الحسن الوزان، وصف إفريقيا، ج 2، ص. 160.

([23])      ابن بطوطة، المصدر المذكور، ص. 688.

([24])      إبراهيم حركات، »طبيعة العلاقات المغربية مع إفريقيا الغربية في العصر الوسيط«، ضمن كتاب: العلاقات بين المغرب وإفريقيا الغربية، منشوارت جمعية موظفي كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، عكاظ، 1992، ص. 37.

([25])      المقري، نفح الطيب، ج 3، ص. 105.

([26])     الرحلة، ص ص. 676 ـ 677.

([27])     المقري، المصدر السابق، ج 5، ص. 205.

([28])     ابن بطوطة، المصدر المذكور، ص ص. 692 ـ 693. ويتابع ابن بطوطة هذه الحكاية قائلاً: »وإنما لم يأكله الكفار لبياضه، لأنهم يقولون إن اكل الأبيض مضر، لأنه لم ينضج؛ والأسود هو النضج بزعمهم«.

([29])     العمري، المرجع السابق، ص. 73.

([30])     المقري، المرجع السابق، ج 5، ص. 206.

([31])Ch. De La Roncière, «Découverte d’une relation de voyage datée du Touat et             

      décrivant  en 1447 le bassin  du  Niger», in Bulletin de la sect. De Géo. (Com.

                               Des trav. hist. et scient), 1918, XXXIII, 1918, p. 11.

([32])     ابن بطوطة، المصدر السابق، ص. 680.

([33])     ديفيس جان، »مشكلة ملكية المناجم في إفريقية الغربية من القرن الثامن إلى القرن السادس عشر«،  تعريب عبد الرحيم بن حادة، مجلة كلية الآداب بفاس، عدد 5، 1989، ص. 74.

A. El Alaoui., op. cit., p. 113.

([34])      ابن بطوطة، المصدر السابق، ص. 690.

([35])      المصدر نفسه، ص ص. 653 ـ 696.

([36])    يحتمل أن يكون كل من »شيخ المغاربة بتكادا« سعيد بن علي الجزولي، و »كبيرهم بمالي«  محمد   بن الفقيه الجزولي من قبيلة واحدة هي جزولة، إن لم يكونا من عائلة واحدة. (ابن بطوطة، المصدر السابق، ص ص. 681 ـ 696).

([37])     كان ابن الفقيه الجزولي »متزوجاً ببنت عم السلطان«. (الرحلة، ص. 681).

([38])    A. El Alaoui, op. cit., p. 112.

([39])    ابن بطوطة، المصدر السابق، ص. 681.

([40])    المصدر نفسه، ص. 696.

([41])     كتب ابن بطوطة، قبل وصوله إلى مالي، إلى كبير جماعة البيضان ليكتري له داراً. ولما وصل إلى العاصمة، قصد شيخ المغاربة (ابن بطوطة، المصدر المذكور، ص. 681).

([42])    المصدر نفسه، ص ص. 682 ـ 683.

([43])     هاشم العلوي القاسمي، »أصول الروابط التاريخية بين بلاد المغرب وغرب إفريقيا في العصور الوسطى(استحضار أم استشراف) «، مجلة كلية الآداب بفاس، عدد 5، 1989، ص. 142.

([44])    بما أن التجار المغاربة كانوا يستغلون ببراعة تقدم بلادهم التقني على حساب السودان وقانون العرض والطلب، وتوفرهم على سلع كانت حيوية للسودانيين، فإنه يعتقد أن المبادلات كانت تتم على حساب السودان الغربي الذي كان عليه أداء أثمان مرتفعة جداً مقابل استمرار التجار في الإقبال عليه.  إذ كانت أرباح هؤلاء لا تقل عن 400 %؛ كما أن »الخسارة« لم تكن كمية فقط، إذ أن السلع المتبادلة  تُفصح عن تباين حضاري كبير. فمقابل الحصول على فرس واحد، كان على السودانيين إعطاء عدد من العبيد لا يقل عن 8؛ ومقابل حصولهم على مترين من الثوب الخشن، كان عليهم إعطاء صبي ومترين من الثوب البندقي الرفيع مقابل 5 عبيد، وذلك حسب ما أورده الوزان.

([45])     مصطفى ناعمي، الصحراء من خلال بلاد تكَنة، منشورات عكاظ، الرباط، 1988، ص. 63.

([46])     أحمد الغربي، بداية الحكم المغربي، المرجع السابق، ص. 570.

([47])     العمري، المرجع السابق، ص ص. 59 ـ 60.

([48])     تاريخ الفتاش، المصدر السابق،  ص. 34.

([49])     المصدر نفسه، ص. 37.

([50])     السعدي، تاريخ السودان، المرجع السابق، ص ص. 28 ـ 36.

([51])     المقري، نفح الطيب، ج 5، ص. 205.

([52])     ابن بطوطة، المرجع السابق، ص. 694.

([53])     ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عنان، القاهرة، 1973، ج 1، ص. 341.

([54])     ابن بطوطة، المرجع السابق، ص. 697؛ ابن الخطيب، الإحاطة، المصدر السابق، ج 1، ص. 349؛ ج 2، ص. 192؛ المقري، نفح الطيب، المصدر السابق، ص. 205.

([55])     تاريخ الفتاش، المصدر السابق، ص ص. 51 ـ 52. ويبدو أن توافد الشرفاء على السودان الغربي قديم. فقد وفد من الشرق أشراف ينتسبون للأسرة الإدريسية نفسها التي حكمت المغرب منذ عام 788... وسعوا إلى تأسيس مملكة بالسودان.. »وبقي عقب الأدارسة هناك معروفاً« حسب ابن خلدون. (انظر: أحمد الغربي، بداية الحكم المغربي، المصدر السابق، ص. 33). فقد كان ملك غانة ينسب نفسه إلى ذرية صالح بن عبد الملك بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. (عبد الحميد دندش، دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا...، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1988، ص. 150).

([56])     السعدي، تاريخ السودان، المرجع السابق، ص. 57.

([57])     المرجع نفسه، ص. 51.

([58])     ابن بطوطة، المصدر السابق، ص. 678.

([59])     عبد العزيز العلوي، »العلاقات التجارية والثقافية بين المغرب المريني وإمراطورية مالي«، مجلة كلية الآداب بفاس، عدد 5، 1989، ص. 63.

([60])     ابن الخطيب، معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار، تحقيق محمد كمال شبانة، 1976، ص. 152.

([61])      ابن بطوطة، المصدر السابق، ص. 699.

([62])     يقدر رايمون روني عدد العبيد السود المصدرين نحو بلدان البحر الأبيض المتوسط سنوياً في العصر الوسيط بعشرين ألفاً، ويشير إلى أن الرق بدأ يتقوى منذ القرن 15 بصفة خاصة. ويفترض أن مليون عبد أسود تم نقلهم خلال القرن الرابع عشر إلى بلدان البحر المتوسط، ومليونين في كل قرن من القرن 16 إلى القرن 18؛ R. Mauny, Les siècles obscurs de l'Afrique noire, Fayard, 1971, pp. 210 - 241.

([63])       ابن بطوطة، المرجع السابق، ص. 695.

([64])       القلقشندي، صبح الأعشى، ج 5، ص. 300.

([65])       العمري، مسالك الأبصار، ص. 65.

([66])       عبد العزيز العلوي، المرجع السابق، ص. 64.

([67])       مثل السعود بن حرباش الهاشمي الذي عين والياً على مدينة فاس سنة 1249 (انظر: ابن أبي زرع، روض القرطاس، ص. 294).

([68])       مثل علي السعدي الموحدي (انظر: ابن عذاري، البيان المغرب (القسم الموحدي)، بيروت، 1985، ص. 359؛ القرطاس، ص. 256)، وأبي الربيع وأبي الحسن وأبي فارس المتوكل على الله أبي زيان المريني. (ابن الأحمر، روضة النسرين، الرباط، 1991، ص ص. 33 ـ 55، 37 ـ 48).

([69])     انظر: عصمت عبد اللطيف دندش، دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، المرجع السابق؛ محمد الغربي، بداية الحكم المغربي في السودان الغربي، المرجع السابق، ص. 568.

([70])     يوسف فضل،  »الجذور التاريخية للعلاقات العربية الإفريقية«، ضمن كتاب العرب وإفريقية، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، 1984، ص. 29.

([71])     انظر بعضها عند دندش عبد الحميد، دور المرابطين...، ص ص. 153 ـ 154.

([72])     مصطفى ناعمي، الصحراء، المرجع السابق، ص. 60.

([73])     J. L. Triaud,  «Quelques remarques  sur  l’islamisation du Mali,  des  origines

                                  à 1300», BIFAN, B, XXX, 1968, pp. 1342-1344.

([74])     ابن خلدون، العبر، ج 5، ص. 433؛ »وحج جماعة منهم [ملوك السودان] وأول من حج منهم برمنـدار، وسمعـت في ضـبطـه برمندانـة« في القرن الحـادي عشر الميلادي. (القلقشنـدي، ج 5، ص. 193)؛ أما المانسي والي حج في عهد الظاهر بيريس (الذي حكم ما بين 1260 و 1277). ومن بين الحجاج الذين يذكرهم ابن بطوطة قاضي العاصمة المالية، السوداني المسمى عبد الرحمان، والموفد الشخصي للمانسا سليمان إلى سلطان المغرب، والحاج موسى الونجراني، وعامل إحدى مناطق مالي الواقعة بين مالي وميما، وهو الفاربا ماغة، وفاربا سليمان عامل إحدى المناطق بين تمبوكتو وغاو (ابن بطوطة، المصدر السابق، ص ص. 685 ـ 694).

([75])     العمري، المرجع السابق، ص. 70.

([76])     المرجع نفسه، ص. 69.

([77])     انظر: أحمد الشكري، الإسلام والمجتمع السوداني، دبلوم الدراسات العليا في التاريخ، كلية الآداب ـ الرباط، 1991. (نسخة مرقونة).

([78])     العمري، المرجع السابق، ص. ص 59 ـ 60.

([79])     تاريخ الفتاش، المصدر السابق، ص. 32.

([80])     السعدي، تاريخ السودان، المصدر السابق، ص. 7.

([81])     يورد ابن أمير الحاجب أن »من عادة أهل مملكته أنه إذا نشأ لأحد منهم بنت حسنة، قدمها له أمة موطوءة فيملكها بغير تزويج مثل ما ملكت اليمين، مع ظهور الإسلام بينهم وتمذهبهم بمذهب المالكية. قال ابن أمير حاجب هذا مع كون هذا السلطان موسى كان متديناً محافظاً على الصلاة والقرآن والذكر. قال: فقلت له: إن مثل هذا لا يجوز ولا يحل لمسلم شرعاً ولا عقلاً. فقال: ولا للملوك؟ فقلت: ولا للملوك وسَل العلماء. فقال: والله ما كنتُ أعلم«. (العمري، المرجع السابق، ص. 69).

([82])      المغيلي، ذكره  محمد الغربي، ص  515 هامش، 1؛ وانظر ترجمة الرسالة  ضمن  كتاب J. Cuoq,                                                     

Recueil  des sources arabes  concernant l’Afrique occidentale du  VIII au  XVIè s           

                                                         (Bilad al Sudan), Paris, 1975, pp. 414-415.

([83])      الغربي، بداية الحكم المغربي، المرجع السابق، ص. ص 567 ـ 568.

([84])  Barabara Stepniewska, «Portée sociale  de l’islam  au Soudan  occidental aux   

XIV-XVIè siècle», Africana  Bulletin, 14-16, Université  de Varsovie, Centre           

d'Etude Africaines, 1971, p. 44.

([85])     ابن بطوطة، المرجع السابق، ص. 680.

([86])     ناعمي، مرجع سابق، ص. 66. إن بدايات التأثيرات الإسلامية الممارسة عن طريق التجار الديولا في شمال    الداهومي (الجمهورية الشعبية لبنين حالياً) وشمال غانة ترجع إلى نهاية القرن الخامس عشر  وبداية القرن 16.

N. Levtxion , «Commerce et Islam chez les Dagomba du Nord Ghana»,  Annales

E. S. C., XXIII, 1968, p. 724.

([87])     أحمد الغربي، المرجع السابق، ص ص. 570 ـ 571.

([88])     القلقشندي، المرجع السابق، ص. 298؛ ويذكر العمري، (ص. 74) أنه »جاء كتاب من هذا السلطان [موسى] إلى الحضرة السلطانية بمصر، وهو بالخط المغربي«.

([89])     حسن الصادقي، »مخطوطات في موضوع فاس وإفريقيا«، ضمن كتاب فاس وإفريقيا، العلاقات الاقتصادية والثقافية والروحية، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، وكلية الآداب سايس ـ فاس، الدار البيضاء، 1996، ص. 15.

([90])     دندش عبد الحميد، دور المرابطين...، المرجع السابق، ص. 148.

([91])     الوزان، المرجع السابق، ج 2، ص. 167.

([92])     كتبت الدكتورة دندش عبد الحميد قائلة: »ولعل أبرز خصائص انتشار الإسلام في بلاد السودان، أنه ابتدأ بالطبقات العليا، والأسر الحاكمة«. (دور المرابطين في نشر الإسلام...، المرجع السابق، ص. 152).

([93])René  Luc  Moreau,  Africains  musulmans. Des  communautés  en  mouvement,                                 

Editions Présence Africaine, Abidjan-Paris, 1982, p. 73.                                             

([94])      ناعمي، الصحراء، المرجع السابق، ص. 61.

([95])      تاريخ السودان، المرجع السابق، ص ص. 12 ـ 13.

([96])      المرجع نفسه، ص. 16.

([97])      المرجع نفسه، ص. 20.

([98])      المرجع نفسه، ص ص. 20 ـ 21.

([99])      المرجع نفسه، ص. 21.

([100])    Delafosse, Les relations..., op. cit., p. 159 M. (نقـلاً عـن عبد العزيـز العلـوي، المرجـع

          السابق، ص. 66).

([101])     الوزان، المرجع السابق، ص. 165.

([102])    أحمد الغربي، المرجع السابق، ص. 624.

([103])    العمري، المرجع السابق، ص. 65.

([104])    القلقشندي، صبح الأعشى، المصدر السابق، ج 5، ص. 281.

([105])    أحمد السعدي، تاريخ السودان، ص. 21.

([106])      المرجع نفسه، ص. 261.