دور بعض المدن الإيطالية في الصراع

العثماني ـ الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط وأثره في المغرب العربي خلال القرن

العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي

 

                                                         الدكتور محمد أحمد محمد دار

                                                             كلية الآداب ـ الإسكندرية

 

مقدمة

 

        اكتسب الدور الذي لعبته بعض المدن الإيطالية في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط أهمية بالغة استوجبت البحث والدراسة، نظراً لتأثير تلك المدن المباشر على سيرورة ذلك الصراع واستفادتها الجمة من النتائج التي تمخضت عنها المراحل المختلفة للصدام العثماني الإسباني.

        ومن النتائج التي عادت على المدن الإيطالية المشارِكة في الصراع العثماني الإسباني تثبيت أقدامها في الحوض الغربي للبحر المتوسط وتكوين مراكز تجارية بمحاذاة ساحل المغرب العربي واحتكار التجارة في داخل إسبانيا ذاتها، حتى أن بعض تلك المدن قامت بالتحكم في التجارة التي كانت قائمة بين إسبانيا والعالم الجديد مستغلة انهماك ملوك إسبانيا، خاصة "شارل كان" (أو "شارل الخامس") ملك إسبانيا وإمبراطور الدولة الرومانية المقدسة في الصراع ضد العثمانيين، كما أنها تمكنت من الاستحواذ على ثقة حكام بلاد المغرب العربي الذين خضع بعضهم للحكم العثماني المباشر مثل الجزائر، وغير المباشر مثل تونس، بالقدر الذي سمح لهم بالتنقل بين مدن المغرب العربي الساحلية بحرية كبيرة، بل بلغ الأمر حداً جعلهم يتوسطون بين المجاهدين البحريين وبعض البلاد الأوربية بقصد افتداء الأسرى من أيدي القائمين على ذلك النشاط العسكري البحري.

        ومن خلال ما تم عرضه من حيث المكاسب الكبرى التي حصلت عليها بعض المدن الإيطالية من جراء احتدام الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط، يتبين بوضوح حرص قادة هذه المدن على استمرار ذلك الصراع مدة طويلة، وذلك باستخدام سياسة الازدواجية التي مارستها البندقية (فينسيا) ـ على سبيل المثال ـ الأمر الذي جعلها عرضة للكراهية التي نتج عنها تعرضها لخوض حرب ضارية مع العثمانيين، وذلك عندما يتكشف لأطراف الصراع طبيعة ذلك الدور، حتى أن البابوية أطلقت عليها صفة الهرطقة لتعاونها مع العثمانيين في بعض الأحيان.

        أما جنوة، فقد لوحظ ميلها الشديد لمساندة إسبانيا في صراعها ضد العثمانيين وتقديم كافة الوسائل الممكنة لاستمرار ذلك الصراع، لما كان يعود على جنوة من مكاسب عظيمة القيمة.

        غير أن الأمر الأكثر أهمية يتمثل في ما عاد على جنوة والبندقية، وغيرها من المدن الإيطالية، من فوائد كبيرة، تمثلت في استمرار الوجود الإيطالي المؤثر في الحوض الغربي للبحر المتوسط بعد أفول نجم القوتين العظيمتين المتمثلتين في العثمانيين والإسبان منذ أواخر القرن السادس عشر على أثر الهزيمة التي تكبدتها إسبانيا على يد إنجلترا، وما نتج عنها من تحطيم الأسطول الإسباني، وكذلك قيام الحركات الانفصالية ضد السيطرة العثمانية المباشرة في تونس. كل ذلك أدى إلى فتح المجال وإتاحة الفرصة كاملة أمام جنوة وفينسيا للإسهام بنصيب كبير من أجل تحقيق نهضة حضارية شاملة في بلاد المغرب العربي في جل الميادين والمجالات، ولا سيما المجال الاقتصادي والعمراني والثقافي.

        ولكي يمكن تفهم طبيعة ذلك الدور الذي لعبته بعض المدن الإيطالية في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط، كان من الضروري إعطاء خلفية موجزة عن علاقات العثمانيين بالمدن الإيطالية منذ القرن الرابع عشر الميلادي حتى سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين عام 1453 م، حتى يتبين بوضوح كيفية انتقال المنافسة من البحر الأسود والبلقان وآسيا الصغرى إلى حوض البحر المتوسط بشقيه الشرقي والغربي، ومن ثم يتضح كيفية انتقال الصراع إلى الحوض الغربي للبحر المتوسط، ثم نقوم بإماطة اللثام عن دور بعض المدن الإيطالية في ذلك الصراع، ثم نستعرض أثر ذلك الدور على المغرب العربي من خلال عرضنا المتواضع في ثنايا البحث.

 

I  ـ  علاقات العثمانيين ببعض المدن الإيطالية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين

        لكي يمكن تفهم حقيقة الدور الذي أدته بعض المدن الإيطالية في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط خلال القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، يكون من الضروري أن نتعرض لطبيعة ما كانت عليه علاقات العثمانيين بهذه المدن الإيطالية في الفترة التي سبقت القرن السادس عشرة الميلادي، ولا سيما البندقية وجنوة، وذلك لتأثُّر هاتين المدينتين بظهور العثمانيين قوَّةً أخذت في الازدياد منذ ولاية عثمان بك الذي حكم في الفترة الممتدة بين عامي 1281 و 1324 م([1]) ، وذلك على اعتبار امتلاك تلك المدينتين لمراكز تجارية متعددة ومتناثرة في آسيا الصغرى والبلقان وشبه جزيرة المورة، حتى أنه يطلق على دوق البندقية لقب "صاحب ربع ونصف ربع الإمبراطورية البيزنطية"([2]).

        ونظراً لظهور العثمانيين في تلك المنطقة الحيوية، جاء توسعهم على حساب تلك المراكز التجارية. فقد نتج عن ذلك ـ بطبيعة الحال ـ وجود احتكاكات وصدامات مباشرة بين العثمانيين وجمهوريتي البندقية وجنوة([3]). ومما ساعد على حتمية قيام تلك الصراعات ذلك الضعف الذي أخذ يدب في كيان الإمبراطورية البيزنطية نتيجة لنجاح الحملة الصليبية الرابعة في تكوين مملكة لاتينية بالقسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية (1204 ـ 1261 م) في محاولة من بابا روما للتوحيد بين الكنيستين الشرقية والغربية([4]). وانطلاقاً من العوامل التي أدت إلى ضعف الإمبراطورية البيزنطية، اضطرت البندقية وجنوة للدخول في مواجهات مباشرة ضد العثمانيين للدفاع عن مصالحهما وقد استتبع ذلك عقد معاهدات واتفاقيات خاصة بعد أن أدركت تلك المدن عدم قدرتها على وقف التوسع العثماني في ربوع تلك المنطقة([5]).

        ومما تجدر الإشارة إليه عقد أولى المعاهدات بين العثمانيين والبنادقة في أغسطس 1305 م بعد خوض حروب طويلة بينهما. وبموجب تلك المعاهدة، تم تقديم عدة تنازلات متبادلة بين الطرفين. فبينما تنازلت البندقية عن أحد مراكزها التجارية في سانتا مورا ((Saint Maure نجح المفاوض والدبلوماسي البندقي أندريا جريتي Andrea Gritti)) في إقناع الأمير العثماني عثمان بن بأخذ الجزيـة من الرعايـا البنادقـة المقيمين داخـل حدود مملكتـه في فـترة لا تقـل عن 3 سنــوات، كما نجـح في إقناعـه بزيـادة مـدة إقامـة الممثل البندقي من عام إلى 3 أعـوام([6]).

        غير أن ثمة عوامل أخرى أدت إلى احتدام الصراع بين العثمانيين والبنادقة، يكمن أهمها في وجود تنافس كبير بين البندقية وجنوة، الأمر الذي ساعد على إتاحة الفرصة الكاملة أمام العثمانيين للتوسع. ففي الوقت الذي اندلـع فيـه القتـال بين السلطـان العـثماني أورخان والبندقية بين عامي 1351 و 1352 م، نجح الجنويون في كسب ود السلطان العثماني حتى أن مطالبهم كانت تحظى باهتمام بالغ من السلطان العثماني أورخان. ولعل ذللك التقارب العثماني الجنوي أثار حفيظة البنادقة الذين أخذوا يروجون لدى بابا روما جريجوار الحادي عشر للقيام بحملة صليبية على الإمبراطورية البيزنطية ومن ثم يمكن للبنادقة السيطرة على مراكز جنوة التجارية ووقف التوسع العثماني، مما حمل الجنويين على عقد معاهدة دفاع مشترك بين جنوة والإمبراطور البيزنطي يوحنا وابنه أندرونيقوس في 2 نوفمبر 1382 م. وقد تضمنت تلك المعاهدة بعض البنود لصالح السلطان العثماني مراد الأول. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى نجاح جنوة في إبرام أول اتفاق مباشر بينهما وبين السلطان العثماني مراد الأول في 8 يونيو 1387([7]).

        ومما يجدر ذكره أن المنافسة البندقية الجنوية التي كانت في أوجها طيلة القرن الرابع عشر الميلادي تقريباً، ساهمت بنصيب كبير في تعاظم نفوذ العثمانيين، على اعتبار ما لتلك المنافسة من آثار سلبية على هاتين الجمهوريتين تمثلت في إنفاقهما لأموال طائلة وخوضها لحروب شرسة كانت نتيجتها ما بين هزيمة وانتصار. وقد أدى كل ذلك في النهاية إلى ضعف أساطيلهما البحرية وتقويض سيادتهما على البحار كالبحر الأسود والأدرياتي والمتوسط؛ كما أن البندقية استطاعت أن تنهي الصراع الدائر بينها وبين جنوة لصالحها، وذلك عندما تلقت جنوة هزيمة منكرة على يد البنادقة في معركة كيوجا، الأمر الذي دفع الجنويين لعقد صلح تورينو في عام 1381 م([8]).

        وعلى الرغم من الانتصار الحاسم الذي حققه البنادقة على جنوة، فإن البندقية وجدت نفسها مضطرة إلى انتهاج سياسة تقاربية مع العثمانيين من جهة والإمبراطور البيزنطي من جهة أخرى، كتلك التي كانت تنتهجها جنوة. ففي عام 1368 م دخلت البندقية في مفاوضات مع السلطان العثماني مراد الأول بقصد الحصول على مراكز تجارية داخل حدود السلطنة العثمانية، ثم عادت البندقية واستكملت تلك المفاوضات في عام 1384 م([9]). ومن الراجح أن عودة المفاوضات بين البندقية والعثمانيين منذ 1368 م ترجع إلى العداء الشديد الذي كان يجمع بين دوق البندقية والسلطان العثماني أورخان.

        على أي حال، حاولت البندقية مراراً الدخول في مفاوضات مع الإمبراطور البيزنطي يوحنا الخامس منذ عام 1324 م حتى عام 1390 م على يد الدبلوماسي ماريو مالبيرو Mario Malbiro)) الذي بدأ مفاوضات مع يوحنا الخامس في عام 1386 م. ولكن كان مآل تلك المفاوضات الفشل؛ ولعل ذلك يرجع إلى قدم العداء بين البنادقة وأباطرة بيزنطية مذ قامت البندقية بإقناع بابا روما بتوجيه الحملة الصليبية الرابعة إلى القسطنطينية بدلاً من القاهرة. إلا أن الأمر سرعان ما تغير عقب تولي السلطان العثماني بايزيد الأول حكم السلطنة العثمانية في عام 1389 م، حيث أخذ على عاتقه تضييق الخناق على الإمبراطور البيزنطي يوحنا. وقد ساهم ذلك مساهمة فعالة في تغير موقف الإمبراطور من البندقية عندما حاولت من جديد الدخول في مفاوضات معه على يد فرانشيسكو فوسكولو ((Francesco Foscolo الذي تمكن من تحقيق تقدم كبير، وذلك في عام 1390 م.

        ومن الراجح أن السلطان العثماني مراد الأول وبايزيد الأول، لم يكن لدى كليهما أي علم بازدواجية سياسة دوق البندقية، حتى أن مراد الأول منح البنادقة حرية التنقل داخل حدود مملكته([10])؛ كما أن الأوربيين أرسلوا بسفرائهم إلى دوق البندقية يطلبون منه التدخل لدى السلطان العثماني بايزيد الأول لإطلاق سراح أسراهم الذين وقعوا في يد العثمانيين في معركة نيقوبوليس (1396 م) والتي انتهت بتحقيق نصر كبير لصالح بايزيد الأول([11]). وكان من الممكن أن تتفادى أوربا هذه الهزيمة إذا ما امتثلت لرأي دوق البندقية الذي كان يقضي باستخدام ما للبنادقة من حظوة لدى السلطان العثماني وإنهاء حصاره للقسطنطينية دبلوماسياً. ومما يدل على رغبة البندقية في استمرار سياسة التقارب مع العثمانيين أنه على الرغم من الحشد الأوربي للقضاء على بايزيد الأول تمثلت مساهمة البندقية في أسطول صغير استخدم قائده توماسو منتشنجو أسلوب المراوغة والخداع كي لا يتعرف العثمانيون على هويته؛ كما اشتركت جنوة أيضاً في التحالف الأوروبي ضد العثمانيين في معركة نيقوبوليس([12]).

        على أي حال، تمكن العثمانيون من تحقيق العديد من الإنجازات الحربية طيلة القرن الرابع عشر منذ حكم عثمان بك حتى بايزيد الأول. وقد ترتب على ذلك اعتراف الإمبراطورية البيزنطية وحلفائها المتمثلين في بعض المدن الإيطالية بواقعية الوجود العثماني. تجلى ذلك بوضوح في تسابق كل من جنوة والبندقية على كسب ود العثمانيين وإبرام المعاهدات والاتفاقيات التي تضمن لهم حرية التجارة داخل حدود الإمبراطورية العثمانية في طور نشأتها. ويمكننا القول إن العثمانيين لم يتمكنوا من جني الثمار المرجوة على أثر انتصارهم على التحالف الأوروبي في معركة نيقوبوليس 1396 م، وذلك لتعرض تلك المنطقة لمتغيرات كبيرة تمثلت في هجمة تيمورلنك الشرسة التي استهدفت سائر القوى على مختلف انتماءاتها وهوياتها، الأمر الذي تطلب حتمية دخول هذه القوى في تحالف مشترك كي يكون من اليسير مواجهة هذا الخطر للقضاء عليه. وقد ضم هذا التحالف الدولة العثمانية والإمبراطورية البيزنطية وجنوة والبندقية. وسرعان ما انهار هذا التحالف عقب وفاة تيمورلنك([13]).

        وطبيعي أن يكون قد نتج عن تعرض منطقة آسيا الصغرى والأناضول لتلك المتغيرات أوضاع جديدة يمكننا أن نعتبرها أسباباً لتميز القرن الخامس عشر الميلادي عن سابقه. تمثلت تلك الأوضاع في الانهيار السريع الذي تعرضت له الإمبراطورية البيزنطية؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى ظهور الفوضى والانقسامات وما استتبع ذلك من نشوب حروب أهلية بين المتنازعين على الحكم من العثمانيين والقوى المحلية الأخرى، مما دفع بالبندقية إلى الدخول في مواجهات مباشرة مع السلطان العثماني محمد الأول الذي تولى الحكم في الفترة الممتدة بين عامي 1413 م و 1421 م؛ كما استطاع أن يبرم عدة اتفاقيات مع البندقية لحسم هذه الصدامات([14]). هذا، بينما اختلف الأمر مع جنوة التي رغبت في الاحتفاظ بسياستها التهادنية مع السلطان العثماني محمد الأول وإمبراطورية بيزنطة على السواء([15])، ولعل ذلك يعود إلى عدم استقرار الأوضاع الداخلية لجنوة ذاتها.

        وعندما تولى مراد الثاني حكم الدولة العثمانية في الفترة الممتدة بين عامي 1421 و 1451 م، لم تتوقف البندقية عن استخدام السياسة العدائية تجاه العثمانيين نظراً لتلاحق الانتصارات التي كان يحققها كل من محمد الأول ومراد الثاني على حساب الإمبراطورية البيزنطية والمراكز التجارية لجنوة والبندقية، حيث دخلت الأخيرة في حروب متواصلة استمرت خمسة أعوام (1425 ـ 1430 م) انتهت بإحراز مراد الثاني لنصر كبير على البندقية واستطاع بموجب هذا النصر الكبير إحكام سيطرته على سالونيك في عام 1430 م، الأمر الذي حمل البندقية على عقد الصلح مع العثمانيين وإبرام معاهدة غاليبولي في عام 1431 م([16]). ومع ذلك، لم تخف البندقية سياستها التقاربية مع يوحنا السادس إمبراطور الدولة البيزنطية الذي حكم في الفترة الممتدة بين عامي 1425 و 1448 م حيث دعا إلى ضرورة تقديم كل العون والتأييد والمساعدة من أجل قطع الطريق على مراد الثاني الذي حاول فرض الحصار على القسطنطينية، الأمر الذي دفع بابا روما أوجين الرابع لعقد مؤتمرات عديدة لهذا الغرض في الفترة ما بين 1437 و 1440 م. وقد ترتب على ذلك إرسال البندقية بثلاث سفن حربية كبيرة إلى القسطنطينية في عام 1438 م؛ وبعد ذلك التاريخ بستة أعوام أرسلت البندقية بعشر سفن حربية للدفاع عن القسطنطينية، كما قدمت جنوة العون للغرض نفسه([17]).

        سبق أن أشرنا إلى سياسة جنوة التهادنية مع العثمانيين والإمبراطور البيزنطي. ومما يجدر ذكره أنه على الرغم من دخول جنوة في تحالـف مع إمبراطـور بيزنطـة للدفاع عن القسطنطينية، بدا لنا بوضوح أن التقـارب الجنـوي العـثمـاني لم يكن إلا من قبيل الحصول على امتيازات تجارية أكثر بدافع من تحقيق نوع من التفوق على البندقية، حتى لو كان ذلك على حساب استخدام سياسة التقارب مع السلطان العثماني مراد الثاني. فعندما أغارت البندقية على أحد مراكز جنوة التجارية في عام 1430 م، بادرت جنوة بالكتابة إلى مراد الثاني لطلب العون والمساعدة لصد الهجوم البندقي([18])، انطلاقاً من استمرار جنوة في استخدام سياسة التقارب مع العثمانيين. وما أن تولى السلطان العثماني محمد الثاني الملقب بمحمد الفاتح حكم الإمبراطورية العثمانية في الفترة الممتدة بين عامي 1451 و1481 م، حتى قام بتحديد الاتفاقيات مع جنوة التي كانت مبرمة سلفاً مع والده مراد الثاني([19]).

        إلا أن علاقات العثمانيين في النصف الثاني من القرن الخامس عشر مع جنوة والبندقية وغيرهما من المدن الإيطالية قد اختلفت تماماً من حيث الكون والكيف على الفترة السابقة، وذلك على أثر تحقيق السلطان العثماني محمد الفاتح وابنه بايزيد الثاني لانتصارات حاسمة ترتب عليها اتساع دائرة نفوذ العثمانيين في آسيا الصغرى والبلقان. كما سيطر العثمانيون على المضايق المتحكمة في البحر الأسود وبحر إيجة والبحر الأدرياتي، حيث كان لسقوط القسطنطينية في يد محمد الفاتح أبلغ الأثر في تحقيق هذه الإنجازات. وعلى أثر سقوط القسطنطينية، أصبحت جنوة والبندقية وجهاً لوجه أمام السلطان العثماني محمد الثاني. وكان من الممكن أن تحتفظ جنوة والبندقية بمكانتهما التجارية في منطقة الشرق الأدنى لولا مساهمتهما الفعالة البرية والبحرية بقصد الدفاع عن القسطنطينية ضد أي هجوم عثماني؛ فعلى الرغم من الاتفاقيات المبرمة بين السلطان وجنوة، فإن الأول استطاع أن يكشف المخططات الجنوية التي استهدفت الوقوف جنباً إلى جنب مع اليونانيين ضد العثمانيين تحت جنح الظلام، على الرغم من تظاهر جنوة برغبتها في الاحتفاظ بعلاقات ودية مع السلطان محمد الثاني([20]). وعلى ذلك أخذ السلطان العثماني على عاتقه القضاء على جُل المراكز التجارية لجنوة على البحر الأسود وبحر إيجة منذ عام 1454 م ـ عقب سقوط القسطنطينية مباشرة ـ حتى 1475 م. وقد ساعده على ذلك تعرض جنوة لمنازعات وانقسامات داخلية نتيجة للصراع على الحكم، كما خضعت جنوة للسيطرة الفرنسية، ومن ثم دخلت جنوة ذاتها في حوزة دوق ميلانو؛ كل هذه العوامل مجتمعة جعلت من اليسير تصفية الوجود الجنوي في الشرق الأدنى([21]).

        أما البندقية، فقد كان لموقفها العدائي المعلن والصريح من السلطان العثماني محمد الثاني ـ خاصة عندما بذلت كل الجهود للحيلولة دون نجاح هذا الأخير في بسط هيمنته على القسطنطينية، حيث قاد ممثل البندقية بنفسه أعداداً كبيرة من البنادقة لتشكيل خط دفاع عن القلعة ضد العثمانيين([22]) ـ الأثر البالغ والفعال في تشكيل القاعدة التي انطلق منها السلطان لتحديد سياسته المستخدمة ضد البنادقة حتى وفاته في عام 1481م. فعلى الرغم من محاولات البندقية المتكررة للتعبير عن رغبتها في الاحتفاظ بعلاقات سليمة مع السلطان، حيث كانت تمتنع عن حضور الاجتماعات المتعلقة بتكوين حملة صليبية كبرى لطرد العثمانيين من القسطنطينية وغيرها والتي كان يدعو لعقدها باباوات روما أمثال نيقولا الخامس وبيوس الثاني بين عامي 1454 و1463 م. وفي بعض الأحيان كان يحضر سفراء البندقية تلك الاجتماعات قبيل نهايتها دون الاكتراث بما دار من مناقشات خلالها([23]). إلا أن ذلك ـ فيما يبدو ـ لم يسفر عن نتيجة تذكر فيما يتعلق بحجم التقارب بين العثمانيين والبنادقة في ذلك الوقت.

        ويظهر أن ثمة عوامل حالت دون التقارب البندقي العثماني، منها ما قد يتعلق باعتبار أن البندقية وجدت نفسها مضطرة إلى ملء الفراغ الذي تركه سقوط القسطنطينية ـ مقر الإمبراطور البيزنطي ـ في يد العثمانيين، وما استتبع ذلك من سقوط الممالك التابعة لآخر الأباطرة البيزنطيين، هذا الأمر الذي يتطلب جهوداً مضنية من أجل سد هذا الفراغ خاصة في شبه جزيرة المورة؛ كما أسرعت بعض المدن لوضع نفسها تحت السيطرة البندقية باعتبارها القوة الوحيدة التي يمكن أن تكفل لهم الحماية. وفي الوقت نفسه كانت تلك المناطق تعد أكثر ثراء بحكم استراتيجية موقعها خاصة من الناحية الاقتصادية، مما دفع البندقية دفعاً ـ دونما تريث ولا تفكير ـ إلى بسط سيطرتها عليها؛ بل أخذت في ضم الجزر المحيطة الواحدة تلو الأخرى مستغلة انشغال السلطان العثماني في حروبه في البلقان.

        بيد أن هذا التوسع البندقي أدى إلى اعتبار البندقية المنافس الوحيد للسلطان العثماني في تلك المنطقة. وعلى ذلك اضطرت البندقية للدخول في مواجهات حربية طويلة الأمد ضد السلطان العثماني، ولا سيما بعد نجاحه في مد نفوذه إلى البوسنة في عام 1463 م وما تمخض عن ذلك من نتائج تمثلت في تحكم السلطان العثماني في المضايق، الأمر الذي أقلق البندقية. وقد حملها ذلك على الاشتراك في التحالف المشترك بقيادة بابا روما "بيوس الثاني" ضد العثمانيين؛ إلا أن الحلف سرعان ما انهار بفشل الحملة الصليبية عندما توفي بابا روما في العام التالي وهو في طريقه إلى القسطنطينية، ومن ثم تراجع دوق البندقية عن استكمال سير الحملة([24]). وما أن فرغ السلطان من تأكيد سيطرته على البوسنة، حتى قام بإرسال أسطول قوي لوقف الزحف البندقي في المورة. وعندما علم بالتكتل الأوروبي ضده بقيادة ملك المجر، استخدم استراتيجية تدل على دهاء ذلك الرجل قضت بالإعلان عن رغبته في التفاوض مع البندقية. وفي الوقت ذاته استطاع أن يمنح لفلورنسا ـ إحدى المدن الإيطالية ـ امتيازات ذات قيمة عالية كي يضمن عدم اشتراكها في التكتل المذكور. وعلى أثر ذلك تفرغ لقتال ملك المجر، حيث تمكن من إحراز نصر حاسم عليه، ثم ما لبث أن فرض على البندقية شروطاً قاسية رفضها البنادقة ـ بطبيعة الحال ـ مما جعله يعلن أن المفاوضات سارت في طريق مسدود.

        وفي ضوء الانتصار الذي حققه محمد الثاني على ملك المجر، تفرغ لقتال البنادقة. وخاضت البندقية حروباً ضارية ضد السلطان لمدة ستة عشر عاماً من عام 1463 حتى عام 1479 م، استخدمت خلالها كل الوسائل التي تمكنها من تحقيق بعض المكاسب ولكن دون جدوى، بل على العكس خضعت في النهاية للسلطان العثماني وقبلت جميع الشروط التي فرضها مقابل عقد الصلح معه في عام 1479 م. ومن تلك الوسائل التي اتبعتها البندقية في حربها ضد السلطان تقديم العون والمساعدة لأعدائه من أمثال أوزون حسن (حسن الطويل) زعيم الآقيونولو بتبريز والذي وجدت فيه حليفاً قوياً يمكنها من تشتيت جهود السلطان؛ إلا أنه قد توفى في عام 1478 م([25]). كما قدمت العون والتأييد للمتمردين على السلطان من أمثال قره مان أوغلو إبراهيم بك، وكذلك قامت البندقية بأربع عشرة محاولة لاغتيال السلطان العثماني محمد الثاني، ولكن باءت جميعها بالفشل حتى عام 1479 م. ولكنها استطاعت أن تنجح في المحاولة الخامسة عشر بقصد اغتيال السلطان في مايو 1481 م على يد طبيبه الخاص اليهودي البندقي الذي اعتنق الإسلام وتسمى باسم يعقوب باشا الذي دس السم له أثناء حصاره للبندقية في إيطاليا بعد أن أعلنت له البندقية عن مكافأة قدرها ما يوازي 17 مليون دولار حالياً؛ إلا أنه لم يتمكن من تسلمها بعدما قبض عليه الجنود العثمانيون وقاموا بإعدامه([26]).

        وحريٌّ بنا أن نشير إلى حرص بعض المؤرخين ـ خاصة الأجانب منهم ـ على إلصاق التهم وتوجيه اللوم المصحوب بالنقد لسياسة السلطان العثماني محمد الثاني، ولا سيما مع الرعايا البنادقة، حيث ذكر البعض روايات متعددة عن شدة قسوته في التعامل مع الأسرى بأنه كان يقذف بهم من أعلى البرج؛ كما ذكر البعض أنه أمر بسجن جميع الرعايا البنادقة المقيمين داخل حدود مملكته لصالح الفلورنسيين. وعليه، فإنهم يرجعون قلة البنادقة الموجودين بالإمبراطورية العثمانية إلى قسوة الوسائل المستخدمة إزاءهم؛ بينما تفيد بعض الروايات أنه انطلاقاً من طول فترة الحروب والصدامات بين البنادقة والعثمانيين، ونتيجة لكثرة ما تكبدته البندقية من خسائر، قامت بإصدار الأوامر إلى مواطنيها بعدم الذهاب إلى القسطنطينية وبرجوع المواطنين المقيمين داخل حدود الإمبراطورية العثمانية فوراً إلى الوطن الأم. ويمكننا الاستدلال بذلك على تعمد بعض المؤرخين النَّيْلَ من شخص السلطان العثماني محمد الثاني، خصوصاً فيما يتعلق بسياسته مع الأجانب وغير المسلمين. ومما يؤكد زيف ما ذهب إليه هؤلاء المؤرخون طبيعة ما كانت عليه علاقات السلطان العثماني بفلورنسا وأنقونا، حيث منحهما امتيازات تجارية كبيرة جعلت فلورنسا ترفض الاستجابة لنداء بابا روما من أجل الاشتراك في التحالف المنعقد ضد العثمانيين؛ كما ذهب بعض المؤرخين إلى ما هو أبعد من ذلك حيث تناولوا سياسة السلطان محمد الثاني بالذم والقدح. فقد ذكر البعض أن السبب المباشر في وقف المفاوضات بين السلطان والبنادقة بعد انتصاره على التكتل الأوروبي بقيادة ملك المجر إلى جانب دوق فلورنسا الذي حاول بث الكراهية والوقيعة لإيغار صدر السلطان على البنادقة([27]). إلا أننا نميل إلى ترجيح رواية أخرى مفادها أن السلطان لم يدخل في مفاوضات مع البندقية إلا من قبيل التفرغ لمحاربة ملك المجر([28]). وما أن انتهى من قتاله، حتى فرض شروطاً قاسية بقصد حمل البندقية على رفضها.

        وعندما تولى السلطان العثماني بايزيد الثاني الحكم في الفترة الممتدة بين 1481 و 1512 م، شهدت هذه السنوات تغيراً ملحوظاً في حجم ونوعية علاقات الدولة العثمانية الخارجية، خاصة علاقاتها مع بعض المدن الإيطالية وعلى رأسها البندقية وفلورنسا. ومن ذلك ما حدث في 16 يناير 1482 م، عندما أضاف السلطان العثماني بعض الملاحق إلى المعاهدة المبرمة بين والده محمد الثاني والبندقية، حيث قام بإدخال تعديلات جوهرية على بنودها: ففيما يتعلق بمائة وخمسين ألف من الدوكات (عملة بندقية) التي تعهد البنادقة بدفعها على ثلاثة أقساط، أمر السلطان العثماني بايزيد الثاني بإلغاء هذا البند؛ كما خفض الرسوم الجمركية على البضائع التابعة لرعايا البندقية من 5 % إلى 4 %؛ كما قام بخفض الجزية السنوية التي تعهد البنادقة بدفعها وقدرها عشرة آلاف من الدوكات؛ ثم أمر بعودة الممثل البندقي إلى القسطنطينية للفصل في القضايا المتعلقة بالبنادقة المقيمين بإستانبول([29])؛ كذلك عمل السلطان على تأكيد حسن العلاقات بين العثمانيين وفلورنسا مثلما كانت عليه طبيعة تلك العلاقة خلال فترة حكم والده([30]). إلا أن ثمة رواية تفيد بدور دوقية ميلانو في العمل على تدهور علاقة السلطان بايزيد الثاني بالبندقية، الأمر الذي جعله يعلن الحرب عليها في عام 1499 م. وبعد إحراز عدة انتصارات، تمَّ الصلح مع البندقية في عام 1503 م([31]). ونرى أنه من الراجح أن بايزيد الثاني كان قد استخدم سياسة السلم والمهادنة مع الإيطاليين حتى يفوت الفرصة على أخيه "جيم" المقيم لديهم تفادياً لعدم تقديم العون والمساعدة له للاستيلاء على الحكم من أخيه السلطان بايزيد الثاني([32])، إلا أن لدينا تبريراً آخر مفاده أن "جيم" توفي في عام 1495 م؛ كذلك كانت إيطاليا تعاني ـ في تلك الفترة ـ من محاولات فرنسا لغزوها، كما أن هناك بعض الروايات التي تفيد بتقديم السلطان بايزيد الثاني العون والمساعدة المادية لبعض الحكام الإيطاليين([33]).

        مما سبق تبين أن علاقات العثمانيين ببعض المدن الإيطالية، ولا سيما جنوة والبندقية، اتسمت بكونها غير مستقرة نتيجة للأحداث الجسام التي تخللت القرن الخامس عشر الميلادي، حيث تم القضاء على الإمبراطورية البيزنطية عقب سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين سنة 1453 م؛ كما تم القضاء على جميع مراكز جنوة التجارية الكائنة على البحر الأسود وفي البلقان؛ وكذلك خاضت  البندقية غمار الحرب مع العثمانيين لفترات طويلة استمرت أكثر من نصـف قرن تقريباً تكبدت خلالها خسائر كبيرة على كل الأصعدة، مما جعلها ـ في الأخير ـ تبدي موافقتها على جميع شروط الصلح التي فرضها السلطان محمد الفاتح في عام 1479 م. غير أن هذه الأوضاع سرعان ما تغيرت وتبدلت باعتلاء السلطان العثماني بايزيد الثاني عرش السلطنة سنة 1481 م، حيث شهدت علاقاته مع البندقية تطوراً ملحوظاً اعتبرناه أساساً قوياً ومتيناً استندت إليه طبيعة علاقات البندقية مع العثمانيين بعد ذلك على الرغم من بعض الأحداث التي أدت إلى تدهور هذه العلاقة في فترات قليلة من القرن السادس عشر الميلادي. ومما دفعنا إلى تبيُّن ذلك الرأي أنه بمجرد تولي السلطان سليم الأول الحكم، قام بتجديد المعاهدات مع البندقية؛ كما استجاب لطلبها الذي تمثل في تقديم العون والمساعدة لها ضد الإمبراطور مكسيمليان([34]). وعندما نجح في مد نفوذه إلى الشام ومصر (1516 ـ 1517 م)، طلبت البندقية من قنصلها التفاوض معه حول تجديد المعاهدات التي كانت مبرمة بينها وبين المماليك. وقد اختلفت الروايات حول تاريخ عقد هذه المعاهدات التي وافق السلطان العثماني سليم الأول على تجديدها. فمنهم من يرى أن المعاهدة تم عقدها في فبراير 1517 م([35])، ومنهم من يذهب إلى أن إبرام المعاهدة كان في سبتمبر 1517 م. وقد سار خلفه على النهج نفسه، حيث تم تجديد هذه المعاهدات مع البندقية منذ أوائل حكم السلطان العثماني سليمان القانوني الذي تولى الحكم في الفترة الممتدة بين عامي 1520 و 1566 م. وكان تجديد هذه المعاهدة في عام 1521 م([36])؛ كما تم الاتفاق على إبرام معاهدة أخرى في عام 1528([37])؛ كما أعلنت البندقية للسلطان سليم الأول عن رغبتها في دفع 8000 ليرة ذهبية إلى العثمانيين جزية سنوية عن جزيرة قبرص التي كانت تدفعها للمماليك في السابق([38]).

 

II  ـ  دور بعض المدن الإيطالية في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط خلال القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي

 

        بعد إلقاء الضوء على علاقات العثمانيين مع بعض المدن الإيطالية مثل جنوة والبندقية وغيرهما منذ القرن الرابع عشر حتى النصف الأول من القرن السادس عشر تقريباً، يجدر بنا أن نميط اللثام عن دور هذه المدن الإيطالية في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط أثناء القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، على اعتبار ما له من أهمية كبيرة في احتدام ذلك الصراع تارة وفي هبوط حدته تارة أخرى. ولكي يمكن تفهم هذا الدور بوضوح، كان من الضروري معالجة أهم الدوافع التي ساهمت في حتمية انتقال مسرح الأحداث من الشرق الأدنى إلى البحر المتوسط بشقيه الشرقي والغربي. وتتمثل أبرز تلك الدوافع في الآثار التي نجمت عن سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين وما ترتب على ذلك من تقلص الوجود الجنوي والبندقي([39]): فقد عادت البندقية إلى تقوية علاقاتها القديمة مع المماليك؛ كما حاولت جنوة تنشيط تجارتها والعمل على تثبيت أقدامها في المناطق الواقعة غرب البحر المتوسط منتهزة في ذلك السماح الذي أبداه لها باباوات روما بالاتجار مع المسلمين شريطة أن لا تشتمل السلع المتبادلة على الأسلحة؛ تعويضاً لهما عما فقدتاه على يد العثمانيين([40]).

        أما عن ظهور الدور البندقي والجنوي في الحوض الغربي للبحر المتوسط، فقد كانت ثمة عوامل ساعدت على إبرازه، منها ما تعلق بتعرض علاقات البندقية مع المماليك لفترات من التوتر مثلما حدث في عهد السلطان المملوكي إينال، عندما قام بتضييق الخناق على التجار الأجانب بمن فيهم البنادقة، وذلك عقب سقوط القسطنطينية مباشرة خشية من تزايد أعدادهم؛ كما بلغ حد التدهور بينهما منذ عام 1511 م عندما تم القبض على اثنين من البنادقة، كانا يحملان في جعبتهما خطابين من الشاه الصفوي: أولهما إلى قنصل البندقية في الشام، والثاني إلى قنصلها بالإسكندرية. حينها تأكد السلطان الغوري من وجود اتصالات بين البندقية والصفويين الذين كانت علاقاتهم بالمماليك قد اتسمت بالتوتر، وكان رد فعل السلطان الغوري على ذلك عنيفاً تمثل في التضييق على البنادقة بعد الزج بالرجلين في السجن([41])؛ أيضاً كان اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح على يد البرتغاليين في عام 1497 م من أكبر العوامل التي أدت إلى الاعتماد على البحر المتوسط شرياناً حيوياً للتجارة بعدما انصرفت الأنظار عن البحر الأحمر نتيجة من نتائج تحول التجارة إلى طريق رأس الرجاء الصالح([42]).

        ومهما يكن من أمر، نجح البنادقة في كسب ثقة العثمانيين والأوربيين على السواء، حيث رأى العثمانيون أنه من الضروري المحافظة على التعايش السلمي مع البنادقة كي يمكنهم مواجهة الخطر الشيعي الذي شكل تهديداً مباشراً لممتلكاتهم([43])؛ كما رأى الأوروبيون أنه لا غنى عن البنادقة على اعتبار ما لهم من خبرات واسعة في ارتياد البحار وقدرتهم على ممارسة دور الوساطة التجارية ببراعة عن طريق نقل السلع الشرقية من الإسكندرية إلى شمال غرب أوربا (إنجلترا والبلاد المنخفضة) منتهزين في ذلك قـدم علاقاتهـم بالمغرب العربي مما أدى إلى قلة تعرض مجاهدي البحر لسفنهم. وإمعاناً من البنادقة في تجنب هجوم مجاهدي البحر على سفنهم، كانوا يؤجرون سفنهم لبعض التجار العرب كي يضمنوا سلامة بضائعهم والمحافظة على مكاسبهم. وقد أثار نجاح البنادقة حفيظة بعض البلاد الأوروبية الذين رأوا في البندقية منافساً كبيراً لهم، الأمر الذي حملهم على ممارسة هذه البلاد للقرصنة ضد السفن التابعة للبندقية([44]). ونتيجة لاستخدام البندقية لتلك السياسة، تبنى بعض المؤرخين عدة أراء تبين منها مدى تحاملهم على البندقية: فالبعض وصف سياستها بـ "اللعب على الحبلين"، والبعض ذكر أن البندقية في حاجة للعثمانيين وليس للعثمانيين حاجة إليها([45]).

        ويمكننا الرد على ذلك التحامل الذي أبداه هؤلاء المؤرخون من خلال ذكر النص الكامل للبنود الاثنين والثلاثين التي تضمنتها معاهدة العثمانيين مع البنادقة عقب دخول السلطان سليم الأول مصر والتي أبرمها معهم في فبراير 1517 م، حيث نصت المادة الأولى على أن رعايا جمهورية البندقية يقابلون من الجميع بترحاب وعدالة وسلوك اجتماعي ممتاز. ولا يجوز لأحد أن يوجه لهم إهانة أو يظهر استعلاء عليهم في جميع الموانئ المصرية. ومن حقهم البيع والشراء، والأخذ والعطاء. ولا تجوز مساءلتهم عن خطإ ارتكبه غيرهم من رعايا الدول الأخرى في المدن المصرية أو شخص آخر من البنادقة. ويجب إعلان هذا المبدإ القانوني بين جميع القضاة وأعضاء الهيئات المسؤولة. كما يجب معاملتهم طبقاً للأصول والتقاليد والعادات المتبعة دون أي تعديل. ونصت المادة الثانية على تجنب إلحاق أي ضرر أو أذى أو مضايقة للبنادقة أو الاستيلاء بالقوة على ممتلكاتهم أو متاجرهم أو سفنهم أو ما تحويه مخازنهم؛ ولا يحق لأيِّ فرد أن يجبرهم على البيع إذا لم يوافقوا على هذا البيع؛ كما لا يجبرون على دفع عوائد غير عادية وتعسفية([46]). بينما أشارت المادة الثالثة إلى أنه بإمكان قنصل البندقية أن يبيع ويشتري بالنقد بلا حدود. وحددت المادة الرابعـة أن القنصـل يحصل على مرتبه مجمداً كل أربعة أشهر. وأشارت المادة الخامسة إلى أن القنصل دون سواه هو الذي يباشر الشؤون القانونية والقضائية لمواطنيه ويبت في الأمور لصالحهم. أما من يرفض الانصياع لحكم القنصل ويلجأ إلى القضاء الوطني الإسلامي ينقض قانوناً أو حكماً أصدره القنصل، فلا يستمع له ولا يحق للقاضي استقباله أو نظر شكواه، وعليه أن يعيده إلى قنصله؛ وإذا رغب القنصل في طرد أحد البنادقة، فعلى القاضي أن يعينه في ذلك. كما منح القنصل حق إبداء الرأي في سفر الأفراد على سفن بلاده، ولا يحق لأي فرد كان أن يغادر الإسكندرية على ظهر إحدى سفن البندقية ليعود إلى وطنه أو يبارحها لأي قطر شاء إلا بعد الحصول على تأشيرة خروج من القنصل نفسه. وحددت المادة السادسة من المعاهدة الإجراءات المسموح باتخاذها إزاء سفن البنادقة عند وصولها إلى الإسكندرية، فأشارت إلى أنه إذا وصلت أي سفينة من البندقية إلى الإسكندرية أو باسم البنادقة، فلا يحق لأي موظف أن يرتقيها ويحصل منها على ما يريد من معلومات أو بيانات، ولا أن يحتك بأي فرد من أفرادها؛ ويسمح لهم بصعود السفينة في حالة الشراء فقط، ويدخل ضمن السلع المشتراة التي تحملها السفن "العسل والفاكهة". وحرمت المادة السابعة على أي فرد، سواء كان حاكم الإسكندرية أو أحد أعيانها أو تجارها أو أي فرد من أفراد الشعب أو قبطانها على سفن الميناء، أن يستولوا على أي سفينة للبنادقة تصل للميناء، أو على حمولتها أو قلوعها أو مجاديفها لأي سبب سواء كان قرضاً أو شراء. وأشارت المادة الثامنة إلى أنه يصير تنفيذ كل التجديدات أو المباني اللازمة أو الأعمال الضرورية في فندق البنادقة. وإذا رغب القنصل في بناء مبنى جميل خاص به، فله ما يشاء، وممنوع منعاً باتاً التعرض له أو رفع أجور العمال أو أسعار المواد اللازمة للبناء، وممنوع على أي فرد مضايقتهم أو التعرض لهم إذا رغبوا في استخدام صناع من البندقية أو من الأجانب دون الوطنيين. ونصت المادة التاسعة على أنه إذا رغب قنصل البندقية في مقابلة أي فرد من الحكومة في دواوينهم وامتطى صهوة جواده أو رغب في الخروج إلى الحدائق العامة أو أي مكان في أطراف الإسكندرية، فله أن يفعل ما يشاء وليس لأي فرد أن يعترضه. وقد أشارت المادة العاشرة إلى أن السلع الخاصة بالبنادقة والتي تتعرض للغرق يصير إنقاذها وترد لأصحابها. أما السلع التي تقذفها الأمواج إلى الشاطئ نتيجة الغرق لإحدى السفن، فهي ترد لأصحابها إن عرفوا أو أثبتوا شخصياتهم وملكياتهم لهذه السلع، أو ترد لقنصل البندقية. أما السفن التي تصل للشاطئ سليمة بعد إنقاذها، فيجب صيانتها. وجاء في المادة الحادية عشر أن سفن البنادقة التي تلجأ لميناء الإسكندرية لسوء الأحوال الجوية ولا ترغب في تفريغ حمولتها لها أن تتم رحلتها إذا لم يكن على متنها سلع للإسكندرية. وإذا كان عليها سلع خاصة بالإسكندرية، فلا يحق لها أن تفرغها في أي ميناء إلا في الإسكندرية نفسها. وإذا كانت هذه السفن تحمل سلعاً لم ينص عليها في المعاهدات ولا يتاجر فيها إلا في الإسكندرية، منعت من التعامل أو الملاحة بمحاذاة سواحل مصر. أما العلاقات السياسية، فقد أوردت المادة الثانية عشرة من المعاهدة المعقودة بين البندقية والسلطان سليم عام 1517 م أنه إذا حدث أي حادث لأحد رعايا السلطان من البندقية أو الجزر التي تقع تحت سيطرتها، لم يسأل القنصل عن هذا، ولم يتحمل النتائج المترتبة على الحادث. أما من يكون مديناً لأحد رعايا السلطان، فإنه يحجز حتى يوفي الدين ويسري ذلك على الضامن. ويجب أن يكون جميع رعايا السلطان في أمان تام في موانئ البندقية والبلاد الخاضعة لها. كما أعفت المادة الثالثة عشرة القنصل البندقي من دفع ضريبة الإيراد أو ضرائب أخرى ما عدا في حالات صدور أوامر خاصة بذلك من السلطان أو من القضاء. واشترطت المادة الرابعة عشرة أنه إذا أصر القراصنة على أسر سفن للبنادقة ثم جاءوا لبيعها في موانئ السلطان، فمحظور على أي فرد شراؤها أو التعامل مع القراصنة ويجب تحرير السفينة وما عليها من متاجر وردها للتجار. ونصت المادة الخامسة عشرة من المعاهدة أنه إذا حدث خلاف بين عربي وأجنبي سواء كان من البندقية أو من غيرها أو قنصل أو تاجر أو أي مواطن عادي أو عضو في وكالتهم، لم يحق لأي فرد إهانته أو إلحاق الضرر به. واشترطت المادة السادسة عشرة أن كلاًّ من هذه المنح والشروط والامتيازات الممنوحة للبنادقة تسجل في سجل خاص ويتعرف عليها كل مسؤول بالولاية وكل من له علاقة بالأجانب أو بالحكم في مصر. وبموجب المادة السابعة عشرة، يكون لقنصل البندقية السلطة التامة إذا رغب في أن يقيم نائباً عنه "قنصلاً بالنيابة" أو نائب قنصل في البرلس وله أن يفعل ذلك كلما شاء دون استئذان السلطان. وقد قررت المادة الثامنة عشرة أن قنصل البنادقة قد عرض أنه حسب المعتاد آنذاك كانت تصل بعض السفن من كريت أو أقطار تابعة للبندقية تجلب كميات من الزيت اللازم للسفن وكان المعتاد بيعها على ظهر السفن، ولكن سلطات الإسكندرية كانت ترفض هذا البيع لكي تبيع ما لديها في مستودعاتـها. هذا الأمر ـ كما أشارت تلك المادة ـ كان ينبغي أن يتدارك؛ فسفن البندقية كانت تستطيع منذ عقد المعاهدة فصاعدا بيع هذا الزيت دون إنزاله للساحل ولا يعترضها أي فرد. وفي حالة وصول هذه السفن إلى بولاق، تتبع القواعد المرسومة في هذا الميناء. وقد أشار قنصل البندقية ـ في المادة التاسعة عشرة ـ إلى العبيد والفقراء  الأجانب الذين يعيشون في الإسكندرية واعتادوا الورود إلى فندق البنادقة لكي يأكلوا. وكان إذا مات أحد العبيد بالفندق، طولب القنصل بدفع ثمنه، وكان الثمن يفرض مرتفعاً. وقد اشترطت هذه المادة أن يمنع هذا منذ ذلك الحين. كذلك حظرت المادة العشرون على موظفي الجمرك والحمالين والكشافين مضايقة البنادقة في حالة إعادة تسليمهم الفواكه أو سلع أخرى تحملها سفنهم([47]). وفيما يتعلق برسوم  الحمالين والكشافين وأجورهم، فقد نصت المادة الحادية والعشرون على أن يدفع دينار واحد من كل سلة توابل مملوءة ويحملها الكشاف البحري ويحصل الحمال على دينار واحد عن كل سلة يحملها. وقررت المادة الثانية والعشرون إنقاص وتخفيض الضرائب التي تدفع عمن يموت من الأجانب في بلاد السلطان. كما قررت المادة الثالثة والعشرون أن الإفرنجي الذي يرد القاهرة من الإسكندرية أو رشيد أو دمياط لا تحصل منه ضرائب لا في حله ولا في ترحاله. واختصت المادة الرابعة والعشرون من المعاهدة المعقودة بين السلطان سليم الأول والبندقية عام 1517 م بالإشارة إلى أن السماسرة الذين يعملون لدى الوسطاء التجاريين لهم حق استخدام تراجمة، ولا يمنع عنهم معاونة التراجمة الرسميين لقاء رسوم معينة. كما قررت المادة الخامسة والعشرون أنه في حالة نقل البضائع المستوردة أو المصدرة من الجمرك للسفن وبالعكس لا يطلب القنصل ولا التاجر بشيء ما كما لا يحق منع التجار من توزيع الفواكه المحفوظة والمسكرة والطازجة على المسافرين وبيعها لهم. هذا، بينما حددت المادة السادسة والعشرون أنه لا يجوز إطلاقاً مضايقة القنصل أو التجار أثناء تجوالهم وتنزههم في حدائق الإسكندرية وعلى ضفاف القناة أو في أي مكان آخر. وأكدت المادة السابعة والعشرون حق التجار البنادقة في شحن سلعهم وتوزيعها وتفريغها في قواربهم وسفنهم الخاصة، كما أكدت المادة الثامنة والعشرون أن للبنادقة حق شحن سلعهم وتفريغها وتوزيعها في قواربهم وسفنهم الخاصة. وسوغت المادة التاسعة والعشرون للكشافين القيام بعملهم في حالات الشحن والتفريغ والذي يكون بموافقة البنادقة ومرافقتهم، وما يفسده أو يستهلكه الحمالون يجب أن يعوض عنه البنادقة. واشترطت المادة الثلاثون أن لا يتصدى أي فرد للقنصل أو لتجار البنادقة إلا عن طريق القضاء وأمام المحاكم، ويراعى ألاّ يؤخذ الابن بجريرة الأب، ولا الأب بجريرة الابن، إلا إذا كان أحدهما جنى من الآخر شخصـياً أو ماليـاً. أما الديـون، فتكون استعادتها حسب الشريعة. كما اشترطت المادة الحادية والثلاثون، أن جميع التجار ومرافقوهم الذين يصلون إلى موانئ مصر يعاملون بكل احترام واعتبار من الجميع. وفي خاتمة المعاهدة نصت المادة الثانية والثلاثون على أن قنصل البندقية في الإسكندرية قدم مذكرة قرر فيها أن البنادقة كانوا يتمتعون أيام دولة المماليك الشراكسة بالإعفاء من ضريبة البهار، ولكن حدث أن فرضت حكومة السلطان قنصوه الغوري رسوماً جديدة بلغت خمسة آلاف دينار سنوياً، ويطالب القنصل بإعادة تقرير هذا الإعفاء الضريبي وتقرر الاستجابة لهذا الطلب([48]).

        يتضح من مواد هذه المعاهدة مدى الاستفادة التي عادت على البندقية. فبمقارنة ما عاد عليها من فوائد عظيمة القيمة مع حقيقة ما كان عليه وضع البندقية في أوروبا، يتبين أن هناك بوناً شاسعاً؛ حيث أنه على الرغم من الدور الهام الذي لعبته البندقية في أوروبا والذي تمثل في إنشاء وكالات تجارية على طول الطريق حتى شمال غرب أوربا، فقد اتضح لنا بجلاء مدى ما تكبدته البندقية من معاناة تمثلت في تعرض سفنها التجارية لهجمات القراصنة من البرتغاليين الإسبان ـ كما سبقت الإشارة إلى ذلك سلفاً. وقد عُد ذلك أكبر مبرر للبندقية لتدعيم علاقاتها بالعثمانيين. ويمكننا إماطة اللثام عن الدور الحقيقي للبندقية في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط عندما شرع السلطان العثماني سليمان القانوني في توجيه ضربات قوية إلى السواحل الإيطالية الخاضعة للملك الإسباني شارل الخامس. ففي عام 1533 م استدعى الصدر الأعظم سفير البندقية في استانبول وطلب منه الكتابة إلى السلطان العثماني: »اكتب لسيدك عن تحركات السمك في قاع البحر وكيفية تجهيز ملك إسبانيا لسفنه في السواحل الإيطالية«. يتبين لنا من ذلك النص قدر التعاون الذي كان قائماً بين البندقية والعثمانيين مقابل إطلاق يد البنادقة في ممارسة التجارة داخل الأراضي التابعة للسلطان بحرية كاملة([49]).

        أما عن سياسة البندقية المزدوجة ـ وفقاً لما ذكره بعـض المؤرخين ـ، فإننا لا نتفق مع ذلك الرأي. وقد استندنا في ذلك على تلك العداوة بين إسبانيا والبرتغال من جهة، والبندقية من جهة أخرى باعتبار أنهما كانتا تنظران لها على أنها منافس قوي يجب الخلاص منه. وكذلك كانت جنوة تسهم بنصيب كبير في تدعيم تلك السياسة. وكانت جنوة تعد منافساً رئيـسـاً للبندقية منذ قرون عديدة مضت. ولعل الذي دفع بعض المؤرخين للقول باستخدام البندقية لسياسة مزدوجة في الصراع العثماني الإسباني يرجع في منشئه إلى انضمام البندقية في الحلف المبرم ضد العثمانيين بين عامي 1570 م و 1573 م. وكان هذا الحلف يضم عدداً كبيراً من البلاد الأوروبية بقيادة بابا روما؛ إلا أنه يمكننا تفنيد ذلك الرأي. فمن الأرجح أن انضمام البندقية للتحالف المبرم ضد العثمانيين كان يعود إلى وجود بعض المحاولات الجادة والناجحة من قبل العثمانيين لمد نفوذهم على الجزر الكائنة بشرق البحر المتوسط، حيث قام العثمانيون بمهاجمة مالطة في 1565 م، ومن ثم قامت بمهاجمة قبرص في عام 1570 م([50]).

        وعلى الرغم من هزيمة العثمانيين في موقعة لبانتو عام 1571 م على يد التحالف الأوروبي، فإن البندقية لم ترغب في الزج بنفسها في حرب طويلة مع العثمانيين؛ وعليه فقد انسحبت البندقية من الحلف المذكور في 1573 م. وقد أدى تفكك الحلف الأوروبي إلى نجاح العثمانيين في مد نفوذهم إلى تونس عام 1574 م([51]). كما اعترفت البندقية بتبعية قبرص للعثمانيين ودفع مبلغ 300 ألف دوقة تعويضاً للعثمانيين، فضلاً عن تعهد البندقية بدفع جزية سنوية لهم مقابل امتلاكها لبعض الجزر في البحر المتوسط. واستمر التعاون البندقي العثماني لفترة طويلة لا يشوبه أي توتر إلا في القرن السابع عشر([52]).

        بعد هذه المعالجة لدور البندقية في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط، يجدر بنا أن نشير إلى دور جنوة في احتدام ذلك الصراع، حيث أن الأمر كان يختلف تماماً عن دور البندقية. فقد أحجمت جنوة عن تدعيم علاقاتها مع المماليك، ومن ثم أخذت تبذل جهوداً لتدعيم علاقاتها مع العثمانيين. ولكن كان لنجاح السلطان العثماني محمد الثاني في القضاء على مراكزها التجارية بالشرق الأدنى أكبر الأثر على مكانتها التجارية. ولم تجد جنوة أي مبرر للعمل على عودة علاقاتها مع المماليك. وأبرز أسباب ذلك يعود إلى نجاح البنادقة في تقوية علاقاتهم مع المماليك، وأن أية محاولة كانت تستهدف دخولهما في علاقات قوية مع المماليك كان من شأنها أن يعرض جنوة لمواجهات مباشرة مع البندقية، خاصة وأن جنوة لم يكن في مقدورها أن تصمد أمام البندقية نظراً لتفشي الفوضى نتيجة للانقسامات والمنازعات الداخلية، مما عرضها لسيطرة إحدى المدن الإيطالية عليها ـ وهي ميلانو ـ لفترة طويلة([53]).

        يضاف إلى تلك الأسباب مدى ما كانت تتمتع به جنوة من حظوة كبيرة ومكانة متميزة في الحوض الغربي للبحر المتوسط منذ العصور الوسطى، حيث كانت تربطها مع بلاد المغرب العربي معاهدات واتفاقيات مكنتها من ممارسة التجارة البحرية([54]). الأمر الذي جعلها تقوم بإنشاء مراكز تجارية لها على طول الساحل الغربي، ولاسيما في بلاد المغرب الأقصى. وعندما تطلع البرتغاليون إلى السيطرة على الطرق التجارية تمهيداً لاحتكارها، كان عليها أن تصطدم مباشرة بالجنويين. وما من شك في أنه بعد استيلاء البرتغال على سبتة المغربية 1415 م نجحت في زعزعة الاستقرار الجنوي في تلك المنطقة، حيث كان التجار الجنويون يتنقلون بين طنجة وأصيلة والعرائش بحرية كاملة. كما كان ميناء قادش الإسباني هو خير مستقبل للسفن الجنوية المحملة بالسلع المغربية. وقد بلغ الأمر حداً جعل البرتغاليين يلجأون إلى استخدام القوة للقضاء على مكانة جنوة التجارية في تلك المنطقة، حيث قاموا بتوجيه حملات عسكرية على مراكز جنوة التجارية. ففي عام 1514 م هاجم البرتغاليون السفن الجنوية في ميناء حاحة (جنوب المغرب)، وقاموا بالاستيلاء على بعضها. وفي عام 1517 م وجه البرتغاليون حملتين عسكريتين على الميناء نفسه، الأمر الذي حمل الجنويين على ضرورة إخلاء تلك المراكز التجارية([55])، وذلك بعد أن لجأ بعض الجنويين إلى ملك البرتغال لإقناعه بالتوقف عن ملاحقة البرتغاليين لهم([56]).

        ونتيجة لتلك الأسباب مجتمعة، رأى الجنويون أنفسهم مضطرين إلى الارتماء في أحضان إسبانيا بقصد الحماية وإتاحة الفرص أمامهم لممارسة التجارة، مستغلين في ذلك الفراغ الكبير الذي تركه مسلمو الأندلس عقب طردهم من إسبانيا منذ عام 1492 م حتى عام 1609 م، حيث كانوا يمارسون حرفة تربية الأغنام والماشية. وكان ذلك يعد مصدراً أساسياً لإنتاج الصوف الذي كان إحدى ركائز الاقتصاد الإسباني([57]). وعلى ذلك، يمكن القول إن الظروف كانت ممهدة لاستيعاب الإسبان للتجار الجنويين، فضلاً عن استمرار إسبانيا في مخططها التوسعي الذي هدفت من خلاله إلى بسط سيطرتها على بلاد المغرب العربي باعتبار أن ذلك يعد امتداداً لحرب الاسترداد التي تبنتها إسبانيا منذ فترة طويلة. ومن أهم هذه الأسباب التي حملت إسبانيا على قبول التجار الجنويين واستيعابهم، الاحتياج الشديد لامتلاك أساطيل بحرية تمكنها من تحقيق هيمنتهـا، وكانت جنوة تمتلك أساطيل بحرية قوية ساهمت ـ بقدر كبير ـ في إثراء حركة الكشوف الجغرافية، فضلاً عن اعتبارها أمة بحرية لها ماض وتاريخ.

        وبالفعل، لم يجد الإسبان بداً من استيعاب التجار الجنويين والسماح لهم باستخدام موانئهم عوضاً لهم عما فقدوه على يد البرتغال، نظراً لأن حاجتهم إلى الجنويين كانت ملحة وضرورية، ولا سيما أن ما حققه الإسبان من كشوف جغرافية في العالم الجديد فتح مجالات عديدة كان لابد من توفير كل الفرص المتاحة لشغلها. وعلى اعتبار تبني الجنويين لجل هذه العمليات، كان لهم الأولوية والسبق في القيام بنشاط تجاري كبير للربط بين إسبانيا والعالم الجديد. ولا ريب في أن الجنويين تمكنوا من تحقيق أرباح طائلة نتيجة احتكارهم للتجارة، خاصة تجارة الذهب، حتى أن البرلمان الإسباني في 1528 م أبدى اعتراضه على الدور الجنوي الاحتكاري لتجارة الذهب لأن إسبانيا كان لا يعود عليها إلا القليل من الربح([58]). ومن الراجح لدينا أن الجنويين انتهزوا فرصة استمرار إسبانيا في مخططها التوسعي، مما جعلنا نتبنى رأياً مفاده أنهم لم يألوا جهداً في تشجيع الإسبان على الاستمرار في صراعهم ضد العثمانيين في الحوض الغربي للبحر المتوسط، وذلك بتقديم كل العون والمساعدة كي يضمنوا لأنفسهم الاستمرار في تحقيق المكاسب الكبيرة التي كانت تعود عليهم من جراء ممارسة التجارة، خاصة تجارة الذهب.

        ومن الراجح أن الملك الإسباني شارل الخامس لم يعبأ بمطالب البرلمان، حيث أنه كان من غير الممكن اتخاذ أي موقف عدائي من الجنويين، لتحمله مسؤولية الاستمرار في الصراع ضد العثمانيين باعتباره إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة دون الاكتراث بمدى ما يتكبده من خسائر فادحة على الصعيدين الداخلي والخارجي. ومما زاد في أهمية اعتماد الملك الإسباني على جنوة، أن مسرح الأحداث الذي كان يدور عليه الصراع ضد العثمانيين وكان يقتضي ضرورة امتلاكه لأسطول ضخم كان الجنويّون يشكلون العمود الفقري لبناء هذا الأسطول، إذ أمدوه بالفنيين المهرة في صناعة السفن وأصحاب الخبرة في هذا المجال، مما ساعده على إنشاء عدد كبير من السفن الحربية الكبيرة([59]).

        وبمقارنة دور جنوة في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط خلال القرن السادس عشر الميلادي بالدور الذي لعبته البندقية في الصراع نفسه، يلاحظ بوضوح تميز الدور الجنوي عن الدور البندقي من حيث المساهمات الفعلية التي قدمها الجنويون لصالح الإسبان والتي كانت ذات تأثير فعال في حسم الصراع لصالح إسبانيا في بعض الأحيان، بينما لا تدلنا أي من الروايات على وجود أية مساهمات عملية قدمتها البندقية للعثمانيين ضد إسبانيا. ويجدر بنا قبل إبراز مساهمات الجنويين التي قدموها لصالح إسبانيا، أن نعطي لمحة سريعة وموجزة عن مراحل الصراع العثماني الإسباني للحوض الغربي للبحر المتوسط في القرن السادس عشر الميلادي حتى الربع الأخير منه. وقد يبدو للمؤرخين والباحثين أن عروجاً وأخاه خير الدين برباروسا هما أول من حملا راية الجهاد ضد الوجود الإسباني في الشمال الإفريقي باسم السلطان العثماني سليم الأول؛ إلا أنه من الثابت تاريخياً إرسال السلطان العثماني بايزيد الأول حملة عسكرية بقيادة كمال رايس سنة 1487 م، جابت السواحل الإيطالية والإسبانية وقامت بتوجيه عدة ضربات خاطفة إلى السفن الإسبانية التي كانت راسية في بعض الموانئ، وذلك بناء على استغاثة بعث بها آخر ملوك غرناطة من بني الأحمر([60]).

        توالت الاستغاثات بالسلطان العثماني سليم الأول إلا أن حربه ضد الصفويين حالت دون الاستجابة الفورية، بل اكتفى بتقديم بعض العتاد الحربي للأخوين عروج وخير الدين. ومما يجدر ذكره أن موقف العثمانيين في صراعهم ضد الإسبان كان يتسم بالموقف الدفاعي على أثر الاعتداءات الإسبانية المتلاحقة على المدن المساحلة للبحر المتوسط، عقب سقوط غرناطة في أيديهم سنة 1492 م، مستغلين الفوضى السياسية التي كانت تعيشها بلاد المغرب العربي نتيجة للانقسامات والمنازعات الداخلية التي تمخض عنها تفتيت وحدتها إلى كيانات مستقلة سمتها التناحر والتنافس بغرض السيطرة ومد النفوذ([61]). وقد بدأت إسبانيا باحتلال بعض المدن الساحلية التابعة للمغرب الأقصى مثل جاسة ومليلة([62]). ومنذ عام 1505 م، قامت بتوجيه حملاتها على سواحل المغرب الأوسط، وبخاصة ميناء "المرسى الكبير" في غرب الجزائر، ثم أخذ نطاق العمليات الإسبانية يتسع منذ عام 1508 م حين تولى قيادة الأساطيل الإسبانية "بدرو نافار" (Pedro Navarre) الذي تمكن من الاستيلاء على حجر باديس ووهران وبجاية عام 1509 م؛ كما تمكن من تدمير ميناء طرابلس في السنة التالية. وتحت هذا الضغط الإسباني اضطرت الجزائر إلى دفع جزية لإسبانيا، لأن الزيانيين أثبتوا عجزهم عن حماية هذه الموانئ نتيجة للتفكك السياسي الذي أصاب دولتهم، ونتيجة للثورات الداخلية التي نشبت ضدهم بسبب كثرة الضرائب التي فرضوها على الأهالي بحجة مواجهة الغزو الخارجي، مما أثر تأثيراً سيئاً في الوضع الداخلي، واضطرت السلطات الزيانية ذاتها إلى عقد صلح مع إسبانيا في سنة 1512 م، اعترفوا فيه باستيلاء إسبانيا على عدة موانئ في غرب الجزائر([63]).

        ويبدو أن حركة الجهاد البحري للمغاربة في الحوض الغربي للبحر المتوسط قد اشتد ساعدها من جديد في العقد الثاني من القرن السادس عشر ولمعت قيادات جديدة من بين رؤساء البحر؛ كما أصبح لها تأثيرها الواضح في بلاد المغرب العربي أمثال بابا عروج وأخيه خير الدين برباروسا، وكانا من البحارة العثمانيين الذين شاركوا في عمليات الجهاد البحري ضد المحاولات الإسبانية العدوانية، وكونوا قوة إسلامية جديدة كانت بمثابة الخيط الذي ربط المغرب العربي بعلاقات مع العثمانيين والتي كانت تهدف إلى إنقاذ مسلمي الأندلس من اضطهاد الكاثوليك المتعصبين، وحماية سواحل المغرب العربي من الغزو الإسباني. وقد تعددت خيوط علاقات العثمانيين بالمغرب العربي مع تحول هذه القوة إلى باشوية سياسية في الجزائر ناهضت المعاقل الإسبانية على السواحل الجزائرية والتونسية والليبية، ووصلت بحكمها في اتجاه المغرب إلى تلمسان ووجدة ودبدو وبادس([64]).

        وتمكن عروج، بالتعاون مع أخيه خير الدين، من تكوين إمارة مستقلة في جزيرة جربة واتخذاها قاعدة بحرية لنشاطهما منذ عام 1504 م. وبدأ عروج نشاطه البحري من هذه القاعدة سنة 1510 م، وذاعت شهرته في الجهاد ضد غارات الإسبان حتى أن رجال القبائل في الجزائر طلبوا منه تقديم العون لهم لاسترداد ميناء بجاية من يد الإسبان، فأجابهم إلى طلبهم ونجح في استرداد هذا الميناء، وقام بعد ذلك بنقل قاعدة نشاطه من جزيرة جربة إلى ميناء جيجل في الجزائر، وتمكن من صد هجوم إسباني على ميناء الجزائر وهدد الحصون التي أقامها الإسبان أمام الساحل وشدد هجماته عليها، وتمكن من بسط نفوذه على أقاليم المغرب الأوسط، الإقليم تلو الآخر، ونجح في مد نفوذه على "تلمسان" عاصمة بني زيان سنة 1517 م. وقام بوضع حاميات في ميريا ومليانه بعد قضائه على حكم بني زيان، وامتد نفوذه إلى حدود المغرب الأقصى. وجاءت الفرصة مواتية لإسبانيا حينما استنجد بها آخر حكام بني زيان لاسترداد عرشه الضائع ووجد الإسبان في هذا الاستنجاد وسيلة للتدخل في شؤون الجزائر. وبالفعل، وصلت حملة إسبانية إلى سواحل الجزائر وتوغلت في أرض الجزائر، كما تمكنت من محاصرة تلمسان وأحدثت فوضى في البلاد كانت سبباً في قيام ثورة على حكم بابا عروج وانتهى الأمر بقتله سنة 1518 م([65]).

        وخلف خير الدين بربروسا أخاه عروجاً، وتمكن من السيطرة على الموقف باتصاله بالدولة العثمانية التي غدت القوة الإسلامية الكبرى المسيطرة على مصر والشام والحجاز. وفي سنة 1517 م طلب خير الدين من السلطان سليم الأول مد يد العون له في جهاده ضد الخطر الإسباني([66]) . وبناء على طلبه للعون، أرسل له السلطان سليم في عام 1518 م ألفين من الجنود الانكشارية، كما سمح له بتجنيد أبناء الأناضول. ويمثل هذا الاتصال بداية انضمام المغرب الأوسط إلى الدولة العثمانية. وقد أزعج هذا التقارب القيادات المغربية القديمة التي كانت قائمة في المناطق المغربية الأخرى، خوفاً من القضاء على ما تبقى لها من نفوذ وسلطان. وتطلب ذلك الأمر أن يضاعف خير الدين جهوده لمواجهة الخطر الإسباني من ناحية والتصدي للقوى الداخلية من ناحية أخرى، خاصة وأن هذه القوى حاولت أن توحد جهودها مع جهود الإسبان للقضاء على قوة خير الدين، الذي نجح في مجابهة هذه الأخطار ووحد أقطار المغرب العربي، وأصبحت دولته بمثابة خط الدفاع الأمامي للدولة العثمانية في الحوض الغربي للبحر المتوسط([67]). وقد منحه السلطان سليمان المشرع لقب "بيلرباي إفريقية" (Beylerbey) ثم لقب "قبودان باشا" (Kapudan Pasha). وقد ازداد نفوذ الدولة العثمانية قوة في بلاد المغرب بعد أن تمكن مراد أغا من تخليص طرابلس الغرب من يد الإسبان سنة 1551 م، وأصبحت طرابلس قاعدة من قواعد الجهاد البحري في المغرب العربي([68]).

        تلك هي الصورة السياسية التي كان يمر بها المغرب الإسلامي والتي رجحت فيها كفة إسبانيا، ولا سيما بعد انتصارها على العثمانيين في معركة "ليبانتو" (1571 م)، حيث ساهم هذا الانتصار في وقف المد العثماني في الحوض الغربي للبحر المتوسط. ولذلك نجحت إسبانيا في شل قدرة العثمانيين على تحرير الجيوب التي احتلتها إسبانيا والبرتغال على سواحل إقليم المغرب الأقصى عن طريق نجاحاتهم في استمالة الحكام السعديين إليهم وإيغار صدورهم على العثمانيين؛ كما أن وهران في المغرب الأوسط بقيت تحت الحكم الإسباني حتى قرب نهاية القرن الثامن عشر. وقد حاولت إسبانيا بعد معركة "ليبانتو" بعامين احتلال تونس وإعادة حلفائها الحفصيين. غير أن المسلمين بقيادة "العلج علي" تمكنوا في العام التالي من إخراج الإسبان وحلفائهم الحفصيين بصورة نهائية من تونس في سنة 1574 م([69]).

        بعد عرض لمراحل الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط خلال القرن السادس عشر الميلادي، يمكننا إبراز الدور الجنوي في هذا الصراع. فمن الملاحظ أنه ارتبط ارتباطاً وثيقاً بشخصية أندريا دوريا الجنوي الذي كان جندياً مرتزقاً يجيد القتال، ولكنه ما فتئ أن دخل في معترك البحر منذ عام 1512 م بامتلاك سفينتين حربيتين، وكان يعمل لحساب فرنسا. وفي عام 1528 م، زاد عدد السفن التي كان يمتلكها إلى 12 سفينة؛ كما انحاز إلى جانب ملك إسبانيا شارل الخامس بعد أن ذاع صيته وتم تعيينه في رتبة أمير البحر (أدميرال) ([70]). كانت الظروف مواتية تماماً في الحوض الغربي للبحر المتوسط حيث المجال الخصب المتمثل في استمرار الصدامات المباشرة بين بعض المجاهدين البحريين التابعين للعثمانيين وبعض المجاهدين البحريين المستقلين الذين تحركوا بدافع من الأخذ بالثأر نظير طردهم من الأندلس. هذا من جهة، وبين الإسبان الذين شكلوا خطاً دفاعياً قوياً عما حققوه من انتصارات. وفي الوقت نفسه كانوا بحاجة لزيادة عددهم وعتادهم لمهاجمة سواحل المغرب العربي انطلاقاً من "خير وسيلة للدفاع الهجوم". ولتحقيق تلك الغاية، كان على شارل الخامس إتاحة الفرصة الكاملة لأندريا دوريا ليصول ويجول في البحر المتوسط؛ كما كان من أهم العوامل التي دفعت بشارل الخامس لانتهاج هذا النهج تلك الأموال التي تدفقت عليه من البابوية والبلاد الأوروبية الأخرى لصرفها على بناء السفن وتسليحها كي يمكنه الاستمرار في مواجهة العثمانيين.

        وعلى الرغم من الامتيازات المتعددة التي منحها العثمانيون للبنادقة، فإن الشواهد التاريخية أثبتت وجود مساهمات فعالة للبندقية في الصراع العثمانـي الإسباني لجانب الإسبان؛ إذ دلتنا إحدى الروايات التاريخية على قيادة أندريا دوريـا الجنوي لأسطول مكون من 45 سفينة إسبانيـة و80 سفينة بندقية و26 سفينة بابوية لمهاجمة سواحل المغرب العربي في 1537 م([71]). ومما يؤكد فعالية دور بعض المدن الإيطالية في الصراع العثماني الإسباني خلال القرن السادس عشر أنه على الرغم من وجود فترة سلم استمرت من عام 1545 م حتى عام 1550 م بين العثمانيين والإسبان نتيجة لعقد الهدنة بينهما في عام 1545 م([72])، فإنه ـ فيمـا يبدو ـ استمرت العمليات الحربية، حتى أن أحد المؤرخين أشار إلى ارتفاع عدد السفن التابع لأسطول أندريا دوريا إلى 39 سفينة في عام 1552 م([73])، مما يوضح استمرار العمليات الحربية التي تطلبت زيادة الأسطول التابع لأندريا دوريا الجنوي.

        على أي حال، لم يقتصر دور أندريا دوريا الجنوي على المساهمة المباشرة في العمليات الحربية في الحوض الغربي للبحر المتوسط، بل كان يمارس مهامَّ متعددة تمثلت في القيام بنقل الجنود الإسبان إلى ميادين الحرب والصراع. ومن ذلك تلك العملية التي قام بها في عام 1550 م، حيث نقل 20 ألف جندي إسباني من سواحل نابولي لمهاجمة مدينة المهدية التونسية؛ كما لم تقتصر مساهمات جنوة على أسطول أندريا دوريا فحسب، بل لوحظ وجود سفن تابعة لبعض الأسر الجنوية تقوم بممارسة الدور نفسه مثل أسرة تجرون وجرمالـدي، إلخ. حتى أنه كان من بين أفراد عائلة دوريا من له دور كبير في الصراع الإسباني العثماني مثل جيان دوريا ابن أخي أندريا دوريا الذي كان يمتلك 13 سفينة وشارك في نقل عدد كبير من الجنود الألمان والإيطاليين للقتال تحت اللواء الإسباني ضد القائد العثماني الشهير درغوث باشا للسيطرة على مدينة جربة التونسية بين عامي 1559 م و1560 م([74]).

        ومن الملاحظ أنه كما كان للمدن الإيطالية دور بارز فعال في احتدام الصراع العثماني الإسباني، كان لها أيضاً دور كبير في هبوط حدة هذا الصراع منذ الربع الأخير من القرن السادس عشر، حيث كان لانسحاب البندقية من الحلف المعقود ضد العثمانيين أثره البالغ في حسم الصراع لصالح العثمانيين([75]). ومن ثم كان لصقلية ونابولي دور كبير في حمل الملك الإسباني فيليب الثاني على التفكير الجدي في إنهاء ذلك الصراع، حيث كان عليه أن يقوم بفرض ضرائب باهظة على بعض المدن الإيطالية التابعة له كي يتمكن من الاستمرار في مواجهة المد العثماني، وكذلك الحد من فعالية المجاهدين البحريين. وقد ضج سكان صقلية ونابولي من إجبارهم على دفع الضرائب الباهظة؛ لذا أعلنوا عن استيائهم الشديد ورفضهم الإذعان لمطالب الملك الإسباني فيليب الثاني([76])، فضلاً عن ظهور الانقسامات والمنازعات في أوربا، و إدراك الإسبان للقدر الكبير من الفائدة الذي عاد على الجنويين من جراء ممارسة التجـارة بين إسبانيـا والعالم الجديـد خاصة تـجارة الذهب وأثر ذلك ـ سلباً ـ في الاقتصاد الإسباني ورغبة إسبانيا في التضييق على الجنويين للاستئثار بالأرباح الكبيرة التي تجنيها من التحكم في تجارتها مع العالم الجديد.

        أما عن العثمانيين، فبالإضافة إلى دور البندقية في حسم الصراع لصالحهم، لاحظنا بجلاء أنه كان لانتهاجهم سياسة التسامح الديني أكبر الأثر في كسب ود عدد كبير من أنصار المذاهب المسيحية المختلفة، حيث راسل السلطان سليمان القانوني أصحاب المذهب البروتستانتي في ألمانيا؛ وكذلك سمح لأصحاب مذهب كالفن (Calvin) بالتبشير في هنغاريا التابعة للسيطرة العثمانية؛ كما دخل العثمانيون في علاقات مع الهجنوت في فرنسا([77])؛ كما أبدوا معاملة حسنة لأصحاب المذهب الأرثوذكسي في شرق البحر المتوسط ولمعتنقي هذا المذهب من ورثة الإمبراطورية البيزنطية؛ وكذلك كان لأحداث أخرى ظهرت على المسرح السياسي في أوروبا والشرق الأدنى أكبر الأثر في ضرورة التـفكير لعقد هدنة بين العثمانيين والإسبان. وعليه دخل الطرفان في مفاوضات حول عقد الهدنة منذ عام 1577 م حتى عام 1581 م، حيث تم عقد الهدنة بين الطرفين وتجديدها في 1584 م و1587 م.

       

III  ـ أثر دور بعض المدن الإيطالية في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط خلال القرن السادس عشر الميلادي على بلاد المغرب العربي

 

        بعد معالجة دور جنوة والبندقية في الصراع الإسباني العثماني في الحوض الغربي للبحر المتوسط خلال القرن السادس عشر الميلادي، يجدر بنا أن نتناول أثر ذلك الدور الجنوي والبندقي في المغرب العربي. ولكي يمكن فهم أثر ذلك الدور في المغرب العربي، ينبغي أن نضع في اعتبارنا حقيقة هامة تتعلق بوجود فارق كبير بين التأثيرات الجنوية والبندقية ـ في رأينا ـ إلى أسبقية الوجود الجنوي في الحوض الغربي للبحر المتوسط منذ قرون عديدة مضت قبل القرن السادس عشر الميلادي، أي منذ عهد المرابطين، حيث تم عقد معاهدة بينهم وبين الجنويين في عام 1137 م ـ 1138 م([78]). وما أن أتم الموحدون سيطرتهم على بلاد المغرب الأقصى حتى بعث حاكم جنوة بوفد على رأسه أوتو بونودي البيرتيشي في الفترة ما بين عامي 1160 و1161 م. وقد تمكن الوفد الجنوي من عقد معاهدة مع الموحدين لمدة خمسة عشر عاماً تم تجديدها عدة مرات([79]).

        أما في عهد الأسرة المرينية، فقد أصبحت علاقات الجنويين مع المغاربة أكثر تقارباً من قبل، مما يؤكد وجود آثار إيجابية في كثير من المجالات أحدثها الوجود الجنوي بالمغرب. هذا، في مقابل ما عاد على جنوة من ثمار ربما يفوق قدر استفادة المغاربة حتى أنهم نجحوا في السيطرة على سجلماسة والتحكم في طريق التجارة المؤدي إلى بلاد السودان الغربي (موطن الذهب)، الأمر الذي مكنهم من ضرب عملة ذهبية في أوربا بدلاً من الفضية عام 1252 م([80]).

        يتبين مما سبق مدى قوة الصلة وعمق العلاقة بين الجنويين وبلاد المغرب العربـي، ولاسيما الغرب الأقصى وما استتبع ذلك من وجود بصمات واضحة ناتجة عن استمرارية التأثير الجنوي في تلك المنطقة منذ زمن المرابطين، أي منذ القرن السادس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، على عكس ما ذهب إليه أحد المؤرخين من أن الوجود الجنوي في بلاد المغرب العربي كان نتيجة لفقد الجنويين مراكزهم التجارية على يد العثمانيين([81]).

        ولعل قدم العلاقة بين الجنويين وبلاد المغرب العربي وما نتج عن تلك العلاقة من تأثيرات مباشرة وفاضحة كان المنطلق الذي استندنا إليه في الحكم على وجود فارق كبير بين تأثيرات جنوة في غرب البحر المتوسط وتأثيرات البندقية في المنطقة نفسها. ولكن هذا لا يعني عدم وجود أية تأثيرات للبندقية بالكلية، وليس ـ كما ذهب أحد المؤرخين في حكمه على تأثيرات البندقية في شمال بلاد إفريقيا ـ في كونها غير مباشرة؛ إلا أنه يمكن الحكم على هذه التأثيرات بكونها محدودة. ومن الراجح أن يعود ذلك إلى عدم رغبة البندقية في الاحتكاك بالأسطول الجنوي. ومن ثم، فإن قدر ما تحصل عليه البندقية من امتيازات نتيجة لعلاقتها مع العثمانيين دون الدخول في منافسة مع جنوة كان يفوق قدر استفادتها من تقوية علاقاتها مع بلاد المغرب العربي، وما كان يمكنها تحقيقه كانت ستفقد جانباً منه من خلال المواجهات والصدامات التي قد نشأت من تضارب مصالحها مع مصلحة جنوة، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

        على أي حال، كانت هناك عدة عوامل رئيسة ساهمت ـ بشكل فعال ـ في فتح المجال أمام جنوة للتأثير في بلاد المغرب العربي، من أهمها تلك الفوضى السياسية التي انتابت المنطقة بأسرها من طرابلس الغرب حتى المغرب الأقصى، وأيضاً تعرض هذه المنطقة لمتغيرات عديدة نتيجة لطرد المسلمين من الأندلس بعد سقوط غرناطة عام 1492 م، مما ترتب عليه تبني إسبانيا لمخططها التوسعي على حساب بلاد المغرب العربي بحجة ملاحقة المهاجرين الأندلسيين وقيامها باحتلال جزء كبير من الحوض الغربي للبحر المتوسط. كل هذه الظروف شكلت مجالاً خصباً للجنويين لتحقيق أكبر قدر من الفائدة، إذ فضل سكان تلك المنطقة وحكامهم التعامل مع الجنويين وغيرهم من أهالي المدن الإيطالية على التعامل مع البرتغاليين والإسبان الذين كانوا يتذرعون بالتجارة في الوقت نفسه الذي كانوا يمارسون فيه أنشطة سياسية مثل الجاسوسية وغيرها. وقد اقتضت الضرورة أن تتأثر الحياة الاقتصادية لبلاد المغرب العربي، مما دفع الجنويين لتقديم القروض إلى حكام تلك البلاد وتوفير ما يلزمهم من أسلحة وعتاد حربي. وفي مقابل ذلك تركوا لهم حرية التنقل والاتجار بين الموانئ([82]). ولما دعت الحاجة إلى بناء أسطول كبير لمواجهة السفن البرتغالية والإسبانية، استأثر الجنويون بهذا الأمر باعتبارهم متضلِّعين منه؛ فقدموا ما لديهم من خبرات في بناء السفن. وقد دلتنا الروايات التاريخية على وجود مهندسين جنويين ـ لبناء السفن ـ في خدمة أحد الحكام الوطاسيين، ويدعى "أبو حسون" حاكم بادس في ذلك الوقت. وما أن نجح "محمد الشيخ السعدي" في القضاء على الوطاسيين ، حتى دخل هؤلاء الجنويون في خدمته؛ كما نجح أحد الجنويين في شق قناة مائية في فاس خلال الفترة الأخيرة من الحكم الوطاسي. وقد ترتب على ذلك تحقيق نهضة في مجال الري، الأمر الذي ساعد المغاربة على استصلاح مساحات من الأراضي لزراعتها([83]).

        ومن خلال بعض مظاهر أثر الدور الجنوي في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط خلال القرن السادس عشر الميلادي على المغرب العربي، يتضح وجود نهضة شملت مختلف نواحي الحياة، الأمر الذي اعتبره أحد المؤرخين بمثابة رد فعل للأثر الذي أحدثه المسلمون في الحياة الأوربية بمختلف مظاهرها ومجالاتها([84]). وكان من البديهي أن تتوقف تلك الإسهامات مع المتغيرات التي تعرض لها العالم الإسلامي إبان عصر النهضة الأوربية وظهور روح التعصب الديني لدى بعض الأوربيين. ومع ذلك التوقف، استمرت التأثيرات الجنوية في المغرب العربي حتى شملت كل المجالات من بينها المجال العمراني؛ إذ اهتم حكام المغرب العربي منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر بتشييد القصور، مستخدمين أجود أنواع الرخام الجنوي والبندقي حتى أن أحد الحكام السعديين، ويدعى "أبو العباس أحمد المنصور" (حكم في الفترة الممتدة بين 1578 و1603 م)، استورد كمية من الرخام الجنوي والبندقي مقابل وزن هذه الكمية بالسكر المغربي([85]).

        الجدير بالذكر أن تأثيرات جنوة الشاملة وتأثيرات البندقية المحدودة على بلاد المغرب الأقصى تعدتها إلى عموم منطقة المغرب العربي. فأما تونس، فكانت التأثيرات الإيطالية فيها أكثر منها بالمغرب الأقصى على اعتبار كونها أقرب نقطة اتصال بجنوب إيطاليا. وقد نجحت جنوة في تكوين علاقات مباشرة وقديمة مع البلاد التونسية منذ العصور الوسطى؛ كما ازدادت هـذه العلاقـات قوة منذ القرن السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، حيث كانت لجنوة مراكز تجاريـة بتونس مثل تباركة؛ كما استطاعت أن تكسب التونسيين خيرات كبيرة في مجال التجارة، نظراً لاحتكاك التونسيين بأهلها. وقد كان لجنوة أكبر الأثر في ذلك([86]). هذا، فضلاً عن وجود تأثيرات أخرى في مجالات مختلفة للجنويين في تونس نتيجة لهجرة عدد كبير من الإيطاليين، منهم الأطباء والمعلمون والتجار والفنيون، إلخ([87]). الأمر الذي أدى إلى حدوث نهضة شاملة بتونس.

        وقد بلغ التأثير مداه إلى حد كانت معه اللغة الإيطالية هي المستخدمة في مراسلات بايات تونس وحكوماتهم إلى قناصل البلاد الأوروبية([88]). وكان معظم بايات تونس يعتمدون على أطباء من جنوة والبندقية مثل الباي حموده باشا الحسيني الذي حكم في الفترة الممتدة بين عامي 1782 م و 1814 م، حيث كان له طبيب خاص من البندقية فضلاً على قيامه بمهـام أخرى ويدعـى س. جازو (S. Gazzo). فعندما تدهورت علاقاته بالبندقية، أمر بترحيل جميع البنادقة من تونس؛ إلا أنه أبقى على طبيبه ومستشاره "س. جازو" البندقي، وذلك من عام 1784 م. كما كان لحموده باشا طبيب آخر من جنوة في عام 1797 م، وكان يعمل مستشاراً له أيضاً ويدعى مندريسي (Mendrici)([89]). وقد أدت الصحافة الإيطالية دوراً بارزاً في تنمية الوعي بتونس في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي حتى أن رجال الدين الكاثوليك بتونس الممثلين في جمعية "الآباء البيض (الكبوشيين)" كانوا حكراً على الإيطاليين فقط دون غيرهم. واستمر هذا الحال حتى إعلان الحماية الفرنسية على تونس في 1881 م([90]).

        أما تأثيرات جنوة والبندقية في المغرب الأوسط (الجزائر)، فإنها لا تقل أهمية  عن تلك التأثيرات التي سبق أن أشرنا إلى بعضها، سواء كانت بالمغرب الأقصى أو تونس؛ إذ أشارت بعض الروايات التاريخية إلى وجود علاقات قديمة وعميقة بين جنوة والبندقية وبين بلاد المغرب الأوسط منذ القرن الثالث عشر الميلادي. ففي عام 1236 م، عقدت جنوة بعض المعاهدات التجارية مع أمراء بعض المدن بالمغرب الأوسط مثل بوجي Bougie)) ومدينة عنابة (Bone). كما نجح البنادقة في عقد معاهدات مماثلة مع أمراء بعض المدن بالمغرب الأوسط كتلك التي كانت عام 1251 م([91]). وبموجب هذه المعاهدات، تم فتح الطريق أمام الجنويين والبنادقة لممارسة أعمال التجارة، ومن ثم اختلطوا بسكان البلاد الأصليين. وقد نتج عن ذلك سهولة تأثير أهالي البلاد بهؤلاء التجار في ميادين مختلفة. ومن الطبيعي أن يتأثر التجار الإيطاليون بعادات أهل البلاد الوافدين عليها حتى أن أحد المؤرخين أورد رواية مفادها أن بعض التجار الجنويين والبنادقة كانوا يفدون إلى بلاد المغرب العربي لتعلم اللغة العربية كي يمكنهم استخدامها في المشرق العربي([92]).

        ولا يمكننا أن نغفل ـ ونحن بصدد الحديث عن الأثر الجنوي والبندقي في المغرب العربي ـ أن هناك مدناً إيطالية أخرى كان لها أثر كبير على المغرب العربي. من هذه المدن بيزا (أو بيجة) التي دخلت في علاقات قوية مع المغرب الأوسط (الجزائر) والمغرب الأقصى منذ العصور الوسطى، حيث ذكر أحد المؤرخين ما يفيد بعقد أول معاهدة بين بيزا والمغرب الأوسط في عام 1186 م([93]). كما أفادت إحدى الروايات التاريخية أن الحاكم السعدي "أحمد المنصور" الملقب بالذهبي، والذي حكم بلاد المغرب الأقصى في الفترة الممتدة بين عامي 1578 و1603 م قد استعان بعدد من الفنيين لبناء مسرح بالمغرب الأقصى، مما يدل على وجود تأثيرات فنية لبيزا في مجالات متعددة في ذلك الوقت([94]). هذا، فضلاً عن مدينة "توسكانا" التي ساهمت في إثراء الحياة العمرانية بالمغرب الأقصى، حيث استورد أحد الحكام المغاربة المرمر من بيزا لاستخدامه في تزيين قصره([95]). لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعدى إلى تأثير "توسكانا" في الحياة السياسية في المغرب الأقصى، وذلك عندما أرسل دوق "توسكانا" إلى أبي فارس أحد أبناء المنصور المتنازعين على الحكم يخبره بتجهيز سفينة لنقله إلى أوروبا في حال هزيمته على يد إخوته([96]).

        أما مدينتا نابولي وصقلية، فعلى الرغم من تعرضهما لهجمات مكثفة من المجاهدين البحريين من قبيل خضوعهما لإسبانيا([97])، فإنهما دخلتا في علاقات مباشرة مع تونس وتمكنتا من إبرام معاهدة مع حموده باشا الحسيني في عام 1797 م([98]). ومما يجعلنا نرجح وجود تأثيرات كبيرة من قبل دوق نابولي في الجزائر رواية أحد المؤرخين البارزين ومفادها أن حسين، داي الجزائر، قد لجأ إلى نابولي عقب الاحتلال الفرنسي لبلاده في عام 1830 م([99]). ولا يفوتنا أن ننوه بالـدور الكبـير الفعال الـذي أداه أحد الضباط الإيطاليين ـ ويدعى لويدجي كليكرس من إقليم أبيمو ـ في إحداث نهضة شاملة بتونس منذ عام 1833 م حتى عام 1861 م، حيث قام بتأسيس أول مدرسة حربية بتونس في عهد المشير أحمد باي الذي حكم تونس في الفترة الممتدة بين عامي 1837 و1855 م، وتمكن من تطبيق أحدث النظم في تعليم فنون الحرب للطلبة التونسيين، كما قام بترجمة العديد من المؤلفات الأوربية في أحدث التقنيات العسكرية في ذلك الوقت من اللغات الأوروبية إلى اللغة العربية([100]).

        مما سبق، يتبين الأثر الكبير لكل من جنوة والبندقية وبعض المدن الإيطالية الأخرى على المغرب العربي. فمن الواضح أن ذلك الأثر كان نتيجة للعلاقات المبكرة التي نمت بين تلك المدن وبلاد المغرب العربي؛ إلا أن الشيء الذي لا يمكن تجاهله، بأي حال من الأحوال، مدى ما كان للصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط خلال القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي من دخل كبير في تثبيت أقدام الإيطاليين باعتبارهم قوة محايدة بين طرفي الصراع. وعلى الرغم من أن استفادة جنوة والبندقية وغيرهما من اختلاطهم ببلاد المغرب العربي كان يفوق قدر استفادة أهل بلاد المغرب العربي، فإننا تمكَّنَّا من إثبات فعالية التأثيرات الإيطالية على بلاد المغرب العربي أثناء الصراع العثماني الإسباني، واستمرت تلك التأثيرات في التزايد حتى القرن التاسع عشر، حيث أخذت في التلاشي على أثر ظهور القوى الأوربية الأخرى التي ما فتئت تتنافس فيما بينها من أجل السيطرة على تلك البلاد والحيلولة دون وجود أية قوى أخرى، ولاسيما المدن الإيطالية. وقد نجحت كل من إنجلترا وفرنسا في تحجيم الأثر الجنوي والبندقي على المغرب العربي، خاصة فرنسا التي تمكنت من إحكام قبضتها على الجزائر عام 1830 م وتونس في عام 1831 م والمغرب الأقصى في عام 1912 م. ومما هو جدير بالإشارة إليه أن التأثيرات الإيطالية ما كانت إلا بمثابة رد فعل طبيعي على النصيب الكبير الذي ساهمت به الحضارة الإسلامية في إنقاذ أوربا من ظلمات الجهل ووضعها في الطريق الصحيح حتى اعتورتها نهضة شاملة، في الوقت الذي انشغل المسلمون في التصدي للمحاولات الهادفة إلى إحكام سيطرتهم عليهم.

        والخلاصة أن علاقات المدن الإيطالية ـ ولاسيما جنوة والبندقية ـ مع العثمانيين في الفترة السابقة على القرن السادس عشر، شكلت المنطلق الأساسي والمحور الرئيس الذي ارتكز عليه دور كل من جنوة والبندقية وغيرهما في الصراع العثماني الإسباني في الحوض الغربي للبحر المتوسط خلال القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي. ومن ثم أتاح ذلك الدور الفرصة كاملة أمام الإيطاليين للتأثير في بلاد المغرب العربي تأثيراً مباشراً شمل جُل مناحي الحياة. لذا كان من الجدير بنا أن نلقي الضوء على علاقات جنوة والبندقية مع العثمانيين والتي بدأت منذ نشأة الدولة العثمانية، حيث اصطـدم العثمانيـون ـ عند توسعهم ـ بالمراكـز التجارية التابعة لكلتا الجمهوريتين في آسيا الصغرى والبلقان. وقد تمخض عن ذلك حدوث عدة مواجهات حربية ترتب عليها تقلص الهيمنة الجنوية والبندقية، مما جعل جنوة والبندقية تبحثان عن طرق تجارية أخرى تعوضهما عما فقدتاه. ولم يكن أمامهما إلا أن تعملا على تقوية علاقتهما بالبلاد المطلة على البحر المتوسط شرقه وغربه. وعقب سيطرة العثمانيين على المشرق العربي، لم يجد البنادقة بداً من الدخول في علاقات مباشرة مع العثمانيين.

        والأمر يختلف بالنسبة لجنوة التي حاولت تدعيم علاقاتها وتقوية صلاتها ببلاد المغرب العربي في غرب البحر المتوسط بعيداً عن منافسة البندقية. وعندما بدأت المواجهات الحربية بين العثمانيين والإسبان في مطلع القرن السادس عشر، وجد الجنويون أنفسهم مضطرين إلى الانضواء تحت اللواء الإسباني في الوقت نفسه الذي حرصوا فيه على تثبيت أقدامهم في بلاد المغرب العربي للاستفادة من انعكاسات ذلك الصراع. ومما لاشك فيه أن الجنويين وغيرهم من الإيطاليين تمكنوا من التأثير في أوجه الحياة المختلفة لبلاد المغرب العربي لكونهم محايدين. وعلى الرغم من العلاقات المبكرة التي ربطت بعض المدن الإيطالية ببلاد المغرب العربي، فإن الدور الذي أدته جنوة في الصراع العثماني الإسباني عُد دافعاً كبيراً لفعالية التأثيرات الجنوية خصوصاً، والإيطالية عموماً في بلاد المغرب العربي. ولا يزال ذلك الموضوع يحتاج إلى مزيد من الجهد لإماطة اللثام عن جوانب أخرى من التأثيرات الإيطالية في بلاد المغرب العربي.

 

 



([1])    يلماز أوزوتونا، تاريخ الدولة العثمانية، جزءان، ترجمة عدنان محمود سليمان، مراجعة د. محمود الأنصاري، الطبعة الأولى، تركيا، استانبول، منشورات مؤسسة فيصل للتمويل، 1408 هـ/ 1988 م، ج 1، ص. 89.

([2])     شارل ديل، البندقية جمهورية أرستقراطية، ترجمة أحمد عزت عبد الكريم وتوفيق إسكندر، القاهرة، دار المعارف، 1948، صفحات متفرقة.

([3])   و. هايد، تاريخ التجارة في الشرق الأدنى في العصور الوسطى، أربعة أجزاء، ترجمة: أحمد رضا محمد رضا، مراجعة د. عز الدين فودة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994، ج 3، ص. 116.

([4])   يوسف بن علي بن رابع الثقفي، دراسات متميزة في العلاقات بين الشرق والغرب على مر العصور، جدة، جامعة الملك عبد العزيز، 1411 هـ/ 1990 م، ص ص. 45 ـ 46.

([5])   و. هايد، مرجع سابق، ج 3، ص ص. 116 ـ 117.

([6])   المرجع السابق، ص. 193.

([7])   المرجع السابق، ص. 117.

([8])   عبد العزيز الشناوي، أوروبا في مطلع العصور الحديثة، الطبعة الرابعة، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1982، ص. 109.

([9])   و. هايد، المرجع السابق، ص. 118.

([10])   المرجع السابق، ص. 120.

([11])   بول كولز، العثمانيون في أوروبا، ترجمة عبد الرحمن عبد الله الشيخ، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993، ص. 211.

([12])   و. هايد، مرجع سابق، ص. 120.

([13])   جلال يحيى، العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، الإسكندرية، المكتـب الجامعي الحديـث، 1989، ص. 66.

([14])   عمر عبد العزيز عمر، دراسات في تاريخ العرب الحديث (1) الشرق العربي من الفتح العثماني حتى نهاية القرن الثامن عشر، الإسكندرية، دار الثغر، 1971، ص. 57.

([15])   و. هايد، المرجع السابق، ص. 144.

([16])   يلماز أوزتونا، المرجع السابق، ج 1، ص. 122.

([17])   و. هايد، المرجع السابق، ص. 144.

([18])   المرجع والصفحة نفسهما.

([19])   جلال يحيى، المرجع السابق، ص. 73.

([20])   عبد الجليل التميمي، دراسات في التاريخ العربي العثماني من 1453 إلى 1918 م، سيرميدي زغوان، منشورات مركز الدراسات والبحوث العثمانية والموريسكية والتوثيق والمعلومات، مارس 1994، ص ص. 33 ـ 37.

([21])   و. هايد، المرجع السابق، ص. 183.

([22])   المرجع نفسه، ص. 165.

([23])   المرجع نفسه، ص. 179.

([24])   يلماز أوزتونا، المرجع السابق، ص. 154، 158.

([25])   المرجع نفسه، ص. 167.

([26])   المرجع نفسه، ص. 136، 159، 177.

([27])   و. هايد، المرجع السابق، ص. 190، 191، 203.

([28])   يلماز أوزتونا، المرجع السابق، ص. 158.

([29])   و. هايد، المرجع السابق، ص. 191.

([30])   المرجع نفسه، ص ص. 205، 206.

([31])   جلال يحيى، المرجع السابق، ص ص. 99 ـ 103.

([32])   عمر عبد العزيز عمر، المرجع السابق، ص. 41.

([33])   يلماز أوزتونا، المرجع السابق، ص. 212.

([34])   و. هايد، المرجع السابق، ص. 194.

([35])    Etienne Compe, L’Egypte Ottomane de la conquête par Sélome 1517 à l’arrivée    

        de Bonaparte 1798, extrait du  Précis de l’histoire d’Egypte,  Imprimerie  de

l’Institut Français d’Archéologie Orientale du Caire, Tome III, s. d., p. 6;                

        عبد العزيز محمد الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، ج 2، طبعة ثانية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1986، ص. 700.

([36])   عمر عبد العزيز عمر، المرجع السابق، ص. 58.

([37])   عبد العزيز محمد الشناوي، المرجع السابق، ج 2، ص. 708.

([38])   يلماز أوزتونا، المرجع السابق، ص. 233.

([39])   نعيم زكي فهيم، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب (أواخر العصور الوسطى)، المكتبة العربية، وزارة الثقافة، القاهرة، 1393 هـ/ 1973 م، ص. 132.

([40])  Marcel Clerget,  Le Caire: étude de géographie  urbaine  et  d’histoire, T. II, 

                                                                      Le Caire, 1939, p. 303.

([41])   Thenaud, Voyage d’Outre-Mer de Jean Thenaud, Paris, 1888, pp. LXIII, LXIV.                                                                                  

([42])   A. H. Lybyer,  « The  Ottoman  Turks and the Routes of Oriental Trade », in:  

                                               English Historical Review, 1915, 30, pp. 577-588.

([43])   يلماز أوزتونا، المرجع السابق، ص. 236.

([44])   نعيم زكي فهيم، المرجع السابق، ص. 105، 112 ـ 113.

([45])   عبد الرحمن عبد الله الشيخ، »دور المسلمين في تشكيل اقتصاد إمبراطوريتي جنوة والبندقية في القرنين السادس عشر والسابع عشر«، المجلة التاريخية المغاربية (للعهد الحديث والمعاصر)، العدد 43 ـ 44، تونس، نوفمبر، 1986، ص. 159.

([46])   عبد العزيز محمد الشناوي، المرجع السابق، ص ص. 700 ـ 701.

([47])    Etienne Compe, op. cit., T. III, pp. 91, 99.

([48])    فاروق عثمان أباظة، أثر تحول التجارة العالمية إلى رأس الرجاء الصالح على مصر وعالم البحر المتوسـط أثنـاء القرن السـادس عشـر، الطـبعـة الثانيـة، دار المعـارف، القاهـرة، 1994، ص ص. 73 ـ 79.

([49])Paul Coles, The Ottoman Impact on Europe, London, Thames Hadsan, 1968     

                                                                                  pp. 133-139.

([50])   بول كولز، المرجع السابق، ص. 97، 99 ـ 100.

([51])   عبد الجليل التميمي، »الخلفية الدينية للصراع الإسباني ـ العثماني على الولايات المغربية في القرن السادس عشر »، المجلة التاريخية المغاربية، العدد 10 ـ 11، يناير 1978 م، ص. 24.

([52])   عبد الرحمن عبد الله الشيخ، المرجع السابق، ص. 159.

([53])   المرجع نفسه، ص ص. 160 ـ 161.

([54])   J. Abun-Nasr, A History of the Maghrib, London, Cambridge University Press, 1971, p. 212.                                                                                             

([55])   Damios de Gais, Les portugais au Maroc de 1495 à 1521, trad. R. Ricard, Rabat, 1947, pp. 215 - 216.                                                                                  

([56])   R. Ricard, « Contribution à l’étude du commerce génois au Maroc durant la    période  portugaise (1415 -1550)»,  in Annales de l’Institut d’Etudes Orientales, 

                                                                            T. III, 1937, p. 59.

([57])Corla Rahn Philips,  « The Spanish  Wool trade 1700 - 1780 », in The journal   

of Economic History, 1982, IV, pp. 770 - 775.                                                            

([58])   عبد الرحمن عبد الله الشيخ، المرجع السابق، ص ص. 165 ـ 166.

([59])   المرجع السابق، ص. 168، 170 ـ 171.

([60])   يلماز أوزتونا، المرجع السابق، ص ص. 194 ـ 195.

([61])   جلال يحيى، المرجع السابق، ص. 169 فما بعدها.

([62])   شوقي عطا الله الجمل، المغرب العربي في العصر الحديث (ليبيا ـ تونس ـ الجزائر ـ المغرب)، ط 1، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1977، ص. 81.

([63])   المرجع نفسه، ص ص. 26 ـ 36.

([64])   إبراهيم شحاته حسن، أطوار العلاقات المغربية والعثمانية، قراءة في تاريخ المغرب عبر خمسة قرون (1510 ـ 1947 م)، الإسكندرية، منشأة المعارف، ص. 119.

([65])   جلال يحيى، المرجع السابق، ص. 307.

([66])   صلاح العقاد، المغرب العربي. دراسة في تاريخه الحديث وأوضاعه المعاصرة، الجزائر وتونس والمغرب الأقصى، مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة، 1980، ص ص. 9 ـ 15.

([67])    عبد الرحـمن بن محمد الـجيـلالي، تاريـخ الجزائـر العام، دار الثقـافة، بيروت، ج 3، دون تاريخ، ص. 113.

([68])   صلاح العقاد، المرجع السابق، ص ص. 19 ـ 25.

([69])   جلال يحيى، المغرب الكبير. العصور الحديثة وهجوم الاستعمار، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1966، ص ص. 19 ـ 25.

([70])   بول كولز، المرجع السابق، ص. 90.

([71])   المرجع نفسه، ص ص. 90  ـ 91  .

([72])   جلال يحيى، العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، ص. 360.

([73])   عبد الرحمن عبد الله الشيخ، المرجع السابق، ص. 150.

([74])   بول كولز، المرجع السابق، ص. 131.

([75])   عبد الرحمن عبد الله، المرجع السابق، ص. 150.

([76])   بول كولز، المرجع السابق، ص. 131.

([77])   عبد الكريم رافق، العرب والعثمانيون 1516 ـ 1916، الطبعة الأولى، دمشق، 1974، ص ص. 81 ـ 82.

([78])    Maslatrie, Traités de paix et de commerce concernant les relations des chrétiens avec l’Afrique septentrional au Moyen-Age, Paris, 1866, p. 37.          

([79])    محمد زروق، »بعض مظاهر التعاون التجاري بين المغرب وجنوة خلال العصر الحديث«، المجلة التاريخية المغاربية (العهد الحديث والمعاصر)، العدد 65 ـ 66، سيرميدي ـ زعوان، 1992، ص. 188.

([80])   M. Malowist,  «Quelques observations sur le commerce de l’or dans le  Soudan

        Occidental au Moyen-Age »,  in Annales, Economies, Sociétés,  Civilisations,

 1970, p. 1630.                                                                                                             

([81])   عبد الرحمن عبد الله الشيخ، المرجع السابق، ص ص. 161 ـ 162.

([82])R. Ricard, « Contribution  à l’étude  du commerce  génois au Maroc  durant la   

période portugaise (1415 - 1550) », in  Annales de l’Institut d’Etudes Orientales,        

                                                                            T. III, 1937, p. 70.

([83])Ibid, pp. 60 - 70.     

([84])    عبد الجليل التميمي، »مع أصول الحوار العربي ـ الأوربي: الاتصالات الثقافية الأولى بين أوروبا والعالم العربي في العصر الحديث«، المجلة التاريخية المغاربية، العدد 65 ـ 66، 1992 م.

([85])    محمد أحمد محمد دار، علاقات المغرب الخارجية في عهد الأسرة السعدية 915 ـ 1050 هـ/ 1509 ـ 1640 م، رسالة دكتوراه غير منشورة، إشراف أ. د. فاروق عثمان أباظة، 1997، ص. 151.

([86])E. Plantei, Correspondances des deys d’Alger  avec la  cour  de  France 1579   

        -1833, recueillie  dans  les  dépôt  d’archives  des  Affaires  Etrangères,  de la

    Marine,  des  Colonies  et de la Chambre de Commerce de  Marseille, 2  vols,     

                          Paris, Librairie Balliere, 1889, T. 1, p. LXVII. (Introduction);

        رشاد الإمام، سياسة حموده باشا في تونس 1782 ـ 1814، منشورات الجامعة التونسية، 1980، المجلد XX، ص. 80.

([87])    أنا بوزو، »المثقفون الإيطاليون في تونس في القرن الثامن عشر. أعمال المستعرب لويدجي كليكرس (1808 ـ 1870) «، المجلة التاريخية المغاربية، العدد 59 ـ 60، ص. 687.

([88])   انظر الملحق رقم (1).

([89])E. Plantei, Correspondances des deys de Tunis et des consuls de France avec    

       la  Cour  1577 - 1830,  4 vols,  Paris,  Alacon,  1893 - 1899, T.  III,  p. 257;   

        A.  Rousseau, Annales  Tunisiennes,  ou aperçu  historique  sur la régence de

Tunis, Alger, Bastide, 1864, p. 203.                                                                             

([90])    الحكيم فرانسوا أرنولاي إكس أون بروفنس، »الكردينال لافيجيري والإكليروس الإيطالي بالبلاد   التونسية (1881 ـ 1891)«، المجلة التاريخية المغاربية، العدد 71 ـ 72، مايو 1933، ص. 673.

([91])E. Plantei, Correspondances des deys d’Alger avec la  cour  de France 1579 -   

1833, T. 1, pp. XIII, XXI - XXII, (Introduction).                                                        

([92])   عبد الجليل التميمي، المرجع السابق، ص. 335.

([93])     E. Plantei, op.cit, T. 1, p. XXII. (Introduction).

([94])   إبراهيم حركات، السياسة والمجتمع في العصر السعدي، الدار البيضاء، 1408 هـ/ 1987 م، ص. 318.

([95])   عبد الكريم كريم، المغرب في عهد الدولة السعدية، الرباط، المغرب، 1397 هـ/ 1977 م، ص. 264.

([96])Henri de  Castries, Les sources inédites de l’histoire du Maroc,  (Angleterre),   

                       sr. 1, 3 volumes, Paris, Londres, 1917, 1925, 1935, T. II, p. 301.

([97])E. Plantei, op.cit., T. 1, pp. 47- 48  (Lettre de MGR de Sourdis, Archevêque      

          de Bordeaux  à  Yousef  Pacha  d’Alger  en rade  de Porto - Vecchio, le 13

                                                            octobre 1640); Ibid., pp. 48-49.

([98])    رشاد الإمام، المرجع السابق، ص. 416.

([99])E. Plantei, op. cit., T. I, p. LIV. (Introduction).     

([100])   حمادي الساحلي، أعلام تونسيون، الطبعة الأولى، بيروت، 1986، ص. 63؛ أنابوزو، المرجع السابق، ص. 687.