انتقال العلوم الطبية عند المسلمين إلى أورباوأثر ذلك في تطور علم الطب عند الأوربيين

 

الدكتور إبراهيم بن محمد الحمد المزيني

كلية العلوم الاجتماعية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض

 

حظي علم الطب باهتمام بالغ من المسلمين في ظل الحضارة الإسلامية، ولقي تشجيعا كبيرا وعناية واسعة من خلفاء المسلمين وسلاطينهم على مر العصور الإسلامية. تجلى ذلك في الاهتمام الكبير في هذا العلم تعلما وتعليما وعناية بتعريب الآثار السابقة لهم وتطوير هذا العلم بمدارسه وفروعه وتشجيع المنتمين له. وقد برع المسلمضون في الانفتاح على مآثر الطب عند الأمم السابقة، وبخاصة الطب اليوناني، وعملوا على نقل مجموعات كبيرة من المؤلفات الطبية اليونانية إلى اللغة العربية في مختلف فروع العلم. ولم يقفوا عند هذا الحد، بل أضافوا إليها الكثير من بحوثهم وابتكاراتهم وتجاربهم الشخصية، فكثرت شروحاتهم لها من واقع مشاهداتهم، وازدادت عناية المسلمين في هذا العلم حتى بلغ درجة عالية من التطور وسار به العلماء شوطا كبيرا، فوضعوا له أصولا ومناهج نظرية، وألفوا فيه كتبا كثيرة في مختلف التخصصات الطبية بجانب التجارب العملية التي كانت تجرى في المستشفيات حيث كان طلبة الطب يمرون على المرضى مع أساتذتهم ويقابلون ما درسوه نظريا بما يشاهدونه واقعا، مما كان له الأثر الواضح في تطور العملية التعليمية للطب عند المسلمين. وقد أدى ذلك بدوره إلى إنتاج كم هائل من الآثار والدراسات الطبية المبتكرة التي كان لها الأثر الواسع في إثراء الدراسات الطبية وارتقائها حتى بلغ المسلمون بهذا العلم موقع الريادة بين الأمم، وكان لهم الفضل الكبير في تقدم الإنسانية ورقي الأمم في هذا العلم.

وكان من مظاهر تشجيع المسلمين لهذا العلم ذلك الاهتمام الكبير بإنشاء دور التعليم التي تعنى بتدريس العلوم الطبية، وفي اختيار الأطباء المبرزين للتدريس في هذه المراكز والإشراف عليها حيث تعددت تلك المراكز وتنوعت. فدرس علم الطب في المساجد ومنازل العلماء ومجالس طبية عامة والبيمارستانات. وفوق هذا كله، تميزت الحضارة الإسلامية بظهور مدارس أنشئت خصيصا لتدريس هذا العلم، لم يكن لها غرض آخر غير تدريس الطب يشرف عليها أساتذة متخصصون ويدرس فيها رؤساء الطب المتميزون ويطبق فيها نظام تعليمي دقيق، مما كان له الأثر الواضح في تطور الدراسات الطبية وارتقائها.

وبتعدد تلك المراكز الطبية وتنوعها عند المسلمين اشتهر فيها عدد كبير من الأطباء المتميزين الذين خلفوا تراثا طبيا رائعا ودراسات رائدة أثرت هذا العلم بصورة كبيرة. ليس هذا فحسب، بل إن من هؤلاء الأطباء من بلغ بروزه في هذا العلم درجة جعلته منشد طلبة العلم في كل موقع سواء بالحضور إليه أو بدراسة آثاره ومؤلفاته بلغاتها العربية أو ترجمتها إلى لغات أخرى، الأمر الذي أكد فضل علماء المسلمين في تطور الطب الحديث وأثرهم على غيرهم من الأمم في معرفة هذا العلم والارتقاء به، وهو أمر واضح وجلي لمعظم المشتغلين في حقل الطب وتاريخه في مختلف دول العالم. وقد جسد ذلك الأثر عدد من العلماء والكتاب في الحضارة. من ذلك ما كتبه خوسيه لويس بارسلو في بحث ألقاه في المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي، المعقود في دولة الكويت تحت عنوان: "أثر العلوم الإسلامية في تطور الطب":

إن الأهمية الحقيقية والحاسمة للعلوم الإسلامية في الماضي تكمن في أثرها في تطور الطب في المستقبل. فبفضل الإسلام، وجدت القواعد الحالية لعلوم الطب. ولقد حان الوقت لنعرف مثل هذه الحقائق، وأن يحتل العالم الإسلامي مكانته الصحيحة في حقل العلم إحقاقا للحق. ففي عام 953م أرسل أوتو العظيم ملك الألمان سفيرا من لدنه إلى قرطبة، إلى راهب يدعى جون الذي عاش ما يقرب ثلاث سنوات في عاصمة الخلافة الأندلسية. وقد تعلم العربية بإتقان. وعند عودته إلى موطنه، حمل معه مئات المخطوطات الطبية والعلمية القيمة، والتي ساعدت على نشر جوهر علوم العرب العظيمة في أوربا الغربية بصورة سريعة ومدهشة([1]).

وفي احتفال أقيم في جامعة برلين بألمانيا، أشار الدكتور غريسيب رئيس فرع الطب فيها إلى فضل العلماء المسلمين على الإنسانية في علم الطب فقال:

أيها الطلاب المسلمون، والآن قد انعكس الأمر، فنحن الأوربيين يجب أن نؤدي ما علينا تجاهكم. فما هذه العلوم إلا امتدادا لعلوم آبائكم، وشرحا لمعارفهم ونظرياتهم، فلا تنسوا أيها الطلبة تاريخكم، وعليكم بالعمل المتواصل لتعيدوا مجدكم الغابر، طالما أن كتابكم المقدس، عنوان نهضتكم، ما زال موجودا بينكم وتعاليم نبيكم محفوظة عندكم، فارجعوا إلى الماضي لتؤسسوا للمستقبل. ففي قرآنكم علم وثقافة، ونور ومعرفة، وسلام عليكم يا طلابنا إن كنا في الماضي طلابكم([2]).

ويضيف الأستاذ جلال مظهر في كتابه: "حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي" قائلا:

كان المسلمون في خلال القرن التاسع الميلادي قد تمثلوا واستوعبوا استيعابا تاما المعارف الطبية التي خلفها القدماء، وخاصة اليونان، واستطاع الأطباء المسلمون في أقصر وقت ممكن أن يجلسوا على عرش الطب وحدهم، ويميزوا أنفسهم باعتبارهم حاملين لواء هذا العلم والمسؤولين عن تقدمه وارتقائه في خلال العصور الوسطى برمتها. ولقد بقي تأثيرهم في بعض الحالات إلى عصر النهضة وبعده أيضا. والحق أنهم تفرقوا على اليونان. وتدلنا جميع الوثائق التاريخية على أن جميع الأطباء والمؤلفين الأوربيين في الطب في القرون الوسطى استقوا معظم كتاباتهم وأهمها عن العرب لا عن اليونان([3]).

ويذكر الدكتور علي عبد الله الدفاع في كتابه "لمحات من تاريخ الطب عند المسلمين الأوائل" أن هناك إجماعا بين مؤرخي العلوم على أن ما قدمه العلماء المسلمون الأوائل في حقل الطب يعتبر الأساس المتين للطب الحديث. ويؤكد ذلك الأستاذ قالدستون الذي أورد في مقالته "مكتشف الطب في بلاد العرب" أنه مما لا يقبل الجدل أن المعلومات التي وصلت إلينا من أطباء العرب هي في الحقيقة الحجر الأساسي للطب الحديث؛ ولولا هذه الإسهامات العظيمة، لما وصل الطب الحديث إلى المستوى الذي وصل إليه([4]).

ويضيف الأستاذ روم لاندو في كتابه "الإسلام والعرب":

لم يوسع المسلمون في دراستهم وبحوثهم الطبية آفاق الطب فحسب، بل وسعوا المفاهيم الإنسانية على وجه العموم. وإذا كان من واجبنا أن نعتبر فلق الذرة والقنبلة الذرية رمزا لأروع المنجزات العلمية في منتصف القرن العشرين، فلن يبدو من مجرد المسافة أيضا أن تكون جهود المسلمين الطبية المبكرة قد قادتهم إلى اكتشاف لا يقل عن هذا الكشف الذري ثورية.

وهكذا يتضح لنا جليا المجهود الذي بذله الأطباء المسلمون الأوائل في سبيل تقدم الطب وازدهاره. ويظهر لنا الأثر الذي تركته هذه المجهودات في تثبيت قواعد الطب الحديث في العالم على أساس سليم قائم على العلم([5]).

أما "انتقال العلوم الطبية عند المسلمين إلى أوربا وأثر ذلك في تطور علم الطب عند الأوربيين"، وهو موضوع حديثنا في هذه الورقة، فقد سجل في تاريخ الإنسانية بمداد من نور وتواترت شهادات المنصفين في تجسيد ذلك. إذ أنه في الوقت الذي ازدهر فيه علم الطب عند المسلمين وبلغ درجة عالية من التطور بالاكتشافات الطبية الرائدة والمؤلفات العلمية المهمة، وبما اشتهر به المسلمون من طرق مبتكرة في تشخيص الأمراض وطرق العلاج وصنع العقاقير والمركبات الطبية المتنوعة، وتطوير مجالي الجراحة والتشريح، والتوسع في بناء المستشفيات (البيمارستانات) والتفنن بها، فقد بقيت أوربا -وخاصة بين القرنين الأول والخامس الهجري (أي بين القرنين السابع والحادي عشر الميلادي)- في ظلام دامس يعتبر ما وصل إليه العلماء المسلمون في الطب خرافة ووهما لا فائدة منهما. ولم يتغير ذلك الاعتقاد إلا في عصر النهضة الأوربية، أي نصف القرن الخامس عشر الميلادي. لذا اعتمدت معظم جامعات ومستشفيات أوربا اعتمادا كليا على إنتاج علماء المسلمين([6]).

وقد نشرت مجلة "العالم الإسلامي" الطبية الصادرة في لندن مقالا للدكتور عبد العزيز عاشور تحدث فيه عن أوربا في العصور المظلمة ودخول الطب الإسلامي إليها، ودور الأندلس في نشر الوعي الطبي بين الأوربيين. فذكر الكاتب أنه في الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية الإسلامية في عصرها الذهبي، كانت أوربا الغربية تعيش في ظلام وبربرية؛ وكانت الكنيسة تتحكم في الطب؛ وكان الدجالون والمشعوذون هو الذين يعتمد عليهم المرضى في العلاج. فقد أصاب سقوط الإمبراطورية الرومانية أوربا كلها بالشلل، واختفت المدارس الرومانية الوحيدة في أوربا، وحلت محلها مدارس كنسية لم تهتم كثيرا بالعلوم الطبية.

ومما بلغ حدا واسعا في التأثير هو تلك المؤلفات الطبية الإسلامية التي لقيت اهتماما كبيرا من الأوربيين وترجمت إلى مختلف اللغات الأوربية. واستمرت تلك المؤلفات قرونا عدة كانت خلالها هي المصادر الأساسية التي يعتمد عليها الأوربيون في تعلم الطب سواء بأصولها العربية أو بترجماتها. يقول رونلد كامبل في كتابه "الطب العربي": "لقد بقيت جامعات أوربا تستند تماما على إسهامات علماء العرب في الطب، بل إن مقرراتهم في كليات الطب بقيت تستعمل "القانون" لابن سينا و"الحاوي" للرازي وغيرهما حتى نهاية القرن السادس عشر الميلادي"([7]).

كما طغى تأثير أطباء المسلمين على العالم الغربي عبر القرون اللاحقة، وبالأخص خلال الفترة من القرن الخامس إلى الثامن الهجري (الموافق الحادي عشر إلى الرابع عشر الميلادي). فقد بقي علماء أوربا يتعلمون في مدارس وجامعات الأمة الإسلامية في الأندلس وصقلية وغيرها، حتى تمكنوا من اللغة العربية. ثم قاموا بترجمة علوم المسلمين في الطب وغيره. يقول كل من ج. قراتان وشارلز سنجر في كتابهما "السحر والطب عند الأنجلوسكسوني":

ومما لا يقبل الشك أن تأثير علماء العرب والمسلمين في الطب على أطباء أوربا خلال القرن الحادي عشر الميلادي إلى القرن الرابع عشر الميلادي، لا يحتاج إلى برهان. والجدير بالذكر أن كثيرا من المنصفين من علماء أوربا الغربية، يعترفون بما قدمه علماء العرب والمسلمين في العلوم، كما أن النظريات والأفكار الطبية صارت تدرس في جميع أنحاء المعمورة. ومن يحب أن يتفنن في حقل الطب بفروعه المختلفة، يلزمه إجادة اللغة العربية([8]).

ويقول العلامة دريبر، المدرس بجامعة هارفارد بأمريكا:

إن جامعات المسلمين كانت مفتوحة للطلبة الأوربيين الذين نزحوا إليها من بلادهم لطلب العلم، وكان ملوك أوربا وأمراؤها يفدون على بلاد المسلمين ليعالجوا فيها. وأول مدرسة أنشئت للطب في أوربا هي المدرسة التي أسسها العرب في "باليرم" من إيطاليا([9]).

ويشار هنا إلى أن أوربا قد استمدت معارفها وعلومها من الحضارة الإسلامية، من خلال ثلاثة طرق رئيسة هي: بلاد الأندلس في الغرب الإسلامي، وجزيرة صقلية، والحروب الصليبية في الشرق الإسلامي.

وهناك طرق أخرى أقل تأثيرا من الطرق السابقة، تتمثل في الرحلات التي قام بها الأوربيون إلى العالم الإسلامي والبعثات العلمية المرسلة من قبل ملوك أوربا إلى الديار الإسلامية. وقد انتقل علم الطب شأنه شأن العلوم الأخرى إلى أوربا عبر هذه الطرق جميعها. ويمكن إيضاح ذلك وفق التفصيل الآتي:

أولا: طريق الأندلس:

استمر وجود المسلمين في الأندلس مدة تزيد على ثمانية قرون (12-897هـ) عاشت فيها بلاد الأندلس في مجمل عصور الحكم الإسلامي فيها نهضة علمية مزدهرة شهدت خلالها الأندلس قمة التفوق العلمي والتطور الفكري الذي شمل مختلف أوجه المعرفة وفروعها، شجع على ذلك التشجيع المطلق الذي لقيه التعليم في تلك البلاد والتنافس بين الحكام في رعاية العلم والعلماء.

وكان من بين العلوم التي بلغت حدا كبيرا في نشاطها علم الطب الذي حقق فيه المسلمون في تلك البلاد إنجازات رائعة، فأضافوا إلى المعارف الطبية اكتشافات ومعارف جديدة رفعت من مكانة المسلمين في هذا العلم.

وقد اشتهرت الأندلس بتعدد المراكز العلمية المنتشرة في جميع أنحاء مدنها مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وبلنسية وغيرها من المدن التي كان يفد إليها طلبة العلم من مختلف بلاد العالم الإسلامي بالإضافة إلي طلاب أوربا، وكانوا يلتحقون بمعاهدها العليا ينهلون من معين الحضارة وينبوع المعارف العامة ومنها الطب. وكان ممن وصف الأثر العلمي لبلاد الأندلس على أوربا الدكتور محمد الصديقي حيث قال:

وارتحل كثير من تلامذة الإفرنج إلى مدارس الأندلس، ودخلوا في جامعاتها أفواجا، وكانت الأندلس في ذلك العصر في أسمى منزلة من منازل العلوم والآداب، ثم رجعوا إلى أوطانهم متنورين متبحرين في العلوم والفنون([10]).

أما عن انتقال العلوم الحضارية بعمومها إلى أوربا عبر هذا الطريق، فقد أفاق الأوربيون من سباتهم على نور الحضارة الإسلامية في الأندلس وبهرهم شعاعها ولفت نظرهم تألقها، فاتجهوا نحوها ينهلون من معين تلك الحضارة. ويمكن أن نشير إلى أن طور التأثير الحضاري للأندلس في أوربا قد بدأ تقريبا من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. ففي هذا القرن، وهو عصر الخلافة الأموية في الأندلس، ارتقت الأندلس في مدارج المعرفة درجة عالية فاجتذبت إليها الأنظار وشدت إليها القلوب من أقطار أوربا كإيطاليا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا لدراسة علوم العرب ومعارفهم المختلفة، واقتباس ألوان الحضارة والتمدن. وكان بعض هؤلاء الطلبة الأوربيين من أبناء الأمراء والنبلاء، وكانوا يقصدون بلاطات خلفاء وأمراء المسلمين ليتلقوا ألوان الأدب والفروسية([11]).

وفي الوقت نفسه استقدمت إنجلترا عددا من العلماء والمهندسين العرب الذين شيدوا أكبر جسر على نهر التايمز في بريطانيا. وقد عرف باسم جسر هليشم (Helichem)، وهو تحريف لكلمة هشام خليفة الأندلس عرفانا بفضله عليهم ومساعدته لهم. وكذلك كان للمهندسين العرب فضل في إنشاء قباب الكنائس في بافاريا، ولا تزال توجد بمدينة شتوتغارت الألمانية حتى اليوم سقاية ماء تدعى أميديو (Amedeo)، وهو تحريف لاسم أحمد. ويبدو أنه اسم المهندس العربي الذي بناها([12]).

كما أن التأثير العلمي للأندلس في أوربا كان يتم عن طريق ترجمة الكتب العربية إلى اللغات الأوربية المختلفة منها، بل أهمها آنذاك اللاتينية والعبرية. وكانت الترجمة أهم وسائل الاتصال العلمي بين الأندلس وأوربا وأكثرها أثرا. يقول الدميلي حول ذلك:

في شبه جزيرة الأندلس كانت حركة نقل العلم العربي إلى العالم المسيحي أعمق تغلغلا وأشد قوة، ودامت مدة أطول عهدا من كل مكان آخر([13]).

ويضيف ولز في أثر الترجمة قائلا: "وازدادت معرفة الناس يقصد أوربا- بواسطة الترجمات اللاتينية المنقولة عن النسخ العربية"([14]).

ويمكن ربط بدايات التأثير الطبي للأندلس في أوربا في وجود نسخة لاتينية من "حكم" أبقراط كانت تدرس في مدينة شارتر بفرنسا سنة 381هـ/991م. وهذا يعني افتراضا وجود تأثير ثقافي عربي مبكر في فرنسا، لأن مثل هذه الترجمة كانت عن أصل عربي. فالغرب اللاتيني كان جاهلا جهلا تاما بالأصول اليونانية لآثار اليونان العلمية([15]).

وكان الملوك والأمراء المسيحيون في شمال إسبانيا وفرنسا وغيرها إذا أصاب أحدهم وعكة أو ألم به مرض رمى ببصره إلى الأندلس وسعى إلى استقدام ذائعي الصيت من أطبائها وحكمائها، لما يأنسه فيهم من اقتدار في الطب وعلاج الأمراض.

وكانت معظم الكتب تترجم في طليطلة التي أصبحت مركزا علميا هاما يشع ألوان المعرفة إلى جميع أنحاء أوربا. ولم يكن هذا الإشعاع إلا نتاج قرائح علماء المسلمين في الأندلس وغيرها. واستمرت طليطلة على دورها في ترجمة عيون المصنفات العربية في فروع العلم المختلفة.

وفي عهد ألفونسو السابع تولى أسقفية طليطلة الأسقف ريموند (526-547هـ/ 1131-1152م). فقام هذا الأسقف بدور كبير في ازدهار الترجمة نقل كثيرا من الآثار العربية إلى اللاتينية، وتولى بعنايته طائفة من المترجمين والكتاب عرفت في التاريخ بمدرسة المترجمين الطليطليين، وكان كثيرا ما يحفزهم على العمل ويشجعهم على الترجمة ويبذل لهم على ذلك الصلات والعطايا الجزيلة. فتم عن طريق هؤلاء المترجمين ترجمة مقدار ضخم من التراث العلمي الإسلامي في الفلك والطب والكيمياء والطبيعة والمنطق والرياضيات والأدب وغيرها([16]).

وقد ساعدت هذه الجمعية على دفع عجلة الترجمة، وتركت أثرا واضحا للطب الإسلامي في أوربا اللاتينية، وبدأت تظهر جامعات أوربية تعنى بالطب الإسلامي مثل جامعة نابولي وباريس وبولونيا وغيرها. وفي هذه الجامعات لمعت أسماء الأطباء المسلمين الرازي وابن سينا والزهراوي، وأصبحت كتبهم مراجع أساسية لطلاب هذه الجامعات وأساتذتها. وصارت الأدوية والوصفات الطبية وأدوات الجراحة الإسلامية متداولة في أروقة هذه الجامعات حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي بلغت حركة الترجمة من العربية غايتها من النشاط، فترجم عدد كبير من الكتب الطبية المشهورة، أو أعيد ترجمة الكتب التي كان ترجمها قسطنطين الإفريقي ترجمة رديئة أو ناقصة. وكانت معظمها على يد أشهر المترجمين الأوربيين وأكثرهم نشاطا وهو جيرارد الكريموني (1114-1187م) الإيطالي الذي جاء إلى طليطلة وانضم إلى مجموعة المترجمين الذين كانوا تحت رعاية رئيس أساقفتها ريموند. ومن هؤلاء المترجمين ماركوس الطليطلي، وغنديسلاوي، ويوحنا الإشبيلي؛ ومن الأجانب روبرت الرتيني، وأديلارد الباثي، وألبرت، ودانيال مورلي وهرمان الدلماشي، وكانت طليطلة قد سقطت في أيدي النصارى الإسبان في سنة 1085م، فنشطت فيها حركة الترجمة المنظمة. وعرفت هذه الحركة بمدرسة طليطلة. وجاء إليها بعض العلماء الإنجليز والطليان والألمان، ليتعلموا العربية وينهلوا من منهل الثقافة العربية فيها.

فمما ترجم جيرارد الكريموني من كتب الطب، "القانون في الطب" لابن سينا، وكتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف" (قسم الجراحة) للطبيب الجراح الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، وكان كتابا تعليميا زهاء خمسة قرون في أوربا، وكتاب "التذكرة في طب العيون وجراحتها" لعلي ابن عيسى الكحال الدمشقي، وعرف هذا المؤلف في أوربا اللاتينية باسم Haly، وترجم معه كتاب عمار الموصلي في طب العيون أيضا، وقد استخدما معا في جامعات أوربا حتى القرن الثامن عشر، وكتاب "المنصوري" للرازي، وقد ذاعت المقالة العاشرة منه عن الحميات ذيوعا كبيرا في أوربا، وطبعت عدة مرات([17]). وقد بلغ ما ترجمه جيرارد زهاء مائة كتاب ويقال بأن بعضها من نتاج تلاميذه، وبعضها بالاشتراك مع غيره خاصة غالب (Gallipus)([18])، وهو مستغرب وكان نزيها وذا كفاءة عالية في الترجمة وحسن الاختيار للكتب التي ترجمها. وكان موسوعيا في الترجمة حيث قام أيضا بترجمة كتب في الطب كالفلك والرياضيات والأدب.

وظل حال الترجمة في طليطلة على هذا الوضع حتى القرن السابع الهجري (القرن الثالث عشر الميلادي)، حيث ظهر الملك ألفونسو الحكيم (650-683هـ/1252-1284م) الذي قام بجهود جبارة في الترجمة والاقتباس عن العلوم والمعارف العربية إلى اللغتين اللاتينية والقشتالية.

وكان يعمل لديه عدد من العلماء المسلمين والمسيحيين واليهود. وقد أنشأ ألفونسو الحكيم معهدا للدراسات اللاتينية العربية سنة 652هـ/1254م في إشبيلية؛ كما اتجه اهتمام ألفونسو الحكيم إلى تدوين واسع للأحداث العامة تحت نظره، وكان اعتماده في ذلك على مصادر التاريخ العربي ووثائقه، كما ركز جهده على ترجمة المصنفات والآثار العلمية في الفلك([19]).

وفي القرن الثالث عشر الميلادي ترجم فرج بن سالم أشهر الكتب الطبية العربية وأوسعها بعد "القانون" لابن سينا، وهو كتاب "الحاوي" لأبي بكر الرازي، كما ترجم في هذا القرن كتاب "التيسير في المداواة والتدبير" لابن زهر الأندلسي الذي كان أحد أعلام الطب البارزين في الأندلس، وبالتحديد في العصر الموحدي الذي شهد نهضة طبية رائدة؛ وهو الطبيب أبو مروان عبد الملك بن زهر المتوفى سنة 557هـ والذي ترك لنا مؤلفات جليلة مشهورة كان من أبرزها هذا الكتاب الذي ركز فيه على فكرة أن التجربة خير وسيلة لاكتشاف الأمراض وعلاجها، مما قاده إلى الخروج بآراء مبتكرة تقوم على الحقائق الثابتة. وقد تنبه الأوربيون لأهمية هذا الكتاب منذ القرن الثالث عشر الميلادي، حيث ترجم إلى العبرية أولا ثم إلى اللاتينية. وصار هذا الكتاب أحد المصادر المهمة التي كانت تدرس في المراكز الطبية المشهورة في أوربا حتى القرن الثامن عشر الميلادي([20])، وكان قد ترجمه جون الكابوني (John of Capoa). ومن أهم الكتب الطبية العربية التي ترجمت خارج إسبانيا كتاب "الكليات" لابن رشد الفيلسوف الطبيب الأندلسي المشهور، وقد ترجمه أحد المترجمين غير المشهورين، بوناكوسا (Bonacosa) من بادوا (Padua) بإيطاليا سنة 1255م بعنوان (Colliget) وفصوله عن التنفس تمتاز بالنقد الأصيل لنظرية جالينوس([21]).

ولم يكد القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي يؤذن بالزوال حتى انتهى العصر الذهبي للترجمة من العربية إلى اللاتينية، وإن بقيت الترجمة حتى القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي قائمة. غير أن ما ترجم حتى نهاية القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي يعتبر بحق مفتاح النهضة الحضارية والازدهار العلمي والفكري لأوربا([22]).

وجدير بنا أن نتحدث هنا عن تلك المدرسة الطبية التي أدت دورا مهما في نقل ألوان التراث الطبي العربي الإسلامي إلى أوربا. وهذه المدرسة هي مدرسة مونبيليه بجنوب فرنسا. وقد ذاعت شهرتها في دراسة الطب منذ القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، وكان يعيش بهذه المدينة التي تنتسب إليها المدرسة طوائف كبيرة من العرب واليهود بالإضافة إلى المسيحيين الذين يجيدون اللغة العربية. وفي ظل شيء من التسامح الديني، عاشت تلك الطوائف معا في خدمة العلم وترجمة كتب الطب العربية وتدريسها. وكان لهذه المدرسة في أوائل القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي روابط وصلات متينة مع مراكز الطب العربية في جنوب الأندلس، وهو ما يؤكد عظم المهمة التي تولتها هذه المدرسة في نشر المعارف الطبية العربية في أوربا([23]).

وقد قام بتأسيس هذه المدرسة الكاردينال كونراد سنة 1220م ونظمها على شبه مدارس الطب الإسلامية. واحتل الطب الإسلامي مركز الصدارة في برنامج التدريس فيها طيلة القرن الثالث عشر والرابع عشر، فكان الأساتذة يشرحون كتب ابن سينا والرازي وأبي القاسم الزهراوي. وكانت هذه المدرسة على اتصال دائم بالمدارس العربية في جنوب إسبانيا، الأمر الذي يؤكد التأثير الفاعل لمدرسة مونبليه على تطور الطب الأوربي على الطريقة العربية([24]).

ولعل أهم ما تميزت به هذه المدرسة الطبية الشهيرة ما ضمته من مخطوطات طبية عربية كثيرة في الوقت الذي لم يكن في مكتبة جامعة باريس سوى تسعة كتب طبية أهمها "الحاوي" للطبيب المشرقي الرازي.

وكان لما صنفه بعض أطباء الأندلس أثر عظيم في ازدهار الدراسات الطبية في أوربا. فمنهم الطبيب والصيدلي عبد الرحمن بن وافد (كان حيا سنة 460هـ/1067م) والذي عرف عند الأوربيين بابن ويفيت (Eben Guefith) وبأسماء أخرى مشابهة. وكان من أعظم الأطباء والصيادلة الذين أثروا حقل الطب بدراساتهم العلمية القيمة. فكتابه الشهير عن الأدوية المفردة لقي إقبالا عظيما من أهل عصره ومن بعدهم من مسلمين وأوربيين في القرن السادس والسابع الهجريين/الثاني عشر الميلادي، وترجم إلى اللاتينية والعبرية والقطلانية وأفادوا منه في علم الصيدلة وتركيب الأدوية وصناعة العقاقير([25]).

ثانيا: طريق جزيرة صقلية

وهي الطريق الثاني لانتقال العلوم الإسلامية إلى أوربا حيث كانت تلك الجزيرة تنعم بالرقي والتقدم العلمي في ظل الحضارة الإسلامية، وكانت مركزا من مراكز الثقافة الإسلامية.

وكانت قبلها صقلية تعيش حالة من التأخر والجهل إلى أن افتتحها المسلمون سنة 212هـ/877م على يد الأغالبة بقيادة القائد المسلم أسد بن الفرات، فوفدوا إليها بعقلياتهم وثقافاتهم ومذاهبهم وحملوا معهم إليها طائفة من الكتب العربية أو المنقولة إلى العربية متنوعة في ثقافاتها. ومن هنا بدأ التلاقح الفكري. فما هي إلا فترة قصيرة استراحت فيها بعض الراحة من الحروب والفتن حتى أنتجت إنتاجا متنوعا في الفقه والحديث واللغة والفلسفة والطبيعة والطب والهندسة والنجوم، وكان ذلك في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس للهجرة.

وقد استمر الحكم الإسلامي في صقلية إلى سنة 848هـ عندما سقطت في أيدي النورمان الذين ساروا على نهج المسلمين في التسامح وتنشيط الحركة العقلية في الجزيرة، فأبقوا المسلمين على عاداتهم ودينهم ولسانهم، واستعملوا فريقا كبيرا منهم في حروبهم وحاشيتهم. فكان منهم القواد والعظماء والعلماء في الدولة الجديدة؛ وظلت اللغة العربية لغة رسمية في الجزيرة طوال حكم النورمان، بل لقد تعلم هؤلاء العربية؛ ومنهم من برز فيها ونظم الأشعار. وتخلق النورمان بأخلاق رعاياهم وعاملوهم معاملة نادرة في التسامح الديني والسياسي، حتى اتهم الباباوات أمراء النورمان بالإسلام، وما زالوا حتى قضوا عليهم بهذه التهمة الكاذبة التي لا أساس لها من الصحة([26]).

وكان للموقع الجغرافي الفريد الذي تتمتع به جزيرة صقلية عظيم الأثر في قيامها في مهمة نقل التراث الإسلامي إلى أوربا، حيث كانت صقلية وعلى الأخص عاصمتها "بالرمو" أكثر مدنها ازدهارا وتألقا ونقلا للعلوم الإسلامية وخاصة إلى جنوب أوربا (إيطاليا وفرنسا).

وفي بالرم (Palerme) التي اتخذها المسلمون عاصمة لهم في صقلية أنشأوا مدرسة للطب لم يعد مثلها في العالم اللاتيني آنذاك. وعلى غرار هذه المدرسة، أنشئت مدارس للطب في بلاد إيطاليا([27]).

في القرن الثاني عشر الميلادي أسس روجر في جزيرة صقلية أول كلية طب في أوربا قامت بتدريس طلاب الطب ومنحهم شهادات بعد التخرج تؤهلهم لممارسة مهنة الطب.

وقد تركز أثر صقلية على أوربا في الترجمة والنقل من اللغة العربية إلى اللغات الأوربية باختلافها حيث تصدت طائفة من المترجمين في صقلية لنقل التراث الإسلامي إلى أوربا في مقدمة هؤلاء قسطنطين الإفريقي الذي كان رائدا من رواد نقل التراث في القرن الحادي عشر، وقسطنطين الإفريقي (1020-1087م) عربي الأصل ولد في قرطاجة بتونس وساح في البلاد العربية حيث أتقن اللغة العربية بجانب معرفته اللغة اللاتينية واليونانية. وانتقل إلى إيطاليا حيث اتصل بجيزوفلو، أمير مدينة سالرنو، وبأخيه الطيب. ثم أمضى معظم حياته في دير مونت كاسينو حيث قام بترجمة الكتب العربية وبالتأليف. عمل بعض الوقت في مدرسة سالرنو الطبية، فأثر فيها تأثيرا بالغا بترجمته عددا من الكتب الطبية اللاتينية، وإدخاله التعليم الطبي العربي فيها كما أنه كان يكتب أيضا في القانون الصحي الذي كان يحرره عدد من أساتذة مدرسة سالرنو. ويذهب البعض إلى أنه كان قد أسلم ولكنه كتم دينه خوفا من الاضطهاد الذي كان سائدا ضد الإسلام والمدنية العربية خلال الحروب الصليبية. وظهرت أول طبعة من كتبه في بازل سنة 1537م في سبعة أجزاء. كما ترجم قسطنطين الإفريقي عددا من الكتب الطبية العربية التي كان قد أتى بها من الشمال الإفريقي والشرق العربي إلى الحكام النورمان الجدد في سالرنو. فتفرغ لترجمة هذه الكتب في دير بإيطاليا، ومنها "كتاب كامل الصناعة" لعلي بن العباس المجوسي طبيب عضد الدولة البويهي (كان حيا قبل سنة 384هـ/994م)([28]). وقد عرف هذا الكتاب في أوربا باسم "الكتاب الملكي". وقد قام قسطنطين بتدريس هذا الكتاب في ترجمته اللاتينية بالجامعة الطبية في سالرنو التي تخرج منها([29]). كما ترجم كتاب "زاد المسافر" لابن الجزار القيرواني (ت395هـ/1004م) وعرف الكتاب باللاتينية "Liber Regius"([30]).

وترجم أيضا كتب إسحاق بن سليمان الإسرائيلي في البول والحميات وكتب الرازي وكتاب "طب العيون" لحنين بن إسحاق وغيرها، وقيل إنه ترجم ما يقرب من سبعين كتابا طبيا من العربية، نسب بعضها إلى أطباء يونانيين. كما أصبحت بعد ذلك من الكتب التي كانت تدرس في جامعة مونبليه المشهورة بدراساتها الطبية بالإضافة إلى كتب طبية عربية أخرى مهمة ترجمت في القرن التالي([31]). وكان قسطنطين أول وسيط لنقل العلوم الإسلامية إلى أوربا عن هذا الطريق، وظل تأثير قسطنين يتزايد -بفعل تلامذته- وبتأثير مدرسة سالرنو بوجه أخص -لأن تأثيرها سرعان ما امتد إلى أنحاء أوربا كلها([32]).

كما نبغ عدد من المترجمين في صقلية، منهم فرج بن سليم اليهودي المعروف عند الغرب باسم فراجوت أو فراريوس الذي ترجم كتاب "الحاوي" للرازي ترجمة رائعة انتهى منها سنة 1289م([33]) وترجم أيضا "تقويم الأبدان" لابن جزلة البغدادي. كما ترجم كتاب "الطب التجريبي" لجالينوس.

وعن هذه الجهود جميعا نشأت مدرسة سالرنو في جنوب إيطاليا التي ركزت على دراسة الطب، وكانت مركز إشعاع لعلم الطب في جنوب إيطاليا حيث ازدهر الطب العربي على يد أساتذة من العرب وغيرهم في أواخر القرن الحادي عشر. وبفضل عدد من المترجمين الأكفاء أمست هذه المدرسة معينا لا ينضب للثقافة والعلوم العربية ودعامة صلبة للنهضة العلمية الأوربية وبرزت مدرستها الطبية سنة 985م.

وألفت كتب طبية في سالرنو أظهرت أن أطباءها لم يمتصوا المعلومات الحديثة العربية فقط، بل تمكنوا من توسيعها. وأهم مؤلفات مدرسة سالرنو هو "الموجز السالرني" و"النظام الصحي السالرني" (Regimen Satiates Salenitonum) الذي يبدو أنه ألف حوالي سنة 1100م، وهو قصيدة من 352 بيتا في الأصل. وأشهر شرح لها هو شرح أرنولد فلانوفا (Arnold of Villanova) (1235-1312م)، وهو طبيب وأديب من كاتلونيا أتقن العربية وترجم منها وألف باللاتينية. واشتهر من طلاب سالرنو مايكل سكوت [Michael Scot] (1175-1236م) الذي تضمنت إحدى وصفاته التخدير بالاستنشاق([34]).

من شواهد التأثير الفاعل للثقافة العربية في إيطاليا في تلك الحقبة إنشاء مدرسة لتعليم اللغة العربية في جنوا وإدخال كثير من الألفاظ والاصطلاحات العربية إلى اللغة الإيطالية. وكان تسامح الحكام المسلمين في صقلية كعادتهم في كل مكان حلوا فيع، عاملا مباشرا في ازدهار الثقافة والفنون والعلوم فيها، حيث شملت لغات العالم العلمية الثلاث في ذلك الزمان وهي اللاتينية واليونانية والعربية. وتم نقل المؤلفات من لغة إلى أخرى، وبذلك أصبحت صقلية خير نموذج لامتزاج الثقافات وصاحبة مدنية لاتينية يونانية عربية فريدة.

وهكذا كانت صقلية تحت الحكم الإسلامي مسرحا لنقل الحضارة الإسلامية بعامة، وعلم الطب على الأخص إلى أوربا.

ثالثا: طريق الحروب الصليبية في الشرق

بالقدر الذي بلغ فيه علم الطب عند المسلمين درجة عالية من التطور والرقي، وخاصة في بلاد الشام ومصر زمن الحروب الصليبية، كان الصليبيون وقتها في مستوى متدن للغاية حتى أن الطب كان عبارة عن خرافات وشعوذة. وما رواه أسامة بن منقذ يظهر لنا مدى التدني الذي كان عليه طب الصليبيين. فمن المعروف أن أسامة كان شاهد عيان اختلط بالصليبيين، ولذلك يعد حديثه عنهم حجة لها أهميتها. فقد روى أن جيلوم بوبور أخبره أثناء رحلة من عكا إلى طبرية برفقة معين الدين أنر عن فارس في أوربا مرض مرضا شديدا، فجيء إليه بقس كبير فوضع عليه يديه، وكان الحاضرون يتوقعون شفاءه فور قدوم القس. غير أن القس طلب شمعا ولينه، وعمله مثل عقد الإصبع ووضع كل واحدة في جانب أنفه فمات. وما كان من القس إلا أن التفت إليهم وقال سددت أنفه حتى يموت فيستريح([35]).

ومثل هذا الموقف الذي يحدث من جانب الصليبيين جعلهم يقدرون الطب عند أهل الشام ومصر، ويفضلون أطباء المسلمين على أطبائهم، على الرغم من معارضة رجال الكنيسة وعلى رأسهم برنار دي كليرفو الذي كان أحد معاصري أسامة بن منقذ وكان يؤمن بالمعجزات الشفائية، لذلك حرم على رهبانه الذين يداهمه المرض أن يتناولوا أي نوه من أنواع الأدوية، أو أن يتصلوا بالأطباء؛ لأنه يجدر بهم حسب رأيه أن يموتوا دون أن تعبث بهم العقاقير.

ولم تكن هذه المعتقدات نابعة من برنار وأمثاله، بل كانت متأصلة في الزعي الديني عند النصارى آنذاك، الذين يعتبرون المرض نوعا من الجزاء والعقاب الإلهي لا يصح للإنسان أن يتسبب في علاجه والبرء منه([36]).

وعلى الرغم من هذا الاعتقاد، فقد كان تقدير الصليبيين لأطباء مصر والشام كبيرا. وخير مثل على هذا ما حدث عندما أصيب بودوان بن عموري ملك بيت المقدس بالجذام. فقد استقدم عموري طبيبا من الديار المصرية هو داود بن أبي المنى لمعالجة ابنه. وكان الأمراء الصليبيون يلجأون إلى أطباء المسلمين عندما يصاب أحد منهم بمرض، مما جعل وليم الصوري يقول بشيء من الأسى: "إن أمراءنا الشرقيين، تحت تأثير نسائهم، يزرون بالأدوية وبالوسائل الطبية اللاتينية ولا يؤمنون إلا بالأطباء اليهود والسامريين والسوريين والعرب"([37]).

وكان بعض الطلاب الأوربيين المحبين للمعرفة يفدون إلى الشام لدراسة الطب في مدرسة طرابلس. وكانوا يبدأون دراستهم بعد تعلمهم وإتقانهم اللغة العربية([38]). وكان هؤلاء الطلاب يمارسون الطب بعد عودتهم بالمستوى الرفيع الذي وصلوا إليه. وقد طلب بعضهم من البابا إنوسنت الثالث أن يعمل على إقامة عدد من المشافي، فبادر في سنة 1204م بإنشاء مستشفى في روما سماه مستشفى الروح القدس. وأعقب هذا إنشاء عدد من المستشفيات على غراره في مختلف أنحاء أوربا. وقد وصل عدد هذه المستشفيات في القرن الثالث عشر الميلادي في ألمانيا وحدها إلى أكثر من مائة مستشفى. وفي فرنسا كثرت المستشفيات التي تعنى برعاية العجزة والفقراء. وفي عام 1260م أنشأ لويس التاسع في باريس ملجأ الثلاثمائة، وكان في بداية الأمر مأوى للمكفوفين، ثم أصبح مستشفى للرمد، والآن يعتبر من أهم المراكز الطبية في باريس. ومن المعروف أن الملك لويس كان قد قاد حملة إلى الشرق في عام 1249م. ولا شك أنه رأى في الشرق نماذج من المستشفيات، فعمد إلى إقامة مثيل لها في بلاده. أما في إنجلترا، فقد أنشئ مستشفى القديس بورثولميو في لندن في سنة 1123م، ويعتبر أقدم مستشفى في هذه البلاد. وفي عام 1215م أسس مستشفى القديس توماس في لندن([39]).

وإضافة إلى الطلاب الذين كانوا يفدون إلى الشرق للدراسة، كان هناك أطباء يرافقون الحملات الحربية ويجدون في هذا فرصة للتزود من معارف الشرق، ولا سيما في مجال الطب من الناحيتين العلمية والعملية. وكان من هؤلاء جراح إيطالي يدعى هوج البولوني قدم إلى الشرق في عام 1218م ومكث ثلاث سنوات اطلع خلالها على طرق العلاج، واتصل بالأطباء ليكتسب الخبرة. وكم كانت دهشته عظيمة عندما رأى المستشفى العسكري المتنقل الذي يحمله أكثر من ثلاثين جملا. وأثناء حصار دمياط تعرف هوج على الطريقة التي يضمد بها المصابون؛ فقد تعلم كيف تلف الجروح بخرق نظيفة ساخنة مبلولة بالخمر ثم تترك مدة أسبوع حتى تندمل([40]).

وقد أبدى هوج إعجابه بصفة خاصة بطريقة التخدير التي كان يتبعها الأطباء المسلمون قبل إجراء العمليات. وكان الأطباء المصريون يستعملون نبات الخشخاش والشوكران لتخدير المرضى. ورأى عملية تجبير الكسور التي تتم بطرق علمية لا تستخدم فيها آلات التعليب التي كانت متبعة في أوربا. وعندما عاد هوج إلى أوربا في عام 1221م، اهتم بنشر هذه الطرق والأساليب. وقد ترك بعد وفاته مدرسة للجراحة في بولونيا، تولاها ابنه ثيودريك، الذي كان أبوه قد أوصاه بالاهتمام بتضميد الجروح على نحو ما تعلمه من العرب، واتباع طريقتهم في التخدير. وقد أثبت ثيودريك أنه خير خلف لأبيه؛ فلقد زاول مهنة الطب وألف كتابا في الجراحة ضمنه تعاليم أبيه الطبية، وبخاصة في هذا الحقل([41]).

وكانت الكنيسة قد حرمت ممارسة الجراحة بموجب مرسوم صدر في سنة 1163م. ولكن بعد أن أخذت الكتب الطبية المترجمة عن العربية تنتشر في أوربا وتأسست عدة مراكز طبية على غرار مراكز الشرق، بدأ الاهتمام بالجراحة. وقد جاء في سجلات شارك دانجو، ملك صقلية، ذكر الكثير من المؤلفات اللاتينية المترجمة عن اللغة العربية. وقد رافق سَارْك أخاه لويس التاسع ملك فرنسا في حملته على مصر، وتسنى له الاتصال بالعلماء العرب، وقد عرف عنه أنه أسس مدرسة للترجمة([42]).

هذا، وقد تمت في الشرق ترجمة بعض الكتب العربية إلى اللاتينية. ومن أشهر هذه الترجمات ترجمة الكتاب الملكي "كامل الصناعة الطبية" الذي ألفه علي بن عباس المجوسي. وهذه الترجمة قام بها ستيفن الأنطاكي ستيفانو دبيزا أثناء وجوده في أنطاكية في سنة 1127م وسماه "الكتاب الملكي"، وهو العنوان الذي عرف به الكتاب في أوربا وقد ترجم هذا الكتاب تحت اسم "Liber Pantegni". الواقع أن هذه الترجمة إعادة للترجمة التي قام بها قسطنطين الإفريقي في دير مونتي كاسينو في إيطاليا في القرن الحادي عشر الميلادي، وقد قوى الأثر العربي في هذه جامعة سالرنو بإيطاليا بالمعلومات الطبية التي كان الصليبيون العائدون من الشرق يحملونها معهم، فكانت إلى جانب الكتب العربية رافدا من روافد التعليم الطبي في هذه الجامعة. وظلت المقالتان الأولى والثالثة مرجعا لطلاب هذه الجامعة في علم التشريح مدة قرن من الزمان([43]).

وممن برز في نقل الطب إلى أوربا عبر هذا الطريق أدلار بات الذي اشتهر بنشاطه العلمي بين 1115 و1142م، حيث عاش في الشرق لسنوات عديدة وألف كتبا عديدة فيها الكثير من الآراء العلمية العربية؛ كما قام بترجمة عدد آخر من الكتب العربية إلى اللاتينية. وساهم المرضى والأطباء من المحاربين العائدين أيضا في نقل كثير من الوصفات الطبية العربية إلى الغرب، وكان المحيط الرئيس لهم لدى العودة مدينة سالرنو حيث أفاد في دفع الحركة الطبية في مدرستها. وعلى الرغم من كون تأثير الحروب الصليبية على الثقافة والطب لم يكن بحجم المعابر، فإن ذلك التأثير ظهر جليا في أوربا بعد القرن الثاني عشر بظهور المستشفيات والملاجئ التي أخذوها عن المشرق الإسلامي([44]). إذ أنه يمكن أن نجزم بأن من أبرز الآثر الملموسة للطب الإسلامي في أوربا عن هذا الطريق هو تلك المستشفيات التي أخذت تنتشر في العواصم الأوربية بداية من القرن الثالث عشر الميلادي حيث كان الشرق الإسلامي ميدانا لمشاهدة الأوربيين لتلك البيمارستانات المنتشرة عند المسلمين والتي بلغت حدا من الرقي والتقدم كالبيمارستان النوري والمنصوري بالقاهرة.

ومن المعابر الثانوية:

1- الرحلات:

كان من بين المعابر الثانوية للحضارة الإسلامية بعامة، وعلم الطب بخاصة، إلى أوربا تلك الرحلات التي قام بها الأوربيون إلى عدد من مناطق العالم الإسلامي وبلاده. وكان الغرض الأساسي من هذه الرحلات هو التجارة والسياحة وتلقي العلوم. فعلى سبيل المثال ماركو بولو صاحب الرحلة السياحية المشهورة، وليوناردو دافنشي الذي ولد في بيزا عام 1180م؛ وخلال عمله في التجارة في بجاية في الجزائر تعلم الحساب وزار طوروس وسبتة وتونس، وتردد على مكتبات الإسكندرية ودمشق، وناقش كبار العلماء في القاهرة، ودرس كل ما حوته مخطوطات كبار الرياضيين من الإغريق والهنود والعرب، فنبغ في ذلك؛ وبعد أن عاد إلى إيطاليا تنبه إليه القيصر فردريك الثاني وضمه إلى خلصائه من العلماء. فهناك ألف الكتب وعلم الغربيين الأرقام العربية والصفر العربي([45]).

وقد أدرك كثير من الأوربيين أهمية الطب عند المسلمين ومدى ما وصلوا إليه من تطور في هذا المجال، فشرعوا في الرحلة إلى عدد من بلدان العالم الإسلامي والإقامة بها سنوات طويلة تعلموا خلالها اللغة العربية ودرسوا ما احتاجوا إليه من علوم ومنها علم الطب. وكان ممن رحل لهذا الغرض الطبيب الأنطاكي أندرياس ألباكوس (Andreas Alpaqus) (1450-1523م) الذي قضى أكثر من ثلاثين سنة في سوريا حيث ذهب خصيصا لدراسة اللغة العربية وللاطلاع على النصوص والمخطوطات العربية في أصولها، ثم عاد إلى بادوا وعين أستاذا للطب في جامعتها، فترجم عددا من الكتب العربية إلى اللاتينية مع شروح على بعضها. وقد نشر قسم منها بعد وفاته، منها ترجمة شرح ابن النفيس للقسم الخامس من "قانون" ابن سينا طبع سنة 1527م، ونقح ترجمة جرارد الكريموني لـ"قانون" ابن سينا طبع سنة 1527م، وأعيد طبعه بعد ذلك مرات متعددة وبلغت طبعات "القانون" 36 طبعة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وطبعت ترجمته لكتاب "الأدوية" لابن البيطار سنة 1602م. "ولكن من المؤكد أنه لم تطبع كل الكتب التي ترجمها ألباكوس لغرض النشر"([46]).

وقد أصبحت نسخته من "شرح التشريح" لابن النفيس في مكتبة أسرة ناني (Nani) في البندقية. وقد اطلعت على فهرس المكتبة الذي أعده أستاذ اللغات الشرقية في جامعة بادوا سيموني أسماني (Simon Assemani)، ونشر سنة 1792م في بادوا. فإذا هو يحتوي على وصف النسخة التي كتبت سنة 734هـ/1333م، أي خمس وخمسين سنة بعد وفاة المؤلف ابن النفيس. وتقع في 306 صفحات. إن لوجود هذه النسخة أهمية كبرى في تاريخ اكتشاف الدورة الدموية([47]).

2- البعثات العلمية:

كما أن من ضمن المعابر الثانوية للحضارة الإسلامية بعامة وعلم الطب بخاصة إلى أوربا، تلك البعثات العلمية التي يقوم بإرسالها بين الحين والآخر ملوك أوربا إلى الديار الإسلامية لدراسة علوم المسلمين ونقلها إلى اللغات الأوربية، ومنها علم الطب.

ومن البعثات العلمية المبكرة التي أرسلت إلى العالم الإسلامي من أوربا تلك البعثات المتواصلة التي كانت تفد إلى الأندلس من الأقطار الأوربية كإيطاليا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا حتى بلغت سنة 312هـ في عهد الخليفة الناصر زهاء سبعمائة طالب وطالبة. وكان من بين تلك البعثات بعثة علمية فرنسية برئاسة الأمير إليزابث ابنة خال الملك لويس السادس ملك فرنسا آنذاك([48]).

كما أن فيليب ملك بافاريا بعث إلى الخليفة الأموي هاشم الثالث (حوالي سنة 403هـ) برسالة يستأذنه فيها أن يرسل بعثة من الطلاب والطالبات للاطلاع على النهضة العلمية التي تعيشها الأندلس للاستفادة منها والاقتباس عن حضارة الأندلس الراقية. وكان على رأس هذه البعثة وزير الملك المدعو ويلمبين الذي سماه العرب "وليم الأمين"، وكانت هذه البعثة تتألف من 215 طالبا وطالبة تم توزيعهم على حواضر العلم في الأندلس. وتذكر الروايات التاريخية أن ثمانية من أفراد هذه البعثة اعتنقوا الإسلام ومكثوا في الأندلس، ومن هؤلاء الثمانية ثلاث فتيات تزوجن بعدد من مشاهير رجال الأندلس([49]).

ويذكر التاريخ أن ملك إنجلترا جورج الثاني أرسل بعثة من بنات النبلاء والأشراف، وفي مقدمتهن الأميرة دوبانت ابنة أخيه، إلى الأندلس ووجه معهن خطابا إلى الخليفة الأموي يقول فيه: "أردنا لزبنائنا اقتباس حضارتكم لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر نور العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل"([50]). كما يشير فؤاد سزكين إلى طريق آخر لنقل العلوم الإسلامية ومنها الطب إلى أوربا. ذلك هو الطريق الشفوي. إذ عمد عدد من الأوربيين منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وبخاصة الذين لا يفهمون العربية، إلى الترجمة الشفوية لإنتاج العلماء المسلمين حيث كانوا يستفيدون من مؤلفات المسلمين دون أن تكون قد ترجمت إلى اللغات الأوربية أو أنها كتب ترجمت ثم خفيت ترجماتها على الناس([51]).

هذا وقد تعددت مجالات التأثير في الطب الإسلامي على أوربا وشملت مختلف فروع الطب وجوانبه. إلا أنه يمكن الإشارة إلى عدد من الجوانب التي يمكن تلمس ذلك الأثر عن طريقها بصفة واضحة، ومنها:

- الصيدلة:

نشأت الصيدلة منذ زمن قديم وارتبطت ارتباطا وثيقا بعلم الطب، إذ كان الطبيب هو الذي يعد الدواء ويركبه للمرضى. ومع مرور الزمن وتشعب العقاقير وطرق تركيبها، ظهر التخصص في هذا العلم مع اتصاله الملح مع الطب. فالأسس والاحتياجات والمقادير يصنعها الطبيب، والصيدلي هو الذي يعمل على جمعها وتركيبها واختيار الأجود من أنواعها.

وقد برع المسلمون في تحضير وضع الضمادات والمساحيق والمراهم وتركيباتها، واكتشفوا أدوية جديدة منها: الكافور والصندل واللاوند والمسك والتمر هندي والحنظل، كما اخترعوا الكحول والمستحلبات والخلاصات العطرية، وهم أول من ابتكر الشراب الحلو المستخرج من نبات الكرنب مع السكر. وما زال الغرب يطلقون عليه كلمة (Syrop) وهي مأخوذة من كلمة "شراب" التي تردد في المصادر العربية.

ولذا، فإن من المسلم به لدى المختصين في تاريخ العلوم أن المسلمين هم أول من جعل الصيدلة علما مستقلا، وعملوا على تقدمه تقدما ملحوظا. وبذا تقول زيغريد هونكه حول مكانة الصيدلاني عند المسلمين:

لقد نقل العرب حقل محضر الدواء عن حقل واصفه وأوجدوا مهنة الصيدلاني الذي ارتفع إلى مركز عال بفضل علومه ومسؤولياته الخاصة. وكانوا أول من افتتح الصيدليات العامة، وذلك في العام الثمانين من القرن الثامن في ظل حكم الخليفة المنصور؛ كما أنهم ألحقوا بكل بيمارستان صيدلية خاصة به([52]).

ونما تبعا لذلك علم العقاقير أو الأقراباذين (Materia Medica) عند المسلمين نموا كبيرا حيث أكثروا من التأليف في الأدوية المفردة من الأعشاب وغيرها، وفي الأدوية المركبة في صور مختلفة. وتضرب زيغريد هونكه مثالا من عمل ابن سينا في كتابه المشهور "القانون في الطب" الذي ذكر فيه ما ينوف على سبعمائة عقار أدخلت كلها في علم النبات وعلم الصيدلة للأوربيين. وظل الكثير منها بأسمائها العربية في اللغات العربية في اللغات الأجنبية كالعنبر والزعفران والكافور والمسك وعود الند والصندل والتمر هندي وغيرها([53]).

واشتهر عدد من صيادلة العرب شهرة واسعة ونالت أعمالهم استحسانا كبيرا في أوربا. ومن هؤلاء ماسويه المارديني (المتوفى سنة 406هـ/1015م) الذي عاش في بغداد والقاهرة، وعرف في أوربا بماسويه الصغير أيضا، وله مؤلف ضخم في العقاقير في اثني عشر جزءا ترجم إلى اللاتينية وشاع واشتهر اشتهارا واسعا في أوربا اللاتينية، واستمر مدة قرون عديدة الكتاب المدرسي الأول في الصيدلة في أوربا([54]).

وكان ممن برز في علم الصيدلة عند المسلمين الطبيب عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكريم الملقب بابن وافد الطليطلي المتوفي سنة (467هـ/1074م). وكانت اهتماماته في الأدوية المفردة، وألف فيها كتابا ضاع أصله العربي، بينما هو موجود في ترجمته اللاتينية بعنوان Meineralibus Simplicibus. ويقدر تأثيره بأن طبع منه حوالي خمسين طبعة ملحقا بمؤلف ماسويه الصغير المذكور آنفا وانتشرت في مختلف أنحاء أوربا([55]).

ومن أشهر وأوسع الكتب في الموضوع كتاب "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" لابن البيطار (ت698هـ/1298م). وقد ترجمت أجزاء من هذا الكتاب إلى اللاتينية وطبعت منذ 1598م في البندقية، ثم في باريس 1606م. والترجمة الكاملة ظهرت في ألمانيا، وطبعت في شتوتجارت في سنة 1842م([56]).

وكان تأثير علم الصيدلة عند المسلمين كبيرا جدا في أوربا. ويظهر ذلك من ترجمة المصادر العربية من الصيدلة إلى اللاتينية منذ عهد مبكر وطبعها وتداولها أو الاستفادة منها حتى أوائل القرن التاسع عشر. كما يظهر هذا الأثر من خلال اطلاع الأوربيين على أسماء وأوصاف عقاقير أسيوية وإفريقية لم يعرفها اليونانيون من قبل([57]).

وقد امتد أثر علماء المسلمين على غيرهم من الأمم في علم الصيدلة أن أخذ العلماء في كل من أوربا وأمريكا، قبيل عهد قريب وبالتحديد سنة 1964م، بإعادة قراءة كتاب ابن داود "تذكرة أولي الألباب" في محاولة للكشف عن أدوية جديدة للأمراض([58]).

- الجراحة:

أما عن الجراحة وفنونها، فقد تقدمت عند المسلمين تقدما كبيرا وقدموا فيها أروع الإنجازات واشتهر منهم عدد من أعلام الجراحة في التاريخ كان من أبرزهم رائد الجراحة في قرطبة أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي المتوفى سنة 427هـ/1035م الذي ألف كتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف"، وجعل للجراحة بابا خاصا مهما من هذا الكتاب. وكان هذا الباب شرطا في ممارسة الجراحة. وقد نشر باللغة اللاتينية باسم Chirurgia. وقال عنه الدميلي إنه أعظم الجراحين العرب على وجه الخصوص([59]).

ويمتاز كتاب "التصريف" بكثرة الرسوم التوضيحية للآلات الجراحية التي كان يستخدمها في عمله. ولقد استمر هذا الكتاب مدة خمسة قرون عمدة في الأمور الجراحية في أوربا وترجم مرات عديدة إلى اللغة العبرية واللاتينية.

وقد استمر تطور علم الجراحة عند المسلمين في القرون اللاحقة، مما حدا بالمؤرخ الإنجليزي كامبل إلى أن يصف الجراحة في الأندلس بقوله:

فكانت الجراحة في إسبانيا المسلمة في القرن الثالث عشر تتمتع بسمعة أعظم من سمعتها في باريس ولندن وأدنبره. ذلك أن ممارسي مهنة الطب في سرقسطة كانوا يمنحون لقب طبيب جراح، بينما كان لقبهم في أوربا حلاق حراج. وظل هذا التقليد ساريا في إسبانيا حتى القرن السادس عشر([60]).

وقد أخذ الأوربيون معارفهم في الجراحة من علماء المسلمين. فكان باب الجراحة من كتاب "التصريف" للزهراوي مرجعا لكل من مارس الجراحة في أوربا آنذاك.

وكان من أبرز العلماء المسلمين الذين كثرت تآليفهم في علم الطب وازداد أثرهم وذاع صيتهم في الغرب:

- الرازي (240-320هـ/854-932م)

هو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي من أشهر الأطباء الكبار وأنبغهم وأكثرهم تأليفا وابتكارا، طبقت شهرته الآفاق عبر العصور، وقد عرف في أوربا منذ العصور الوسطى بـ Rhazes، وانتشرت مؤلفاته بها مترجمة إلى اللاتينية.

ولد الرازي بالري في سنة 240هـ/854م، وتوفي في حدود سنة 320هـ/932م بعد عمر مديد أصيب بالعمى في آخره. وعلى ذلك، فإنه عاش في النصف الثاني من القرن الثاني والربع الأول من القرن الثالث للهجرة، أي أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر للميلادي.

والرازي غزير الإنتاج. كتب في موضوعات شتى من الفلسفة والكيمياء والطب وغيرها، وبلغ عددها 13 كتابا و24 رسالة أو بحثا، ونصفها في الطب. وأشهر وأوسع مؤلفاته في الطب كتاب "الحاوي". وهو موسوعة طبية حافلة، حوى جميع المعارف الطبية لدى اليونان والعرب والهند، كما ضمنه المؤلف تجاربه الشخصية من المداواة وهي مهمة، وآراءه المبتكرة في هذا المجال. وكان تأثيره كبيرا في تقدم الطب في الشرق والغرب فأصبح من الكتب المدرسية الذي كان يرجع إليه الأطباء دائما. وقد طبع منه 23 جزءا حتى الآن.

أما تأثيره في أوربا، فيذكر أنه ترجم إلى اللاتينية لأول مرة في سنة 1279م برعاية الملك شارل أنجو ملك صقلية. ترجمه الطبيب اليهودي فرج بن سالم، وعرف في اللاتينية باسم Continens، وانتشر في نسخ خطية كثيرة. ثم عندما اخترعت الطباعة، طبع لأول مرة في سنة 1468م، ثم أعيد طبعه مرارا وأصبح من الكتب المعتمدة في دراسة الطب في جامعات أوربا حتى القرن الثامن عشر الميلادي. وهو من الكتب التسعة التي كانت تتكون منها مكتبة الكلية الطبية في باريس سنة 1395م. وتكررت طباعته في أوربا بترجمته اللاتينية، وبقي القسم الخاص بالصيدلة المرجع المهم في التداوي زمنا طويلا([61]).

وكانت رسالة أبي بكر الرازي المشهورة في الجدري والحصبة أول بحث علمي متقن في الأمراض المعدية. ويمكن تقدير شهرتها وتأثيرها بأنها طبعت أربعين طبعة باللغة الإنجليزية بين سنتي 1498 و1866م. وكانت هذه الترجمة الإنجليزية من ترجمة الكتاب باللاتينية التي تمت في عصر مبكر في القرن الحادي عشر الميلادي([62]).

وقد اعترف به الغربيون عموما؛ كما أن علماء أمريكا وجامعاتها وضعوا له اعتبارا خاصا في جامعة برنستون الأمريكية بتخصيص ناحية فخمة من بنائها لمآثر الرازي، وأنشأوا دارا لتدريس العلوم العربية والبحث عن المخطوطات الطبية وإخراجها([63]).

ومن كتبه المشهورة المهمة ذات التأثير العظيم في معارف أوربا الطبية كتاب "المنصوري" الذي ألفه للأمير منصور بن إسحاق أمير سجستان وهو في عشرة أجزاء، وقد نقل هذا الكتاب إلى اللاتينية أيضا في القرن الثاني عشر الميلادي وعرف باسم Liber Almansoris. وطبع لأول مرة في ميلانو بين 480 و1489م. وظلت تدرس في جامعات أوربا بجانب كتب الرازي الأخرى حتى القرن السابع عشر للميلاد.

وكان من تقدير أوربا وأمريكا لهذا العالم الطبيب العبقري الفذ أن علقت صورته في القاعة الكبرى بكلية الطب بجامعة باريس كما سميت قاعة من أفخم قاعات جامعة برنستون الأمريكية باسمه.

- علي بن العباس المجوسي (كان حيا قبل سنة 384هـ/994م)

طبيب عضد الدولة البويهي وأحد تلامذة الطبيب الرازي. اشتهر في ممارسة الطب وتعليمه وألف كتاب "كامل الصناعات الطبية"، وهو أول كتاب عربي كبير يترجم إلى اللاتينية ترجمه قسطنطين الإفريقي وعرف بالكتاب الملكي "Liber Regius"؛ وقيل فيه إنه:

كتاب جليل وكناش نبيل اشتمل على علم الطب وعمله. وكانت أفضل أقسامه القسم الذي يبحث في علم الأغذية الصحية وعلم العقاقير الطبية. ومن الأمور المبتكرة فيه إشارته إلى وجود الحركة الدموية الشعرية، وبرهانه على أن الطفل في الولادة لا يخرج من نفسه، بل بفعل تقلصات عضلية داخل الرحم إلى غير ذلك من الإضافات الطبية المهمة([64]).

- ابن سينا (370-428هـ/980-1037م)

أما الطبيب ابن سينا، فهو أشهر الأطباء في تاريخ الطب العربي على الإطلاق، وفاق في الشهرة والتأثير سلفه الرازي، وإن كان أقل منه ابتكارا عند البعض، وكان بجانب نبوغه في الطب فيلسوفا بارعا، بل هو عالم موسوعي درس جميع العلوم الفلسفية القديمة عند اليونان من الطبيعيات والرياضيات والفلك والمنطق والفلسفة حتى عرف بلقب "الشيخ الرئيس". ولا شك أنه أحد كبار عباقرة العلوم في تاريخ الإسلام، بل على المستوى العالمي.

واسمه الكامل أبو علي الحسين بن عبد الله، واشتهر بابن سينا. وقد ولد في إحدى قرى مدينة بخارى في سنة 370هـ/980م، وتوفي بهمذان في سنة 428هـ/1037م.

وكان من أعظم وأشهر كتبه في موضوع بحثنا "القانون في الطب"، ويعرف بـ"القانون". وقد اشتهر اشتهارا كبيرا في الشرق والغرب على السواء. والذي دفع أحد العلماء الأمريكيين أن يقول: "إن كتاب "القانون" ظل الحجة والمرجع في الطب مدة أطول من أي مدة بلغها كتاب طبي آخر". وأصبح هذا الكتاب كتابا مدرسيا في المعاهد الطبية في الشرق وكذلك في كليات الطب وجامعات أوربا بعد ترجمته إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي، وظل يدرس فيها حتى نهاية القرن السابع عشر للميلاد([65]).

ويقدر مدى انتشار هذا الكتاب في العالم الغربي في العصور الوسطى أنه طبع خلال ست وعشرين سنة (1174-1500م). وقد طبع في بولاق بمصر في أواخر القرن التاسع عشر في ثلاثة مجلدات كبار. وهو كتاب ضخم شامل في جميع المعارف الطبية، ويفوق في دقة التنظيم والتنسيق كتاب "الحاوي" للرازي، وفيه ذكر ستين وسبعمائة دواء.

ومن الجدير بالذكر أن كتابه "القانون في الطب" لا يزال يدرس ويستعان به في كليات الطب العربي والهند والباكستان، كما يمارس هذا الطب الذي يسمى في تلك البلاد بالطب اليوناني على مدى واسع. وهذا العلاج أرخص وأقل ضررا من الطب الأوربي، وله أطباء مشهورين منتشرون في جميع أنحاء شبه القارة الهندية. وتزين صورة ابن سينا القاعة الكبرى بكلية الطب بجامعة باريس بجانب صورة الرازي الطبيب([66]).

- الزهراوي:

خلف بن عباس الزهراوي المتوفى سنة 427هـ/1035م، وهو أشهر أطباء الأندلس ورائد الجراحة في قرطبة. وقد اشتهر بتأليف كتابه المشهور "التصريف لمن عجز عن التأليف" والذي قال بالنثيا صاحب كتاب تاريخ الفكر الأندلسي:

إنه أهم وأذيع كتاب في تاريخ الطب كله، وإن الزهراوي قد ارتفع به في أعين الناس إلى طبقة أبقراط وجالينوس، وإنه يحوي رسوم الآلات الجراحية. وهو أول مؤلف جعل الجراحة علما قائما بذاته مستقلا عن الطب وأقامها على أساس من العلم بالتشريح([67]).

وقد نشر ضمن هذا الكتاب 200 شكل عن آلات الجراحة واستعمالاتها. وقد نقل جزءا من هذا المؤلف المترجم جيراد الكرموني، وصدرت منه طبعات مختلفة: واحدة في البندقية عام 1497م وأخرى في بلسل عام 1541م وثالثة في أكسفورد عام 1778م، وظل في مدرستي سالرنو ومونبلييه وغيرهما من مدارس الطب المتقدمة([68]).

ويذكر الدميلي أن الزهراوي أشهر أطباء الأندلس في ذلك العصر، بل من أعظم أطباء المسلمين أيضا... وربما كان الزهراوي أعظم الجراحين العرب على وجه الخصوص([69]). ويذكر العالم الشهير هالو أن كتب أبي القاسم الزهراوي كانت المصدر العام الذي استقى منه جميع من ظهر من الجراحين بعد القرن الرابع عشر، وترانا مدينين لأبي القاسم بكثير من الآلات الجراحية التي تظهر صورها في كتبه.

- ابن زهر:

أبو مروان عبد الملك بن زهر (ت557هـ/1162م)، وهو أحد أعلام الطب البارزين في الأندلس، وبالتحديد في عصر الموحدين، وكان أحد أفراد أسرة ابن زهر التي تفرع منها ستة من الأطباء المرموقين. وقد اشتهر ابن زهر بمؤلفه الطبي كتاب "التيسير في المداواة والتدبير" الذي جعل محور اكتشاف الأمراض هو التجربة، مما أوصله إلى آراء مبتكرة. وقد ترجم هذا الكتاب إلى العبرية، ثم إلى اللاتينية، وصار أحد المصادر المهمة التي كانت تدرس في المراكز الطبية المشهورة في أوربا حتى القرن الثامن عشر الميلادي([70]). وكان ابن زهر قد ألف هذا الكتاب استجابة لطلب صديقه ابن رشد الذي كان من أشد المعجبين به، وقد أثنى عليه كثيرا في "كلياتـ"ـه، واعتبره أعظم طبيب عرفه العالم بعد جالينوس. وأقل ما يقال عنه أنه أعظم طبيب سريري في الإسلام بعد الرازي([71]).

ومع مرور الزمن، آتت تلك الجهود ثمارها؛ وظهر تأثير الأوربيين في المعرفة الطبية بالطب الإسلامي، وظهر جيل من مشاهير الأساتذة في الطب في عدد من العواصم الأوربية، وأظهر علم وظائف الأعضاء بعض النشاط والانتعاش، وصدرت كتب في علم التشريح بأقلام الأوربيين أنفسهم، وأصبحت أمراض النساء وعوارض الحمل والولادة موضوعا للدراسة العلمية بعدما كانت من اختصاص القوابل والمولدات، وانتقلت أمراض العين من أيدي القداحين الجوالين إلى أيدي الأطباء المدركين لمهنتهم. وأسس في البلاد الأوربية أعدادا من الجامعات والمعاهد التي تعنى بتدريس الطب حيث يتأكد أنه من ضمن آثار انتقال العلوم الطبية عند المسلمين إلى أوربا أن نشأت المدارس الخاصة بتعليم الطب في كل من مونبيلييه ونابولي وبولونيا وبادوا وأورلياتن وأكسفورد وبكريدج وغيرها، وهذه المدارس جميعها كانت تستخدم كتب الطب الإسلامية بلغاتها العربية أو المترجمة إلى اللغة اللاتينية، وكانت الأساس في تقدم المعارف الطبية عند الأوربيين قرونا عديدة. وأصبحت مصادر الطب على اختلافها ميسورة باللغة اللاتينية، وازداد التقدم في ميداني الصحة والجراحة وإدارة المستشفيات أيضا. فاضطلع كي دي شولياك كبير جراحي مونبيلييه (ت1368م) بعمليات الفتق، كما برز لانفراشي الميلاني الذي زاول الطب في فرنسا بطرق محسنة لربط الأوعية الدموية وخياطة الجروح إلى غير ذلك من الآثار الطبية([72]).

ويشار هنا إلى أن من مظاهر التأثر الأوربي بالطب الإسلامي وجود عدد كبير من الألفاظ والمصطلحات العلمية العربية في مجالي الطب والصيدلة تستخدم في اللغات الأوربية الحديثة برسمها أو ببعض التحوير الذي لا يخفي أصلها ومصدرها، ومن ذلك:

الكلمات الطبية المستخدمة في اللغة الإنجليزية والتي اشتقت من العربية([73]):

الإكسير

Elixir

حكيم

Hakeem

حشيش

Hasheesh

معجون

Majoon

مرئ

Meri

موميا

Mummy

نخاع

Nucha

صداع

Soda

سبات

Subeth

سنبل

Sumbul

طباشير

Tabashee

أما في مجال الصيدلة والنبات، فمنها:

كمون

Cumin

أبو المسك

Abelmosk

الحناء

Alcanna

الحنظل

Alhandal

البرقوق

Apricot

أرجان

Argan

الخرشوف

Artichoke

الباذنجان

Aubergine

بندق

Bonduc

كافور

Caphor

قهوة

Coffee

قطن

Cotton

كركم

Corcus

كبابة

Cubeb

كمون

Alcanna

 

وأشير ختاما لهذا البحث إلى أن ترجمة الكتب الطبية العربية إلى اللغات الأوربية كانت أساسا للمعرفة الطبية عند الأوربيين، ثم هي سبب رئيس فيتطور الطب الأوربي حيث ترجم في أوربا من العربية إلى اللاتينية أكثر من ثلاثمائة كتاب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. وهذا العدد كبير جدا بالنسبة لهذه الفترة. ومن هذا المنطلق بدأت الصحوة الأوربية بعد أن عرف الأوربيون الحضارة الإسلامية عن كثب، فعملوا على صنع حضارة خاصة بهم مستفيدين من الأفكار والنظريات التي انتهى إليها العلماء المسلمون، فواصلوا المسيرة العلمية حتى استطاعوا أن يشيدوا صرح الحضارة الحديثة([74]).

ثم إنه يحسن بنا أن نشير هنا إلى أن اللغة العربية كانت هي لغة الطب ممارسة وتعليما في أروقة المستشفيات ومراكز الطب على اختلافها. وقد أغنت هذه اللغة كل الثقافات التي نقلت إليها ولم تعجز عن حمل هذه الرسالة الواسعة. ولا تزال لغتنا العريقة قادرة على الاستيعاب وقبول كل ما ينقل إليها من علوم ومعارف وأن تسير في مواكبة الرقي والتقدم الحضاري في هذا الزمان.

وربما يأتي اليوم الذي يعود فيه المسلمون إلى أسباب تلك الحضارة المجيدة السابقة ويعملون على استعادة ماضيهم المشرف وتقوى معارفهم العلمية واكتشافاتهم، فتعود الأمم تتطلع إلى نتاج المسلمين كما كانت سابقا وليس ذلك على الله ببعيد.

 


المصادر والمراجع

 

أحمد عبد الرحيم السايح، أضواء على الحضارة الإسلامية، الرياض، دار اللواء، 1401هـ/1981م.

أحمد علي الملا، "أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية"، ط2، دمشق، دار الفكر، 1981.

الدميلي، العلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي، ترجمة عبد الحليم النجار ومحمد يوسف موسى، دمشق، دار القلم، 1962م.

أنخل جنثالث بالنشيا، تاريخ الفكر الإسلامي، نقله عن الإسبانية حسين مؤنس، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ص.466، وقد جعل وفاته سنة 403هـ/1013م.

توفيق الطويل، "الحضارة الإسلامية والحضارة الأوربية. دراسة مقارنة، القاهرة، مكتبة التراث الإسلامي.

جلال مظهر، حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العلمي، القاهرة، مكتبة الخانجي.

جلال مظهر، الحضارة الإسلامية أساس التقدم العلمي الحديث، القاهرة، مركز كتب الشرق الأوسط.

جلال مظهر، مآثر العرب على الحضارة الأوربية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1960م.

جلال مظهر، مآثر العرب على الحضارة الأوربية، بيروت، دار الرائد، 1967م.

خليل السامرائي وآخرون، تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، جامعة الموصل.

زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، تعريب فاروق بيضون وكمال دسوقي، بيروت، المكتب التجاري، ط2، 1969م.

سعد بن عبد الله البشري، الحياة العلمية في عصر ملوك الطوائف في الأندلس، الرياض، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 1414هـ/1993م.

سيد رضوان علي، العلوم والفنون عند العرب ودورهم في الحضارة العالمية، الرياض، دار المريخ، 1407هـ/1987م.

صالح رمضان محمود، "أهم المبدعين في مجالات الفكر والعلم التي أغنت بها الحضارة العربية الإسلامية المسيرة الإنسانية، مجلة المؤرخ العربي، العدد الثامن عشرة، بغداد، 1401هـ/1981م، ص.29.

الشيرزي أبو المظفر أسامة بن منقذ (ت584هـ/1188م)، الاعتبار، حرره فيليب حتي، مطبعة جامعة برنستون، 1930م.

عبد الله بن عبد الرحمن الربيعي، أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوربي، الرياض، 1415هـ/1994.

عبد الحليم منتصر، تاريخ العلوم ودور العلماء في تقدمه، القاهرة، دار المعارف، 1980، ص.230.

علي عبد الله الدفاع، لمحات من تاريخ الطب عند المسلمين الأوائل، الرياض، دار الرفاعي، 1983م.

علي عبد الله الدفاع، أعلام العرب والمسلمين في الطب، بيروت، دار الرسالة، 1983م.

عمر عبد السلام تدمري، الحياة الثقافية في طرابلس خلال العصور الوسطى، بيروت، دار فلسطين، 1973م.

الفاضل عبيد عمر، الطب الإسلامي عبر القرون، الرياض، دار الشواف-جدة، المطبوعات الحديثة، 1410هـ/1989م.

فؤاد سزكين، محاضرات في تاريخ العلوم العربية والإسلامية، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فرانكفورت، ألمانيا، 1404هـ/1984م.

فيليب حتي وآخرون، تاريخ العرب، الجزء الثاني، ط4، بيروت، 1965، ص.685.

ماكس مايرهوف، العلوم والطب، ضمن مجلد تراث الإسلام، إشراف توماس أرنولد، تعريب وتعليق جرجيس فتح الله، ط3، بيروت، دار الطليعة، 1978، ص.499.

محمد زهير البابا، "مصادر الأدوية المفردة أو العقاقير في الطب العربي"، مجلد أبحاث المؤتمر السنوي الثاني للجمعية السورية لتاريخ العلوم المنعقدة بجامعة حلب في أبريل 1977، معهد التراث العلمي العربي جامعة حلب 1979م.

محمد الصديقي، انتشار العرب وعلومهم في فرنسا، الهند، مطبعة أسرار كريمي، 1941م.

محمد عبد الرحمن مرحبا، الموجز في تاريخ العلوم عند العرب، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1970م.

محمود الجليلي، "تأثير الطب العربي في الطب الأوربي"، مقال بمجلة المجمع العلمي العراقي، ذو الحجة، 1401هـ، ج32.

محمود الحاج قاسم محمد، الطب عند العرب والمسلمين: تاريخ ومساهمات، جدة الدار السعودية، 1407هـ/1987م.

ولز، معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1950م.

يوسف بن علي العريني، الحياة العلمية في الأندلس في العصر الموحدي، الرياض، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، 1416هـ.

 

 



([1]) الفاضل عبيد عمر، "الطب الإسلامي عبر القرون"، الرياض، دار الشواف، جده، دار المطبوعات الحديثة، 1410هـ/1989م، ص.82.

([2]) جلال مظهر، "أثر العرب في الحضارة الأوربية"، بيروت، دار الرائد، 1967م، ص.192.

([3]) جلال مظهر، "حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي"، القاهرة، مكتبة الخانجي، صص.320-321.

([4]) علي عبد الله الدفاع، "لمحات من تاريخ الطب عند المسلمين الأوائل"، الرياض، دار الرفاعي، 1983م، ص.27.

([5]) الفاضل عمر، "الطب الإسلامي عبر العصور"، صص.83-84.

([6]) علي عبد الله الدفاع، "أعلام العرب والمسلمين في الطب"، دار الرسالة، 1983م، 2، ص.21.

([7]) الفاضل عمر، المرجع السابق، ص.80.

([8]) المرجع نفسه، صص.81-82.

([9]) أحمد عبد الرحيم السايح، "أضواء على الحضارة الإسلامية"، الرياض، دار اللواء، 1401هـ/1981م، ص.106.

([10]) "انتشار العرب وعلومهم في فرنسا"، الهند، مطبعة أسرار كريمي، 1941م، ص.14.

([11]) زيغرد هونكه، "شمس العرب تسطع على الغرب"، تعريب فاروق بيضون وكمال دسوقي، بيروت، المكتب التجاري، ط2، 1969م، ص.50.

([12]) خليل السامرائي وآخرون، "تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس"، جامعة الموصل، ص.376.

([13]) "العلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي"، ترجمة عبد الحليم النجار ومحمد يوسف موسى، دمشق، دار القلم، 1962م، ص.453.

([14]) "معالم تاريخ الإنسانية"، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1950م، ج3، ص.802.

([15]) جلال مظهر، "الحضارة الإسلامية أساس التقدم العلمي الحديث"، القاهرة، مركز كتب الشرق الأوسط، ص.129.

([16]) سعد بن عبد الله البشري، "الحياة العلمية في عصر ملوك الطوائف في الأندلس"، الرياض، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 1414هـ/1993م، صص.540-541.

([17]) سيد رضوان علي، "العلوم والفنون عند العرب ودورهم في الحضارة العالمية"، الرياض، دار المريخ 1407هـ/1987، صص.111-112.

([18]) سعد البشري، المرجع السابق، صص.542-543.

([19]) المرجع نفسه، ص.543.

([20]) يوسف بن علي العريني، "الحياة العلمية في الأندلس في العصر الموحدي"، الرياض، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، 1416هـ، صص.332-335.

([21]) سيد رضوان علي، المرجع السابق، صص.112-113.

([22]) سعد البشري، المرجع السابق، ص.543.

([23]) المرجع السابق، ص.546.

([24]) محمود الحاج قاسم محمد، "الطب عند العرب والمسلمين: تاريخ ومساهمات"، جدة، الدار السعودية، 1407هـ/1987، ص.383.

([25]) سعيد البشري، المرجع السابق، ص.547.

([26]) محمد عبد الرحمن مرحبا، "الموجز في تاريخ العلوم عند العرب"، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1970، ص.238.

([27]) المرجع نفسه.

([28]) كتاب "الملكي"، أو "كامل الصناعة الطبية"، كتاب جليل في الطب كان أساسا لتدريب الطب إلى أن ظهر "القانون" لابن سينا. وهو يفرق عن "القانون" في أن مؤلفه علي بن عباس "اعتمد فيه على مشاهداته العلمية في المستشفيات لا على مجرد الدراسة النظرية. لذا يقول العلماء إن "الملكي" في العمل أبلغ؛ و"القانون" في العلم أثبت. ويتميز هذا الكتاب بمقالتيه الأولى والثانية والمشتملتين على فصول رائعة في التشريح كانت مرجعا لعلم التشريح في سالرنو بإيطاليا مدة من الزمن" (الماحي، "مقدمة في تاريخ الطب العربي"، ص.83).

([29]) عبد الحليم منتصر، "تاريخ العلوم ودور العلماء في تقدمه"، القاهرة، دار المعارف، 1980، ص.230.

([30]) توفيق الطويل، "الحضارة الإسلامية والحضارة الأوربية. دراسة مقارنة"، القاهرة، مكتبة التراث الإسلامي، ص.157.

([31]) سيد رضوان علي، "العلوم والفنون عند العرب"، ص.111.

([32]) توفيق الطويل، المرجع السابق، ص.157.

([33]) ماكس مايرهوف، "العلوم والطب"، ضمن مجلد "تراث الإسلام"، إشراف، توماس أرنولد، تعريب وتعليق جرجيس فتح الله، ط3، بيروت، دار الطليعة، 1978، ص.499.

([34]) محمود الحاج قاسم محمد، "الطب عند العرب والمسلمين"، صص.385-388.

([35]) أبو المظفر أسامة بن مرشد الشيرازي (ت584هـ-1188م)، "الاعتبار" حرره فيليب حتي، مطبعة جامعة برنستون، 1930، صص.137-138.

([36]) عبد الله الربيعي، "أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوربي"، الرياض، 1415هـ/1994م، ص.118.

([37]) عبد الله الربيعي، المرجع السابق، ص.122.

([38]) عمر عبد السلام تدمري، "الحياة الثقافية في طرابلس خلال العصور الوسطى"، بيروت، دار فلسطين، 1973، ص.69.

([39]) عبد الله الربيعي، "أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأدبي"، صص.123-124.

([40]) زيغريد هونكه، "شمس العرب تسطع على الغرب"، صص.300-301.

([41]) عبد الله الربيعي، "أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوربي"، صص.124-126.

([42]) المرجع نفسه، صص.125-126.

([43]) المرجع نفسه، صص.126-127.

([44]) محمود الحاج قاسم محمد، "الطب عند العرب والمسلمين"، صص.390-391.

([45]) محمود الحاج قاسم محمد، "الطب عند العرب والمسلمين"، صص.393.

([46]) المرجع نفسه، صص.392-393.

([47]) محمود الجليلي، "تأثير الطب الغربي في الطب الأوربي"، صص.200-201.

([48]) سعد البشري، "الحياة العلمية في عصر ملوك الطوائف في الأندلس"، صص.532-533.

([49]) خليل السامرائي وآخرون، "تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس"، ص.376.

([50]) سعد البشري، المرجع السابق، صص.533-534.

([51]) "محاضرات في تاريخ العلوم العربية والإسلامية"، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فرانكفورت، ألمانيا، 1404هـ/1984م، صص.128-129.

([52]) "شمس العرب تسطع على الغرب"، ص.329.

([53]) جلال مظهر، "أثر الحضارة العربية على أوربا"، ص.272.

([54]) أحمد علي الملا، "أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية"، دمشق، دار الفكر، 1981، ص.144.

([55]) جلال مظهر، "أثر الحضارة العربية على أوربا"، ص.272.

([56]) سيد رضوان علي، المرجع السابق، ص.67.

([57]) محمد زهير البابا، "مصادر الأدوية المفردة أو العقاقير في الطب العربي"، مجلد أبحاث المؤتمر السنوي الثاني للجمعية السورية لتاريخ العلوم المنعقدة بجامعة حلب في أبريل 1977م، معهد التراث العلمي العربي جامعة حلب 1979م، ص.198.

([58]) أحمد علي الملا، "أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية"، ط2، دمشق، دار الفكر، 1981، ص.144.

([59]) "العلم عند العرب"، ص.353.

([60]) سيد رضوان علي، "العلوم والفنون عند العرب"، صص.63-64.

([61]) سيد رضوان علي، المرجع السابق، ص.74.

([62]) المرجع نفسه، ص.60.

([63]) أحمد عمر الملا، "أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية"، ص.138.

([64]) فيليب حتي وآخرون، "تاريخ العرب"، الجزء الثاني، ط4، بيروت، 1965، ص.685.

([65]) سيد رضوان علي، "العلوم والفنون عند العرب"، صص.76.

([66]) المرجع نفسه، ص.78.

([67]) أنخل جنثالث بالنثيا، "تاريخ الفكر الأندلسي"، نقله عن الإسبانية حسين مؤنس، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ص.466. وقد جعل وفاته سنة 403هـ/1013م.

([68]) فيليب حتي وآخرون، "تاريخ العرب"، الجزء الثاني، ط4، بيروت، 1965، ص.685.

([69]) "العلم عند العرب"، ص.353.

([70]) يوسف العريني، "الحياة العلمية في الأندلس في العصر الموحدي"، صص.334-335.

([71]) صالح رمضان محمود، "أهم المبدعين في مجالات الفكر والعلم التي أغنت بها الحضارة الإسلامية المسيرة الإنسانية"، مجلة "المؤرخ العربي"، العدد الثامن عشر، بغداد، 1401هـ/1981م، ص.29.

([72]) ماكس مايرهوف، "تراث الإسلام"، صص.502-503.

([73]) جلال مظهر، "مآثر العرب على الحضارة الأوربية"، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1960، ص.413.

([74]) أحمد الملا، "أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية"، ص.143.