اتجاهات كتابة التاريخ الحديث في مصر خلال القرن التاسع عشر

 

الدكتور عبد المنعم إبراهيم الجميعي

وكيل كلية التربية فرع جامعة القاهرة بالفيوم-أمين عام الجمعية المصرية للدراسات التاريخية

 

موضوعات البحث:

                  أهمية كتابات الجبرتي في تاريخ مصر الحديث.

                  دور رفاعة الطهطاوي وتلاميذه في حركة التنوير وفي تطوير الدراسات التاريخية.

                  علي مبارك ودراساته حول تاريخ مصر العمراني والاجتماعي والتعليمي.

                  معاصرو علي مبارك وكتاباتهم.

                  ميخائيل شاروبيم ومواكبة الأسلوب الحديث في الكتابة التاريخية.

                  كتابات الأفغاني وأثرها في انبعاث الكتابة الوطنية.

                  كتابات رجالات الثورة العرابية لونا من ألوان الكتابة التاريخية.

ارتبطت حركة التأليف التاريخي في مصر قبيل ظهور المدرسة التاريخية الحديثة بالاهتمام بذكر سير العظماء وغرائب الحوادث. أما تاريخ الشعوب والأمم، فلم يحظ بمثل هذا الاهتمام ولم تسلط الأضواء على أحوال الناس وبخاصة الاجتماعية والاقتصادية. يضاف إلى هذا أن هؤلاء المؤرخين لم يسخروا طاقاتهم لخدمة مصالح وطنهم على أسس من الحق والحكم على الوقائع بطريقة موضوعية. واستمر الحال على هذا المنوال فترة حتى برزت النهضة التاريخية الحديثة، وأخذ المؤرخون في توجيه جهودهم إلى تاريخ حياة الشعوب وأحوالها.

وتبدأ حركة التأليف التاريخي لمصر الحديثة بعبد الرحمن الجبرتي الذي عاش عصر انتقال مصر من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، تلك الفترة التي اتسمت باضطراب الشديد والتغير السريع، والتي شملت أواخر العصر العثماني الأول وعصر الحملة الفرنسية ونحو عشرين سنة من حكم محمد علي. وهذه الفترة من تاريخ مصر تعد الفاصل بين عصر الركود والهدم والتخريب، وعصر النهضة والإنشاء والتجديد.

وكتابات الجبرتي في مؤلفيه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"([1]) و"مظهر التقديس بذهاب الفرنسيس"([2]) أو "زوال دولة الفرنسيس" في بعض النسخ- تعد بمثابة الركائز الأساسية في كتابة تاريخ مصر الحديث، خاصة وأن صاحبها ذكر الحقائق التاريخية دون محاباة أو مجاملة لحاكم أو لغيره، وعالج مشاكل الحياة والمجتمع المصري معالجة البصير بالأمور وحكم عليها حكما مقبولا، مما جعل المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي يصفه بأنه مثل ثوكيديدس اليوناني الذي وقع عليه عبء كتابة تاريخ حقبة شاذة من حياة الحضارة التي ترعرع في ربوعها، وأن في وسع مصر أن تفاخر بالجبرتي وأن تباهي به سائر المتحدثين بالعربية([3]).

وجعل شفيق غربال يصفه بأنه أخذ من كل شيء بطرف، وله في كل دراسة مقام محمود([4]).

وجعل عزت عبد الكريم يصف ما كتبه بأنه كان على مستوى عال من الدقة والتحري والإضافة خلال ذلك المنعطف الذي كانت تجتازه مصر([5]).

وجعل محمد أنيس يقول عنه إن أهم ما يميزه هو دقة المؤرخ واستقصاؤه للحوادث، وموضوعيته. هذا، فضلا عن أنه كتب عن عصور ثلاثة هي مصر العثمانية والحملة الفرنسية وظهور محمد علي([6]).

يضاف إلى ذلك أن البعض وصف ما كتبه بأنه أعظم تواريخ مصر في القرنين الثاني عشر، والثالث عشر الهجريين([7]) وأنه تاريخ ممتاز للحوادث التي وقعت في مصر في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، وأنه من أعدل وأضبط المؤلفات التاريخية التي تصف أحداث زمانها بصدق([8]). ويمكن أن نرجع ذلك إلى ما يلي:

1- يعد ما كتبه الجبرتي وثيقة تاريخية هامة وفريدة في تاريخ مصر السياسي والاجتماعي، خاصة وأنه يحمل بين جنباته صورة مفصلة عن حياة المصريين الاجتماعية، ويتضمن التأثيرات الموضوعية للحملة الفرنسية على مصر، كما يتضمن فترة هامة من حكم محمد علي بما لها وما عليها. فقد عاش الجبرتي عصر انتقال مصر من حال إلى حال، وصور ما تحمله أهلها من مشقات ودون ما رأى وما سمع وما أحس دون أن ينحاز لحاكم أو لسلطة. فعلى الرغم من تكوينه الديني، فقد كان رجل دين ودنيا أخذ من كل شيء بطرف، فأشاد بالمظاهر الإيجابية لسياسة الفرنسيين في مصر أحيانا، وندد بأعمالهم المنافية للشرع والدين في أحيان أخرى: فامتدح رفضهم للسخرة، وتشكيلهم الديوان، واهتمامهم بتنظيم القضاء وعنايتهم بالنظافة، ومنعهم دفن الموتى في المقابر القريبة من المساكن، وعدالتهم في الأحكام خاصة خلال محاكمتهم لسليمان الحلبي قاتل كليبر؛ حيث لم يبادروا بقتله، بل سألوه وحاكموه وناقشوه وناقشوا الشهود. كما أبدى إعجابه بنشاطهم العلمي ورغبتهم في البحث والمعرفة وتنظيمهم لقاعة المطالعة التي خصصوها للقراء([9]) وتطلعهم الزائد إلى العلوم. فعندما شاهد التجارب العلمية التي أجراها أمامه علماء الفرنسيين، قال:

لهم تطلع زائد للعلوم وأكثرها الرياضة ومعرفة اللغات واجتهاد كبير في معرفة اللغة والمنطق ويدأبون في ذلك الليل والنهار، وعندهم كتب مفردة لأنواع اللغات وتصاريفها واشتقاقاتها بحيث يسهل عليهم نقل ما يريدون من أي لغة كانت إلى لغتهم في أقرب وقت وعنده الآلات الفلكية الغربية المتقنة الصنعة وآلات الارتفاعات البديعة العجيبة التركيب الغالية الثمن.

كما أعرب عن دهشته مما شاهده عندما زار المجمع العلمي الفرنسي بقوله: "ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا"([10]).

وتزداد قيمة ما كتبه الجبرتي من كونه عاصر معظم الأحداث التي كتبها وشارك في بعضها أحيانا، وتابع بعضها في أحيان أخرى. وساعده في ذلك اتصاله بالجهات الرسمية يومئذ، وتعيينه عضوا في الديوان العام الذي أنشأه الفرنسيون بالقاهرة للاستعانة به على ضبط النظام. فجاء ما كتبه سجلا حافلا التزم فيه جادة الحيدة والإنصاف. وقد عبر عن ذلك في مقدمة كتابه بقوله: "لم أقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير أو طاعة وزير أو أمير، ولم أداهن فيه دولة بنفاق أو مدح أو ذم مباين للأخلاق لميل نفساني أو غرض جسماني".

وحول موضوعية الجبرتي وعدم انحيازه لإرضاء الحاكمين وتغلب الموضوعية على الذاتية في كتاباته نذكر:

                 1.        على الرغم من دفاع الجبرتي عن العثمانيين في العديد من المواقف، فقد أعرب عن خيبة أمله في عودتهم إلى مصر عقب خروج الفرنسيين منها لشعورهم أن الحكم الفرنسي في بعض الأحيان كان خيرا من الحكم العثماني.

                 2.        على الرغم من كراهية الجبرتي لمحمد علي لما رآه من ضروب العنف والاستبداد والقسوة التي وقعت في عهده، ووضعه لأدوات الإنتاج في يده، وقيامه بإلغاء الالتزام الذي أضير منه شخصيا، فقد كانت كتاباته عنه في معظم الأحيان تتسم بالموضوعية. فأشاد بمحمد علي في بعض المواقف وانتقده في مواقف أخرى. وعن مواقف الإشادة بمحمد علي نذكر أنه أشاد بفضله في تعمير الإسكندرية ووصف ذلك العمل بأنه من محاسن الأفعال التي عجز السابقون عن القيام بها، كما أشاد به عندما قام بتشجيع أبناء مصر من النبهاء. فذكر أنه عندما ابتكر مصري يدعى حسين شلبي عجوة آلة لضرب الأرز وتبييضه تدور بطريقة سهلة توفر على الناس جهدهم وطاقاتهم وعمل لها مثالا من الصفيح وقدمه لمحمد علي مصنعا تستخدم فيه هذه الآلة التي اخترعها([11]).

أما عن مواقف انتقاده لمحمد علي، فعلى الرغم من أنه كان يعلم جيدا أن ذلك سيسبب له المتاعب، وقد يعرض حياته وحياة أسرته للخطر، فإنه كان جريئا وأمينا في اتهامه له. فذكر "أن من طبعه الحسد والشره والطمع والتطلع لما في أيدي الناس وأرزاقهم"([12]). كما تعرض لموقف محمد علي من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية بالنقد، فأعرب عن تعاطفه مع رجالات الدعوة واقتناعه بآرائهم، وأبدى تبرمه من قيام محمد علي بإثقال كاهل المصريين بالضرائب لتدبير تكاليف الحملة، فقال: "وجعل على كل فدان ستة قروش وسبعة وثمانية، وذكر أنها مساعدة على حروب الحجاز"([13]). كما ذكر أن جنود محمد علي كانوا يخطفون من الفلاحين "السمن والجبن والتبن والبيض وغير ذلك"([14])، بحجة سفرهم إلى الحجاز لدرجة أن قل اللحم والسمن والجبن، خاصة بعد أن استولى محمد علي على مواشي الفلاحين وأغنامهم([15]).

وإلى جانب ذلك، فإنه يمكن القول إن الجبرتي كان وسطا في بعض الأحيان في حكمه على محمد علي. ومن ذلك قوله: "له مندوحة لم تكن لغيره من ملوك هذه الأزمان. فلو وفقه الله لشيء من العدالة على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير والمطاولة، لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه"([16]).

وهكذا يتضح أن الجبرتي لم يتجن على محمد علي، بل كان منصفا في عرضه لأعماله؛ فذكر ما له وما عليه. وهذه هي إحدى شيم المؤرخ الحقيقي الذي لا يحابي ولا ينحاز لأحد مهما عظم نفوذه، ولا يغمط الحقيقة حقها مهما كانت العواقب. وربما لو عاش الجبرتي فترة أطول وشاهد الطور الأخير من حكم محمد علي، لتغير موقفه منه، خاصة وأن الجبرتي توقف في كتابته عند عام 1236هـ/1821م، أي في وقت لم تكن فيه جهود محمد علي العمرانية والحضارية قد اتضحت بعد.

3- يرجع الفضل للجبرتي في تدوين تاريخ مصر وحوادثها وتراجم رجالها في القرنين الثاني والثالث عشر الهجريين. ولولا ما كتبه، لافتقد المؤرخون العديد من حوادث تلك الحقبة. حقيقة، هناك كتاب "ذكر تملك الفرنساوية للديار المصرية" للمعلم نقولا بن يوسف الترك اللبناني([17])، وهناك كتاب "تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الولاة والسلاطين" للشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر خلال تلك الفترة([18]) ولكن هذين المصدرين العربيين يشوبهما الكثير من عوامل النقص والقصور. فالأول مال نحو الجانب الفرنسي والجاليات الأجنبية في مصر. فمدح بونابرت ورثى كليبر. وما كتبه لا يرقى إلى كتابات الجبرتي؛ والثاني كان أول من استقبل الأتراك العثمانيين بعد خروج الحملة وألف كتيبا بناء على طلبهم، ولكن ما كتبه ليس فيه عن الحملة الفرنسية سوى صفحات قليلة لا قيمة لها عند المؤرخ، اللهم إلا من جهة صدورها من رجل كان شيخا من شيوخ الأزهر.

4- كتب الجبرتي تاريخا بلا عاطفة، وكان رائده الصدق في ما كتبه. فهو يلم بالشوارد ويدون ويقيد، ولكنه لا يلون بشعور ولا يضفي بإحساسه([19]). فعندما تحدث عن الثورات التي قام بها أهل القاهرة من الفرنسيين اتهم بعض زعمائها بأنهم من الأغرار الأفاقين كما سمى القائمين بالثورة أحيانا بالذعر وأحيانا بالحشرات، مما يؤكد طبيعته البعيدة عن العنف. وعندما تطرق إلى مساوئ الحكم الفرنسي، لم يفته الإشادة بعدالتهم خلال محاكمتهم سليمان الحلبي قاتل كليبر.

5- بساطة الجبرتي وعدم انسياقه إلى التفاخر بنفسه أو بأعماله. فعلى الرغم من اشتراكه في الديوان الذي ألفه مينو، لم يردد ذلك صراحة في كتابه؛ وعندما تعرض لذكر الديوان، لم يذكر اسمه صراحة وإنما قال "كاتبه".

6- كتب الجبرتي مؤلفه بطريقة الحوليات واليوميات في إفاضة وتفاصيل ممتعة، وبشكل جعل تعيين الأماكن والمواقع ظاهرة واضحة في روايته. فلا يورد حدثا من حوادث الحرب أو الثورات أو المواكب والحفلات العامة، ولاسيما في القاهرة، إلا قرنه بتحديد الأماكن والمواقع من شوارع وميادين ودروب ومنازل بحيث نستطيع من خلال روايته أن نصور معالم القاهرة في عصره واضحة جلية.

7- إن كتابات الجبرتي أشبه بالتلال الأثرية، لا تكاد تحفر فيها حتى تجد تحفة أثرية نادرة. وكلما ازددت في الحفر عثرت على اللؤلؤ والجواهر. ومع ذلك، فإن هذا الحفر يحتاج إلى صبر ومثابرة وأناة حتى يمكن استخراج هذه النفائس من الأتربة العالقة بها([20]).

ومع كل ذلك، فمما يلاحظ على كتابات الجبرتي أنه كتب عن القاهرة أكثر مما كتب عن مصر كلها. فالحوادث التي تعرض لها عن الوجهين القبلي والبحري كانت على هامش كتاباته. يضاف إلى ذلك أن من يقرأ الجبرتي يرهقه كثرة استعماله للعامية والتعبيرات الشعبية المصرية مثل كلمة "شطح"، أي ارتفع؛ وكلمة "قشلان" بمعنى مفلس؛ وكلمة "وثارت كرشه"، أي زحام؛ وكلمة "النفخة"، بمعنى الغرور. كما يرهقه كثرة الأغلاط وعدم الترتيب العلمي، وعدم تناسق الروايات والحوادث التي تعرض لها. وقد لا يعيب هذا الجبرتي بقدر ما يعبر عن طبيعة عصره ومعاييره. فقد تأثر الجبرتي بطابع عصره من ناحية انحطاط الأسلوب وشيوع العجمة في التراكيب والتردي في الكثير من الأخطاء النحوية واللغوية. لذلك فالذين لا يأخذون الأمور بظواهرها، والذين يتعمقون في البحث عن حوادث تلك الأيام وأحوالها وظروفها لا يسعهم سوى الإعجاب بما كتبه الجبرتي كأثر تاريخي هام، ويوميات ذات قيمة كبيرة للمؤرخ([21]) بز بها ما كتبه علماء زمانه أمثال عبد الله الشرقاوي وإسماعيل الخشاب ونقولا ترك وغيرهم، لدرجة أن مقارنته بهؤلاء شبهها البعض بمقارنة القمح بالقشور([22]). وعلى أي حال، فإن موقف الجبرتي من محمد علي قد عرض حياته وحياة أسرته للخطر، وجلب عليه الضرر البليغ؛ ففقد ابنه خليل الذي قتله جنود محمد علي في شبرا بعد صلاة الفجر بأوامر من محمد بك الدفتردار صهر محمد علي ثم ربطوه برجل حمارة. ولما أصبح الصباح عرفه الناس بما كان يحمله من دفاتر مكتوبة، وآلات لرصد النجوم والكواكب، وأخذ الناس في تناقل الخبر.

ونتيجة لحزن الجبرتي على ابنه، فقد بصره، وترك الكتابة والتأليف، وظل في داره منزويا حتى مات. يضاف إلى ذلك أن منزله بالصنادقية ومكتبته الحافلة بذخائر المخطوطات قد أحرقا خشية أن يكون فيهما أوراق أو كتابات معادية لمحمد علي([23]). ونتيجة لذلك نفر المصريون من كتابة تاريخهم الحديث حتى لا يقعوا تحت طائلة اضطهاد أسرة محمد علي كما حدث للجبرتي، وكرهت أسرة محمد علي أيضا أن يشتغل المصريون بدراسة تاريخهم، وخاصة أنهم كانوا يريدون ألا يدون من تاريخهم سوى ما يروقهم، وأن يكتب المؤرخ التاريخ على الصورة التي ترضيهم ولا تغضبهم، من هنا ابتعد المصريون عن كتابة تاريخ بلادهم السياسي وأخذ بعضهم خصوصا الذين درسوا في أوربا- في تنمية ميوله وثقافته عن طريق ترجمة بعض الكتب التي تغطي تاريخ العالم منذ أقدم العصور أو التي تتطرق إلى الأمور الثقافية والتربوية والأدبية كما فعل رفاعة الطهطاوي وتلاميذه([24]). فقد ترجم رفاعة الذي بدأ يفكر في مستقبل الدراسات التاريخية في مصر بعد عودته من فرنسا([25])- عدة مؤلفات معروفة ومشهورة([26])؛ كما حاول قدر الإمكان عدم التعرض لواقع مصر المعاصر له وخاصة أسرة محمد علي. فتطرق للكتابة في تاريخ مصر القديم، وفي السيرة النبوية. فكتب في التاريخ القديم "أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل"([27])، وفيه تعرض لعصور الفراعنة والرومان والبطالمة والبيزنطيين وختمه بالفتح العربي لمصر بطريقة جديدة نهج فيها منهجا علميا لم ينقص فيها من قدر أمجاد مصر القديمة أو يعلنها كما كان يفعل سابقوه، بل آمن بأمجاد هذا التاريخ، ورغب في أن تستعيد مصر أمجادها التي كانت عليها في عهد الفراعنة؛ وكتب عن سيرة الرسولe كتابا بعنوان "نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز" تتبع فيه حياة الرسول منذ مولده إلى وفاته. كما قدم دراسة هامة عن المؤسسات السياسية والإدارية والاجتماعية والمالية في الإسلام في محاولة منه للخوض في هذا الموضوع بطريقة علمية. ولرفاعة غير هذين الكتابين مؤلفات لها قيمتها التاريخية: فحول رحلته إلى باريس كتب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" أو "الديوان النفيس بإيوان باريس"([28])، وهو عنوان مسجع على نحو ما كان شائعا في ذلك الوقت، وفيه عرض لرحلته في فرنسا ولحركة الاستنارة الأوربية التي غرستها فيه هذه الرحلة، فتحدث عن قيام الفرنسيين بخلع الملك شارل العاشر في عام 1830م وقيام ملكية يوليو الدستورية، وتعرض للمبادئ الدستورية التي غرستها الثورة الفرنسية في نفوس الفرنسيين والتي نصت على مبدإ تكافؤ الفرص وما للمواطن الفرنسي من حقوق وما عليه من واجبات؛ كما نصت على حرية العقيدة والعبادة وعلى حرية الرأي في حدود القانون والصالح العام.

ومع أن رفاعة حاول إدخال مبادئ الثورة الفرنسية في النهضة المصرية الحديثة وفي تاريخ الفكر السياسي المصري الحديث، فإنه كان متحفظا في ذلك إلى حد كبير. وعلى سبيل المثال، نذكر أنه حين أشار إلى مبدإ فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لدى مونتسكيو، نجده يتعرض للفكرة الإسلامية التي ترى أن الشريعة فوق الجميع وأن على المحكومين طاعة الحاكم، وعلى الحاكم إرضاء المحكومين وإرساء العدالة بينهم وممارسة سلطاته بطريقة سليمة. فالحاكم لديه يتمتع بكامل السلطات بشرط احترام القانون([29]).

وحول ما يخص آداب عصره كتب "مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية"([30]). وهو أول كتاب عربي ينزع إلى الناحية الوطنية([31])، فيذكر معنى الوطن ومصر ومزاياها ويتعرض لفكرة التسامح الديني والأخوة في الوطن، كما يتعرض للمنافع العامة فيخصص لها أكثر أجزاء الكتاب. فيذكر الآمال التي يأملها في المنافع العامة في كلمات تحفل بمعاني التكريم والولاء لمصر وشعبها. فمصر في نظره أم الدنيا وروضتها، وأنها دون غيرها من الممالك أعظم تمدينا وتقدما، كما أن أهلها لديهم درجة عليا من الفنون والمنافع العمومية وهو ما تشهد به الآثار المصرية التي تعد من أكبر مصادر الفخر للمصريين بحكم احتوائها على المقومات الأساسية للحضارة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وفي خاتمة الكتاب يتطرق رفاعة إلى ما يجب على المصريين تجاه وطنهم بأسلوب جمع فيه بين ثقافته الإسلامية وثقافته الفرنسية.

وحول ما يخص تربية الناشئة كتب رفاعة "المرشد الأمين في تهذيب البنات والبنين"، وهو كتاب أخلاق وتربية للمتعلمين والمتعلمات وقد صدر في عام 1872م.

وإلى جانب ذلك، قام رفاعة بإصدار أول مجلة ثقافية علمية تصدر في مصر في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر بالاشتراك مع علي باشا مبارك، وهي مجلة "روضة المدارس المصرية" التي صدر العدد الأول منها في الخامس عشر من المحرم عام 1287هـ الموافق أبريل 1870م. وكانت روضة حقة تحفل بثمار جمهرة من الأقلام البارعة. وقد طرحت هذه المجلة عدة تساؤلات أهمها: على أي منهج يكون تحول مصر الحضاري؟ هل نعود إلى الماضي وننعم بالعيش في فردوسه المفقود، ونقطع كل صلتنا بالحاضر؟ أو نقفز قفزا إلى آفاق المستقبل ونقطع كل صلتنا بماضينا المجيد؟ وكان الجواب حاضرا تجسده شخصية رفاعة الطهطاوي الذي كان ثمرة ناضجة من ثمار امتزاج الماضي بالحاضر، وتكوين مركب جديد فيه أنضر ما في الماضي من صفحات وأعذب ما في الحاضر من منجزات([32]).

ومع أن رفاعة لم يتخل في كتاباته عن النظرة التقليدية لمفهوم التاريخ في بعض الأحيان ولم يستطع أن يهجر السجع في كثير من الأحيان، فإنه قد أضاف إليه لمحات جديدة جديرة بالالتفات والتسجيل منها تقسيمه للتاريخ إلى قديم وحديث وإلى عام وخاص كتاريخ جميع الأمم عامة أو تاريخ أمة واحدة كتاريخ المصريين مثلا، ومنها عاطفته الوطنية القومية وحبه الشديد لمصر الذي ملك عليه نفسه وجعله يشيد بمصر وفضلها على الحضارة العالمية؛ فهو يصفها بأم الدنيا والوطن، وأم أمم الدنيا التي "نازعت قدماء الأمم في الأقدمية، فسلموا لها أنهم دونها مرتبة في الأهمية وإن لم تسبقها أمة في ميدان التمدينية"، وأنها أيضا "رحيبة الدولة مهيبة الصولة"، كما جعله يعتمد الفصول الطوال في كتبه المتعددة للتغني بالوطن والوطنية وأهمية التضحية في سبيلها.

ومع أن الطهطاوي كتب عن الوطنية، فإنه لم ينس أنه مسلم قبل كل شيء. وأبرز الأدلة على ذلك ما ذكره في شعره الذي تغنى فيه بمصر وباريس معا حيث يقول:

فكل منها عندي عروس ولكن مصر ليست بنت كفر([33])

وعلى أي حال، فإنه يمكن القول إن التسجيل التاريخي أصبح بفضل جهود الطهطاوي ومدرسته تاريخا بالمعنى الحقيقي لكلمة التاريخ، وذلك نتيجة للمنهج العلمي الذي اتبعه، والدقة والموضوعية التي سار عليها؛ فقدم لنا بذلك رؤية حضارية للإطار العام الذي سارت عليه النهضة المصرية. كما فتح الأذهان لما يدور في العالم من أحداث، مما يجعلنا نعده رائدا من رواد حركة التنوير. كما نجعل مؤلفاته مصدرا رئيسا خلال كتابتنا للتاريخ. وقد سبقنا في هذا الرأي عبد الله النديم الذي طلب خلال فترة اختفائه عن أعين السلطة بعد انكسار الثورة العرابية مجموعة من الكتب للاستفادة منها خلال وحدته كان من بينها مؤلفات الطهطاوي.

وعلى الرغم من ذلك، فلم يهنأ رفاعة بما قدمه لبلاده من خدمات. فبعد أن تولى عباس الأول أريكة الحكم في مصر، أمر بنفيه إلى السودان نتيجة لوشاية نقلها البعض إليه. واختلفت الآراء في تعليلها؛ فمنها من قال إن كتاب "تخليص الإبريز" وما به من آراء ومبادئ لا يرغب فيها الحاكم المستبد كان السبب في نفيه([34]). ومنها من يقول إن رفاعة لقي معارضة من بعض المشايخ المتعصبين الذين ربما عدوه متطفلا على ميدانهم في دراسة الشريعة والفقه فكادوا له عند الباشا([35]). وهناك رأي آخر يقول إن علي مبارك الذي عاد من أوربا مليئا بالأطماع الشخصية كان وراء نفي رفاعة إلى السودان([36]).

وعلى أي حال، فقد انكب بعض المعاصرين للطهطاوي على دراسة تاريخ مصر العمراني والاجتماعي والتعليمي كما فعل علي مبارك([37]) في كتابه "الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة"([38]) والذي يعد من أهم المصادر في دراسة تاريخ مصر الاجتماعي في القرن التاسع عشر. هذا، إلى جانب أن إنشاء مجلة "روضة المدارس" كانت من وحي علي مبارك وثمار تفكيره حين كان وزيرا للمعارف، وهو الذي عهد إلى رفاعة الطهطاوي بأن تكون تحت نظارته.

ومن المعروف أن هذه المجلة اهتمت بالتاريخ وحرصت على نشر الجداول التاريخية للوقائع العالمية الشهيرة والحوادث الكبيرة، كما تطرقت في موضوعاتها إلى بيان سلاطين آل عثمان إلى عهد السلطان عبد المجيد خان.

يضاف إلى ذلك أن علي مبارك ألف كتبا عديدة في العلوم والهندسة والثقافة منها "تقريب الهندسة"([39]) و"رواية علم الدين"([40]) وكتاب "حقائق الأخبار في أوصاف البحار"([41]) وكتاب "تنوير الأفهام في تغذي الأجسام"([42]) وكتاب "نخبة الفكر في تدبير نيل مصر"([43]) وغيره. وإلى جانب ذلك، قام علي مبارك بترجمة كتاب "تاريخ العرب" لسديو.

السؤال المطروح هل قام علي مبارك بتأليف كل هذه الكتب العديدة وحده أو ساعده في تأليفها آخرون، وما مصادره التي استعان بها خلال تأليفه لهذه الكتب؟

حقيقة، إن علي مبارك كان شغوفا بالتاريخ، ولكن هذا لا يعني أنه قام بتأليف كل ما كتبه فيه، بل كان له معاونون خاصة من الذين عملوا تحت إدارته. وقد ألمح علي مبارك إلى ذلك، فذكر أن أعماله الرسمية الكثيرة جعلت من الصعب عليه أن يكمل مهمة التأليف وحده([44]).

أما عن صادره فقد قرأ كثيرا من كتب الأوربيين والمستشرقين خاصة الفرنسيين منهم، نظرا لأنه كان يتقن الفرنسية. كما رجع إلى المصادر العربية القديمة. وقد أشار علي مبارك إلى ذلك بقوله إنه جمع "من كتب العجم والعرب ما يفضي بتأمله إلى العجب، مراجعا كتب العرب والإفرنج الذين ساحوا تلك الديار ورسومهم التي بينوا فيها حدود هذه الأقطار".

واستمرت حركة الدراسات التاريخية في التقدم بفضل رجال مدرسة علي مبارك ومعاصريه، فعني محمد مختار باشا مأمور الخاصة الخديوية بالأبحاث والدراسات التاريخية. ومن أبرز مؤلفاته في هذا المجال "التوفيقات الإلهية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنجية والقبطية" (من السنة الأولى للهجرة إلى سنة 1500هـ([45])). وكتب إسماعيل باشا سرهنك ناظر المدارس الحربية "حقائق الأخبار عن دول البحار"([46]).

ويرجع السبب في تأليف هذا الكتاب إلى رغبة صاحبه في إفادة أهل بلاده، خاصة وأن المؤلفات التاريخية العصرية في ذلك الوقت كانت قليلة، ولا سيما ما اختص منها بتاريخ الدول البحرية ذات الشأن، واشتمل هذا الكتاب على عرض لتاريخ الإنسان منذ الخليقة وتوقف عند عصر عباس الثاني، وتعرض فيه سرهنك لبعض الدول البحرية القديمة والحديثة فتكلم عن موقعها الجغرافي وأرخ لثغورها الحربية والتجارية ثم تعرض لتأسيسها ومشاهير ملوكها وما عاصرهم من الأحداث.

ولعل أهم أجزاء هذا الكتاب هو الجزء الثاني الذي انفرد تاريخ مصر بالقسط الأكبر منه. وترجع أهميته إلى أنه مليء بالبيانات والإحصاءات والوثائق الهامة. هذا، إلى جانب تعرضه لتراجم عديدة لمشاهير البحرية والجيش المصري في القرن التاسع عشر. وقد ساعد سرهنك في تأليف هذا الكتاب ثقافته العسكرية ودراسته البحرية لعلوم الفلك والجغرافيا والرياضيات وفن الملاحة؛ هذا، إلى جانب استيعابه للعديد من اللغات، ومنها العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية.

وقد أهدى المؤلف هذا الكتاب إلى الخديو عباس الثاني بقوله في مقدمته للكتاب: "وقد جعلته هدية إلى سدة مولانا محيي الآمال الوطنية، ومعيد النشأة المصرية عزيز مصر وحامي حمى القطر خديوينا الأفخم وملاذنا الأعظم عباس حلمي الثاني"([47]).

وعلى أي حال، فقد سد سرهنك بعض الفجوات التاريخية فيما يتعلق بتاريخ القوى البحرية، كم استخدم وثائق تاريخية أصيلة مدركا أهميتها في كتابة دراسته. ومع ذلك، فإن ما كتبه يمكن ضمه إلى التاريخ الحولي التقليدي مثله مثل علي مبارك ومجموعته.

فعلى الرغم من أن سرهنك حاول أن يكتب عن القوى البحرية، فإن ما كتبه شمل العديد من المعلومات في كل المجالات التي خطرت بباله أثناء كتابته([48]).

وإلحاقا لهذه المجموعة من كتاب التاريخ الحولي، كتب "فيليب جلاد"، مندوب قلم قضايا نظارة الحقانية، "قاموس الإدارة والقضا"([49]) في سبعة أجزاء؛ واشتمل على مجموعة هامة من القوانين واللوائح والفرمانات والمعاهدات الرسمية في القرن التاسع عشر رتبت وفقا للتسلسل الزمني مع بعض التعليقات. وهذا القاموس يعد مرجعا مفيدا لمؤرخ التاريخ الاقتصادي المصري في نهاية القرن التاسع عشر. وكتب يعقوب ارتين، وكيل نظارة المعارف العمومية، "القول التام في التعليم العام"([50]) باللغة الفرنسية؛ وقام علي بهجت المترجم الأول بنظارة المعارف بترجمته إلى العربية. وفي هذا الكتاب عرض المؤلف لتطور التعليم في مصر، فأوضح أن عامة المصريين كانوا يهملون تربية أولادهم ويعارضونها في بداية الأمر، ثم ما لبثوا أن قدروا التربية حق قدرها بحيث أصبحت الطلبات ترد إلى نظارة المعارف من جميع أنحاء القطر تطالب بإنشاء مدارس لتربية أولادهم([51])، كما تعرض لتطور ميزانية نظارة المعارف والبرامج والخطط التي اتخذتها النظارة لتحديث التعليم.

وإلى جانب ذلك كتب يعقوب أرتين "الأحكام المرعية في شأن الأراضي المصرية" باللغة الفرنسية أيضا، وقام سعيد عمون بترجمته([52])، خاصة وأن مؤلفه كان غارقا حتى أذنيه في الثقافة الفرنسية إلى حد أنه لم يستطيع أن يكتب بلغة عربية سليمة.

وأرتين كان يفضل في كتاباته أن تروي الجداول والإحصائيات والوثائق ما يريد أن يقوله، مما جعل البعض يعد ما كتبه دراسة مؤسسة على محتويات الأرشيف الحكومي.

ومن هنا لا يمكن اعتبار جلاد أو أرتين مؤرخين. فقد كانا على الأصح مصنفين للعلوم الإحصائية دون إضافة أي جديد إليهما([53]).

واستمرت الكتابة التاريخية في طريقها تساير طريقة الحوليات، وإن كانت نغمة الاعتماد على المحسنات البديعية في الكتابة قد خفت حدتها بشكل غير كبير. فكتب سليم النقاش([54]) البيروتي "مصر للمصريين"، أرخ فيه لتاريخ مصر منذ محمد علي حتى حوادث الثورة العرابية في تسعة مجلدات: الثلاثة الأولى منها في تاريخ أسرة محمد علي حتى خروج إسماعيل من مصر([55])؛ والثلاثة الثانية من ولاية توفيق باشا إلى انقضاء حوادث الثورة العرابية؛ أما الثلاثة الأخيرة، فشملت محاكمات العرابيين وصور محاضرهم الرسمية.

وقد أفاد النقاش تماما من المادة الوثائقية التي توفرت له رؤيتها. فبعد أن وافقت دار المحفوظات له على الاطلاع على الوثائق المحفوظة لديها تمكن من رصد الفرمانات العثمانية، والذكريات الخديوية، وتنظيمات الجيش، وأوراق عن الأوضاع المالية، وترتيبات تسوية الديون، وأوراق العرابيين، ومحاكمتهم بعد الهزيمة والعديد من الوثائق الدبلوماسية الأخرى.

وترجع أهمية ما كتبه سليم النقاش إلى أنه كان شاهد عيان للعديد من الأحداث. يضاف إلى ذلك أنه لم يهمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية في كتاباته، فتعرض لبعثة اللورد دفرين (Dufferin)، وتجارة الرقيق، والقبائل البدوية، وقيام بعض المصريين بشراء أسلحة وملابس من الإنجليز مقابل بيع مشروبات روحية لهم، إلخ.

ومع أننا لا يمكن أن نصف النقاش بالحياد تجاه العرابيين، خاصة وأنهم أحرقوا جريدته، كما أنه يصعب علينا أن ننتقد أسلوبه في الكتابة الذي لم يستطع التخلص فيه من السجع والزخارف اللفظية، فإن ما كتبه يظل مفيدا للمؤرخ الذي يتعرض للثورة العرابية خاصة.

وكتب ميخائيل شاروبيم([56]) "الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث"([57]). وفي هذا الكتاب تعرض المؤلف لتاريخ مصر من بداياته حتى تولية عباس الثاني أريكة الخديوية بشكل يجمع في أسلوبه بين طريقة السلف في الكتابة التاريخية ومحاولة مواكبة الأسلوب الحديث البعيد عن السجع والتكلف. وقد استخدم في كتابته طريقة الحوليات، واستطاع أن يرصد بها قدرا كبيرا من الحوادث والمعلومات التاريخية بشكل أراد به أن يثبت وحدة تاريخ مصر واتصاله بشكل لا ينقطع.

ومع أن أسلوب هذا الكتاب وطريقته ينتميان إلى كتابات مؤرخي العصور الوسطى من حيث أن صاحبه لم يهتم بذكر قوائم مراجعه أو المصادر التي استقى منها كتاباته، فإن رصده للوقائع لم يخل من التحليل والتعليق في بعض الأحيان؛ كما أن تخلصه من الأنماط الأسلوبية القديمة إلى حد كبير وابتعاده عن السجع وتقييمه للحوادث يجعله يفترق عن مؤرخي العصور الوسطى.

وعلى أي حال، فإنه كان للتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والاحتكاك المباشر بين ثقافة الشرق وثقافة الغرب وما أعقبه من تدخل أجنبي في شؤون مصر، ثم حضور جمال الدين الأفغاني، وظهور الصحف السياسية، وقيام الثورة العرابية وانكسارها والاحتلال الإنجليزي لمصر وانبعاث الحركة الوطنية على يد مصطفى كامل ومحمد فريد وغيرهم من رجالات مصر أكبر الأثر في ازدهار الحركة التاريخية، خاصة بعد أن بدأ المصريون يكتبون عما يجيش في صدورهم من موضوعات سياسية ووطنية، وعما يعانيه وطنهم من آلام وما يعتمل في نفوسهم من آمال بهدف حفز الهمم وإيقاظ العقول وتقوية الوعي الوطني لدى أفراد الشعب المصري.

حقيقة، إن ما كتبه معظم أفراد هذه المدرسة لم يهدف إلى خدمة الدراسات التاريخية، أو إلى إقرار واقع تاريخي بقدر ما كان شغلا لأوقات فراغهم أو إبرازا لمواقف معينة. وقد أسهمت الصحافة في ذلك بجهد كبير، فساعدت على تكوين الرأي العام، وشجعت المصريين على التحدث عن شؤون بلادهم بصراحة، كما دفعتهم إلى التعبير عن آمالهم وأهدافهم.

ومن المعروف أن الصحف المصرية في ذلك الوقت تجاذبتها تيارات مختلفة. فكان هناك التيار الوطني الثائر الذي تمثل في كتابات جمال الدين الأفغاني وتلاميذه والذي مثلته العديد من الصحف أمثال "مصر" و"التجارة" و"الطائف" و"الزمان" و"المفيد" و"أبو نظارة"، وهناك الصحف المناوئة للحركة الوطنية والتي تدافع عن الإنجليز، وتتغنى بمحامدهم، وتشيد بنعمة الاحتلال مثل "المقطم" و"المقتطف" و"الأهرام"، كما كان هناك الصحف الموالية للتيار العثاني الذي يستمد قوته من الأصول المتعددة التي تربط مصر بالدولة العثمانية ويتخذ من تيار الجامعة الإسلامة مظهرا له مدفوعا بالولاء الديني. وقد مثلت صحف مصطفى كامل هذا التيار أبلغ تمثيل. وعلى الرغم من ذلك، وبالرغم من أن الصحافة قد لا يتسم أسلوبها في بعض الأحيان بالموضوعية، فإنها كانت عاملا من عوامل النهضة التاريخية الحديثة.

يضاف إلى ذلك أن ما كتبه قادة الثورة العرابية ن مذكرات في أواخر القرن التاسع عشر كان مفيدا إلى حد كبير في تغذية الروح القومية لدى المصريين، وتفهم وقائع الأحداث، وإنعاش الحركة التاريخية بوجه عام. وأبرز الأمثلة على ذلك ما كتبه محمود فهمي المهندس وعبد الله النديم والشيخ محمد عبده وأحمد عرابي من مذكرات خلال فترة النفي أو الاختفاء. فكتب محمود فهمي المهندس([58]) "البحر الزاخر في تاريخ العالم وأخبار الأوائل والأواخر"([59])، ذلك الكتاب الذي ساير طريقة الحوليات والذي تطرق إلى تاريخ العالم منذ أقدم العصور وامتد إلى أواخر القرن التاسع عشر. وأهم ما في هذا الكتاب ما كتبه المؤلف عن الثورة العرابية ووجهة نظره فيها، وترجع أهمية ما كتبه إلى أنه كان أحد شهود العيان الذين شاركوا في هذه الثورة، وكان من رجالها البارزين. ومع ذلك، يتضح من كتاباته تحامله على عرابي حتى وصل به الأمر إلى التجني على الحقائق التاريخية. وقد يرجع ذلك إلى خصومة حدثت بينهما في المنفى([60]).

وإلى جانب ذلك فمحمود فهمي مذكرات عن الثورة العرابية موجودة بدار الوثائق القومية بكورنيش النيل بالقاهرة تحت عنوان "أوراق الحضرة الخديوية والثورة العرابية"، وهي مذكراته الخاصة حول ما شاهده أثناء ضرب الإسكندرية والأعمال التي قام بها، ومذكرة عن تسليم نفسه للإنجليز، ومذكرة للخديو يتنصل فيها من التبعات التي أخذت عليه، وتلغراف منه إلى عرابي يخبره فيه بالحالة الحربية وما وصلت إليه من سوء.

وعلى الرغم من خروج محمود فهمي على الموضوعية في بعض الأحيان، فإن ما كتبه يعد من المصادر الهامة في دراسة تاريخ الثورة العرابية وأحداثها.

وكتب عبد الله النديم مذكراته السياسية تحت عنوان "كان ويكون"([61]) أثناء فترة اختفائه عن أعين الإنجليز والحكومة من سنة 1882 إلى سنة 1891م. وتتضمن هذه المذكرات موضوعات دينية وأدبية وتاريخية وسياسية ومقاربات بين الأمم والأجناس الشرقية والغربية في أحوالهم وأطوارهم واختلاف طرقهم ومناهجهم، كما حكى النديم فيها عن أحواله في الفترة التي كان مختفيا فيها، ومذكراته عن الثورة العرابية، ورسائله إلى عرابي. وإلى جانب ذلك، فللنديم مؤلفات عديدة تعرض معظمها للضياع وما تبقى منها مثل كتاب "المسامير"([62]) الذي كتبه في هجاء أبو الهدى الصيادي وما تم جمعه تحت عنوان "سلافة النديم" يثبت أن أفكار النديم السياسية والاجتماعية كانت سابقة لأفكار أبناء وطنه، وكانت جديدة عليهم لم يسمعوا عنها من قبل حيث نبه أفكارهم إلى موضوعات جديدة أيقظ بها الرأي العام المصري بعد فترة رقاد.

وكتب الشيخ محمد عبده "تاريخ أسباب الثورة العرابية"([63]) بين فيه أسباب هذه الثورة وحوادثها، وتوقف عند مظاهرة عابدين، وقد بدأ الشيخ محمد عبده كتابه بوصف أحوال مصر عندما نزل الخديو إسماعيل عن العرش، وظروف تولية الخديو توفيق، كما أوضح أن النهضة الوطنية التي ظهرت في مصر خلال هذه الفترة ترجع إلى جمال الدين الأفغاني وما له من أثر على ازدهار الصحافة العربية وترقية أفكارها.

وقد أوضح الشيخ محمد عبده أنه لم يكن راضيا عن حركة العسكريين في بداية الأمر، لأنه كان يرى ضرورة الاهتمام بتربية وتعليم الأمة. ويتوقف الكتاب كما ذكرنا- عند حادثة عابدين وعزل رياض باشا وتولية شريف مكانه. ولم يتم الشيخ محمد عبده باقي أحداث الثورة، نظرا للخلاف الذي حدث بينه وبين الخديو عباس الثاني بسبب ما ذكره عن إسراف جده إسماعيل، وسوء إدارته للبلاد، وعن نقده للخديو توفيق لعدم تمكنه من وقف التدهور الذي حاق بمصر.

ويعد هذا الكتاب من الكتب المهمة في دراسة أسباب الثورة العرابية وأحداثها، ووجهة نظر الشيخ محمد عبده في بعض رجالها. وتبرز أهميته أيضا في أن الشيخ محمد عبده عبر عن وجهة نظره كأحد تلاميذ الأفغاني الذين لم يحسبوا للعسكريين حسابا أثناء مناداتهم بالإصلاح، وفي أنه أحد شهود العيان الذين شاهدوا الأحداث وشاركوا في اتخاذ بعض القرارات الهامة التي اتخذها العرابيون للدفاع عن مصر.

وكتب أحمد عرابي "كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية"([64]). وهذه المذكرات تضيء للمؤرخين بعض النواحي، وتذلل لهم سبل البحث، وتزيح الريب والشكوك عن الثورة وزعيمها. وقد تعرض عرابي في هذه المذكرات لنشأته ونسبه والأحداث التي تعرضت لها مصر أيامه. وأبرز ما يمكن أن نستخلصه مما كتبه عرابي أنه استعمل لفظ "المصريين" و"الأمة المصرية" بمعناه الحديث، واعتبر غير المصريين أجانب سواء كانوا من الأتراك أو الأرمن أو غيرهم، وسواء كانوا من المسلمين أو النصارى؛ كما أنه في حديثه عن الحملة الحبشية اتهم أركان الحرب الأجانب العاملين في الجيش المصري بالخيانة، وبأنهم كانوا السبب في المآسي التي تعرض لها الآلاف من الجنود المصريين وانتهت بإبادتهم؛ يضاف إلى ذلك اتهامه للخديو إسماعيل بعد خروجه من مصر بأنه سرق من الخزانة ثلاثة عشر مليونا من الجنيهات.

وعن الأحكام التي صدرت على زعماء الثورة ذكر عرابي أنه حكم عليه بالإعدام ومعه ستة من زملائه، ولكن استبدل ذلك الحكم بالنفي المؤبد من مصر وملحقاتها، كما صدرت الأوامر بمصادرة أملاك العرابيين ونفيهم إلى سيلان حتى أمر الخديو بالعفو عنهم في عام 1901م بعد غياب دام تسعة عشر عاما وأربعة أشهر.

والجدير بالذكر أن عرابي فرغ من مذكراته في السادس والعشرين من يوليو 1910م.

وعلى الرغم من الأهمية الكبرى لهذه المذكرات من الناحية التاريخية، خاصة وأن قائد الثورة العرابية هو كاتبها، فإن كثيرا مما ورد بها من معلومات يحتاج من الباحثين إلى تمحيص وتدقيق.

وجملة القول إن كتابات ومذكرات قادة الثورة العرابية كان لها أبرز الأثر في تفهم العديد من الأحداث وإيضاح الكثير من الحوادث التي لم يتطرق إليها الآخرون.

وهكذا يتضح أن ما كتبه زعماء الثورة العرابية في مؤلفاتهم أو مذكراتهم انحصر إلى حد كبير في تعليل أسباب قيامهم بالثورة وشرح وقائعها والتنصل من تبعاتها وأسباب فشلها. ولعل السبب الذي دفعهم إلى هذه الكتابات هو شغل أوقات فراغهم سواء خلال فترة النفي أو الاختفاء. لذلك تأثروا جميعا بأحوالهم غير المرضية أثناء الكتابة، وانصب ذلك على خروج بعضهم على الموضوعية في بعض الأحيان.

ومهما يكن من أمر، فإن ما كتبوه يعد لونا جديدا من ألوان الكتابة التاريخية عرفته مصر في أواخر القرن التاسع عشر، ولم تكن لها معرفة به من قبل([65]).

وعلى أي حال، فبعد فشل الثورة العرابية، لم تتوقف حركة النضال الفكري. فاشترك الأفغاني مع محمد عبده في إصدار جريدة "العروة الوثقى" في باريس لمهاجمة الاستعمار والدعوة إلى التضامن الإسلامي.

ولم يتوقف الأمر على النواحي السياسية فحسب، بل ظهرت في مصر بعض الأفكار الاجتماعية المتأثرة بالتيار الليبرالي الأوربي. فدعا قاسم أمين إلى تحرير المرأة في كتابيه "تحرير المرأة"([66]) و"المرأة الجديدة"([67]) وأرجع الاضمحلال الذي تعاني منه مصر إلى وضع المرأة المصرية وتخلفها ورأى أن العلاج الناجع لذلك هو التعليم.

وفي نهاية هذا البحث، يمكن القول إن تطور حركة التأليف التاريخي في القرن التاسع عشر، ذلك القرن الذي أخذ فيه الشرق يصحو من ثباته، وينفض عن نفسه غبار الخمول والتخلف، كان له أثره الواضح في ازدهار الحركة التاريخية في مصر في القرن العشرين.

حقيقة، إن هذه الحركة لم تقم على أكتاف مؤرخين متخصصين، وإنما قامت على أكتاف الهواة وعشاق التاريخ الذين قدموا دراسات رائدة، وإن كان معظمهم قد اهتم بالجمع والتنسيق والمنمقات البديعية أكثر من التدقيق والتحقيق، والذين برز منهم العديد من كتاب التاريخ الثقاة أمثال عبد الرحمن الجبرتي، ذلك الشيخ الأزهري الذي دون الحوادث والوقائع كما رآها بعينيه أو سمعها بأذنيه من معاصريه، والذي يعد ما كتبه امتدادا لنظام الحوليات؛ ورفاعة الطهطاوي الأزهري المتفرنج الذي تمثل كتاباته نقطة تحول بارزة في تاريخ الفكر السياسي المصري، وإن كانت معظم كتاباته لا تخلو من السجع الأجوف؛ وعلي مبارك الذي كان مصنفا وجامعا وكانت اهتماماته بالتاريخ واضحة، بالرغم من أنه كان مهندسا؛ ومحمد عبده الذي اشتهر بمحاولاته في التوفيق بين الدين والعلم الحديث؛ وعبد الله النديم الذي هاجم عيوب مجتمعه بأسلوب يمتزج فيه التبكيت مع التنكيت، وغيره.

وحقيقة، إن هذه الكتابات في مجملها لم يلتزم فيها أصحابها بقواعد الكتابة الحديثة، خاصة وأنهم عبروا عما كتبوه بطريقة عصرهم ولم تكن الكتابة التاريخية وظيفة أساسية في حياتهم. ومع ذلك، يحمد لهم ما كتبوه، ولا سيما أنهم أضاءوا الطريق لمؤرخي القرن العشرين الذين برزوا بدراساتهم الأكاديمية، خصوصا بعد افتتاح الجامعة المصرية.

 



([1]) طبع عدة طبعات بعد أن محجوبا لفترة ليست بالقليلة. وبعد أن أذن الخديوي توفيق بطبعه، طبع لأول مرة في عام 1297هـ/1879م بالمطبعة الأميرية ببولاق، ثم تكرر طبعه؛ فطبع بالمطبعة الشرفية في عام 1323هـ/1905م في أربعة أجزاء، وقامت وزارة التربية والتعليم بتحقيقه تحت إشراف الأستاذ محمد شفيق غربال في عام 1958م؛ كما ترجم إلى الفرنسية في تسعة أجزاء.

([2]) يؤرخ هذا الكتاب للحملة الفرنسية على مصر. وكان الجبرتي قد أهداه إلى يوسف باشا القائد العثماني الذي دخل القاهرة في أعقاب خروج الفرنسيين منها. وقد قامت وزارة التربية والتعليم بتحقيقه في عام 1961م. والجدير بالذكر أن الجبرتي قد أفاد في تاريخه من جهود بعض المعاصرين له أمثال إسماعيل الخشاب وحسن العطار كما أفاد أيضا من جهود من سبقه من المؤرخين.

([3]) أرنولد توينبي، "عبد الرحمن الجبرتي وعصره"، ضمن كتاب "عبد الرحمن الجبرتي دراسات وبحوث"، ص.15.

([4]) محمد شفيق غربال، "عبد الرحمن الجبرتي"، ضمن كتاب "عبد الرحمن الجبرتي دراسات وبحوث"، صص.9-11.

([5]) من تقديم عزت عبد الكريم للدراسات والبحوث التي قدمت خلال ندوة الجبرتي التي أقامتها الجمعية المصرية للدراسات التاريخية في أبريل 1974.

([6]) محمد أنيس، "الجبرتي ومكانته في مدرسة التاريخ المصري في الحصر العثماني"، دراسة ضمن بحوث الندوة.

([7]) راجع ما كتبه ماكدونالد (Macdonald) في ترجمته للجبرتي في "دائرة المعارف الإسلامية" مادة "جبرتي"، وما كتبه إدوارد وليم لين في كتابه "الأحوال والعادات في مصر الحديثة"

(The Manners, Customs of the Modern Egyptian, London, 1836)

([8]) أسد رستم، "المحفوظات الملكية المصرية"، المجلد الأول، 1810-1832م، تحت عنوان "ما لا يستغني عنه الباحث".

([9]) من المفيد الإشارة إلى أن ما كتبه الجبرتي في "مظهر التقديس" يختلف عما كتبه في "عجائب الآثار". ففي "مظهر التقديس" يخرج الجبرتي عن الموضوعية أحيانا، وينظر إلى الحوادث بعاطفته الدينية والوطنية، فيرى كل ما هو فرنسي كريه، ويكفي أن يكون الحكم غير إسلامي لينتقده، ولكنه في "عجائب الآثار" تخلى عن هاتين العاطفتين. للتفاصيل، أنظر د. محمد أنيس، "الجبرتي بين مظهر التقديس وعجائب الآثار"، مجلة كلية الآداب، المجلد الثامن عشر، ج1، مايو 1956، صص.59-70.

([10]) الجبرتي، "عجائب الآثار"، ج3، القاهرة، المطبعة الأميرية، صص.26، 34-35.

([11]) الجبرتي، "عجائب الآثار"، ج4، ص.272.

([12]) "عجائب الآثار"، ج3، صص.342-344.

([13]) المرجع نفسه، ج3، ص.313.

([14]) المرجع نفسه، ج3، ص.369.

([15]) المرجع نفسه، ج4، ص.90. وللتفاصيل، أنظر: د. عبد المنعم الجميعي، "دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" في كتابات المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عدد 1، الرياض.

واللافت للنظر أنه على الرغم من أن الجبرتي كان قاهريا والريف كان على هامش حياته، فإنه كان على علم بحياة الفلاحين، خاصة وأنه كان يمتلك أرضا بقرية "أبيار" بالقرب من كفر الزيات. لتفاصيل ذلك، انظر دراسة للدكتور رءوف عباس تحت عنوان "تصوير الجبرتي للمجتمع الريفي"، ندوة "الجبرتي"، ص.413.

([16]) "عجائب الآثار"، ج3، ص.528.

([17]) عمل في خدمة الأمير بشير الشهابي، وحضر إلى مصر قبل الحملة الفرنسية بزمن قصير، والكتاب طبع في باريس مع ترجمة فرنسية له.

([18]) كان رئيسا للديوان أيام الفرنسيين. وقد ترجم له الجبرتي في وفيات 1227هـ. ومن المعروف أن الشيخ الشرقاوي تعاون مع الفرنسيين وانبهر بتفوقهم. لذلك كان اختياره رئيسا للديوان الأول اختيارا مقصودا من جانب بونابرت.

([19]) محمد الشرقاوي، "دراسات في تاريخ الجبرتي"، مصر في القرن الثامن عشر، ج1، القاهرة، الأنجلو المصرية، 1955، ص.29.

([20]) أحمد حافظ عوض، "فتح مصر الحديث"، صص.435-436.

([21]) الجدير بالذكر أنه لا صحة لما يذاع حول أن هناك جزءا خامسا من كتاب "عجائب الآثار" لم يصرح بطبعه لما فيه من الطعن على محمد علي، لأنه توجد نسخة خطية من تاريخ الجبرتي في مكتبة وزارة الحربية الفرنسية بباريس. ولو كان فيها شيء لم ينشر في الطبعة العربية، لما خفي أمره على المستشرقين والباحثين الأوربيين. (انظر: عوض، المرجع السابق، ص.438).

([22]) جاك كرابس، "التاريخ في مصر القرن التاسع عشر"، ترجمة عبد الوهاب بكر، القاهرة، الألف كتاب الثاني (118)، 1993، ص.82.

([23]) يذكر البعض أن جزءا من تاريخ الجبرتي احترق، وكان يتضمن حوادث ما بعد سنة 1236هـ. (انظر: الشرقاوي، المرجع السابق، ص.16).

ومن المعلوم أن محمد علي أوعز إلى بعض الموالين له بنقد كتاب الجبرتي وتجريحه، فكتب الشيخ خليل الرجبي كتابا بعنوان "تاريخ الوزير محمد علي باشا"، عرض فيه لمآثر محمد علي وأشاد بأعماله، ورد على ما جاء في كتابات الجبرتي بشأن محمد علي.

([24]) للتفاصيل انظر: جمال الشيال، "تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي"، دار الفكر العربي، 1951، صص.151-154؛ وأيضا "التاريخ والمؤرخون في مصر في القرن التاسع عشر"، صص. 198-199.

([25]) كان ثمرة تفكيره مشروعين علميين: الأول ترجمة بعض المؤلفات التاريخية إلى اللغة العربية حتى يضع بين يدي المصريين تاريخا متكاملا يغطي العصور التاريخية المختلفة، والثاني إنشاء مدرسة للتاريخ والجغرافيا. ويبدو أن هذه المدرسة لم تعش طويلا.

([26]) من هذه المؤلفات: "نظم اللآلئ في السلوك فيمن حكم فرنسا من الملوك"، وهو تاريخ فرنسا ويشتمل على مقابلة زمنية بالتاريخ الإسلامي؛ "مطالع شموس السير في وقائع كرلوس الثاني عشر"، وهو تاريخ لشارل الثاني ملك السويد؛ "إتحاف الملوك الألبا بتقدم الجمعيات في أوربا"؛ "تاريخ بطرس الأكبر".

([27]) طبع عام 1868م.

([28]) نشر لأول مرة في عام 1834م، ثم طبع بعد ذلك ثلاث طبعات، وترجم فيما بعد إلى التركية ولقي قبولا واسعا بين أوساط المثقفين في إستانبول.

([29]) الجدير بالذكر أن محمد علي قرأ هذا الكتاب بعد أن ترجم له إلى التركية، وطبع بعد ذلك عدة طبعات من أشهرها الطبعة التي أشرفت وزارة الثقافة والإرشاد القومي على إخراجها وكلفت الدكتور مهدي علام وبعض الأساتذة بالتعليق عليها والتقديم لها، وكان ذلك في عام 1958م.

([30]) نشر لأول مرة في عام 1869م.

([31]) نشر حسين المرصفي خلال هذه الفترة وبالتحديد في عام 1869م كتابه "الكلم الثمان" وفيه تعرض لدراسة الكلمات الجديدة التي وفدت على الفكر السياسي المصري مثل الوطن، والحرية، والأمة، والعدالة، والعلم، والسياسة، والحكومة، والتربية.

([32]) محمد عبد الغني وعبد العزيز الدسوقي، "روضة المدارس، نشأتها واتجاهاتها الأدبية والعلمية"، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1985، ص.13.

([33]) رفاعة الطهطاوي، "تخليص الإبريز في تخليص باريز"، تحقيق مهدي علام وآخرين، القاهرة، البابي الحلبي، 1958، ص.105.

([34]) الرافعي، "عصر محمد علي"، ص.489.

([35]) أحمد عزت عبد الكريم، "تاريخ التعليم في مصر-عصر عباس وسعيد"، القاهرة، 1945، ص.85.

([36]) أحمد بدوي، "رفاعة الطهطاوي بك"، القاهرة، لجنة البيان العربي، 1950، ص.47.

([37]) عن سيرة حياته، انظر: "الخطط التوفيقية"، ج9، صص.37-61.

([38]) تشتمل "الخطط التوفيقية" على عشرين جزءا في خمسة مجلدات كبيرة. وقد أراد علي مبارك أن يكمل بها ما كتبه المقريزي في "خططه"، وهي عبارة عن موسوعة هامة تضم العديد من التراجم والأعلام، كما تتناول معلومات هامة عن القرى والمدن المصرية بما فيها من مؤسسات دينية وثقافية خلال القرن التاسع عشر. وقد سماها بـ"الخطط التوفيقية" نسبة إلى الخديو توفيق. وقد جاءت هذه الخطط في بعض الوجوه أتم وأوفى من "خطط" المقريزي، خاصة وأن صاحبها تتبع تاريخ الخطط في ظلمات العصر العثماني، وحقق المعالم والمواقع الأثرية القديمة في ضوء الأطلال الدارسة والمنشآت المحدثة التي تفصلها من الماضي قرون طويلة.

([39]) طبع بمطبعة وادي النيل، في عام 1279هـ بهدف تعليم الضباط والعساكر أيام سعيد باشا طرق الحساب والهندسة والاستكشافات العسكرية.

([40]) قصة في أربعة مجلدات قسمت إلى مسامرات بلغت 125 مسامرة، وتدور حول رجل أزهري تتلمذ عليه مستشرق إنجليزي تعلم منه العربية وعلمه الإنجليزية وسافر معه إلى إنجلترا. ومن خلال ذلك يرصد علي مبارك أهمية الاحتكاك الحضاري بين لشعوب

([41]) طبع بمطبعة وادي النيل سنة 1287هـ. ويبلغ عدد صفحاته 81 صفحة.

([42]) طبع بمطبعة المدارس في عام 1289هـ.

([43]) وهذا الكتاب يرسم سياسة مستقبلية لمصر تعتمد أولا وقبل كل شيء على الزراعة المصرية وعلى ما يقوم عليها من تصنيع، ثم يقدم بعض النتائج المستخلصة من المقارنات. انظر: محمد أحمد خلف الله، "علي مبارك وآثاره"، القاهرة، الأنجلو المصرية، 1957، صص.208-214.

([44]) انظر: "الخطط التوفيقية"، الجزء الأول، ص.2.

([45]) طبع بمطبعة بولاق بالقاهرة، في عام 1311هـ.

([46]) طبع في ثلاثة أجزاء بمطبعة بولاق. ويعتبر البعض إسماعيل سرهنك من كتاب القرن العشرين، لأنه توفي في عام 1924؛ ولكننا آثرنا إلحاقه بمؤرخي القرن التاسع عشر، خاصة وأنه ألف الجزءين الأول والثاني من كتابه في أواخره وتم طبعهما في عام 1896 وعام 1898م.

ومن المعروف أن سرهنك ولد في عام 1867م والتحق بالمدرسة البحرية بعد أن أتم دراسته الابتدائية، وتخرج ضابطا منها، وتولى قيادة كثير من سفن الأسطول المصري، وشارك في العديد من العمليات الحربية والبحرية.

([47]) حقائق الأخبار، ص.3. والجدير بالذكر أن الجزء الثالث من هذا الكتاب طبع في عام 1923، أي بعد صدور كتاب علي مبارك "حقائق الأخبار في أوصاف البحار" بربع قرن تقريبا.

([48]) ناقش كرابس ذلك في كتابه سابق الذكر، صص.193-194.

([49]) طبع الجزء الأول بمطبعة بني لاغوداكي بالإسكندرية، في عام 1899م.

([50]) طبع بمطبعة بولاق في عام 1894م.

([51]) القول التام، ص.6.

([52]) نشر بالقاهرة عام 1306هـ.

([53]) كرابس، مرجع سابق، صص.253-254.

([54]) هاجر إلى مصر في عهد إسماعيل وعمل بالتمثيل والصحافة. ولما قامت الثورة العرابية، شايع عرابي فترة، ثم انقلب عليه وأصبح واحدا من أقوى المعارضين له، وظل على ذلك الحال حتى توفي في عام 1884م.

([55]) هذه المجلدات الثلاثة أوقفت الحكومة طبعها، لأنها وجدت في ترجمة محمد علي والخديوي إسماعيل ما يتحتم حذفه. (انظر: جرجي زيدان، "تاريخ آداب اللغة العربية"، ج4، القاهرة، مطبعة الهلال، 1914، ص.287).

([56]) قبطي مصري ولد في حي السقايين بالقاهرة في عام 1861م، وتقلب في مناصب عديدة.

([57]) صدر في أربعة أجزاء بين عام 1898م وعام 1900م، ويتكون من 1738 صفحة من القطع الكبيرة.

([58]) توفي في السابع عشر من يونيو 1894م في منفاه بسيلان. ومما كتبه عنه طبيبه أنه كان نشيطا، ويهوى المكتبة ويقوم بترجمة كتب التاريخ من الإنجليزية إلى العربية. (انظر: لطيفة سالم، "عرابي ورفاقه في جنة آدم 1883-1901م"، القاهرة، الأنجلو المصرية، 1986، ص.84).

([59]) طبع هذا الكتاب في عام 1312هـ في مطبعة بولاق بالقاهرة، أي بعد وفاته بحوالي عام.

([60]) انظر: "البحر الزاخر"، ج1، صص.210-237.

([61]) قمنا بنشر هذا الكتاب مع عمل مقدمة تحليلية له بالهيئة المصرية العامة للكتاب عن طريق مركز تاريخ مصر المعاصر.

([62]) قمنا بنشر هذا الكتاب مع عمل مقدمة تحليلية له عن طريق مركز تاريخ مصر المعاصر.

([63]) نشر محمد رشيد رضا هذا الكتاب ضمن كتابه "تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده"، ج1، ص.159 وما بعدها.

([64]) مخطوط تحت رقم 1542، علما بأنه يوجد بدار الكتب نسخة مصورة عن الأصل، المخطوط تحت رقم ح24955 وتم نشر أجزاء منها.

([65]) الشيال، "التاريخ والمؤرخون"، ص.174.

([66]) نشر لأول مرة في عام 1899م.

([67]) نشر لأول مرة في عام 1900م.