أوضاع المسلمين تحت الإدارة الصليبية من خلال رحلة ابن جبير (النصوص ـ التوظيف ـ الواقع التاريخ)

 

        الأستاذ عبد المجيد بهيني

                   كلية الآداب ـ بني ملال

 

 

        يجد الباحث في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لبلاد الشام في فترة الحروب الصليبية صعوبة كبيرة تتمثل في قلة المصادر وندرة المعلومات حول أوضاع المجتمع بصفة عامة، وأحوال المسلمين الخاضعين للنفوذ الإفرنجي بصفة خاصة. وتعتبر "رسالة اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك" لابن جبير([1]) واحداً من أهم المصادر التي ألقت الضوء على بعض الصور عن علاقات المسلمين بالإفرنجية تحت الحكم الصليبي في الربع الأخير من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. هذا الكتاب هو أشبه بمذكرات يومية سجل فيها ابن جبير ملاحظاته ومشاهداته أثناء رحلته التي بدأها في شوال سنة 578 هـ، وانتهى منها بعودته إلى الأندلس في 22 من المحرم سنة 581 هـ. وهذه الملاحظات تعد مادة ثمينة تعين الباحث على تلمس الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في الشرق الأدنى بصفة عامة، وأحوال المسلمين بمناطق نفوذ الصليبيين ببلاد الشام بصفة خاصة. وقد ترجم الكتاب إلى لغات عديدة، واعتمده العديد من الباحثين. إلا أن توظيفهم لبعض نصوص الرحلة كثيراً ما كانت تتحكم فيه أغراض إيديولوجية وسياسية تستجيب لرغباتهم كل حسب اتجاهه ومرماه. وسنحاول الوقوف على ذلك في هذا العرض الذي نهدف منه أيضاً إلى توضيح بعض ما جاء في الرحلة من نصوص حول أوضاع المسلمين تحت حكم الإفرنجة، مع التركيز على الأحوال النفسية.

        فما مضامين نصوص ابن جبير؟ وكيف صور هذه العلاقات؟ وكيف وظفها الباحثون؟ وإلى أي حد انسجم هذا التوظيف مع الواقع التاريخي؟

 

1  ـ  مضامين نصوص ابن جبير (الصورة)

        ليس القصد من هذا العنصر رصد وتتبع كل ما جاء في كتاب الرحلة من معلومات حول أحوال المجتمع الإسلامي بالمناطق المشرقية التي زارها وسجّل انطباعاته حولها، بقدر ما يتعلق الأمر بالوقوف عند بعض النصوص التي تحدث فيها عن أشياء لفتت انتباهه ونالت إعجابه وارتبطت على الخصوص بالوضع القانوني وبحالة الترفيه ـ كما يقول ابن جبير ـ التي كان عليها المسلمون الذين أرغمتهم ظروف عديدة على العيش تحت نير الحكم الصليبي. وأكاد أجزم بأن شهرة هذا الكتاب وسعة انتشاره منذ منتصف القرن الماضي تعود بالأساس إلى هذه النصوص:

        ـ  النص الأول: يقول ابن جبير في فقرة اختار لها العنوان الآتي: "الحرب واتفاق النصارى والمسلمين".

 

              ومن أعجب ما يحدث به أن نيرات الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى، وربما يلتقي الجمعان ويقع المصاف بينهم ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض عليهم. شاهدنا في هذا الوقت، الذي هو شهر جمادى الأولى، من ذلك خروج صلاح الدين بجميع عسكر المسلمين لمنازلة حصن الكرك([2])، وهو من أعظم حصون النصارى، وهو المعترض في طريق الحجاز والمانع لسبيل المسلمين على البر، وبينه وبين القدس مسيرة يوم أو اشف قليلاً(...)([3]).

 

              واختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع. واختلاف المسلمين من دمشق إلى عكة كذلك. وتجار النصارى أيضاً لا يمنع أحد منهم ولا يعترض (...). هذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك. ولا تعترض الرعايا ولا التجار؛ فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلماً أو حرباً. وشأن هذه البلاد في ذلك أعجب من أن يستوىي الحديث عنه([4]).

 

        ـ  النص الثاني: ويظهر أنه يكمل ما جاء في النص السابق، لأن ابن جبير يتحدث فيه عن الموضوع نفسه الذي هو خروج صلاح الدين الأيوبي لمنازلة صاحب حصن الكرم المتقدم الذكر. يقول النص: »ومن أعجب ما يحدث به في الدنيا أن قوافل المسلمين تخرج إلى بلاد الإفرنج وسبيهم يدخل إلى بلاد المسلمين«. وبعد استعراضه لأطوار هذه المواجهة التي أسفرت عن انتصار المسلمين، استطرد قائلاً: »وخرجنا نحن من دمشق وأوائل المسلمين قد طرقوا بالغنائم كل بما احتواه وحصلت يده عليه. وكان مبلغ السبي آلافاً لم نتحقق إحصاءها (...) وخرجنا نحو إلى بلاد الفرنج وسبيهم يدخل بلاد المسلمين، وناهيك من هذا الاعتدال في السياسة«!([5]).

        ـ  النص الثالث: يصف ابن جبير، في طريقه من دمشق إلى عكة، القرى والضياع ما بين تبنين (جنوب لبنان)، هي للصليبيين، وعكة قائلاً:

 

              ورحلنا من تبنين ـ دمرها الله ـ سحر يوم الاثنين، وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة، سكانها كلها مسلمون، وهم مع الإفرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة. وذلك أنهم يؤدون لهم نصف الغلة عند أوان ضمها وجزية على كل رأس دينار وخمسة قراريط ولا يعترضونهم في غير ذلك، ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدونها أيضاً. ومساكنهم بأيديهم وجميع أحوالهم متروكة لهم. وكل ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل، رساتيقهم كلها للمسلمين، وهي القرى والضياع، وقد أشربت الفتنة قلوب أكثرهم لما يبصرون عليه إخوانهم من أهل الرساتيق المسلمين وعمالهم، لأنهم على ضد أحوالهم من الترفيه والرفق. وهذه من الفجائع الطائرة على المسلمين: أن يشتكي الصنف الإسلامي جور صنفه المالك له، ويحمد سيرة ضده وعدوه المالك له من الإفرنج، ويأنس بعدله. فإلى الله المشتكى من هذه الحال، وحسبنا تعزية وتسلية ما جاء في الكتاب العزيز: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء}([6]) ([7]).

 

        ولا غرابة في القول بأنه ما من دراسة اعتمدت على هذا الكتاب، خاصة الدراسات التي اهتمت بالعلاقات الإسلامية الإفرنجية، وبالأحوال الاقتصادية والاجتماعية لبلاد الشام تحت النفوذ الصليبي، إلا واستشهدت إن لم نقل بكل النصوص السالفة الذكر، فعلى الأقل ببعض الفقرات منها. فكيف جاء إذن توظيف هذه النصوص؟

 

2  ـ  نصوص ابن جبير في أعمال الباحثين

        نظراً للقيمة الوثائقية النفيسة لكتاب الرحلة، فقد استرعى اهتمام المؤرخين والباحثين منذ وقت مبكر (منتصف القرن التاسع عشر) ([8]). ولم يقتصر الأمر على طبعه وترجمة فصول هامة منه إلى لغات أخرى، بل اعتُمد عليه في كثير من الدراسات نذكر من بينها دراسة لزكي النقاش([9]) ركز في قسم كبير منها على النصوص المذكورة، ولا سيما عند كلامه عن المجتمع في المملكة اللاتينية وملحقاتها. وفي هذا الإطار نجده يكتفي بإعادة إيراد ما جاء عند ابن جبير من وصف لأحوال الفلاحين المسلمين بتبنين دون الوقوف عند النص، وتعميق النظر فيه، واعتبار الظروف والأسباب التي تفسر موقف الإدارة الصليبية هذا من فلاحي هذه المنطقة في تلك الفترة بالذات([10])، أي دون اعتبار الزمان والمكان، مما طبع تحليله بنوع من التعميم([11]).

        ويرى السيد عبد العزيز سالم، متحدثاً عن القيمة الوثائقية لكتاب االرحلة، أن أروع ما ذكره ابن جبير هو تصويره للتعايش السلمي بين الصليبيين والوطنيين في مملكة بيت المقدس الصليبية، على الرغم من حالة الحرب القائمة بين المسلمين والإفرنجية([12]). ويذهب حسان حلاق المذهب نفسه بخصوص النص المتعلق بتبنين، فيرى فيه تجسيداً للعلاقات الطبية المشتركة بين المسلمين والإفرنجة([13])، وأن العلاقات التجارية ظلت قائمة بصورة ناجحة بالرغم من العداء بين المسلمين والصليبيين حيث كانت القوافل تتنقَّل بين أراضي الطرفين في سهولة([14]).

        أما نقولا زيادة، فبعد أن استشهد بأحد نصوص ابن جبير المتقدمة الذكر، خلص إلى أن »الحرب أو الحروف بعد أيام القتال العنيف الأول لم تكن تمنع الاتصال وتبادل التجارة«([15]). وتبقى الدراسة الوحيدة التي تفادت التعميم واعتبرت الزمان والمكان أثناء تحليلها، في نظرنا، هي تلك التي يقول فيها صاحبها: »ومن المؤكد أن أحول الفلاحين المسلمين تحت الحكم الصليبي كانت متردية بشكل عام، مع بعض الاستثناءات النادرة. من ذلك ما يذكره ابن جبير عن فلاحي تبنين، وعن أفضلية وضعهم بالمقارنة مع فلاحي المناطق الإسلامية المجاورة«([16]).

        أما الباحثون الغربيون الذين أرخوا للحروب الصليبية، فإن دراساتهم لم تستغن عن نصوص ابن جبير السابقة الذكر. فقد تميز تحليل إرنست باركر للنص المتعلق بأحوال الفلاحين المسلمين بتبنين بشيء من التعميم يوحي للقارئ أن ما ينطبق على فلاحي هذه المنطقة يهم جميع فلاحي مناطق نفوذ الفرنجة المسلمين. إذ يقول:

 

              على أنه ليس في استطاعتنا أن نتأكد إلى أي مدى أنزل أمراء الفرنج الظلم والاستبداد بالمقطعين السوريين. وما ورد عن هذا الضرب من الظلم لم يلق شيئاً من التأييد. وإذا صح ما أورده الرحالة المسلم ابن جبير، من دليل، فإن أولئك المسلمين الذين عاشوا بضياع الفرنج، لأحسن حظاً من الذين عاشوا في كنف الأمراء الوطنيين([17]).

 

        وقد ذهب بعضهم بعيداً في تأويل هذا النص إلى درجة جعلتهم يرون أن الفرنجة تنازلوا للفلاحين المحليين بشكل أسهل عن ملكية الأرض. فهو تأويل، وإن بولغ فيه، فإنه لا يخرج عن نطاق الآراء السابقة. ونفهم منه كذلك أن مسألة التنازل عن الأرض لصالح الفلاحين المسلمين همت كل مناطق نفوذ الصليبيين، وليس تلك التي تشكل الإطار المكاني للنص فقط([18]).

        على أن من الباحثين الذين تعاملوا مع نصوص ابن جبير بنوع من التبصر والتريث في التفسير كلود كاهن (Cahen) الذي أثار الانتباه إلى ضرورة مراجعة التفسير الشائع للفقرة الشهيرة التي يصف فيها الرحالة المسلم ابن جبير وضع الفلاحين المسلمين في الشرق اللاتيني، وذلك بمقارنتها بنصوص أخرى للرحالة نفسه، مع تفسيره وتحليله في سياقه([19]).

        نلاحظ إذن، مع بعض الاستثناءات النادرة، أن توظيف نصوص ابن جبير يطبعه التعميم بحيث أن أغلب الباحثين، السابق ذكرهم، لم يكلفوا أنفسهم مشقة تعميق تحليل ما جاء فيها من معلومات، وذلك بوضعها في سياقها واحترام إطارها الزماني والمكاني، والبحث عن الأسباب الحقيقية المفسرة لتلك المعاملة مع الفلاحين المسلمين، بل وجدناهم يكتفون بإيراد ما جاء في الرحلة من نصوص. فكيف ينبغي قراءتها؟

 

3  ـ  النصوص والواقع التاريخي؟

        سبقت الإشارة إلى أن ابن جبير يعتبر من رحال العصر الوسيط البارزين الذين صوروا أوضاع مسلمي الإمارات الصليبية ببلاد الشام. فهل يصح تعميم ما ذكره عن مناطق معينة في فترة محددة على مناطق أخرى في الفترة نفسها؟ بل هل يصح تعميم ما ذكره عن المنطقة نفسها في فترات أخرى خارجة عن إطار الرحلة الزماني؟

        أعتقد أن على أي باحث في مجال التاريخ عند الاستشهاد بنص ما اعتبار المكان والزمان والالتزام بهما، فضلاً عن اعتبار السياق الذي كتب فيه النص. وهي إجراءات معروفة في مناهج البحث التاريخي. لكن القناعات السياسية والإيديولوجية أحياناً تطغى على النظرة الموضوعية للأمور، وتعمل على توجيه البحث وجهة مخالفة لروح النصوص والتعامل معها وفق أهداف ومرامي محددة ومرسومة مسبقاً، دون اعتبار السياق والزمان والمكان. وفي فترة كتلك التي تغطيها أحداث الرحلة، خاصة ما تعلق منها ببلاد الشام التي شهدت حروباً مستمرة فيما بين المسلمين والصليبيين، كان من اللازم أيضاً أخذ موازين القوى بين الطرفين بعين الاعتبار، لأن اختلاف موازين القوى يؤثر بشكل كبير في المواقف السياسية الداخلية والخارجية؛ ويبقى كل تعميم، خاصة في هذه الفترة التي عرفت فيها هذه المنطقة تطورات سريعة ومتقلبة للأوضاع، خارجاً عن جادة الصواب وضرباً من العبث الممنهج الواعي. ثم إن الاعتماد على مصدر ذي نظرة أحادية ومغربي الأصل ويتحدث عن أحداث ويصور واقعاً مشرقياً يبقى غير كاف لإعطاء صورة حقيقية واضحة عن أحوال المسلمين في ظل السيطرة الإفرنجية، الأمر الذي يفسح المجال للتحليلات والتفسيرات المختلفة. ومن ثم وجب الاستناد إلى مصادر ذات أصول ومشارب متنوعة. وقبل هذا وذاك، كان ينبغي مقارنة ما جاء في نصوص ابن جبير الآنفة الذكر بنصوص أخرى للمؤلف نفسه، لأنها تؤكد عدم إمكان تعميم معلومات وملاحظات تخص منطقة معينة على جهات ونواح أخرى في الفترة نفسها، فما بالك بفترات أخرى. ونتبين ذلك في نص عقد فيه مقارنة بين وضع المسلمين في صور وبين وضعهم في عكة قائلاً: »وأحوال المسلمين بها (صور) أهون وأسكن، وعكة أكبر وأطغى وأكفر«([20]). ويظهر أن سبب هذا الاختلاف في الأوضاع يرجع إلى الشروط الخاصة التي لزم قبولها حتى تستسلم المدينة، والتي كانت لها إيجابيات خاصة.

        ركزت نصوص ابن جبير المذكورة على النقط التالية:

          ـ  حرية تنقل القوافل والتجار المسلمين بين دار الإسلام ودار الحرب دون اعتراض عليهم.

         ـ  تزامن خروج قوافل قوافل المسلمين إلى دار الحرب ودخول سبي الصليبيين إلى دار الإسلام.

         ـ  حالة الترفيه ورضى المسلمين بالعيش تحت الإدارة الإفرنجية (التعايش السلمي).

 

     أ  ـ حرية تنقل بين دار الإسلام ودار الحرب

        ذكر ابن جبير أن القوافل كانت تنتقل بين الأراضي الإسلامية والأراضي الخاضعة لنفوذ الإفرنجة في سهولة دون أن تعترضها صعوبات تذكر، وأن الأمن لم يفارق التجار والسفار في رحلاتهم. فإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا ينطبق إلا على المدة التي زار فيها المنطقة المعنية. إذ أن المصادر حافلة بالعديد من الحالات التي يستنتج منها عكس ذلك، منذ بدء الهجمة الصليبية على بلاد الشام (نهاية القرن 5 هـ/ 11 م) إلى الربع الأخير من القرن 6 هـ/ 12 م. من ذلك ما ذكره الذهبي صاحب كتاب "دول الإسلام" بخصوص استيلاء الفرنجة على قافلة كانت متوجهة من دمشق إلى مصر سنة 502 هـ/ 1108 ـ 1109 م ([21]). وكذلك ما ذكره ابن القلانسي عن هجوم بودوان (Baudouin) صاحب القدس في حدود سنة 1113 م عند وادي عزيب (موضع قريب من بيت القدس) على قافلة انطلقت من بصرى بالأردن باتجاه مصر، وأخذه لخمسين ألف دينار، وأسر العديد من المسلمين ([22]).

        وكثيراً ما كان الفرنجة إبان القرن السادس الهجري ينكثون عهدهم وينقضون المعاهدات واتفاقيات الهدنة التي عقدت بينهم وبين المسلمين، مستغلين في ذلك ميزان القوة الذي كان لصاحلهم، خاصة في أغلب فترات النصف الأول من القرن المذكور، أي إلى حدود ما اصطلح عليه بـ»ـالحرب الصليبية الثانية«. فكان ذلك أولاً في سنة 527 هـ عندما استضعف الفرنجة شمس الملوك صاحب دمشق (توفي 529 هـ) وطمعوا فيه حيث عزموا على نقض الهدنة التي بينهم، »فتعرضوا ـ يقول ابن الأثير ـ إلى أموال جماعة من تجار دمشق بمدينة بيروت وأخذوها، فشكا التجار إلى شمس الملوك، فراسل في إعادة ما أخذوه وكرر القول فيه. فلم يردوا شيئاً«([23]). فكان ذلك سبب استيلائه على بانياس في السنة المذكورة. أما الحالة الثانية، فقد شهدتها أنطاكية سنة 532 هـ، حينما نقض الفرنجة الهدنة التي كانت فيما بينهم وبين عماد الدين زنكي (توفي 541 هـ) على حلب. فقبضوا في أنطاكية على خمسمائة رجل من تجار المسلمين وأهل حلب والسفار ([24]). مما يدل على أن الحروب بين الطرفين كانت تؤثر ـ لا محالة ـ في سلوك الفرنجة وتصرفاتهم إزاء مسلمي دار الحرب الخاضعين لنفوذهم، ولا سيما حين كان ميزان القوة لصالحهم.

        ويخبرنا ابن أبي طي عن حصن بيت الأحزان الذي »كان على المسلمين منه ضرر عظيم (...) وكان هذا الحصن للداوية ([25]) وكانوا يقوون من فيه بالأموال والنفقات لقطع الطرقات على قوافل المسلمين«([26]). وأملاً في اتقاء خطره، ونظراً للأضرار البالغة التي لحقت التجار والقوافل والسفار المسلمين منه، فقد بذل صلاح الدين الأيوبي للفرنجة مائة ألف دينار مقابل هدمه. فلم يجيبوه إلى ما طلب([27]). وكذلك شأن حصن الكرك الذي يقول عنه أبو شامة، متحدثاً عن وقائع سنة 580 هـ، ما يلي:

 

              ولما بلغ الفرنج ذلك (تجهز الجيوش الإسلامية بقيادة صلاح الدين) خرجوا براجلهم وفارسهم إلى الذب عن الكرك. وكان على المسلمين فيه ضرر عظيم، فإنه كان يقطع عن قصد مصر بحيث كانت القوافل لا يمكنها الخروج إلا مع العساكر الجمة. فاهتم السلطان بأمره لتكون الطريق سابلة ويسر الله ذلك. وله الحمد والمنة([28]).

 

        والملاحظ أن الأحداث التي يتناولها النص تزامنت مع وجود ابن جبير بالشام. وعليه، فإذا كان هذا الأخير يرى أن اختلاف القوافل بين مصر ودمشق لم يكن منقطعاً، وأن الأمن لا يفارق القوافل، فإننا نجد في نص أبي شامة عكس ذلك. حيث يتعلق الأمر بالأمير الصليبي أرناط (Renaud de Chatillon) الذي قطع الطريق بين مصر ودمشق، ونهب قوافل المسلمين، واعترض سبيل الحجاج إلى مكة والمدينة، الأمر الذي أثار مغيظة صلاح الدين الأيوبي([29]).

        لم يقتصر الأمر على التصدي للقوافل والحجاج، بل تعداه إلى حد منع تنقل الأفراد. من ذلك ما أورده ابن طولون عن هجرة الشيخ أحمد بن قدامة الحنبلي (مؤسس الصالحية بدمشق) وأهله من قرية جماعيل إلى دمشق في سنة 551 هـ، وذلك في ظروف طبعت بالكتمان والسرية التامة، خوفاً على أنفسهم من الكفار. يقول النص: »فاتفق أن أهل القرية علموا، فأرادوا منعهم (من الهجرة). فلما لم يقدروا على منعهم، أعلموا بهم الكفار حتى يمنعوهم. فمضى عسكر نابلس فقعدوا لهم على الشُّرَيْعَة حتى يأخذوهم فأعماهم الله عنهم وكفاهم شرهم «([30]). ويقول عن ظروف هذه الهجرة والأخطار التي أحدقت بها ما يلي: »وبه إلى الحافظ ضياء الدين قال سمعت والدي قال رجعت إلى والدي حتى أجيء به فقال يا بني كم تتردد! فإني أخاف عليك من الكفار. فقلت ما كنت لأتركك، فجئت به إلى دمشق«([31]).

        يتضح مما سبق أن نص ابن جبير يهم منطقة محددة هي تلك التي يتحدث عنها، في زمن محدد هو الذي صور فيه ما رأى إن كان تدوينه لما شاهد تدويناً آنياً([32])؛ وأنه من غير الصحيح تعميم هذه الملاحظات على مناطق أخرى حتى في الفترة نفسها. كما لا يصح ذلك على المنطقة نفسها المتحدث عنها في فترات أخرى، حيث أوضحت النصوص أحياناً عدم انسجام معلومات الرحلة مع الواقع التاريخي.

 

   ب  ـ  تزامن خروج قوافل المسلمين إلى دارالحرب ودخول سبي الصليبيين إلى دار الإسلام

 

        مما أثار استغراب ابن جبير وإعجابه أن قوافل المسلمين تخرج إلى بلاد الفرنجة، وسبيهم يدخل بلاد المسلمين بالرغم من الحرب التي كانت قائمة بين الطرفين. وتتضمن الرحلة حالة واحدة هي حالة هجوم صلاح الدين على حصن الكرك ونهب الأراضي المجاورة له سنة 580 هـ (جمادى الآخرة)، ومداهمة مدينة نابلس حيث استولى عليها وسبى كل من فيها، وحصل المسلمون منها على غنائم يضيق الحصر عنها. هذا، في وقت كانت قافلة دمشق خارجة في اتجاه عكة وكان ضمنها ابن جبير. يقول في هذا الإطار: »وخرجنا نحن من دمشق وأوائل المسلمين قد طرقوا بالغنائم كل بما احتواه وحصلت يده عليه« (انظر أعلاه). فيظهر من الوهلة الأولى أن النص يقدم صورة متناقضة ومفارقة واضحة في علاقات المسلمين بالصليبيين يمكن بلورتها في التساؤل الآتي: كيف ينبغي تفسير ذلك التعارض المتضمن في النص؟ أعتقد أن ما أشار إليه صاحب الرحلة لا ينبغي أن يكون مدعاة لإثارة الاستغراب  إذا ما وضع وفسر في سياقه. ذلك بأن الأعراف السياسية والدبلوماسية حينئذ تريد أن الاتفاقية أو المعاهدة أو الهدنة المعقودة بين أمير مسلم وآخر إفرنجي لا يسري مفعولها إلا على اراض محدودة من مناطق نفوذ المتعاهدين، وليس على كل الأراضي التابعة لهما، فما بالك بالأراضي الإسلامية أو الإفرنجية التابعة لغيرهما. ولكي نتبين ذلك بشكل ملموس، نورد التصريح الآتي الذي يقول فيه بغدوين (Baudouin)، صاحب بيت المقدس، الصليبي متحدثاً عن اتفاقية هدنة عقدها مع إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين وحلب في سنة 516 هـ: »مذ حَلفنا له (إيلغازي) وحلف لنا ما نكثنا، وحفظنا بلده في غيبته ونحن شيوخ، وما أظنه يغدر، بل ربما قصد طرابلس أو قصدني في القدس، لأنني ما صالحته إلا على أنطاكية وأعمالها«([33]). وهو تصريح على قدر كبير من الأهمية يساعد على فك لغز تلك المفارقة التي ينطوي عليها النص، ويحول إعجاب ابن جبير إلى مجرد إجراء عادي، بل يكشف عن مكونات الوعي الثقافي عنده. فقافلة ابن جبير خرجت من دمشق متوجهة نحو عكة، أي باتجاه الغرب؛ وهي مناطق تابعة لصاحب بيت المقدس، وكانت بينه وبين صلاح الدين هدنة؛ في حين أن المنطقة التي نازلها هذا الأخير وسبى أهلها تقع إلى الجنوب من دمشق، وهي تحت نفوذ صاحب حصن الكرك المذكور.

    ج  ـ  حالة الترفيه ورضى المسلمين بالعيش تحت الإدارة الفرنجية (التعايش السلمي)

 

        تحدث ابن جبير في فقرته الشهيرة المتعلقة بتبنين عن حالة الترفيه التي كان عليها المسلمون مع الصليبيين. وتبنى ذلك مجموعة من الباحثين العرب والأجانب الذين زادوا على ما جاء في كتاب "الرحلة" بأن عمموا ذلك زمانياً ومكانياً، في إطار توظيف ذي أبعاد سياسية وإيديولوجية، حيث كثيراً ما جرى الاستشهاد بها خارج سياقها في غمرة الغبطة التي صاحبت العصر الاستعماري على نحو يظهر حتى للمسلمين محاسن إدارة فرنسا الاستعمارية دون تدقيق في الأمر ([34])؛ فعلق بعضهم على ذلك قائلاً: »فمن الشرق الصليبي إلى إفريقيا الشمالية الفرنسية سوف تكون إدارة قادمة من الخارج محل ثناء أكثر من مرة، حتى من جانب السكان الأصليين«([35])، ملمحاً بذلك إلى الفقرة التي يقول فيها ابن جبير: »... وقد أشربت الفتنة قلوب أكثرهم لما يبصرون عليه إخوانهم من اهل الرساتيق المسلمين وعمالهم، لأنهم على ضد أحوالهم من الترفيه والرفق« (النص أعلاه).

        ويبقى السؤال هو معرفة العوامل التي يمكن أن تساعد على فهم سياسة الإدارة الصليبية تجاه فلاحي الأراضي الواقعة بين تبنين وعكة وشرحها؛ وكذا معرفة مدى صحة تعميم ذلك على باقي المناطق الواقعة تحت النفوذ الإفرنجي.

        ­ فنحن نعلم من خلال النصوص، أن هذه المنطقة تضررت أكثر من غيرها بحركة الهجرة التي حدثت قبيل الهجمة الصليبية على بلاد الشام وإبانها. بل لقد استمرت هذه الهجرات ـ كما رأينا ـ إلى حدود الربع الأخير من القرن السادس الهجري. وقد أولى الأمراء الأفرنجة عناية كبيرة لمحاولة إعادة تعمير هذه المناطق. ونذكر على سبيل المثال بغودين (Baudouin) ملك بيت المقدس الذي كان باله ـ حسب رواية وليام الصوري ـ منشغلاً كل الانشغال »بمشكلة قلة سكان المدينة المقدسة ـ حبيبة الله ـ، قلة تجعلها شبه خالية منهم؛ إذ لم يكن بها العدد الملائم للقيام بما تحتاجه المملكة«([36]). وحسب الرواية نفسها، فإن نواحي المدينة هي التي كانت أكثر من غيرها في مسيس الحاجة إلى من يعمرها ويقوم بالأعمال الزراعية لضمان مواد الإعاشة ([37]). وفي سبيل الغاية نفسها، منح بغدوين (في سنة 1120 م) سكان القدس منحة جليلة القدر حيث رفع عن كاهل الأهالي الضرائب التي كانوا مطالبين بدفعها من قبل دون تمييز فيما بينهم. وقد شملت هذه المنحة الرتين والسُّريان والإغريق والأرمن والمسلمين أيضاً، »فصار لهم الحق في أن يحملوا إلى المدينة المقدسة القمح والشعير«([38]). وكانت هناك محاولة قام بها عموري (Amaury) (1162 ـ 1173) لجلب الفلاحين الأرمن؛ غير أن هذه المحاولة باءت بالفشل، لأن الأمير الأرميني لقيلقية طوروس الثاني (1145 ـ 1168 م) قد طلب لمواطنيه امتيازات تفوق امتيازات غيرهم من الفلاحين بالشرق اللاتيني، وهو ما رفضه صاحب بيت المقدس([39]).

        فبناءً على المعطيات السابقة، يظهر أن الفلاح أصبح يتمتع بامتيازات مهمة في إطار الإقطاعة الإفرنجية، وهي امتيازات فرضتها الظروف التاريخية المرتبطة بما نتج عن الحروب من هجرات وقلة في السكان، وما ترتب على ذلك من نتائج سلبية على اقتصاد مملكة بيت المقدس التي كان فلاحو المناطق التي تحدث عنها ابن جبير في النص تابعين لها. فلا ينبغي إذن أن يكون وضعهم ذاك مدعاة للإجاب.

        أما ما يتعلق بأفضلية هؤلاء الفلاحين على إخوانهم في دار الإسلام، فأصبحت واضحة كذلك بناء على ما سبق. فنظراً لظروف الحرب، كان على الفلاحين أن يساهموا ـ فضلاً عما كان عليهم أداؤه لبيت المال ـ في تجهيز الحملات الجهادية وتمويلها. هذه المساهمة تقع على كاهل مختلف الشرائح الاجتماعية من تجار وملاك للأراضي وفلاحين... إلى غير ذلك. وهي على شكل ضرائب ترد تحت أسماء مختلفة تفرضها الدولة. وهي ليست ثابتة ولا مستقرة ولا محدودة؛ منها ضرائب كانت تفرض تحت تبرير مواجهة الأخطار الخارجية أو الحالات الناجمة عن التهديدات العسكرية... ذكر سبط ابن الجوزي ما يشير إلى ذلك، حيث قررت على أهل الشام »قطيعة في كل سنة، على الغني عشرة دراهم، وعلى الوسط خمسة، وعلى الفقير درهم«([40]). وتحدث ابن الأثير عمَّا يسمى بضريبة الجهاد وهي قطيعة كانت تقسط على الناس عندما تنفد الأموال المرسومة لتمويل الحملات الجهادية([41]).

        وحتى في المناطق الإسلامية، فإن القسمة المفروضة على الفلاحين كانت تختلف من منطقة إلى أخرى.ويرجع هذا الاختلاف إلى طبيعة الأراضي المستغلة، وإلى طبيعة العلاقة التي تربط الفلاحين بأولياء الأمر. لكن ما يهمنا هو الاختلاف الناتج عن الظروف التاريخية المرتبطة بمواجهة الصليبيين. ونجد مثالاً على ذلك في كتاب "الكامل في التاريخ" الذي يتحدث ابن الأثير فيه عن سياسة عماد الدين زنكي (حكم ما بين 522 و541 هـ) وعن حسن تدبير شؤون دولته. ومما جاء في هذا النص:

 

              بلغه أن جماعة من فلاحي مدينة الموصل رحلوا إلى بلاد ماردين. فأرسل إلى حسام الدين (تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق) يطلب منه أن يعيدهم. فرد الجواب التالي: إننا نحن نحسن إلى الفلاحين ونخفف عنهم، ونأخذ منهم القسمة من الغلال العشر. فلو فعلتم انتم مثل فعلنا، لم يفارقوكم. فقال الشهيد (زنكي) لرسوله: قل لصاحبك، إذا أخذت أنت من كل مائة [سهم؟] سهماً واحداً كان كثير لك، لأنك مشغول لذتك في رأس ماردين. وأما أنا، فإذا أخذت الثلثين، كان قليلاً لما أنا بصدده من قصد الأعداء والجهاد. ولولاي، لطال عليك أن تشرب الماء آمناً في ماردين، ولكان الفرنج ملكوها... ([42]).

 

        ففي هذا السياق إذن ينبغي فهم المفاضلة التي تحدث عنها ابن جبير في النص المذكور. وليس معنى ذلك أنه كان مؤيداً لتلك المعاملة، إذ يقول: »وليست له (للمسلم) عند الله معذرة في حلول بلدة من بلاد الكفر إلا مجتازاً، وهو يجد مندوحة في بلاد المسلمين... «([43]). فهل يصح إسقاط ما جاء في هذا النص على مناطق أخرى؟

        ­ تزخر المصادر بنصوص تدعونا للتفكير مليّاً في أحوال المسلمين النفسية في مناطق نفوذ الإدارة الصليبية، وفي الإحساس الذي كان يشعر به هؤلاء إزاء أسيادهم حتى العقدين الأخيرين من القرن السادس الهجري.

        فعلى الرغم من الرأي الذي يرجع سبب ذلك التعايش بين الطرفين إلى العامل القومي، أي فقدان المسلمين أهل الشام للعزة القومية ([44])، فإنه رأي بعيد كل البعد عن الواقع التاريخي؛ لأن المسلمين كانوا ـ كما هو واضح من خلال النصوص ـ يتحينون الفرص للقيام ضد الفرنجة. من ذلك ما أورده أسامة بن منقذ بخصوص أهل ضياع عكة المسلمين، الذين كانوا إذا وصل إليهم الأسير المسلم أخفوه وأوصلوه إلى بلاد الإسلام ([45]). كما يتحدث عن شاب مسلم بنابلس كان يحتال على حجاج الفرنجة، ويتعاون مع أمه على قتلهم ([46]). ويتضمن مؤلَّفه كذلك نصاً طريفاً ومفيداً يساعد المهتم على فهم الوضع النفسي للمسلمين التابعين لمناطق نفوذ الصليبيين. يقول فيه:

 

              وقد كان في كنيسة حناك (حصن إلى الجنوب الغربي من معرة النعمان) طاقة في ارتفاع أربعين ذراعاً، فكان يأتيها نمر في الهاجرة يثب إليها ينام فيها إلى آخر النهار، ويثب منها ينزل ويمضي.

 

              ومقطع حناك ذلك الوقت فارس إفرنجي يقال له سيردام (Sir Adam) من شياطين الإفرنج. فأخبروه خبر النمر... فلبس درعه وركب حصانه وأخذ ترسه ورمحه وجاء إلى الكنيسة وهي خراب، إنما فيها حائط قائم فيه تلك الطاقة. فلما رآه النمر، وثب من الطاقة عليه... فكسر ظهره وقتله ومضى. فكان فلاحو حناك يسمونه النمر المجاهد([47]).

 

        وهي إشارة تجسد وضع هؤلاء الفلاحين النفسي واستياءهم من العيش تحت النفوذ الصليبي. كما تنطوي على معنى عميق يتجلى في أن الاستقرار الصليبي ببلاد الشام إنما هو استقرار مؤقت، وأن هناك أملاً ورغبة ملحة من هؤلاء الفلاحين في أن تعود أرضهم إلى حظيرة دار الإسلام. ويظهر ذلك من خلال الصفة التي خصوا بها النمر المذكور، لأنهم رأوا في هذا الحدث تعويضاً عن الضعف الذي لازم القوى الإسلامية، والذي حال دون القضاء على الوجود الصليبي بالمنطقة. فهو بديل معنوي شفى غليلهم في الأمير الإفرنجي.

        وقد ترجم هذا الوضع النفسي إلى هجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام، ارتبطت في أغلبها بالأوضاع المتردية التي كان المسلمون يتخبطون فيها. وقد خلدت المصادر العديد من هذه الهجرات، ليس تلك التي عرفتها بلاد الشام في بداية الغزو الصليبي (الاتصال الأول) فقط، ولكن تلك التي امتدت على مدى القرن السادس الهجري، أي إلى ما بعد فترة وجود ابن جبير هناك.

        فهذا وليام الصوري يتحدث عن انتفاضة 1113 التي قام بها المسلمون بنابلس (وهي تحت النفوذ الصليبي) حال سماعهم باقتراب حملة شرف الدين مودود صاحب الموصل على مملكة بيت المقدس. كما يحدثنا عن الخدمات الجليلة التي أسداها هؤلاء للجيش الإسلامي قائلاً:

              ولقد هجرنا في تلك الأيام خدمنا وكذلك الشرقيون الساكنون في قرانا المسماة بالمستعمرات وانضموا إلى كتائب العدو وأرشدوهم إلى كيفية القضاء علينا، وكان ذلك امراً ميسوراً عليهم لمعرفتهم التامة بكل تفاصيل وضعنا، إذ ليس هناك وباء أشد فتكاً بالمرء وأشنع فعالية من عدو داخل بيته ([48]).

 

وقد أكد ذلك كل من ابن القلانسي ([49]) وفوشي دي شارتر (Foucher de Chartres)([50]).

        وبخصوص أسباب هذه الهجرات وظروفها، انفرد ابن طولون بذكر معلومات قيِّمة لم ترد في المصادر الأخرى، تلقي الضوء على أحوال الفلاحين المسلمين في حدود سنة 551 هـ، أي بعد مرور نصف قرن على الاتصال الأول، واستقرار الصليبيين بمدن بلاد الشام الساحلية، إذ يقول متحدثاً بني قدامة المقادسة:

 

              وبه قال الحافظ ضياء الدين: وسمعت غير واحد من أصحابنا (بني قدامة) يقول إن المسلمين صاروا تحت أيدي الفرنج بأرض بيت المقدس ونواحيها يعملون لهم الأرض، وكانوا يؤذونهم ويحسبونهم ويأخذون منهم شيئاً كالجزية. وكان أكثر الفرنج أهو ([51]) من ابن بارزان لعنه الله، وكانت تحت يده جماعيل ([52]) قرية أصحابنا ومردا وياسوف وغير ذلك. وكان إذا أخذ الكفار من كل رجل ممن تحت يده ديناراً، أخذ هو لهنه الله من كل واحد منهم أربعة دنانير. وكان يقطع أرجلهم ولم يكن في الكفار أعتى منه ولا أكثر تجبراً أخزاه اله. قال: وكان جدي الشيخ أحمد بن محمد رحمة الله عليه... لا يرضى بمقامه تحت أيدي الكفار ([53]).

 

وقد رأينا في نص سابق للمؤرخ نفسه كيف طبعت ظروف الهجرة بالكتمان والسرية (انظر أعلاه).

        ومما ينهض دليلاً على عدم فقدان المسلمين للعزة القومية تحت الحكم الصليبي ورغبتهم الحثيثة في إجلاء هؤلاء عن أراضيهم نصٌّ للعماد الكاتب الأصفهاني أورده أبو شامة في "الروضتين" مفاده أن معظم أهل ضياع نابلس »كانوا مسلمين، وفي سلك الرعية مع الفرنج منتظمين وهم يحبون كل عام منهم فراراً«([54]). وعندما أقدم صلاح الدين الأيوبي في سنة 583 هـ على حصار نابلس، أبلى هؤلاء بلاء حسناً في مهاجمة من كانوا قبل هنيهة أسيادهم، مقدمين بذلك المعونة للجيش الإسلامي ([55]). ولا ننسى أيضاً أنه حينما كان ابن جبير ببلاد الشام، قامت انتفاضات شعبية تلقائية ضد السيطرة الإفرنجية في الشمال([56])؛ وأنه بعد ذلك قام قاضي جبلة منصور بن شبل في سنة 584 هـ باستدعاء صلاح الدين ليسلم له المدينة. يقول ابن الأثير في هذا الصدد: »فحملته الغيرة للدين على قصد السلطان«([57]).

        ولم تكتف المصادر بذكر تذمر جماعات الفلاحين وهجرتهم إلى مناطق نفوذ الحكم الإسلامي هرباً من السيطرة الإفرنجية، بل تحدثت كذلك عن هجرات فردية من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن ملل مختلفة. حيث نسجل، بعد أخذ صلاح الدين لحصن الكرك، وصول أحد الأطباء، وهو موفق الدين يعقوب بن صقلب النصراني([58]) إلى دمشق حيث بدأ يمارس نشاطه، الأمر الذي يعني أن التذمر من الحكم الإفرنجي لم يلحق المسلمين فحسب، بل انتاب كذلك النصارى المحليين.

        ويتحدث سبط ابن الجوزي عن شيخ مسلم ولد بنواحي نابلس سنة 1134 م، وغادرها مع ابنه في عهد صلاح الدين إلى البلاد الإسلامية، وعن فقيه من المدينة نفسها ازداد في حدود سنة 1146 م وغادر مسقط رأسه إلى دار الإسلام
حيث ألف من ضمن ما ألف كتاباً في الجهاد
([59]). والأمثلة في هذا الباب كثيرة.

        ويمكن القول إن أسباب هجرة هؤلاء العلماء تكمن في عدم رضاهم بالعيش في دار الحرب، وفي عجزهم عن إظهار دينهم (حالة الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة) ([60])، أو في عدم توافر مراكز علمية تناسبهم في البلاد الخاضعغة للصليبيين؛ وإن طبيب ابن أبي أُصيبعة المذكور اضطرته ظروف البحث عن الرزق إلى أن يقدم خدماته الطبية لأي كان دون اعتبار المركز الاجتماعي أو الملة التي ينتمي إليها.

        ومن كل ما سبق نصل إلى النتيجة الآتية، وهي أنه إذا كانت أحوال المسلمين في حالة ترفيه كما يذهب إلى ذلك ابن جبير، ويتبعه في ذلك الباحثون المتقدم ذكرهم، فما الذي يفسر كل هذه الهجرات؟ فسواء كانت الأسباب مادية أو نفسية، فالنتيجة واحدة وهي عدم الرضى بالعيش تحت نير الحكم الصليبي. وابن جبير نفسه يعبر في موضع آخر عن ذلك بقوله:

 

              وليست له (للمسلم) عند الله معذرة في حلول بلدة من بلاد الكفر منها إلا مجتازاً، وهو يجد مندوحة في بلاد المسلمين، لمشقات وأهوال يعانيها في بلادهم منها الذلة والمسكنة الذميمة، ومنها سماع ما يفجع الأفئدة من ذكر منن قدس الله ذكره، وأعلى خطره، لا سيما من أراذلهم وأسافلهم؛ ومنها عدم الطهارة والتصرف بين الخنازير، وجميع المحرمات؛ فالحذر من دخول بلادهم، والله تعالى المسؤول حسن الإقالة والمغفرة من هذه الخطيئة التي زلت فيها القدم([61]).

 

 

 

 

        خلاصة:

        نخلص في ختام هذه الدراسة إلى ما يلي:

        ­ إن الصورة التي قدمها ابن جبير عن بعض علاقات المسلمين بالإفرنجة تحت النفوذ الصليبي تعكس الخلفية الفكرية والثقافية للمؤلف؛ فهو العالم المحدث، وبالتالي فإن نظرته للأمور تختلف عن نظرة رجل السياسة الذي ما كانت مثل تلك المفارقات التي تضمنتها النصوص لتثير إعجابه واستغرابه. وهذا الإعجاب ـ على ما يبدو ـ يأتي من أن ابن جبير لم يعهد مثل تلك الصور من العلاقات التي تحدث عنها في موطنه الأصلي (الأندلس)، ولا في المناطق والبلدان التي زارها أثناء رحلته (حيث كان المسلمون في صقلية مثلاً يكتمون إسلامهم ("الرحلة"، صص. 267 ـ 268). وهذا يمكن أن يوحي للمتمعن بأن أوضاع المسلمين تحت النفوذ الإسباني النصراني كانت متردِّية.

        ­ إن تلك الخلفية الثقافية التي لم يكن يملك أن يطرحها جانباً حين سفره، والتي كانت تتحكم في انتقاء مواد كتابته واختيارها، هي سبب عدم انسجام بعض معلوماته مع الواقع التاريخي؛ وينبغي ألا ننسى أيضاً أن أقواله ما هي في الغالب إلا انعكاس لمذكرات ونقاشات تدوولت هنا وهناك في مناطق وفترات محددة (ومن أعجب ما يحدث به).

        ­ إن موقفه من أفضلية وضع فلاحي ضياع تبنين مقارنة بإخوانهم في دار الإسلام لا يعني البتة تأييده لسياسة الفرنجة تجاههم بقدر ما ينبغي أن يفهم انطلاقاً من موقفه السياسي والديني المعادي للهجمة الصليبية والمؤلد لفكرة الجهاد، وهو ما دفعه لتعيير غيره من المسلمين بالضعف والتقاعس (»نعوذ بالله من الفتنة«؛ و »وهذه من الفجائع الطارئة على الإسلام« ـ النصوص).

        ­ إن »حالة الترفيه« التي تحدث عنها تشكل استثناء، حيث بينت الدراسة عدم إمكان إسقاطها على تبنين نفسها في فترات مغايرة، فما بالك بالمناطق الأخرى، مما يجعل كل تعميم في هذا الشأن بعيداً كل البعد عن الحقيقة التاريخية.


 

 



([1])          هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي، الشاطبي البلنسي. ولد في بلنسة سنة 539 هـ. وكانت وفاته بالإسكندرية، حيث أقام هنالك محدثاً، في سنة 614 هـ.

([2])          يقع هذا الحصن جنوبي فلسطين، بينه وبين القدس مسيرة يوم، وكان هذا الحصن من نصيب الأمير الصليبي Renaud de Chatillon المعروف في المصادر العربية باسم "أرناط" (انظر أبو شامة، الروضتين في اخبار الدولتين، دار الجيل، بيروت، دن تاريخ، ج 2، ص. 75).

([3])          ابن جبير، الرحلة، طبعة دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1981، ص. 234.

([4])          المصدر نفسه، ص. 235.

([5])          المصدر نفسه، صص. 245 ـ 246.

([6])          سورة الأعراف، الآية 155.

([7])          الرحلةن صص. 247 ـ 248.

([8])          حيث تمت ترجمة القسم المختص منه بصقلية إلى الفرنسية وطبع في عام 1846 م، ثم طبع لأول مرة في ليدن عام 1852 م، بإضافة مقدمة غليه وضعها المستشرق رايت. ثم أعيد طبعه عام 1907 م مع ترجمة لمؤلفه.

([9])          زكي القاش، العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين العرب والإفرنج خلال الحروب الصليبية، دار الكتاب اللبناني، 1365 هـ/ 1946 م.

([10])        يقول معلقاً على النص: »وكذلك كان أولئك الفلاحون من المسلمين على حالة من "الترفيه" مع الإفرنج، مما يدل على مبلغ ما توصل إليه القوم مع الزمن من "اعتدال في السياسة"« (المرجع السابق، ص. 171).

([11])        يقول: »... بل سمعنا البعض ممن زاروا البلاد في ذلك العهد (زمن الحروب الصليبية)، كابن جبير، مثلاً، الرحالة الأندلسي المسلم يحمد ما كان فيه سكان البلاد، عامة وأبناء ملته خاصة، من دَعة وأمن ورخاء في ظل الإدارة الجديدة« (المرجع السابق، ص. 140).

([12])        التاريخ والمؤرخون العرب، دار النهضة العربية، بيروت، 1981، صص. 221 ـ 222.

([13])        حسان حلاق، دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1409 هـ/ 1989 م، ص. 396.

([14])        المرجع السابق، صص. 411 ـ 412.

([15])        نقولا زيادة، "تجارة بلاد الشام الخارجية في العصر السلجوقي"، مجلة الاجتهاد، العددان 34 و35، شتاء وربيع 1997 م، ص. 51.

([16])        حاتم الطحاوي، "الصليبيون في بلاد الشام: صفحات من النشاط الاقتصادي"، مجلة الاجتهاد، العدد 33، خريف 1417 هـ/ 1996 و، ص. 123.

([17])        أرنست باركر، الحروب الصليبية، نقله إلى العربية السيد الباز العريني، دار النهضة العربية، بيروت، الطبعة الثانية، ص. 71.

([18])        فيليب فارج ويوسف كرباج، المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي، ترجمة بشير السباعي، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة 1/ 1994، ص. 80.

([19])        كلود كاهن، الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية، ترجمة أحمد الشيخ، سينا للنشر، الطبعة الأولى، القاهرة، 1995، ص. 216.

([20])        الرحلة، ص. 250.

([21])        Med b. Ahmad al-Dahabi, Kitab Duwwal-l-Islam: les dynasties de l’Islam des années 447/1055-6 à 656/ 1258, Traduction annotée, introduction. lexique et index par Arlette Nègre, Damas, IFD, 1979, p. 75.                       

([22])        نص لابن القلانسي في: J. Prawer, Histoire du Royaume matin de Jérusalem, Paris, 1969, T. I, p. 291.

([23])        ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق محمد يوسف الدقاق، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1407 هـ/ 1987 م، الجزء التاسع، ص. 268.

([24])        ابن العديم، زبدة الحلب من تاريخ حلب، تحقيق سامي الدهان، المعهد الفرنسي بدمشق للدراسات العربية، دمشق، 1954، الجزء II، ص. 264؛ محمد كرد علي، خطط الشام، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403 هـ/ 1983 م، ج II، ص. 11.

([25])        هي منظمة دينية عسكرية أخذت على عاتقها حماية الحجاج المسيحيين والدفاع عنهم وعن الأرض المقدسة.

([26])        نص لابن أبي طي في : الروضتين، ج II، ص. 8.

([27])        الروضتين، ج II، ص. 8.

([28])        المصدر نفسه، ص. 55.

([29])        ابن العديم، المصدر السابق، ج III، ص. 34 و92. حول شخصية أرناط وسياسة النهب والسلب التي اشتهر بها، هناك دراسة هي قيد الطبع شاركت بها في الندوة الدولية التي نظمتها اللجنة المغربية للتاريخ البحري بسلا أيام 30 و31 ماي و 1 و2 يونيو 1997 في موضوع: الجهاد البحري في التاريخ الإسلامي، عنوانها: "المغاربة والجهاد البحري ضد الصليبيين".

([30])        ابن طولون، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد أحمد دهمان، 1368 هـ/ 1949 م، ص. 28.

([31])        المصدر نفسه، ص. 31.

([32])        هناك من يعتقد أن ابن جبير كتب أخبار الرحلة فيما يقرب من سنة 583 هـ، بعد أن شاع خبر فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي. (السيد عبد العزيز سالم، المرجع السابق، ص. 221).

([33])        ابن العديم، المصدر السابق، ج II، ص. 204.

([34])        ترجمت ونشرت فصول من كتاب الرحلة، ومن بينها النص المذكور المتعلق بتبنين، في نهاية القرن الماضي في مجموعة مؤرخي الحروب الصليبية المشارقة (Recueil des Historiens Orientaux des Croisades).والملاحظ أن هذه الترجمة صادفت الحقبة الاستعمارية، أو بالأحرى تزامنت معها.

([35])        فيليب فارج ويوسف كرباج، المرجع السابق، ص. 81.

([36])        وليام الصوري، الحروب الصلبية (1094 ـ 1184)، ترجمة حسن حبشي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991، الجزء II، ص. 317.

([37])        المصدر نفسه، ص. 319.

([38])        المصدر نفسه، ص. 360.

([39])        كلود كاهن، المرجع السابق، ص. 203. انظر كذلك المهندسة هوري عزازيان، الجاليات الأرمينية في البلاد العربية، جار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا، ط 1، 1993، ص. 111.

([40])        نص لسبك ابن الجوزي في: محمد سوادي عبد، الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في بلاد الجزيرة الفراتية خلال القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1989، الطبعة الأولى، ص. 259.

([41])        ابن الأثير، المصدر السابق، ج 9، ص. 96.

([42])        ابن الأثير، الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل، تحقيق عبد القادر طليمات، دار الكتب الحديثة، القاهرة، ومكتبة المثنى، بغداد، 1382 هـ/ 1963 م، ص. 79.

([43])        ابن جبير، المصدل السابق، ص. 252.

([44])        يقول زكي النقاش: »كانوا (سكان بلاد الشام) بمجموعهم قد فقدوا العزة القومية لكثرة ما تغيرعليهم من حكام، وأصبح الأمر لديهم سيان أحكمهم هذا أم ذاك، على شرط أن ينعموا بالعدل فيطمئنوا إلى أموالهم وأرواحهم وممارسة دينهم وحقوقهم« (المرجع السابق، ص. 145).

([45])        أسامة بن منقذ، كتاب الاعتبار، تحرير فيليب حتي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ص. 82.

([46])        المصدر نفسه، ص. 139.

([47])        المصدر نفسه، صص. 110 ـ 111.

([48])        وليام الصوري، المصدر السابق، ج 1، ص. 302.

([49])        نص لابن القلانسي أورده Prawer في: المرجع السابق، ج 1، ص. 293.

([50])        فوشي دي شارتر (Foucher de Chartres) في: Prawer، المرجع السابق، ج 1، ص. 293.

([51])        كلمة غامضة في النص الأصلي. ويظهر أنها تشير إلى اسم علم، أي اسم الأمير الصليبي الذي  يتحدث عنه النص.

([52])        قرية في جبل نابلس من أرض فلسطين.

([53])        ابن طولون، المصدر السابق، صص. 26 ـ 27.

([54])        أبو شامة، الروضتين، ج IIـ ص. 88.

([55])        المصدر نفسه.

([56])        Claude Cahen, « Indigènes et Croisés: queques mots à propos d’un médecin d’Amaury et de Saladin », Syria, XV, 1934, p. 357.                                      

([57])        ابن الأثير، المصدر السابق، ج 10، ص. 167؛ أبو شامة، الروضتين، ج II، ص. 127.

([58])        ويظهر ذلك من خلال لباسه الأزرق على عادة الأطباء الفرنجة.

([59])        Cahen, op. cit., pp. 356-357.

([60])        »الذي كان يخطب يوم الجمعة ويخرج إليه الناس من القرايا يحضرون الجمعة... فقيل لابن بارزان ـ لعنه الله ـ إن هذا الرجل الفقيه يشغل الفلاحين عن العمل ويجتمعون عنده...، فتحدث في قتله...، فعزم الشيخ على المضي إلى دمشق، فراح إليها« (وابن طولون، المصدر السابق، ص. 27).

([61])        الرحلة، ص. 252.