الموسيقى الأندلسية

امتداد للحضارة الأندلسية بالمغرب

 

الأستاذة فاطمة عيسى

باحثة في الموسيقى الأندلسية - تطوان

 

زرياب: بين التحدي والاستسلام

عندما أعجب الخليفة العباسي هارون الرشيد بعبقرية زرياب الفنية في الوصف والغناء خاطبه أستاذه إسحاق الموصلي قائلا: إن الحسد أقدم الأدواء، والدنيا فتانة، والشراكة في الصناعة عداوة، ولا حيلة في حسمها وقد مكرت بي فيما انطويت عليه من إجادتك وعلو طبقتك، وقصدت منفعتك، فإذا أنا قد أتيت نفسي من مكمنها بإدنائك وعن قليل تسقط منزلتي، وترتقي أنت فوقي، وهذا ما لا أصاحبك عليه، ولو أنك ولدي، ولولا رعيي لذمة تربيتك لما قدمت شيئا على أن أذهب نفسك، وليكن في ذلك ما كان، فتخير من اثنين لابد لك منهما: إما أن تذهب عني في الأرض العريضة لا أسمع لك خبرا بعد أن تعطيني على ذلك الأيمان الموثقة، وانهضك لذلك بما أردت من مال وغيره، وإما أن تقيم على كرهي ورغمي مستهدفا لسهامي فإني لا أبقي عليك ولا أدع اغتيالك، باذلا في ذلك بدني ومالي فاقض قضائك([1]).

لقد كان زرياب ذكيا وطموحا عندما اختار الاختفاء من ساحة بغداد، ففضل ترك الصراع مع أستاذه وتحديه فغامر بحياته من أجل تحقيق طموحه في أرض بعيدة عن بغداد ليصل بعد رحلة طويلة وشاقة إلى الأندلس مرورا بتونس ثم المغرب ومنه إلى الجزيرة الخضراء فقرطبة التي احتضنته قصورها، فشذى وطرب وأطرب بين جدرانها وحدائقها الغناء، فحقق تحت سمائها مجدا وخلودا ما كان ليتحقق له في بغداد.

فقد استقبله الأمير عبد الرحمن بنفسه في قصره، وبادره قبل استقباله الرسمي بالعطاء الجزيل والجراية الكريمة والإقطاعات المغرية. وبعد ثلاثة أيام جالسه عبد الرحمن، واستمع إليه ينشده ألحانا شرقية أفاق معها حنينه وحبه إلى موطن أجداه (الشام) فقربه إليه، وزاد عنده محبة، وآثره على جميع المغنين، فعاش في كنفه معززا مكرما، وأصبح نجمه المفضل يواكله ويشاربه ويسامره وينادمه، كما كان يذاكره في أحوال الملوك وسير الخلفاء، ونوادر العلماء، فكان بحرا لا يدرك مداه، مما أعجب الخليفة فزاد في تكريمه، حتى فتح له بابا خاصا يستدعيه منه متى أراد.

وما أن استقر زرياب بقرطبة حتى شرع في إنجاز مشروعه الطموح والمتمثل في إحداث أول مدرسة موسيقية بها كان لها موقعا رياديا ليس بسبب الثراء الممتد للفكر الموسيقي فحسب، بل لقوة تأثيرها الواسع على أجزاء كثيرة من أوروبا وهو ما كان لها بصمة واضحة في معالم الحياة الاجتماعية هناك.

فأسس أول معهد موسيقى، واستدعى المغنين من المدينة المنورة لنشر الأصول الموسيقية العربية المشرقية القديمة الأصيلة ولكن بالطريقة التي يحسها، وأضيف إلى لقبه القديم لقب إضافي جديد فأصبح (زرياب القرطبي) نسبة إلى موطنه الجديد، وخصص له الأمير راتبا شهريا قدره مائتا دينار بالإضافة إلى منح الأعياد والمناسبات والمخصصات الأخرى له ولعائلته([2]). وكان أول طلاب معهد زرياب أبناؤه الثمانية نجح منهم أربعة وهم: (عبد الله، وعبد الرحمن ومحمد وقاسم) وابنتاه (عليه وحمدونة) فمارسوا الغناء وزاولوه، بالإضافة إلى عدد آخر بعضهم من الغلمان والجواري أمثال (متعة) و(مصابيح) ووضع شروطا يجب توفرها في كل من يرغب الانتماء إلى معهده ومن هذه الشروط إخضاعه إلى امتحان يحدد استعداده الفطري، فإذا اجتاز هذا الامتحان بدرجة النجاح دخل المعهد وسجل في عداد طلابه وإلا صرف([3]).

وبهر أهل الأندلس ببراعته في الغناء والموسيقى، وطار صيته في كل مكان، فأضحى قطب الفن الذي لا يجارى، وأخذ عنه أهل الأندلس فنونه وإبداعه([4]).

فكان أول من تجرأ على تطوير الموسيقى العربية فاعتنى بجمع الآلات الموسيقية التي كانت معروفة ببلاد المشرق، ثم تفنن في ابتكار عدد من الآلات الأندلسية التي لم يسبق أن عرف بعضها من قبل أن تنتشر بكثافة في البلاد الأندلسية.

وعن هذه الآلات ذكر أبو الوليد الشقندي في رسالته عن "فضل الأندلس" أسماء الآلات التي اقتنتها إشبيلية وحدها، فقال: وقد سمعت ما في هذا البلد من أصناف أدوات الطرب، كالخيال والكريح والعود والروطة والرباب والقانون والمؤنس والكثيرة والضنارة والزلامي والشقرة والنورة (وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقه)، والبوق، وإن كان جميع هذا موجودا في غيرها من بلاد الأندلس، فإنه فيها أكثر وأوجد([5]). فضلا عن هذه الآلات، عرفت الأندلس آلات أخرى مثل الطبلة والنقارة والطسوت التي تقرع بالقضبان. وأضاف ابن خلدون في "المقدمة" بعض آلات الزمر مثل الشبابة، وهي قصبة جوفاء مزودة بفتحات معدودة في جوانبها، والبوق النحاسي المجوف والبربط وهو على شكل من الكرة.

ولعل أهم اختراع اشتهر به زرياب في هذا المجال هو: زيادة الوتر الخامس في العود، اختراعا منه... كذلك اخترع مضراب العود (الريشة) من قوادم النسر، وكانت لا تزال حتى وقته من الخشب، وهي فكرة بارعة من زرياب كان موفقا فيها إلى أبعد مدى، إذ تجمع إلى لطف خفتها على الأصابع طول سلامة الوتر بملازمة الضرب عليه... أما العبقرية الفذة التي جلت عنها موهبته فهي طريقته المبتكرة في تعليم الغناء، تلك الطريقة المستحدثة التي ظلت مثلا يحتذى في الشرق والغرب حتى العصور الحديثة([6]).

ويذهب المقري في كتابه: "نفح الطيب" إلى القول بأنه هو الذي رتب إيقاعات النوبة، مؤسسا بذلك تقليدا موسيقيا اتبعه الأندلسيون من بعده، وأقتفوا أثره فيه. واستمر بالأندلس أن كل من افتتح الغناء فيبدأ بالنشيد أول شدوة بأي نقر كان، ويأتي إثره بالبسيط ويختم بالمحركات والأهزاج تبعا لمراسم زرياب([7]).

أما في ميدان التأليف والتكوين الموسيقي فقد ترك زرياب للأندلس والغرب الإسلامي ميراثا فنيا عظيما تمثل في مؤلفاته ومدوناته الموسيقية التي بلغت عشرة آلاف لحن، وبذلك عد هذا العبقري بمثابة معجزة جسدت الأصالة الموسيقية الأندلسية. وقد صدرت في إسبانيا سنة 1987 م رواية تحمل اسم (زرياب) باللغة الاسبانية للموسيقي (خيسوس كريوس) كتبت بأسلوب شاعري جميل، واشتملت على مجموعة هائلة من المعلومات الفنية والاجتماعية والتاريخية عن الأندلس. كما أورد الكاتب بالتفصيل الكثير من العادات والتقاليد المتعارف عليها آنذاك، مبررا في كل مرة دور زرياب ومحاولته في تغيير وتجديد الكثير مما اعتمد الناس عليه وإبداله بما هو أفضل. ويرى أن أسس الموسيقى العربية الأندلسية التي كانت تعرف (بالنوبة) وتسمى عند الاسبانيين (الروندو RONDO) ثم نقلها فيما بعد على يد الموريسكيين إلى شمال افريقيا وخصوصا المغرب والتي تعرف اليوم باسم الموسيقى الأندلسية (تطوان- شفشاون- فاس- سلا- الرباط).

يقول أحد الباحثين: لولا محافظة بغداد على فنونها العباسية المتمثلة في مقاماتها العراقية ومحافظة المغرب على النوبات الأندلسية لفقدنا تراثنا الموسيقي العربي بصورة نهائية([8]).

 

الموسيقى الأندلسية بالمغرب

يرى المرحوم الأستاذ محمد النوني، أن الموسيقى الأندلسية المغربية تمتد في مرحلتها الأولى إلى العصر المرابطي، حيث بدأت تتدفق على المغرب، بعد توحيده مع الأندلس، فازدهرت في بعض مدن المغرب، بسبب انتقال إمام التلاحين الأندلسي - وهو ابن باجة - إلى المغرب، واستقراره به عشرين سنة كوزير لمخدومه يحيى بن يوسف بن تاشفين، وقد توفي بمدينة فاس سنة 533 ﻫ. ومن المعروف أن ابن باجة هو منظم الألحان المعتمدة بالأندلس وفي هذا يقول ابن سعيد: وإليه تنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد([9]).

وابن باجة، شخصية فذة وعبقرية موسيقية متفتحة. ألف أكثر من عشرين كتابا تناول فيها مختلف معارف عصره من طب وفلسفة وعلوم طبيعية ورياضية، وواحد من الوشاحين المشهورين، جمع بين الموسيقى والغناء في موشحاته. وصفه ابن خلدون بأنه صاحب التلاحين المعروفة([10]) وابن سعيد بأنه فيلسوف المغرب وإمامها في الألحان([11]) ومن الحكايات المشهورة عنه أنه حضر يوما مجلس أمير سرقسطة أيام المرابطين، أبي بكر إبراهيم بن تيفلويت فأعطى مغنية كانت هناك موشحة من نظمه فغنتها وكان مطلعها:

 

جرر الذيل أيما جر

 

وصل الشكر منك بالشكر

 

فلما طرق سمع الأمير قول الشاعر:

 

عقد الله راية النصر

 

لأمير العلا أبي بكر

 

طرب وصاح: واطرباه، وشق ثيابه وقال ما أحسن ما بدأت وما ختمت. وحلف بإيمان مغلظة أن لا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب([12]). فخاف الأمير سوء العاقبة فاحتال بأن جعل في نعله ذهبا ومشى عليه.

لقد كان ابن باجة بحق أول من أدخل التلاحين الأندلسية إلى المغرب، وقد مكنه طول استقراره به من نشرها وتعليمها في ظل الدولة الحاكمة ورؤسائها. ويرى الدكتور محمد بن شريفة: أن أكبر اسم نجده في تاريخ الموسيقى الأندلسية المغربية بعد زرياب هو الفيلسوف ابن باجة ([13]).

وإذا كان فن الموسيقى الأندلسية قد تعرض لشيء من المقاومة أيام الموحدين، تأثرا بما قامت عليه الدولة من التدين ومقاومة المنكر، فإنه لم يشهد رواجا للموسيقى على رأي الفيلسوف ابن طفيل الذي قال قولته الشهيرة: لو نفق عليهم علم الموسيقى لأنفقته عليهم.

ويرى الدكتور عباس الجراري: وعلى الرغم من أن الموحدين كانوا أكثر رعاية للفنون والآداب ومجالس الشعر، فإننا نجد الشقندي وهو يتحدث عن آلات الطرب الأندلسية في رسالته التفاخرية يتعرض للمغرب بقوله: وليس في بر العدوة من هذا شيء إلا ما جلب إليه من الأندلس، وحسبهم الدف وأكوال (أقوال) واليرا وأبو قرون ودبدبة السودان وحماقي في البربر([14]).

إلا أنها قاومت وصمدت في وجه التيار المحافظ، لتفرض وجودها بعد ذلك أيام المرينيين (674-869 ﻫ/ 1275-1464 م) الذي عرف ازدهارا عظيما للموسيقى في حواضر المغرب الشهيرة كفاس ومراكش وسلا والرباط وتطوان وشفشاون وغيرها.

ويذكر المرحوم عبد الله الجراري: أنهم كانوا يتوسلون بها في علاج المرضى، على حد ما كان يتم في مستشفى سيدي فرج بفاس حيث حبست عليه أحباس خاصة كانت تصرف لجوق الطرب الأندلسي الذي كان يحضر مرة كل أسبوع ليطرب نزلاء المستشفى من مرضى الأعصاب([15]).

ومن بعدهم السعديين حيث ظهرت نهضة جديدة وبرز عدد من الفنانين ومن جملتهم (علال البطلة الفاسي) المتوفى سنة 961 ﻫ الذي استطاع أن يلحن على مقام الذيل نوبة كاملة أطلق عليها اسم استهلال الذيل. وازدادت انتعاشا أكثر بعد الهجرة النهائية للأندلسيين سنة 1609 م، حيث أصدر الملك الإسباني ﻓﻴﻠﻴﺒﻲ الثالث قرارا بطردهم من اسبانيا، بعد أن يئست المحاولات المتعددة والمتعاقبة من تحويلهم عن دينهم، واعتناق المسيحية، ولكن دون جدوى، فاضطروا إلى مغادرة أراضيهم نحو شمال إفريقيا وغيرها. فاستقر هؤلاء في أنحاء مختلفة من البرتغال والمغرب وتونس والجزائر ومصر، بل وصل بعضهم إلى القارة الأمريكية، حاملين معهم عاداتهم وتقاليدهم، واستفاد الأهالي من خبرتهم ومهارتهم في سائر مرافق الحياة اليومية فهاجر الفن بأجمعه إلى المغرب، واشتغل الناس به اشتغالا كبيرا، فاحتضن التراث الموسيقي وصيانته والحفاظ على النوبة تأليفا وصناعة كما يقول الدكتور الباحث عباس الجراري. فإن من حسن حظ هذا التراث أنه انتقل إلى المغرب العربي الذي حافظ على جوانب كثيرة منه مثلما حافظ على إرث ضخم من حضارة الأندلس وثقافتها، وكان مهيئا لهذه الرسالة، على الرغم من مواقف بعض المؤرخين والدارسين الذين ينسون أن الكيان الإسلامي في الأندلس قام منذ الفتح على كاهل المغاربة، وأن هؤلاء المغاربة ظلوا طوال العهود الأندلسية يشكلون هذا الكيان ويمدونه ويحمونه ويتبادلون وإياه التأثر والتأثير، وأنهم هم الذين احتضنوا ما تبقى من الأندلس الإسلامية سواء على الصعيد البشري أو في مجال الحضارة والثقافة([16]).

وكان من الطبيعي أن تتمغرب الموسيقى الأندلسية مع مرور الزمن بما أدخل عليها المغاربة بعد هذه المرحلة من تعديلات مختلفة في ألحانها وأشعارها وترتيبها. ويرى الباحث المغربي عبد العزيز بن عبد الجليل أن المغاربة شاركوا منذ البداية في تكوين هذا التراث، واستقلوا به بعد هجرة المسلمين من غرناطة. فازدهرت المدرسة التطوانية التي استقر بها العديد من الغرناطيين، بالإضافة إلى مدرسة فاس التي انتقلت إليها المدرسة الغرناطية والبلنسية القديمة وامتزج الكل ليفرز هذا التصور للوضع الجديد من خلال الصورة الجديدة للموسيقى الأندلسية التي نعرفها الآن([17]).

ففي المؤتمر الموسيقي الذي انعقد في القاهرة سنة 1932 م قرر المؤتمرون أن الموسيقى في المغرب وحدها ظلت أصيلة، فتعهدتها منظمة اليونسكو بالرعاية كصرح حضاري هام وجب العناية به والحفاظ عليه.

 

النوبات الأندلسية بالمغرب

ترى الباحثة (سمحة الخولي) أن النوبة الأندلسية ويناظرها في الشرق (الوصلة) تمثل نظاما خاصا في تتابع المقطوعات الغنائية والموسيقية، أصبح تقليدا يتوارثه أبناء المغرب العربي باحترام عظيم. ونستطيع القول بأن النوبة أو الوصلة تناظر مفهوم المتتابعة أو (السويت ORDRE) في الموسيقى الغربية، وهي مثلها تتميز بوحدة المقام فتكون الوصلة مثلا في مقام الراست أو تكون النوبة في طبع السيكاه([18]).

وكانت الموسيقى الأندلسية تعرف عند دخولها المغرب باسم (فن الآلة) تمييزا لها عن فني الملحون والسماع، إضافة إلى نوبات الموسيقى الأندلسية عندما وفدت إلى المغرب، كانت عبارة عن نوبات آلية، ولم تكن قد انتظمت بعد في منظوم الكلام سواء كان شعرا فصيحا أو مقطوعة زجلية أو موشحة([19]).

تتكون الموشحات في أغلبها من خمسة أبيات كحد أدنى، ومنها ما يصل إلى السبعة أبيات، حرصا على اكتمال المعنى والتئام الصورة الشعرية، إلا أن هناك من الموشحات ما يتألف من أربعة أبيات وتختتم بأبيات توفرت فيها جميع خواص (الخرجة)، والخرجة هي من القواعد الفنية التي عرفها الموشح منذ عهد ازدهار اشبيليا وطليطلة، وهي استخدام عبارات باللغة العامية أو الأعجمية، وهو أمر مستحب بل ومفضل، وجدير بالذكر أن هذه الخرجة استهدفت التداخل بين الفصحى والعامية مع العلم أن أدب الموشح يستدعي اللغة الزجلة ذات الوقع الجميل بين الأذن والتعابير المستظرفة، باعتبار أن الموشح يؤدي غناء.

إن فن الموشحات ما يزال يحتفظ بجملة من القواعد والأصول ومن بينها استخدام الصور الشعرية الإيحائية، والمترادفات في شكل الجناس والخرجة. وفي جانب آخر فإن خروج الموشح عن النسج اللفظي التقليدي، وتطعيمه بالعنصر الشعبي المتمثل في الخرجة، قد شكل قفزة من القفزات أدت إلى الشعر الشعبي العامي المسمى (بالزجل).

قال بطرس البستاني في كتابه "أدباء العرب": إن الموشح فن أندلسي خالص استنبطه أهل الأندلس وسموه موشحا لما فيه من الصنعة والتزيين([20]).

والجدير بالذكر أن النوبة الأندلسية تمثل نظاما خاصا في تتابع المقطوعات الغنائية والموسيقية. وهي كذلك الوحدة الأساس التي تشكل منها المجموعة الكبرى، التي هي (الموسيقى الأندلسية). وكان أحمد التفاشي من القرن السابع الهجري قد قدم تعريفا جامعا لمصطلح النوبة في كتابه "فصل الخطاب من مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب" قائلا: النوبة الكاملة للغناء بالمغرب تقوم على نشيد واستهلال، وعمل، ومجرى، وموشحة، وزجل وجميعها يتصرف في كل بحر من بحور (أي الأدوار) الأغاني العربية([21]). فالنوبة ثمرة حضارية عريقة، ووليدة مجتمع متمدن نشأت في رحابه ونمت وتطورت بخطى ثابتة ومتواصلة حافظت على خصوصياتها ومميزاتها العامة كلون موحد ومميز مستمد من روح الحضارة العربية الإسلامية.

ويقال إن عدد النوبات الأندلسية كانت أربعا وعشرين، نوبة، بعدد ساعات اليوم، غير أن الذي بقي منها الآن لا يتجاوز إحدى عشرة نوبة في المغرب، وفي تونس (يتوفرون على ثلاث عشرة نوبة). وقد جمعها محمد بن الحسين الحايك التطواني سنة 1800 م، وكان تلميذا لأبي العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي، وعنه أخذ هذا الفن فكان أحد الرواد الكبار الذين لمع اسمهم في القرن الثالث عشر الهجري، والمشهور بكناشه "الكتاب" الجامع للنوبات الموسيقية الأندلسية، فحفظها من الضياع، وصارت عمدة الموسيقيين إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وقد طبعه أول الأمر الفنان المرحوم المكي مبيركو الرباطي سنة 1354 ﻫ/ 1935 م كما ذكر المرحوم عبد الله الجراري([22]). وكان موضوع دراسة جامعية للمستعرب الاسباني (فيرناندو بالديرما) حيث حصل على درجة الدكتورة من جامعة مدريد تحت عنوان: "الفقيه الحايك والموسيقى الأندلسية" طبع بتطوان سنة 1953 م. والذي كان مكلفا بشؤون التربية والتعليم أيام الحماية الاسبانية على منطقة الشمال المغربي، وأنجز دراسات مهمة عن (زوايا مدينة تطوان) و (قصور الريف) و(قصر الخليفة بتطوان) و(مسجد سيدي السعيدي)، وكتاب ضخم في 1170 صفحة عن: (تاريخ الحركة الثقافية الاسبانية في المغرب 1912-1956 م). وكان يتقن اللغة العربية ويكتب بها.

وقام الفنان الحاج ادريس بنجلون التويمي الذي كان رئيسا لجمعية هواة الموسيقى الأندلسية في المغرب، والسيد عبد اللطيف بلمنصور كل على حدة، بتحقيق هذا "الكناش" وإخراجه إلى حيز الوجود كاملا. الأول يحمل عنوانا "التراث العربي المغربي الأندلسي" وقد اهتم فيه بالجانب الفني في دراسة النصوص، وتنسيقها، وتصحيحها مسجلا النوطة الموسيقية بالحروف بجانب الأبيات الشعرية التي تؤدى عليها. والثاني قام بإصداره بعنوان "مجموع أزجال وتواشيح وأشعار الموسيقى الأندلسية المغربية المعروفة بالحايك" وقد اعتنى في إعداده، وتنسيقه، وترتيبه، وتحقيق النصوص، ونسبتها إلى مبدعيها كلما تيسر له ذلك، كما ذيله بالتعريف بأعلام الموسيقى الأندلسية المغربية.

ويرى الفنان محمد الطود رئيس الجوق الأندلسي للإذاعة الوطنية السابق: أنه فيما يخص النصوص سواء الشعرية أو الزجلية المغربية الأندلسية، نجد المصدر الأساسي في كتاب "الحايك" الذي قام بمجهودات جبارة شملت جميع الأشعار والأزجال الأندلسية وما تغير منها عن طريق استبدال بنصوص مغربية([23]).

ومن الكتب الجديدة الصادرة حديثا والتي لها علاقة بالموضوع ما ألفه الفنان المهدي عبد السلام الشعشوع رئيس جوق المعهد التطواني تحت عنوان: "ديوان الآلة - نصوص الموسيقى الأندلسية المغربية" وهو كتاب غني بالنصوص الموسيقية الأندلسية. بدل فيه الباحث جهدا كبيرا، فقد اطلع على ما كتبه السابقون في هذا المجال، كما استفاد من الفنانين المعاصرين. أما النوبات فهي: (العشاق- الحجاز المشرقي- الأصبهان- الرصد- رصد الذيل- غريبة الحسين- عراق العجم- الماية- رمل الماية- الاستهلال- الحجاز الكبير). وكل نوبة تؤدى على خمسة موازين وهي: (البسيط- القائم ونصف- البطايحي- القدام- الدرج) وكانت كل نوبة خاصة في الأصل بوقت تنشد فيه، ولا يجوز تعويضها بغيره، فنوبة (العشاق) مثلا تؤدى في الصباح. ونوبة (الماية) وقت غروب الشمس. ونوبتي (الحجاز الكبير والأصبهان) في العشاء. ونوبة (رصد الذيل) في منتصف الليل. أما نوبة (رمل الماية) فقد كانوا يبيحونها لكل وقت نظرا لكثرة استعمالها في مدح الرسول r. ويعتبر عبد السلام بن علي ريسون دفين مدينة تطوان، والمتوفى سنة 1299 ﻫ/ 1882 م أول من أدخل على الآلة الأندلسية الأمداح النبوية، فقد استعاض عن قصائد الغزل والخمريات في الشعر الأندلسي بقصائد وقطع في مدح الرسول r في كثير من ميادين الآلة، ولا يزال ذلك متداولا في المغرب([24]).

ويرى الباحث إدريس السرايري: أن النوبة في الموسيقى الأندلسية المغربية هي نوبة موحدة التركيب، ملامح طبوعها وأعراف عزف مكوناتها لا تجدها تختلف من مدينة لأخرى أو جهة لأخرى. إيقاعاتها وصلاتها وترانيمها وتدحرج أداء مراحلها لا تجدها متغيرة سواء ذهبت شمالا أو عرجت جنوبا شرقا جزت أو غربا([25]).

وتبقى النوبة الأندلسية، بما يميزها من نمطية عبر التاريخ، وأصبحت دلالتها الفنية لا تستكين عند الحسي والجمالي، بل هي مصدر إلهام واستلهام للفنان والمتذوق، ومن النادر أن لا تحصل المشاركة الجماعية بين الفنان الذي يقوم بدور التبليغ والجمهور الحاضر، ولهذا قد نميز صدارة الأداء والقيادة والتصرف، ولكننا نكون عاجزين عن تحديد المبدع المحترف من المبدع المشارك، إن الجميع يشارك، وتلك إحدى الخاصيات الشعبية في النوبة الأندلسية.

وهكذا استمرت الموسيقى الأندلسية بجهود روادها السلاطين بها إلى يومنا هذا تتناقلها الأجيال بعد الأجيال، وتفنن عشاقها وروادها في اختيار (النفقة) أي الأشعار التي سيتغنى بها لتكون منسجمة مع المناسبة التي يقام من اجلها الحفل، فمناسبة الأعراس مثلا لا يلائمها من الأشعار إلا ما كان يتحدث عن الألفة والمحبة والتودد إلى المحبوب ووصف جلسات الهناء والسرور، وحفلات العقيقة أيضا لا يتواءم إلا مع الأشعار التي تتحدث عن الطالع السعيد والتهنئة والبشارة بالخير وبعض الموازين والنوبات لا تنسجم إلا مع أوقات معينة (فالعشاق) مثلا لا ينبغي أن يعزف إلا في الصباح و(الماية) لا يملأها إلا العشايا و(رصد الذيل) و(الحجاز الكبير) لا يعزف إلا ليلا و(الحجاز المشرقي) يعزف في الزوال وهكذا. سئل المغفور له علال الفاسي: هل تعالج الموسيقى الأندلسية جميع الانفعالات الإنسانية؟ فأجاب قائلا: إنها حلم الفردوس المفقود طبيعة وفنا، وخلقا، مسكوبا في أوتار الرباب، ومنبعثا من نقرات العيدان، ونتيجة لهذه الموسيقى التي ولدت في القصور، وبين النقوش والرياش، وخضر المروج، وحمر الأصائل، ومشارف الغرام والوله، وقرع الكؤوس، فقد جاءت معبرة عن حياة هذه القصور وما فيها من بذخ وترف، غنية بالأحلام والأشواق، والتاريخ.. لقد اقتصرت الموسيقى الأندلسية على معالجة هذه الانفعالات، نظرا لبيئتها ونشأتها، وظروفها، دون أن تهتم بالنواحي الأخرى كالبطولة، والصراع الوجودي، والملحمي، والقلق الإنساني، وغيرها من النواحي التي اهتمت بها الموسيقى الغربية الكلاسيكية والعصرية، وأحلتها المكانة الأولى([26]).

وعلى العموم فإن الطرب الأندلسي يبقى بشكل عام الفن الموسيقي المغربي الأصيل الملتزم الذي يقدم الفرجة للمتلقي، ولهذا قال الأستاذ محمد اشماعو: لا أبرع من المغاربة في الحفاظ على التراث الأندلسي بكل مظاهره، فلا أكثر تدقيقا وتفهما وتذوقا منهم... ومما يدل على أصالة الفن الأندلسي وعبقريته وتغلغله أن البيوتات المغربية النازحة من الأندلس إلى المغرب، وحتى عهد قريب كانت عدة أسر في تطوان وفاس والرباط تؤلف جوقا متكاملا تؤنس به نفسها بنفسها، ولعل تطوان المجيدة لا تزال تحافظ على هذه الهواية الراقية ([27]).

 

أهم المراكز الموسيقية الأندلسية

تعتبر مدينة فاس الأصيلة أهم الحواضر المغربية الحاضنة لتراث الموسيقى الأندلسية، وتشكل مدرسة قائمة بذاتها، وينتمي إليها كل من مراكش ومكناس. ويذكر المرحوم محمد المنوني نقلا عن مؤلف "أغاني السقا" لإبراهيم التادلي الرباطي المتوفى سنة 1311 ﻫ. أنه كان من تقاليد الموسيقيين بفاس، أن أجواقهم كانت تحضر - بأجمعها - في عيد المولد النبوي الشريف بزاوية سيدي عبد القادر الفاسي عند الصباح، ويستعملون نوبة أندلسية كاملة، وبعد عصر كل جمعة - يحضرون لنفس الغاية - بمشهد ابن عباد، وكل يوم أربعاء في الضحى عند مشهد أبي غالب ويقتصرون في المواطن الثلاثة على الإنشاد دون آلة، مع استعمال التصفيق بالأيدي لحفظ الميزان([28]).

ويرى الباحث عبد العزيز بن عبد الجليل أنه: نستطيع أن ننعت مدرسة فاس بأنها أكثر تمسكا بالتقاليد الموسيقية الأندلسية الأصيلة. ولعل ذلك واضح في حفاظها على آلة الرباب التي أصبحت تحتل الصدارة من بين الآلات التي ينتظمها الجوق الأندلسي بفاس، وأصبح لها من المكانة ما كان للطر الذي يضبط الميزان على حين خسف دور الرباب في جوق تطوان وعوضه البيانو، وعلى حين استعاض جوق الرباط عنه بالعود، وإن يكن هو أيضا تبنى استعمال آلة البيانو وأحله مكانة تكاد تضاهي مكانة العود ([29]).

إنها واحدة من رموز الحضارة في هذه المدينة، ومعلمة من معالمها نبوغها الموغل في التاريخ والحضارة، فمنها انطلق مشروع الحايك في إحيائه لموسيقى الآلة، وملف الموسيقى الأندلسية حافل بالعديد من الأسماء: نذكر منهم الحاج حدو بن جلون الفاسي، والشريف رشيد الجمل الفاسي والغالي الجمل الفاسي، ومحمد الصبان الفاسي، والمكي محروش، ومحمد الأيراري الفاسي وعبد السلام البريهي، ومحمد الرايس ومحمد البريهي الذي لعب دورا بارزا في ترسيخ مكانة الموسيقى الأندلسية والتعريف بها فأسس جوقا من خيرة الشباب، وحسب الفنان محمد بريول أن الجوق تأسس سنة 1912 م من طرف عبد السلام البريهي، وبهذا يكون أقدم جوق أندلسي مغربي، أما جوق محمد البريهي فقد تأسس سنة 1936 م([30]). وسهر على تدريبهم حتى أتقنوا مادته فأجادوا فيما قدمه الجوق من مقطوعات لقيت نجاحا ومتعة عند جمهور المستمعين، وظل على رئاسة جوقه يتابع ويستخرج ما جد من أنغام طوال ممارسته وبحثه الدائم عن اكتشاف ما ظهر وما خفي من صنعة إلى أن رحل سنة 1944 م، وكان يلقب بالفقيه والشيخ وبالمعلم، وقد خلفه تلميذه وصهره الفنان عبد الكريم الرايس، الفنان العصامي الشامخ، جمع بين المعرفة والتطبيق، بارعا في استعمال مختلف الآلات وفي طليعتها (الرباب) الذي اشتهر به داخل الجوق. فتابع رسالة سلفه وحافظ على استمرار نهجها في التشبث بأصالة هذا التراث، ووفاء منه لمعلمه أطلق اسمه على هذا الجوق (جوق البريهي) وظل متفانيا في تطويره والدفع به إلى أن وافته المنية يوم 26 غشت سنة 1996 م، وازداد نشاطا حينما تولى مقاليد المعهد الموسيقي في مطلع سنة 1960 م (دار اعديل) حيث واظب على تعليم هذا الفن وتلقينه للطلبة والهواة وتخرج منه العديد من الفنانين المرموقين. كان هاجسه الوحيد هو المحافظة على استمرارية الأصالة في الآلة الأندلسية وتطوير طرق الأداء والعزف.

وإذا كان البريهي قد أفنى حياته في إظهار الموسيقى الأندلسية المغربية داخل المملكة فإن الرايس قد عرف بها وبأصالتها الصافية خارج المغرب. وفي كل المهرجانات الدولية واللقاءات الموسيقية والمناسبات، فجال بربابه مع جوق البريهي بعض عواصم العالم في كل القارات، وأحرز على شهادات تقديرية وأوسمة رفيعة، وأقيمت له حفلات تكريمية أهدي له خلال إحداها رباب صغير مذهب، وقد أعد مؤلفا حول مجموعة أشعار وأزجال موسيقى الآلة سماه من "وحي الرباب"([31]).

صدر الكتاب سنة 1982 م جمع فيها الصنائع التي يعتمد عليها جوقه حتى يسهل تداولها بين عشاق هذا الفن والهواة والمعجبين به، وقد وصفه الفنان محمد بريول الذي ترأس جوق البريهي بعد وفاته بأنه من أكبر أساتذة الموسيقى الأندلسية في المغرب، وإن له الفضل الكبير في الحفاظ على الجمهور([32]).

 

- تطوان المدينة الأندلسية بامتياز، التي حظيت في تاريخها بأكبر جالية أندلسية استقرت بها فطبعتها بكل ما حملته معها من عادات وتقاليد وفكر وحضارة وفنون ومن ضمنها الموسيقى الأندلسية بإنشادها وطربها، وحظيت وما زالت بطابعها الفريد في هذا المجال، وأصبحت متميزة بإجادة أهلها - رجالا ونساء - للموسيقى الأندلسية كما يذكر مؤرخها محمد داود في كتابه "تاريخ تطوان" ([33]).

وتحتفظ ذاكرة تطوان بالعديد من أسماء الفنانين الذين كانوا يتعاطون للموسيقى الأندلسية منذ مطلع القرن العشرين وهم السيد علي بن ريسون وشقيقه المكي ومحمد النبخوت وأحمد الرباش وعبد الكريم بن المهدي بنونة وأحمد بن عبد السلام ودان والمفضل الخراز وأحمد بن عبد اللطيف الجزايري والحاج العربي بن المهدي بنونة. وقد ظهر بالمدينة منذ 1936 م ثلاثة أجواق للموسيقى والطرب الأندلسي:

 

الأول: كان يتكون من السيد محمد المودن، ومحمد لوقاش وعلال المصباحي وعبد القادر الكرواني وأحمد الفرج ومحمد الشودري.

والثاني: كان يتكون من السيد أحمد دريدب ومحمد الزكاري، ومحمد الفخار، وأحمد بن ادريس، ومحمد السعيدي وعبد الغفور الفوقاي وأحمد العمراني.

والثالث: كان تابعا للزاوية الحراقية وكان يتكون من السيد العربي الغازي ومحمد بن عبد الرحمن بن تيدة وأحمد شقارة وعبد الصادق شقارة وأحمد الفرج، وأحمد الحايك.

 

إضافة إلى جوقين للنساء:

 

الأول: كان يتكون من السيدة منانة بنت محمد الخراز، وعائشة محمد مبروك، ومنانة محمد العيطي، وعائشة أحمد الكبداني.

أما الثاني: فكان يتكون من الحاجة ارحيمو محمد العلوش، وفاطمة محمد الأشهب، وفطومة محمد بوشمخة وفطومة أحمد الزروالي.

وفي يوم 15 فبراير 1940 م تقدم السادة الأستاذ محمد داود، ومحمد بالأبار، ومحمد بلعربي بنونة، وعبد السلام الصوردو، وأحمد بن محمد العلوي، وعبد الله الحراق باسم هواة الموسيقى الأندلسية بطلب إلى الدوائر الاسبانية العليا بالمدينة بتأسيس معهد للموسيقى المغربية.

وفي فاتح فبراير 1943 م عين السادة الأساتذة بالمعهد الموسيقي وهم:

 

1 -       السيد عبد السلام بن الأمين: (باشا مدينة شفشاون سابقا وكان فنانا كبيرا يحفظ الكثير من النوبات الموسيقية الأندلسية) مديرا.

2 -       الأستاذ العياشي محمد الوراكلي أستاذ آلة الرباب.

3 -       الأستاذ أحمد الوكيلي لآلة الكمنجة.

4 -       الأستذا أحمد عبد السلام البردعي لآلة الكمنجة.

5 -       الأستاذ العربي الغازي لآلة الكمنجة.

6 -       الأستاذ أحمد اجنيح لآلة العود.

7 -       الأستاذ عبد السلام الإدريسي لآلة الطبل.

8 -       الأستاذ محمد الغطاطي للدربوكة

9 -       الأستاذ محمد داود الغناء([34]).

 

واستمر المعهد في عطائه إلى حصول المغرب على استقلاله سنة 1956 م وبتدخل من طرف الزعيم عبد الخالق الطريس بموافقة من جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله عين الفنان الكبير محمد العربي التمسماني القادم من مدينة طنجة مسقط رأسه مديرا للمعهد الموسيقي في صبغته الجديدة، حيث وجد فيه أعلاما كبارا من الأساتذة الاسبانيين والمغاربة فوهب حياته للبحث عن التناغم وتطوير الفن الراقي، فقام بتدريب جوق المعهد التطواني وخطا به خطوات مهمة في تجديد وانتعاش وتأصيل الموسيقى الأندلسية، وأصبح يضم نخبة من أمهر الحفاظ والعازفين من أمثال عبد الصادق اشقارة وأحمد الشنتوف ومحمد حيون والمختار امفرج وأحمد احرازم والعياشي الوراكلي وأحمد البردعي ومحمد بن عياد، وشكل هؤلاء جميعا النواة الأساسية للجوق الذي مثل المغرب في عدة ملتقيات ومهرجانات دولية.

والموسيقى الأندلسية في نظره تتكون من أربعة أغصان أساسية وهي: حلة بهية، ورتبة علية، ونغمة ذكية، ونفوس رقاق. فالجوق يجب أن يكون في حلة بهية ولا يمكن أن تعزف هذه الموسيقى في الشوارع، بل يجب أن تكون على مسرح مرتفع، أما النغمة الذكية فلا يمكن أن يؤديها أي جوق كيفما اتفق، بل يجب أن يكون مركبا على قواعد موسيقية، عالما بأصول ما يؤدي، أما الذين ينصتون إلى هذه الموسيقى فهم أصحاب النفوس الرقاق والأرواح الرهيفة([35]).

إضافة إلى أنه كان من فرسان آلة العود ينفرد بطريقة خاصة في التحكم في المضراب (السطعة) إذ كان يثني ويثلث أثناء النقر على الأوتار، بل يستطيع العزف دون خضوع للحركة الإيقاعية أي في الزمن المضاد، إذ يلون بين الفراغات، حتى تخاله في حالة شرود إيقاعية حتى تفاجأ بخلقه لجمله غير منتظرة، تعيد الأمور إلى نصابها، ولجعل المتلقي في حالة انبهار قصوى. لقد كان بحق فنانا موسيقيا مبدعا، نذر حياته للبحث عن الانسجام بين الأدوات الموسيقية والصوت والكلمات والجمل وبين القوافي والإيقاعات بلغت حدا من التناغم لم يعد معها شعور بالغربة.

لعل من مزايا المرحوم محمد العربي التمسماني كما يصفه الأستاذ امحمد اﮔﺪيرة أنه كان رجلا عفيف الطبع، طيب العشرة، ذو استقامة ونزاهة، مبدع لا يبخل بفنه، وأستاذ رائد لا يدخر أي جهد في سبيل نشر الفن والتراث وتلقينه لأبناء جيله، يشهد له بذلك ما سجله من ميازين خلال ملتقيات الموسيقى الأندلسية مثل بسيط رصد الذيل/ قائم ونصف الاستهلال/ بسيط الماية/ قدام الماية/ بسيط عراق العجم/ قائم ونصف عراق العجم/ بطايحي رمل الماية/ قائم ونصف رصد الذيل/ إضافة إلى نوتتي رمل الماية والاصبهان المسجلتان أخيرا... أما من ناحية الحفظ فكان موسوعة الصنائع الغريبة التي أخذها عن مجموعة من الحفاظ أمثال المرحوم العربي السيار وعبد العزيز الوكيلي، أحمد الأزرق، إضافة إلى المرحوم مولاي أحمد الوكيلي الذي لزمه تسع سنوات وأخذ عنه الغريب من الصنائع وطريقته في الأداء. توفي يوم 6 يناير 2001 م.

ويعتبر أول من أدخل العنصر النسوي في الطرب الأندلسي، كما قام بإدخال علم (الصولفيج) إلى حظيرة التراث الأندلسي بعدما تبين له موافقة هذه الموسيقى لأصول هذا العلم، وخضوعها لكل قواعده وخاصة الميازين، إضافة إلى قيامه بتصحيح عدد من الأخطاء الموسيقية التي اعترت التراث الأندلسي على مر العصور، ثم توحيده للصنعة الأندلسية خاصة وأنه وجد اختلافا ملحوظا بين الصنعة التطوانية والصنعة الفاسية، واستعماله الآلات الثابتة وبعض آلات النفخ الهوائية مثل (الكلارينيت) التي تتلاءم وطبيعة الجمل الموسيقية للطرب الأندلسي، كما أعطى مجموعة من النظريات الفنية القائمة على قواعد علمية دالة على إلهامه الواسع بألوان الموسيقى وموسيقى الشعوب([36]).

كما لعبت الزوايا الصوفية بالمدينة دورا مهما في مجال الموسيقى الأندلسية باعتبارها مراكز لتعليم الموسيقى وتربية الذوق الفني في أواسط المريدين (الزاوية الحراقية نموذجا) الذي تخرج من أحضانها الفنان التطواني الأصيل عبد الصادق شقارة والذي وشم ذاكرة المغاربة في كل مكان بعطائه الغنائي المتميز.

وتشكل رائعته (بنت بلادي) إبداعا استثنائيا بكل المقاييس لشهرتها، وتمثل شيئا متميزا تحفل به الذاكرة الغنائية المغربية.

- شفشاون المدينة التي ما زالت تحتفظ بطابعها الأندلسي الفريد والمجسد في بيوتها وأزقتها ودروبها وعادات وتقاليد أهلها وكشقيقتها تطوان استقر بها العديد من الأندلسيين المهاجرين من غرناطة بالخصوص. واحتلت فيها الموسيقى الأندلسية مركزا مرموقا ما زالت محافظة عليه إلى اليوم وذلك بفضل مجموعة من فنانيها الكبار أمثال:

 

المعلم محمد العاقل، وعلي الشليح، وعبد السلام بن الأمين ومحمد امفرج، وعلي الرحموني وسلام اللغداس وعبد السلام الفيلالي والحاج عبد الكريم بوجنة والمفضل الرحموني وعبد السلام السفياني والبوهالي الرحموني وعبد القادر ازطوط، وعبد الكريم الورديغي وأحمد بوقرنه ومحمد علي المريني والعلمي بن عيسى والعربي الشرﮔﻲ وعبد الله الدراوي ومحمد بن قدور والطنجاوي ومحمد بن التهامي الغزاوي وعبد السلام بوقرنة وعبد الرحمن الدراوي ومحمد الخراز([37]).

ويرى الباحث محمد الرايسي أن مدينتي تطوان وشفشاون تعدان من المراكز التي أضافت أجزاء كانت في حكم المفقود([38]).

ولعبت الزاوية الشقورية بحي السويقة دورا مهما في تلقين فن الطرب الموسيقي للهواة والرواد مساء كل جمعة.

ويعتبر المرحوم الهاشمي السفياني أستاذ الأجيال الحديثة في هذا المجال وإليه يرجع الفضل في تأسيس معهد للموسيقى الأندلسية بالمدينة والذي رأى النور سنة 1975 م وكان أول مدير له، فضم مجموعة من التلاميذ والتلميذات حيث أشرف على تكوينهم مجموعة من أساتذة الموسيقى في المدينة، واستمر في عمله الدؤوب الذي أسفر عن خلق مجموعة من الأجواق، بما فيهم جوق للنساء في المدينة والمعروف (بجوق الحضرة). توفي رحمه الله سنة 1986 م.

 

- الرباط

عرفت هي الأخرى نزوح جالية أندلسية منذ أيام الموحدين، ثم تلتها هجرات أخرى قبل السقوط وبعده، ولم تنج من تأثير أندلسي في مجالات الحضارة والفكر والفنون، وخصوصا الطرب الغرناطي، وكانت بيوتات الأعيان منذ الربع الأول من القرن العشرين بمثابة أندية يجتمع فيها الرواد والهواة والمولعون كبيت بالمكي، وبيت (نادي) السباعي الذي كان يضم كل من المرحوم محمد الزعيمي والمرحوم عبد اللطيف فرج، والمرحوم أحمد الروندة والفقيه المرحوم محمد المطيري كلما زار مدينة الرباط، إذ كان يتولى تلقين النوبة لأفراد عائلة الحاج عمر التازي. ومن النوادي النشيطة آنذاك نادي المعلم المرحوم المكي امبيركو الذي كان من رواده المرحوم أحمد بناني، وكان هذا النادي الأخير لا يقتصر على الفنانين والمطربين بل كان يضم كذلك نخبة من المقرئين والمسمعين. كما شهدت تلك الحقبة النواة الأولى لتعليم النوبة الأندلسية برعاية إدارة الشؤون الأهلية في مدرسة الأوداية في البداية قبل أن تستقر في دار مولاي رشيد بزنقة تحت الحمام بالمدينة العتيقة.

ومن الذين كانوا قائمين على ذلك التعليم آنذاك، المرحوم امحمد اﮔﺪيرة والمرحوم الحاج عبد السلام بنيوسف (الزاعوق) وامحمد امبيركو. إلى جانب الجماعة التي اشتغلت (بالآلة) كانت هناك نخبة من الذين تعاطوا الطرب الغرناطي، وكانوا يسمونه (الجزائري). ومن الأسماء التي عرفت فيه كان السيد محمد بن غبريط والحاج أحمد الدكالي وبنعيسى العوفير، والمرحوم الفقيه محمد السبيع([39]).

كما كان لأبي إسحاق التادلي يد كبرى في تقريب مدرسة الرباط من مدرسة فاس، ومع بداية الاستقلال كانت هناك بادرة تأسيس جوق الطرب الغرناطي على يد المرحوم أحمد بناني بمساعدة الفنان أحمد بيرو بهدف ضمان استمرار التواصل الحضاري والتراثي بين المغرب والأندلس. وبعد وفاة أحمد بناني تحمل أحمد بيرو رئاسة الجوق منتهجا نهج سلفه، وفي سنة 1985 م انضم جوق بيرو إلى جمعية هواة الموسيقى المغربية بالرباط وشارك ضمنها في حصص الطرب الغرناطي.

 

- الفنان أحمد الوكيلي في الرباط

بعد مسيرة فنية انطلق فيها من مدينة فاس ثم طنجة فتطوان، يحط الفنان الكبير رحاله في النهاية بمدينة الرباط سنة 1953 م ليترأس جوق الإذاعة الوطنية.

لقب أحمد الوكيلي بفقيه الطرب الأندلسي لكونه شكل مدرسة أندلسية مغربية قائمة بذاتها صقلتها تجارب فاس وطنجة وتطوان، فكان مجددا ورائدا اتسمت منهجيته بالمزج بين الذهنية في توقدها العقلي والتلقائية الفنية في حسها الروحي. وبعيدا عن كل تقرير جمالي، يمكننا ربط منهجيته بشخصيته الحازمة وبذكائه المتوقد، وحضوره المهيمن، الذي يدل على اندماج كلي في العمل، هذا الحضور الذي ظل يغذيه تقديره لرسالته كفاعل في إحياء تراث جليل. وكممارس ميداني على جميع المستويات ومن ثم جاءت الإنجازات الموثقة بإعداده ومشاركته العملية فريدة في طابعها متراصة في بنائها([40]).

بهذه المنهجية قاد جوق الرباط ليحتل بذلك المكانة اللائقة به إلى جانب أجواق تطوان وفاس. لقد أعطى نفسا جديدا لموروث له رواده وعشاقه في هذه المدينة، فناضل باستماتة في تعميم التذوق الفني لموسيقى الآلة في وقت كان يجتاز فيه هذا النوع من الموسيقى أحلك مراحله.

فعمل على تقريب النوبة من الشباب، وقد أعطى نفسا جديدا لموروث على وشك التفكك، فأعاد ترميم عدة صيغ عن إلمام وتفكير، ومن ثم فقد عمل على تطوير الطريقة التقليدية إلى منهج علمي حافظ فيه على الثوابت إلى جانب إضافات اعتمدت على البحث([41]).

لقد كان رحمه الله معلما وملقنا لطريقة في الغناء ترتبط فنيا وجماليا وثقافيا بنمط الغناء الذي تخصص فيه، وأضفى عليه من تجربته وتكوينه ورؤيته، توفي يوم 25 نونبر 1988 م.

 

- وجدة

تقع مدينة وجدة شرق المغرب، وقد عرفت هي الأخرى نوعا من الموسيقى الأندلسية عرف (بالطرب الغرناطي)، وقد تسرب إليها من مدينة تلمسان الجزائرية وله أصوله وطبوعه وإيقاعته. ويرى الدكتور محمد بن شريفة عن هذا الطرب في عاصمة المغرب الشرقي: أن ثمة من القرائن ما يجعلنا نتصور وجود تقليد موسيقي قديم بها، لاسيما في هذا اللون الغالب عليها الآن، وأول هذه القرائن تلك الأبيات التي تتمم إحصاء طبوع الموسيقى الأندلسية في عصر السعديين، والتي نظمها محمد بن علي الوجدي المعروف (بالغماد) توفي 1033 ﻫ، وهو من أعلام وجدة في ذلك العصر، ومما يلفت النظر أن الطبوع التي استدركها هي من المتداول اليوم في مدرسة الطرب الغرناطي... بالإضافة إلى ما قد يكون بينها وبين تلمسان من تنافس في هذا المجال([42]).

أما الباحث الدكتور عباس الجراري فله رأي آخر في هذا الموضوع حيث يميل إلى أنه النمط الذي حمله الموريسكيون فعلى الرغم من كونه من "الآلة" إذ كان يطلق عليه "نوبة غرناطة"، إلا أنه يختص ببعض الملامح التي تتجلى نصا وآداء في طغيان النفس الحزين والإيقاع البطيء، مما لاشك يعكس المعاناة القاسية التي كابدها هؤلاء على مدى نحو قرن قبل أن يستقروا في المغرب.

ثم إنه بحكم هذه الظروف الصعبة غدا متقلصا بالنسبة لأصله الذي هو (الآلة)، إذ يقتصر على مدخل يعزف بآلة وترية قد تكون العود أو ما إليها مثل (المندولين). وبعده يقوم المنشد بآداء موال يرافقه عزف بالآلة نفسها، ثم تنشد القصيدة في إطار موسقي يستعان فيه بعدد من الآلات ويظهر صوت المنشد تعقب أداؤه في كل مرة ترديدات المجموعة الصوتية المصاحبة له. وقد ظهر في المغرب اتجاهان لهذا الطرب:

 

أحدهما في الرباط متأثرا مباشرة بالأصل الغرناطي، وهو أكثر ارتباطا بالجالية الأندلسية. والثاني في وجدة وفيه بصمات مما كان رائجا من هذا الطرب في القطر الجزائري، ولاسيما تلمسان وذكر مجموعة من الأعلام الرباطيين في هذا الطرب أمثال: محمد الرطل، الحاج قاسم بنعسيلة، المكي اﻟﻔﮕﻴﮕﻲ، أحمد زنيبر، عبد السلام بن يوسف، الطيب بلكاهية، ومصطفى المعروفي وبامحمد أﮔﺪيرة وغيرهم([43]).

ويرجع تاريخ تأسيس أول "جمعية أندلسية للطرب الغرناطي" بهذه المدينة إلى سنة 1921 م، والتي ساهمت مساهمة فعالة في تكوين أجيال متتالية من الفنانين المهتمين بهذا الفن، كما شاركت في العديد من المؤتمرات والتظاهرات الفنية داخل المغرب وخارجه (باريس سنة 1930 م) (فاس 1939 م) و(تلمسان 1974 م) كما تأسست جمعية أخرى تحمل اسم (جمعية النسيم للطرب الغرناطي) سنة 1979 م ثم جوق المرحوم الشيخ صالح للطرب الأندلسي الغرناطي الذي تأسس سنة 1985 م. وقد تمكنت من أن تحتل مكانة رفيعة في المجال الموسيقي المحلي.

كما عرفت مدينة مراكش محاولة في هذا المجال، فقد قام الأستاذ عبد السلام الخياطي بتلقين الموسيقى الأندلسية في مقر (دار السي سعيد) وعرفت مكناس (دار الجامعي) التي كان يشرف على تسييرها محمد الأمين دادي ثم خلفه على رأسها أحمد المدغري العلوي ثم قبة الخياطين - قاعة السفراء حاليا - ثم دار البشوات، وكان يلقن فيها قواعد الموسيقى الأندلسية، يقول الفنان مولاي امحمد الهواري: الواقع أن جوق مكناس يحرص بالأساس على الاجتهاد في التوزيع والعزف والإنشاد والأداء الصوتي والموسيقى عموما، دون أن يسيء هذا الاجتهاد إلى الأصول الراسخة للموسيقى الأندلسية فنحن نرفض رفضا قاطعا إدخال الآلات النفخية أو الثابتة أو الكهربائية بالتحديد، بما أنها لا صلة لها بالطرب الأندلسي لا تاريخا ولا جماليا ولا موسيقيا بقدر ما تشوهه.. كل هذا منحنا هوية مختلفة عن باقي الأجواق، وحضورا فعليا وفاعلا في مختلف المناسبات([44]).

أما مدينة آسفي (جنوب المغرب) فكانت تتوفر على معهد للموسيقى الأندلسية كان من أشهر أساتذته الفنان محمد بجدوب، ثم كمسؤول عنه بعد ذلك. كما كان بها جوق للطرب الأندلسي برئاسة الفنان عبد الرحمن بلهواري الذي يقول عنه الفنان بجدوب لقد حول بيته إلى مركز إشعاعي لعشاق الطرب الأندلسي وقدم من أجل ذلك بسخاء... وزار بيته عدد من عمالقة هذا الفن أذكر منهم الفنان محمد العربي التمسماني، والغالي الشراﻳﺒﻲ، وإدريس بنجلون وغيرهم([45]).

لقد كان من أوائل الذين وضعوا اللبنات الأساسية في تشييد تاريخ الطرب الأندلسي بمدينة آسفي، إضافة إلى فنانين آخرين كأحمد لقليعي، وأحمد الرقاع وعبد الوهاب السعيد، وعبد القادر شيبوب وعبد الرحمن الوزاني وغيرهم ممن ساهموا في بناء صرح الموسيقى الأندلسية بالمدينة.

وكان هناك كذلك جوق أندلسي لليهود برئاسة الفنان أسعدية كوهن لأن المدينة كانت تضم جالية يهودية كبيرة - والتي ينحدر معظمهم من الأندلس - وقد تتلمذ هذا الفنان بمدينة فاس على الفقيه المطيري الذي أخذ عنه أصول اللغة العربية وفن الآلة الأندلسية .

ويرى الباحث محمد الحداوي في دراسة له عن (بصمات اليهود المغاربة في التراث الموسيقي الغرناطي) أن عددا كبيرا من اليهود لهم باع في هذا الفن الذي كان ولا يزال ملتقى المجتمعات الإسلامية واليهودية في المغرب العربي. ويكفي أن نعلم بأنهم لا زالوا إلى الآن في بلاد المهجر بنصوصهم الدينية وفق قواعد وطبوع الموسيقى الأندلسية الغرناطية... وقد صدر أخيرا كتاب عن الآلة الموسيقية الأندلسية المغربية باللغة العبرية، عن وزارة الثقافة، بتنسيق مع خلية التراث اليهودي المغربي وجمعية هواة الطرب الأندلسي والغرناطي في المهجر يتقدمهم الفنان العازف على آلة الرباب (الربي مايير عطية الرباطي المحتد) والأستاذ سامي المغربي وهو ما يقابل كتاب "الحايك" بالعربية. وهذا المصنف هو مجموعة من القصائد الشعرية والتواشيح والأزجال والبراويل جمعتها وحققتها ونسقتها مجموعة من الفنانين والأدباء والشعراء اليهود المنضوين في هذه الجمعية وأصدروها في مجلدين ضخمين وبطباعة فاخرة وتجليد أنيق([46]).

ومهما يكن من اختلاف في الشكل فإن المضمون واحد، وأن هذا التراث هو تراث أندلسي مغربي مشترك، وهذا ما حمل وزارة الثقافة على الاعتناء به، وتأسيس مركز للدراسات والأبحاث الغرناطية بمدينة وجدة للقيام بجمع شتاته وتوثيقه وتدوينه ونشره على أوسع نطاق باعتباره معرفة تراثية تمثل جزء من الذاكرة الجماعية للأمة. وفي هذا الصدد قام المركز بعقد ندوات وحلقات دراسية لتوثيق وتدوين هذا التراث، وتنظيم مهرجانات للتعريف به.

إنه من البديهي الحفاظ على هذه الموسيقى وما تحتوي عليه من فنون القول والنغم وضروب اللحن كما حافظ عليه السلف في الماضي. والمغرب أرض خصبة لتطوير هذا الفن لأنها حافظت عليه لقرون عديدة، وهذه مسؤولية الجميع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 



([1]) نقلا عن مجلة "عالم الفكر"، عدد: 1، المجلد 6، 1975، ص. 167.

([2]) المقري، نفح الطيب، تحقيق: إحسان عباس، ج 3، ص. 125.

([3]) المقري، نفح الطيب، ج 3، ص. 129.

([4]) عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، القاهرة، ط. 4، ص. 281.

([5]) أنظر، المقري، نفح الطيب، ج 3، ص. 213.

([6]) أنظر: محمود أحمد الحفني، زرياب.. موسيقار الأندلس، أعلام العرب، عدد: 54، صص. 110-111.

([7]) المجلد الثالث، دار صادر، بيروت، 1988، ص. 128.

([8]) مجدى العقيلي، مجلة "عالم الفكرمرجع سابق، ص. 34.

([9]) أنظر مجلة "البحث العلمي"، عدد مزدوج: 14/15، 1969 م، ص. 150.

([10]) المقدمة، المكتبة التجارية، ص. 584 .

([11]) المغرب في حلى الغرب، دار المعارف بمصر، 1953، ج 3، ص. 119.

([12]) المقري، أزهار الرياض، ج 2، ص. 209.

([13]) في تصديره لكتاب "إيقاد الشموع" لمحمد البوعصامي، تحقيق عبد العزيز بن عبد الجليل، دار الهلال، الرباط، 1995، ص: ب.

([14]) أنظر مجلة "عالم الفكر" المجلد الثاني عشر، مرجع سابق، 1981، ص. 42.

([15]) أنظر كتاب: تقدم العرب في العلوم والصناعات وأستاذيتهم لأروبا، دار الفكر العربي، 1961، ص. 80.

([16]) أنظر مجلة "عالم الفكر"، المجلد: 12، 1981، ص. 40 (خاص بحضارة الأندلس: أثر الأندلس على أوروبا في مجال النغم والإيقاع).

([17]) حوار معه في صحيفة "الزمن"، عدد: 19/4/2002 م، ص. 9.

([18]) أنظر مجلة "عالم الفكر" المجلد 6، العدد 1، 1975، ص. 20.

([19]) مجلة "الفنون" الكويتية، عدد: 12/2001 / ص. 57.

([20]) الجزء الثالث، ص. 158.

([21]) نشر منه المرحوم محمد بن تاويت الطنجي فصلين خاصين بالغناء في الأندلس (مجلة "الأبحاث" التي تصدرها الجامعة الأمريكية في بيروت) مجلد: 21، عدد (2-3-4) ديسمبر، 1968 م، صص. 116-117.

([22]) أنظر مجلة "دعوة الحق"، عدد: ماي، 1961 م، ص. 73.

([23]) أنظر حواراً معه في صحيفة "العلم"، عدد: 15-10، 1989، ص. 6، أجراه معه عبد المطلب الرحالي.

([24]) أنظر مجلة "الفنون المغربية"، عدد: 5/6 (مزدوج)، السنة الثانية، 1975 م، ص. 123.

([25]) أنظر كتاب: البحث في التراث الغرناطي: حصيلة وآفاق، الجزء الثاني، ص. 84 (منشورات كلية الآداب، وجدة، 2001.

([26]) أنظر صحيفة "العلم الثقافي"، عدد: 7/7/1978 م، ص. 6.

([27]) أنظر صحيفة "العلم"، عدد: 2/7/1989، ص. 6.

([28]) مجلة "البحث العلميمرجع سابق، ص. 158.

([29]) أنظر كتاب: مدخل إلى تاريخ الموسيقى المغربية، مرجع سابق، ص. 220.

([30]) أنظر حوارا معه في صحيفة "المساء"، عدد: 28/8/2008، ص. 8.

([31]) أنظر صحيفة "البيان الثقافي"، عدد: 30/12/1996 م، ص. 1. (تحقيق تاريخي حول رباب البريهي) امحمد العلوي الباهي.

([32]) صحيفة "المساءمرجع سابق.

([33]) المجلد الرابع، ص. 407.

([34]) استخرجت هذه المعلومات من كتاب: تاريخ العمل الثقافي الاسباني في المغرب 1912-1956 م، (فيرناندو بالديرما مارتينيث)، ص.401 إلى 440.

([35]) حواراً معه في صحيفة "العلم"، عدد: 23/7/2000 م، ص. 8.

([36]) نقلا عن صحيفة "العلم" بمناسبة تكريمه، عدد: 25/8/1991، ص. 4.

([37]) أنظر كتاب: فيرناندو بالديراما مارتينث، تاريخ العمل الثقافي لاسبانيا في المغرب (1912-1956)، ص. 450.

([38]) أنظر صحيفة "العلم" عدد: 5/2/1989 م، ص. 6.

([39]) حصلت على هذه المعلومات من دراسة أنجزها المرحوم محمد الرايسي بمناسبة تكريم الفنان الحسين بالمكي، أنظر: صحيفة "العلم"، عدد: 22، ماي 1988، ص. 6.

([40]) أنظر صحيفة "العلم"، عدد: 19/2/1989 م، ص. 6 (أركان المنهجية الوكيلية)، محمد الرايسي.

([41]) صحيفة "العلم"، عدد: 19/2/1989 م، المرجع السابق.

([42]) نقلا عن مجلة "مهرجان السعيدية6/1985 م، صص. 11-12.

([43]) الموريسكيون في المغرب، ندوة أكاديمية المملكة المغربية، الندوة الثانية، شفشاون 21-23 شتنبر 2000 م. صص. 207-208.

([44]) حواراً معه في صحيفة "العلم" عدد: 5/2/1989 م، ص. 6.

([45]) حواراً معه في صحيفة "العلم" عدد: 19/4/1987 م ص. 6.

([46]) أنظر كتاب: البحث في التراث الغرناطي- حصيلة وآفاق، مرجع سابق، صص. 80-81.