منهج  الإدريسي في كتابة

"نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"

دراسة جغرافية

 

                                               الدكتور أحمد بن محمد الشبعان

                                      أستاذ الجغرافيا السلوكية المساعد بجامعة القصيم

 

تمهيد

لم يكن غريباً أن يطلق على الإدريسي (استرابون العرب)([1]). فالإدريسي جمع في كتاباته طريقتي العرب والأوربيين. وقد وجد كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"([2]) اهتماماً كبيراً من قبل المستشرقين حيث تعددت طبعات أجزاء منه بعد ترجمته - حسب اهتمام المستفيد - وربت على عشرين ترجمة لأبوابه المختصة بالبلدان المتعددة. وجاء في دائرة المعارف الفرنسية: أن مصنف الإدريسي هو أوفى كتاب جغرافي تركه لنا العرب وأن ما يحتويه من تحديد للمسافات والوصف الدقيق يجعله أعظم وثيقة علمية جغرافية([3]).

وأطلقت مدرسة الجغرافية بجامعة كلارك بشمال أمريكا اسم الإدريسي Idrisiمرأـ

 على أحد برامجها المتداولة تسويقياً عالمياً في مجال نظم المعلومات الجغرافية وأشارت في أدلة البرامج أن هذا اعتراف منها بجميل وفضل هذا الجغرافي والكارتوغرافي العربي المسلم([4]).

        ويذكر كراتشكوفسكي في كتابه "تاريخ الأدب الجغرافي العربي" في حديثه عن كتاب "نزهة المشتاق" أنه أفضل رسالة في الجغرافيا وصلتنا عن العصور الوسطى سواء من الشرق أو الغرب، وعلى هذا الحكم يقف الآن إجماع آراء المستعربين ومؤرخي الجغرافيا على السواء([5]).

        وعلى الرغم من الاهتمام  الكبير الذي أبداه الباحثون نحو الإدريسي وكتابه "نزهة المشتاق" فإني أرى أنه لم يأخذ حقه من الدراسة خصوصاً منهجيته في الكتابة وقدرته على الربط بين كتابه وخرائطه. وهذا ما دفع لهذه الدراسة ويمكن إجمالها بما يلي:

 

1 - محاولة إبراز بعض مآثر الجغرافيين المسلمين في الجغرافيا، وذلك من خلال دراسات مستقلة تعالج منهجيتهم، خاصة وأن المكتبة الإسلامية العربية تعاني من نقص حيال هذا النوع من الدراسة.

2 -  عرض لأثر الرحلة في نقل المعلومة واعتبار الترحال من أهم المصادر في الوقوف على الحقيقة.

3  - شغف الباحث وحبه لدراسة رواد الرحلات.

4 - لما لاحظه الباحث من اهتمام الباحثين في أوربا على وجه الخصوص بخرائط الإدريسي والإشادة بها في بعض أبحاثهم.

5 -  تأثر منهجية الإدريسي بالفلسفة الأوربية والشرقية على حد سواء مما جعله نموذجاً يستحق الدراسة.

6 -    جهد الإدريسي انصب على المزج بين الخرائط والكتابة، مما يعطي الباحث فرصة للمقارنة والاستفادة من الخرائط كدليل لتحديد المواقع التي ذكرت في المؤلف.

7 - مرحلية التأليف عند الإدريسي في التدرج من القراءة إلى المقابلة ثم الرحلة العلمية وتوقيع الظواهر على الخرائط كلها أساليب علمية تستحق الدراسة.

8 - جمع الإدريسي في منهجه بين المنهج الفلكي والمنهج الإقليمي الوصفي، وهذه تعطي منهجه تميزاً عن غيره من الجغرافيين.

9 -    اختلاف الإدريسي عن الجغرافيين الكلاسيكيين في أنه لم يقتصر على دار الإسلام فقط.

10- محاولة التوصل إلى الإضافة العلمية والتي قدمها الإدريسي للتراث الجغرافي.

 

        واعتمدت هذه الدراسة على أساسين هما: ما كتب عن الإدريسي، بالإضافة إلى قراءة تتبعية لكتابة "نزهة المشتاق" في أجزائه الثلاثة المنشورة. ولعرض وتحليل منهج الإدريسي سلكت هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي في تتبع منهجه في التأليف الأمر الذي أدى إلى تتبع مراحل حياته التي أثرت في تقديمه كأشهر جغرافي كتب عن الغرب والشرق.

        وتهدف دراسة منهج الإدريسي إلى مجموعة من المبررات من أبرزها ما يلي:

1-               تسليط الضوء على منهج الإدريسي العلمي خدمة للباحثين المعاصرين.

2-       المشاركة في سد النقص في المكتبة الإسلامية العربية بأبحاث تخدم التراث الجغرافي.

3-       محاولة تتبع سر انبهار المستشرقين بالإدريسي.

4-       إبراز دور الرحلة في منهجية الكتابة لدى الإدريسي.

5-       إبراز دور الإدريسي في رسم الخرائط.

 

تساؤلات الدراسة

        ما طبيعة منهج الإدريسي في البحث عن المعلومة وتدوينها وتحليلها وتوقيعها على الخرائط؟

        قد تعجز هذه الدراسة المقتضبة عن الإجابة على هذا السؤال الكبير، مما يقودنا إلى حصر دراستنا في كونها تحاول أن تجيب على تساؤلات أكثر تحديداً وهي:

-       هل أثرت الظروف السياسية في هدف دراسته وطريقته في الكتابة؟

-       هل أثرت الرحلة في منهج الكتاب وخرائطه؟

-       هل إقامته في صقلية أثرت على حصيلته العلمية؟

-       هل هذا المنتج العلمي يعتبر تقهقراً أم إضافة علمية لعلم الجغرافيا؟

 

وقبل الدخول في دراسة منهجه في كتابه، لا بد من دراسة شخصيته لما لها من أثر بارز في صقل مواهبه وتكوين ثقافته، ثم إنه لابد من دراسة الأوضاع السياسية والاجتماعية لبيئته التي عاش فيها لما لها من آثار على مؤلفه.

 

أولاً: شخصية الإدريسي

1.1- لمحة عن حياته

هو محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس بن يحيى بن علي بن حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن عبد الله بن الحسن بن علي - رضي الله عنه - الشريف الإدريسي.

فالإدريسي إذن من ذرية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ويرجع لقبه الإدريسي نسبه إلى جده الأعلى إدريس الأول مؤسس دولة الأدارسة بمراكش. أما لقبه الحمودي فهو نسبه الأدنى الذي يرجع إلى جده حمود مؤسس الدولة الحمودية في جنوبي الأندلس([6]).

وينتمي أبو عبد الله إلى الأدارسة العلويين ولهذا سمي بالشريف الإدريسي([7]). ومن المعروف لدى كثير من الذين كتبوا عن الإدريسي أنه ولد في (سبتة) وهي إحدى بلاد المغرب، وذلك في سنة 493 ﻫ/ 1099 م.

كما ذكر ذلك على سبيل المثال([8]) لا كما ذهب البعض إلى أنه ولد في (إشبيلية) كالجوهري([9])، ويذكر عبد الغني([10]) أنه لا يُعلم شيء عن أحواله في سبتة، ولا عن نشأته فيها، ولا عن الشيوخ الذين تلقى عنهم([11]). واقتصرت معرفتنا عنه أنه تلقى في حداثته التعليم على الطريقة الشائعة في عصره في المغرب وهي حفظ القرآن والمتون وأشهر القصائد([12])، وفي أيام شيخوخته رجع إلى مسقط رأسه سبتة وتوفي فيها عام 650 ﻫ/ 1160 م على أرجح الأقوال([13]).

 

2.1- طلبه العلم

انتقل الإدريسي وهو ما يزال صغيراً مع عائلته إلى الأندلس واستقروا في (قرطبة)، التي كانت مركزاً ثقافياً كبيراً. وفيها نشأ وتلقى العلم في جامعتها ودرس هناك العلوم والرياضيات واهتم بدراسة التاريخ والجغرافيا. وقد عرف قرطبة معرفة جيدة لأن الوصف الشامل الذي أفرده لها في كتابه يضم كل انطباعات المعرفة المباشرة بهذه المدينة([14]).

ويبدو أنه أحاط بقدر كبير من المعرفة بعلوم النقل من فقه وحديث ولغة، إلى جانب إتقانه لعلوم الحساب والهندسة والفلك والعلم بالأعشاب ومعرفة الطب وأحوال العالم السياسية، ومن إنتاجه العلمي يتضح أنه أغرم بالجغرافيا، كما اشتهر في معرفة علم الهيئة (الفلك) والنجوم والطب([15])، وكل ذلك عن علم ودراية لا بالنقل والسماع فقط.

 

3.1- رحلاته

وقد أتاح مقام الإدريسي في (سبتة) أن جعل منها نقطة انطلاق لجولات كثيرة في بلاد المغرب التي يصفها وصف الخبير، أما مقامه بعد ذلك في (قرطبة) فقد مكنه من الطواف في بلاد الأندلس، ويذكر سوسة([16]) أنه يظهر أن الإدريسي كان ولعاً منذ الصغر بالأسفار فقيل إنه قام بسلسلة من أسفاره وهو لم يزل في السادسة عشرة من عمره، أي في حوالي 510 ﻫ/ 1116 م. ويضيف كراتشكوفسكي بقوله: يبدو من مواضع مختلفة من كتابه أنه زار لشبونة وسواحل فرنسا بل وأنجلترا. ولهذا يميل حميدة([17]) بقوله: ويستشف من خلال مطالعة كتابه أنه زار لشبونة وسواحل فرنسا وبعض مدنها الهامة بل وأوغل حتى الجزر البريطانية. ولعل وصفه الدقيق لها كان من أسرار اهتمام الأوربيين به.

                        وتلا ذلك زيارته إلى شمال إفريقيا وقصد مصر، ويذكر الحريري([18]) أن الإدريسي له رحلات في المشرق العربي وآسيا الصغرى، ويضيف([19]) أنه زار الشام.

                وهذه الرحلات أكسبته علماً كبيراً وشهرة عظيمة - سبقت قدومه إلى صقلية وكانت سبباً في دعوة ملكها (روجار الثاني) النورماندي له إلى بلاطه. ففي عام 628 ﻫ/ 1138 م عبر البحر إلى هذه الجزيرة، وقد ظل بها حتى وفاة ملكها (روجار) في عام 644 ﻫ/ 1154 م، ثم رجع إلى مسقط رأسه سبتة وتوفي بها عام 650 ﻫ/ 1160 م، أي أنه قضى ست عشرة سنة في صقلية استثمرها في تأليف مصنفاته وخرائطه.

 

4.1- إقامته في صقلية وأثرها عليه

                لما آلت مقاليد الحكم في جزيرة صقلية إلى الملك النورمندي روجار الثاني، بعد طرد النصارى للمسلمين منها، رأى هذا الملك ما عليه أهلها المسلمون من الحضارة، فتقرب منهم رغبة في الإفادة من معارفهم، وقد تولع بعلم الجغرافيا وبحث عن أساطينه فأرشده المسلمون إلى الشريف الإدريسي، فدعاه الملك للإقامة في صقلية بغية الاستفادة من علمه في الجغرافيا، مقلداً بذلك الأمراء المسلمين في التقرب من العلماء والأدباء وإكرامهم كرمز لعظمة السلطان. ولما كان الإدريسي في وضع حرج يعرضه للخطر بسبب العداء السياسي ضد أسرته فقد لبى الدعوة والتحق ببلاط (روجار الثاني) وصنف له كتاباً في جغرافية العالم سماه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" ووضع عدة خرائط توضيحية أرفقها مع هذا الكتاب([20]).

        كما لا يمكن إخفاء أن السلاطين يهمهم معرفة أحوال البلدان وساكنيها خاصة وقت الحروب كما هي عليه الحال في تلك الفترة.

        وقد توفر للإدريسي في مقامه بصقلية كافة التسهيلات المادية والعلمية، مما شجعه على  الاستقرار فيها. وعلى سبيل المثال فقد وفر له الملك الدعم المادي لاستكمال الأبحاث والبيانات متمثلة في جلب الكتب وتمويل البعثات الكشفية إلى المناطق المختلفة لجمع المادة العلمية والرسومات تحت إشرافه.

        ولم يكن موقع صقلية عاملاً سلبياً في إعداده للأعمال العلمية التي قام بإنجازها. ففي موقعها المتوسط كانت ترتادها سفن الشرق والغرب في البحر المتوسط، وكانت ملتقى لعديد من الأفراد تجاراً وبحارة وغيرهم من ذوي الخبرة والمعرفة والجولات في مناطق متباينة من العالم. أضف إلى ذلك أن موقع صقلية على حافة جنوب أوربا، وقربها من العالم الإسلامي ساعد على تيسير بعثات كشفية إلى جهات متعددة، وأدى ذلك إلى إمكان إرسال بعثات إلى جهات لم يكن يعرف عنها الكثير ولم يسبق أن كتب عنها ما يشفي الغليل([21]).

 

5.1- أعماله الأخرى

        على الرغم من المكانة العلمية التي كان يتمتع بها الإدريسي في مجال العلوم الجغرافية ورسم الخرائط والرحلات، فقد كان له اهتمامات أخرى تؤكد تعدد ألوان ثقافته وميوله. فقد ذكر عبد الغني([22]) اهتمام الإدريسي بالصيدلة والنباتات والطب، وليس غريباً أن يجمع إلى ذلك ذوقاً في الأدب وأصالة في الشعر.

        وللإدريسي غير كتابه المشهور "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" مؤلفات أخرى في غير الجغرافيا مثل كتاب "المفردات" وهو كتاب في الصيدلة والأدوية، أما المصنفات الجغرافية فنذكر منها "روض الأنس ونزهة النفس" الذي يعرف باسم "المسالك والممالك"، وكتاب "روض الفرج، ونزهة المهج" وهو تلخيص لكتاب "روض الأنس" السابق ذكره، وقيل إنه مختصر لكتاب "نزهة المشتاق"، وكتاب "الجامع لصفات أشتات النبات" ويوجد منه نسخة مصورة في معهد المخطوطات بالجامعة العربية([23]).

        وبالجملة فإن المصنفات الجغرافية ما عدا "نزهة المشتاق" غير معروف تاريخ تأليفها مما يقوي اعتقاد أنها قد تكون مختصرات من "نزهة المشتاق" أعدت لأهداف محددة كما في كتاب "روض الأنس ونزهة النفس" والذي ألف للملك (غليوم) الأول والي حكم صقلية بعد (روجار).

        فالكتاب الروجاري "نزهة المشتاق" والخريطة العالمية هما أكبر أعمال الإدريسي المعروفة، وقد أمكن الوصول إليهما، بينما البقية لم نصل إليها كاملة وإن كان وجد لها بعض أجزاء مخطوطة وجاء ذكر بعضها في مؤلفات المعاصرين.

 

ثانياً: منهجه في جمع المادة العلمية

        مر الإدريسي في إنجاز خرائطه وكتابه بمراحل علمية مجدولة استغرقت خمس عشرة سنة، ويحسن قبل الدخول بدراسة منهجه في إعداد أطلسه وتأليف كتابه من التعرض لمراحل جمع المادة العلمية التي بنى عليها إنتاجه العلمي وميزه عن غيره.

        ويتضح في مقدمة الكتاب أنه اتبع أساليب عدة في جمع المادة العلمية لخرائطه وكتابه، ويمكن تصنيف هذه المراحل إلى أربعة أنواع: (1- القراءة؛ 2- المشاهدة الشخصية؛ 3- المقابلة؛ 4- البعثات الاستكشافية (التقارير).

1.2- القراءة في كتابات السابقين

        اهتم الإدريسي بكتابات الجغرافيين الأوائل على اعتبار أن المعرفة تراكمية، فقد استفاد من اليونانيين والرومان والعرب، ومن بعض المسلمين ممن سبقه في هذا المجال. وأهم من أخذ عنهم العالم اليوناني (بطليموس)، فعلى سبيل المثال، فقد استفاد الإدريسي في وصف العالم في كتابه من طريقة بطليموس في تقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم، أي أحزمة عريضة فوق خط الاستواء، غير أن الإدريسي أضاف على ذلك بأن قام بتقسيم كل إقليم إلى عشرة أقسام رأسية، ابتداء من الشرق إلى الغرب، وكل قسم من هذه الأقسام ربطه في خارطة.

        ومسألة النقل عند الإدريسي لا تقدح مطلقاً في مكانته، لأن العلم ميراث يسلمه السابقون إلى الآتين بعدهم. ولا يعاب باحث أو عالم بأنه نقل ما دام يصرح بنقله، ولكن العيب أن ينقل الرجل عن غيره ويخفي نقوله. وقد كان الإدريسي واضحاً وصادقاً في نقله. ففي مقدمة كتابه "نزهة المشتاق" ذكر المصادر التي نقل عنها ما بين عرب وغير عرب، وهي كتاب "العجائب" للمسعودي، وكتاب أبي نصر سعيد الجيهاني، وكتاب ابن خرداذبة، وكتاب أحمد بن عمر العذري، وكتاب أبي القاسم محمد بن حوقل، وكتاب جاناخ بن خاقان، وكتاب موسى بن قاسم، وكتاب أحمد بن يعقوب المعروف باليعقوبي، وكتاب إسحاق ابن الحسن المنجم، وكتاب قدامة البصري وكتاب بطليموس الأقلودي، وكتاب أرسيوس الأنطاكي. وهذه المصادر الاثنا عشر هي المراجع التي ذكرها الإدريسي على سبيل المثال لا الحصر في مقدمة كتابه.

        ويضيف عبد الغني([24]) أن الإدريسي قد مثل في مقدمة كتابه للمصادر التي رجع إليها ولم يحصرها، والدليل أنه رجع لبعض المصادر ولم يذكرها مثل: كتاب "البلدان" لابن الفقيه، و"رحلة سليمان التاجر" وكتاب "رسم الربع المعمور" للخوارزمي، وكتاب "الأعلاق النفيسة" لابن رسته.

 

2.2- المشاهدة الشخصية

        ذكر في هذه الدراسة في معرض الحديث عن رحلات الإدريسي أنه زار الأندلس وشمال إفريقيا ومصر وبلاد الشام وكذلك آسيا الصغرى والشرق، وأجزاء من أوربا الغربية وبخاصة سواحل إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وصقلية. ومن تتبع كتابه يلاحظ أنه عند الحديث عن مناطق زارها فإنه يسهب في الحديث عنها ويعطي تفاصيل توحي للمتتبع أنه زار هذه المناطق فعلاً، خاصة أنه أحياناً يستخدم عبارات: وقد شاهدت أو وقد رأيناه عياناً. ويبرز هذا على وجه الخصوص عند إعطاء تفاصيل عن الأندلس وصقلية لطول المدة التي قضاها هناك، فقد كان في الأولى تعليمه وفي الثانية مقامه في بلاط الملك.

        ويضيف الحريري أن كتابات الإدريسي عن بلاد الشام تبين أنه زار أنحاء عديدة منها، وبخاصة فلسطين ومدينتي دمشق وحمص([25]).

        مما سبق يتضح أن الإدريسي قد استفاد من منهج المعاينة كمصدر لجزء كبير من المعلومات التي بنى عليها مادة مؤلفه. ومن المعروف أن منهج المعاينة أو الملاحظة الشخصية يعد مصدراً مهماً للأبحاث ومنها البحث الجغرافي بشقيه الطبيعي والبشري. بل إن الإدريسي تعدى ذلك إلى إدراكه الاختلافات المكانية ومقارنته بينها كما اتضح ذلك في مقارنته بين أجزاء من أرض آسيا الصغرى المسكونة بغير المسلمين حين قال: «أن مقاديرها تتقارب وعماراتها تتشابه ولكنها ليست كبلاد المسلمين في حسن الترتيب»([26]).


3.2- المقابلة

        تعتبر المقابلة مصدراً مهماً من مصادر البحث، لذا كان الإدريسي حريصاً على مقابلة بعض الرحالة والتجار من البحارة الذين يرسون على سواحل صقلية حيث مقامه هناك، وسماعه منهم مباشرة زيادة في التأكيد على صحة المعلومات. وفي مقدمة كتابه أثبت أن المقابلة كانت مصدراً من مصادره وإليك جزء من مقدمة كتابه مما يفيد في هذا الشأن قال: «فلم يجد ذلك فيها مشروحاً مستوعباً مفصلاً، بل وجده فيها مغفلاً، فأحضر لديه العارفين بهذا الشأن فباحثهم عليه، وأخذ معهم فيه، فلم يجد عنهم علماً أكثر مما في الكتب المذكورة، فلما رآهم على مثل هذه الحال بعث إلى سائر بلاده، فأحضر العارفين بها، المتجولين فيها، فسألهم عنها بواسطة جمعاً وأفراداً فما اتفق فيه قولهم وصح في جمعه نقلهم أثبته وأبقاه، وما اختلفوا فيه ألغاه وأرجاه»([27]).

        يلاحظ أن الإدريسي ينسب العمل للملك (روجار)، وهذا مبالغة منه في الاحترام للملك الذي أكرمه بهذا العمل وسخر له المال والرجال لخدمة البحث، لكن الذي يهمنا هنا أن الإدريسي اضطر لدعوة العارفين لإكمال ما نقص من تغطية بقية الأقاليم، فلما لم يجد عندهم إضافة لما لديه، حداه ذلك للبحث عن الرحالة من بقية المناطق التابعة للملك (روجار)، فتمت مقابلتهم بشكل فردي وجماعات وهذا المنهج يعتبر من أفضل أساليب المقابلة لجمعه بين نوعين من المقابلة (فردية/ جماعية)، كل ذلك من أجل التأكد من المعلومات، ومناقشتها على شكل حلقة نقاش علمي.

 

4.2- البعثات الاستكشافية

        أورد (سوسة) نقلاً عن ترجمة الصفدي للملك (روجار) وهذا نصه: «فقال رجار([28]) للشريف الإدريسي: أريد تحقيق أخبار البلاد بالمعاينة لا بما ينقل من الكتب. فوقع اختيارهما على أناس مصورين ليصوروا ما يشاهدونه عياناً وأمرهم بالتقصي والاستيعاب لما لابد من معرفته. فكان إذا حضر أحد منهم بشكل أثبته الشريف الإدريسي حتى تكامل له ما أراد، وجعله مصنفاً، وهو كتاب "نزهة المشتاق"». ويضيف (سوسة) نقلاً عن الأستاذ السائح تأكيده أن الإدريسي هو الذي وضع منهج العمل وهو الذي سن طريقة إيفاد البعثات الاستكشافية، فيقول في ذلك: «وهو الذي سن هذه الطريقة للبعثات الاستكشافية التي ساعده (رجار) بعد اتصاله به على إرسالها إلى الأصقاع النائية لتوافيه بمعلومات تكميلية لأبحاثه التي بدأها بنفسه»([29]).

        هذا ولم يذكر الإدريسي تحديد المناطق التي اعتمد في الكتابة عنها على تقارير هؤلاء الرسل وإنما الذي يظهر أنها تقتصر على بعض أجزاء من دول أوربا التي لم يستطع الإدريسي زيارتها. ويميل إلى هذا الرأي عبد الغني بقوله أن التقارير التي جمعها الرسل المندوبون الذين أوفدهم (رجار) لم تغط كل بلاد العالم المعروف في ذلك العهد، بل غطت الأرض المحيطة بجزيرة صقلية أو القريبة منها. أما الهند وأطراف آسيا وأفريقيا مثلاً فقد اعتمد فيها على النقل، لأن المعاينة والمشاهدة كانت بالنسبة إليه أمراً بعيد الاحتمال([30]).

        إلا أن الذي يهمنا هنا اعتناء الإدريسي بأهمية المعاينة، بل واشترط إثبات ذلك بالرسوم، أي توقيع ذلك على خرائط للتأكد من المسافات وللمقارنة بين المكتوب والمرسوم. وبهذا يتأكد أن الإدريسي توفر له ثلاث مصادر ميدانية، فأولها رحلاته الشخصية، وثانيها مقابلاته مع العارفين من العلماء والتجار والمتجولين، وأخيراً نتائج تقارير الرحلات الاستكشافية التي دعمها (روجار) مادياً ومعنوياً، خاصة أنها في دول نصرانية قد يصعب على الإدريسي الوصول إلى معلومات قد تخفاه كعربي مسلم يحمل ثقافة مغايرة.

        ويرى بعض الباحثين كحميدة([31]) أن أرجحية الإدريسي على سائر الجغرافيين العرب بما كتبه عن أوربا لا تعود لرحلاته وأسفاره في تلك الأصقاع بقدر ما تعود لما حصل عليه من الرواد الذين بعث بهم روجر إلى أقاصي أطراف أوربا مثل اسكندينافيا لاستطلاع أوصافها وتحقيق مواضعها، ولما قيده الإدريسي من أحاديث الرحالة والتجار والحجاج في السفن التي كانت ترسو بموانئ صقلية. إلى جانب ما استطاع الحصول عليه من بيانات عن البلاد النصرانية بفضل رعاية الملك (روجار) النصراني وما جمعه من خلاصة معلومات من سبقه كبطليموس والمسعودي. ولهذا نجد من جاء من بعده من الجغرافيين المسلمين ينقل عنه ما كتبه في هذا الموضوع.

 

ثالثاً: منهجيته في أطلسه وكتابه

        بعد تتبع مراحل جمع المادة العلمية التي جعلته قادراً على البدء في رسم خرائطه وشرحها في كتابه، والتي تعتبر منهجية تختلف عن المعهود حالياً بكون الخرائط تابعة للكتاب وموضحة للجانب المكتوب، نجد أن الخرائط لدى الإدريسي تمثل الأصل والكتاب مجرد شرح لها، ولعل هذا استجابة لهدف الدراسة لديه التي كانت تسير بمنهجية متأثرة بطلب الملك كما وضح ذلك الإدريسي في مقدمة كتابه. ولعله من المنطقية إتباع هذه المرحلة في التحقيق.

        علماً أن أسبقية خرائط الإدريسي على كتابه يؤكدها كثير من الباحثين ومنهم كراتشكوفسكي على اعتبار أن الكتاب شرحاً للخرائط. ويستند إلى مجموعة من الأدلة منها: أنه قد تردد أكثر من مرة الرأي القائل بأن المسافات المذكورة في المتن، سواء المراحل منها أو الأميال، لا تستند في الواقع على معطيات واقعية عن الطرق نفسها بل يعتمد على القياس المقرب لمواقع الأماكن الجغرافية المختلفة على الخارطة، أيضاً من الملاحظ مثلاً أن الأسماء الموجودة على الخارطة ترد في صورة أصح وأقدم مما هي عليه في المتن.

 

1.3- أطلس الإدريسي

1.1.3- تعريفه

        أطلس الإدريسي كما يسميه كراتشكوفسكي يضم سبعين خارطة، يفتقد منها عادة في المخطوطات واحدة أو اثنتان. كما يوجد بالإضافة إلى ذلك في مطلع الكتاب خارطة مستديرة للعالم هي الوحيدة التي يمكن ربطها بمنهج (أطلس الإسلام)، المدرسة الكلاسيكية، والذي يظهر أن ربطها بأطلس الإسلام يعود إلى أن هذه الخارطة المستديرة تشترك مع أطلس الإسلام بفكرة وجود بحرين كبيرين، مع الإشارة إلى تحديد سواحل البحر الأبيض المتوسط لدى الإدريسي يقرب من الواقع مقارنة مع أي من الخرائط الأخرى. وجميع خارطات الإدريسي بما في ذلك هذه الخارطة المستديرة تنفرد بدقة الرسم، والتخلص من منهج الخطوط المستقيمة والدوائر الهندسية الذي تميزت به الفترة الثانية للكارتوغرافيا العربية، أي أطلس الإسلام([32]).

        وعموماً فإنه بمقارنة هذه الخرائط الإقليمية بخرائط بطليموس يمكن إدراك إضافات الإدريسي سواء في تصحيح الأخطاء أو إضافة ظاهرات طبيعية وبشرية غير معروفة من قبل. يقول الحريري: وكانت هذه الخرائط الأساس في إعادة بناء الخريطة العالمية التي ينسب للإدريسي صنعها. وكان للعالم ميللر (1844-1933) فضل السبق في جمع أجزائها المتفرقة المحفوظة في نسخ الكتاب والتأليف بينها وإخراج خريطة عالمية في طبعة ملونة عام 1931 م.

        وصدرت باللاتينية باسم الخريطة العربية، ثم وجه المجمع العلمي العراقي عنايته إلى هذه الخريطة وقام بتحقيقها وترجمتها للعربية ونشرت عام 1951 م باسم "صورة الأرض للشريف الإدريسي" ثم قامت نقابة المهندسين العراقية باختصارها وطبعها عام 1970 م([33]).

 

2.1.3- مراحل العمل لديه

        يفهم من مقدمة الإدريسي في "نزهة المشتاق" أن أعماله مرت حسب المنهج المعد لها بأربع مراحل. (إعداد أدوات الرسم، إعداد الأطلس، صنع الكرة الفضية، تأليف الكتاب). وفيما يلي عرض للمراحل التي لها علاقة في إنتاج الخرائط (الأطلس)، أما كتابه فسوف يفرد له دراسة مستقلة في القسم الثاني من الفصل الثالث من هذا البحث.

 

أ - إعداد أدوات الرسم

        واشتملت هذه المرحلة على إعداد (لوح الترسيم) وهو اللوح الذي اتخذه أساساً لتثبيت الأماكن عليه بالنسبة لخطوط الطول والعرض، بعد مقارنة هذا الأسلوب مع آخر ما توصل إليه الجغرافيون في ذلك الزمان. ولكي يتأكد الإدريسي من دقة أطوال المسافات على الطبيعة وبما يقابلها على الخارطة، خاصة وأن تقدير المسافات وصل إليه عن طريق غيره من رحالة ومتجولين وهم يختلفون بنوع وحدات القياس بتقديرهم للمسافات مما اضطره إلى اختبارها بمقاييس من حديد مع مقارنة ذلك بما ورد في المصادر العلمية السابقة، وهذا الإنجاز العلمي يعتبر بمثابة مقياس الرسم في الخرائط المعاصرة.

        بعد ذلك قام بتوقيع أسماء الأماكن والظواهر على (لوح الترسيم) الذي هو عبارة عن خارطة كبيرة المساحة مسطحة مرسوم عليها خطوط الطول ودوائر العرض، بعد ذلك نقل ما وقع على هذا اللوح إلى خرائطه دون إظهار لخطوط الطول ودوائر العرض والتي لم تظهر إلا على لوح الترسيم لتسهيل تثبيت مواقع البلدان والظواهر الطبيعية كالجبال والبحار والأنهار. ولكي يتحرى الدقة في تحديد المواقع ومسافاتها استعمل الفرجار لهذا الهدف. ويضيف الصياد([34]) أنه استخدم الفرجار والمثلث والبوصلة وهي كل ما تجمع لديه من أدوات، ومستعيناً بالجداول الجغرافية والزيجات التي وضعها من سبقوه من القدماء.

        وكان الذين جاؤوا بالمعلومات يقدرون المسافات بالرحلة والغلوة والميل الروماني والميل العربي وغير ذلك من شتى المقاييس، مما ألقى على الإدريسي عبئاً ثقيلاً، إذ كان عليه أن يحول كل بعد من الأبعاد إلى مقياس الرسم الذي اتخذه أساساً للوحة الترسيم. وهذا عمل لا يعمله إلا الجغرافي الذي يتبع المنهج العلمي السليم.

        ويؤكد سوسة([35]) أن الإدريسي استند إلى الجداول الجغرافية التي نظمها الجغرافيون الأقدمون في تثبيت المواقع واعتمد على الأصح منها بعد مقارنتها مع غيرها من الجداول المتوفرة لديه، وقد سبق للجغرافيين شرحها ولا شك أنه قد اطلع عليها مثل شرح سهراب.

        ومما لا يرقى إليه الشك أيضاً أنه كانت لدى الإدريسي صورة الأرض لبطليموس وكذلك خارطة الخوارزمي وأنه قد استند عليهما في تقسيم العالم إلى أقاليم. لكن إضافته كانت تتكئ على معلومات بناها على المعاينة ومقارنة ذلك بالمكتوب للوصول لأدق النتائج بما لديه من إمكانات.

 

ب - إعداد الأطلس

        قام الإدريسي بتقسيم العالم المعمور المعروف في وقته إلى سبعة أقسام معتمداً على المنهج نفسه الذي سار عليه أكثر الجغرافيين، وهي الطريقة التي قام بها الخوارزمي وتبعه غيره مثل الفرغاني والبيروني، وهي تقوم على تقسيم المعمور إلى سبعة أقاليم مناخية على شكل أحزمة مستطيلة أفقية تبدأ من دائرة الاستواء ومتتابعة من الجنوب إلى الشمال في موازنة دائرة الاستواء من المشرق إلى المغرب. وقد استفاد الإدريسي من هذه الطريقة، إلا أنه حدد بداية الأقاليم غرباً من بحر الظلمات (المحيط الأطلسي)، ومنتهية بالصين شرقاً.

        وأما كيفية تقسيم الأقاليم بحسب درجات العرض فقد اختصرها سوسة([36]) حيث ذكر أنها جاءت متساوية تقريباً باستثناء الإقليم الأول، فقد جعل الأول يضم 23 درجة من درجات العرض ثم يشتمل كل من الأقاليم الستة ست درجات وذلك على الوجه الآتي:

 

من درجة (0) إلى درجة 23 - الإقليم الأول.

من درجة 24 إلى درجة 29 - الإقليم الثاني.

من درجة 30 إلى درجة 35 - الإقليم الثالث.

من درجة 36 إلى درجة 41 - الإقليم الرابع.

من درجة 42 إلى درجة 47 - الإقليم الخامس.

من درجة 48 إلى درجة 53 - الإقليم السادس.

من درجة 54 إلى درجة 59 - الإقليم السابع.

 

        ثم أضاف إلى الإقليم السابع 5 درجات فأصبح مجموع الدرجات شمال خط الاستواء 64 درجة، ويلاحظ أن هذه النواحي القاصية تصل في خارطات الإدريسي إلى نحو درجة 72 شمالاً. ومن هذا الخط إلى القطب لم يوقع الإدريسي أي ظاهرة على الخارطة، إذ اعتبر هذه الناحية شديدة البرودة لا تسكن، أما جنوب خط الاستواء فقد حذا الإدريسي حذو بطليموس واعتبر المنطقة التي تمتد جنوب خط الاستواء غير مسكونة بسبب شدة الحرارة مع أنه مد العمران جنوباً ليصل إلى جزيرة سرنديب (سريلنكا) وبعض جزر البحر الهندي ثم منابع نهر النيل ومنابع نهر النيجر.      

        ولما فرغ من تقسيم العالم إلى سبعة أقاليم، قام بتقسيم كل خط إلى عشرة أقسام متساوية ووضع لكل قسم خارطة توضح ما في داخله بحيث أصبح عددها سبعين خارطة. وبعد الرجوع لمقدمة الإدريسي عند قوله: «ومبلغ أعداد هذه المصورات الآتية بعد هذا سبعون مصورة غير النهايتين اللتين أحديهما نهاية المعمور في جهة الشمال وأكثرها خلاء لشدة البرد»([37]).

        من ذلك يتضح أنه بالإضافة للسبعين خارطة والخارطة العالمية الكروية الملحقة في الكتاب، فإنه يوجد خريطتان، أحدهما تمثل الشمال الخالي والأخرى تمثل الجنوب الخالي أيضاً، لكن معظم المراجع لا تذكرها؟ وقد يكون مرد ذلك إما لفقدانها كمخطوطات أو لعدم قيمتهما بسبب عدم احتوائها للمظاهر الطبيعية والبشرية ثم أنهما خارج التقسيمات السبعينية التي بموجبها رسم الإدريسي خرائطه، لهذا نلحظ أيضاً عدم ربط شرح الكتاب بهما لخلوهما من المعلومات كما ذكرنا. وقد ذكر أسود أنه في عام 1192 م قدم الإدريسي لوليم الثاني بن روجر مختصراً تحت اسم "جنان النعيم"، مع أطلس يضم 73 خريطة تعرف بالإدريسي الصغير، ونسخ هذه موجودة في مكتبات باريس وأكسفورد ولننغراد والقسطنطينية والقاهرة([38]).

        ولعل هذا يعزز القول المؤيد لوجود 73 خارطة، لكن السبعين خارطة هي المحققة والتي جمعها (ميللر) في خارطة للعالم طولها متران وعرضها متر ونشرت كما أسلفت، كما أنها هي التي قسم العالم بموجبها وشرحت في "نزهة المشتاق" التي نحن بصدد دراستها.

 


ﺟ - صنع الكرة الفضية

        يذكر محمدين([39]) أن الإدريسي يعتبر في نظر كثير من الباحثين بداية مرحلة جديدة في تطور علم الخرائط يمكن أن يعبر عنه بمرحلة النماذج لأنه صنع نموذجاً للكرة الأرضية. أما عن قصة هذه الكرة فيمكن معرفتها من سياق الإدريسي في مقدمته، فقد ذكر في مقدمة كتابه أن الملك (رجار) أمر أن يفرغ له من الفضة الخالصة دائرة مفصلة عظيمة الجرم، ضخمة الجسم، في وزن أربع مئة رطل بالرومي، في كل رطل منها مئة درهم واثنا عشر درهماً، فلما كملت أمر الفعلة أن ينقشوا فيها صور الأقاليم السبعة ببلادها وأقطارها وريفها، وخلجانها وبحارها، ومجاري مياهها ومواقع أنهارها، وعامرها وغامرها، وما بين كل بلدين منها وبين غيرها من الطرقات المطروقة والأميال المحدودة، والمسافات، والمراسي المعروفة على نص ما يخرج إليهم ممثلاً في لوح الترسيم ولا يغادروا منه شيئاً ويأتوا به على هيئته وشكله كما يرسم لهم فيه([40]).

        إذاً فالمرحلة الثالثة من عمل الإدريسي كانت مرتكزة على نقل ما وقع على لوح الترسيم من المعلومات الخاصة بمواقع المدن والجبال والبحار والجزر والخلجان على كرة أرضية فضية، وذلك بناء على طلب الملك (رجار)، فنحت الإدريسي على هذه الكرة خارطة العالم المعمور كما وردت على لوح الترسيم بحجم أصغر. وهذه تعد عملية فنية دقيقة صعبة تحتاج إلى خبرة ومهارة، إذ لم يكن لدى الإدريسي الوسائل الحديثة التي بين أيدينا في الوقت الحاضر لتصغير وتكبير الخارطات، فلم يكن لديه غير (الفرجار) والمسطرة والمثلث وما إليها، وكان عليه في كل حالة أن يحسب البعد الصحيح للموقع ثم ينقله إلى المقياس المطلوب في الخارطة الثانية.

        وعلى أية حال فقد اعترف الإدريسي أن هناك رسامي خرائط كانوا يساعدونه وهذا يفهم من قوله فأمر الفعلة، وهذا يعكس أمانته العلمية واحترام التخصص بلجوئه للرسامين لإخراج خرائطه.      

        ويذكر سوسة([41]) أن هذه الكرة قد فقدت في زمن الملك غليالم الأول (خلف رجار الثاني) على أثر ثورة نشبت في البلاد سنة 1160 م.

        هذا وقد اختلف الباحثون في تصوير هذه الخارطة فبعضهم عدها دائرة مسطحة على شكل قرص، والبعض الآخر عدها كرة مجسمة، ويميل سوسه([42]) إلى الرأي الأخير وهو أنها كرة، ويستدل على ذلك بأن خارطة العالم الموجودة بكتاب الإدريسي تأخذ شكلاً كروياً، حيث رسم خط الاستواء وخطوط العرض على شكل دوائر لا خطوط مستقيمة مما يشير إلى أنها منقولة من كرة.

        والدليل الآخر الذي لا يقل أهمية عما تقدم هو أن صنع الكرات المعدنية للأرض وللمنظومة السماوية كان شائعاً منذ القدم وقد صنع مثل هذه الكرات الجغرافيون قبل الإدريسي، ولا زال بعضها محفوظاً في المتاحف الأوربية. والذي تميل إليه الدراسة هنا أن أدلة المؤيدين للشكل الكروي للخارطة أقوى، لأن الشكل الكروي كان معروفاً في ذلك الزمان ولا مجال للنقاش فيه.

 

3.1.3- أهمية الأطلس

        نالت هذه الخرائط عناية كبيرة من دراسات المستشرقين ورجال البحث من الجغرافيين، ونالت التقدير على الرغم من الملاحظات التي وجهت إليها. وقد أعطى هذا الأطلس للإدريسي شهرة فائقة في رسم الخرائط تبعاً لكونها كما وصفت أحسن نماذج خرائط العالم التي وضعت حتى ذلك الحين. وكانت أكبر الخرائط القديمة الخاصة برسم العالم، التي تدل على غزارة علم الرجل عن العالم ودقته في الرسم.

        ويذكر عبد الغني: أننا نجد في هذا الأطلس تطور عمل الخرائط العربية في ثالث مراحله. وبدت دقة رسم الشواطئ والأنهار، وتحديد درجات الطول والعرض، ومطابقة الواقع الطبيعي. وعلى الرغم من مراعاة الإدريسي لطريقة بطليموس في رسم الخرائط فإنه قد زاد عليه في الدقة وارتفاع المستوى في الأداء، ويؤكد لنا هذه الحقيقة المستشرق الإيطالي: ألدومييلي، وكراتشكوفسكي في حسبان مرحلة الإدريسي هي الأوج الذي بلغه فن رسم الخرائط. ويعد هذا الأطلس أهم أثر لعلم رسم الخرائط العربية، بل لعله أهم أثر لعلم الخرائط الجغرافية في العصور الوسطى. وأشاد المستشرق الفرنسي (ريسلر) بقوله: ومصورات الإدريسي التي تعترف بكروية الأرض كانت تتويجاً لعلم المصورات الجغرافية في العصر الوسيط، بوفرتها، وصحتها واتساعها([43]).

        ولا شك أن الخريطة الجامعة للعالم كانت هي العمل الرئيسي في جغرافية الإدريسي حيث كانت العمود الفقري لمؤلفه "نزهة المشتاق". وهي محصلة لكل المجهودات الكشفية سواء الخاصة به أم تلك التي اضطلعت بها الجماعات الكشفية التي كانت ترسل لجمع المعلومات والرسومات. وهي بالنسبة له كانت تمثل الحقيقة المصفاة من تمحيص المعلومات المنقولة من الكتب أو المستقاة من المشاهدين والجوالين والرحالين وما شاهده هو بنفسه([44]).

        ويعد الإدريسي مرحلة خاصة به سواء في قيمة الخريطة بالنسبة لعمله الجغرافي، أو بالنسبة للخصائص الفنية في خريطته وما احتوته من معلومات. ويمثل إنتاجه أول أطلس متكامل للعالم، ويمثل بخرائطه للعالم في عصره القمة التي وصل إليها في الخرائط في العصر الوسيط. كما تعد خرائطه نقطة تحول في تطور علم الخرائط. وبدأ الاهتمام بتقسيم خط نصف النهار وخط الاستواء وضبط درجات الطول والعرض للمدن والبلدان بدقة كما في الخرائط الحديثة، لذا فهو همزة الوصل بين الشرق والغرب وسبيل لانتقال الفن الخرائطي من الشرق الإسلامي إلى الغرب الأوربي([45]).

 

4.1.3- وصف الأطلس

        رسمت الخريطة بحيث يكون الجنوب في (أعلاها) كما أن القارات لم تظهر بأسمائها بل نجد الإدريسي يقسم العالم إلى سبعة أقاليم عرضية وبعد ذلك يقسم كل إقليم إلى عشرة أقسام وقد ظهر خط الاستواء في أعلى الخريطة محدداً للعالم المعروف في ذلك الوقت. وقد بين الإدريسي على الخريطة كثيراً من الأنهار بالإضافة إلى البحر الرومي (الجزء الشرقي من البحر المتوسط) وخليج البنادقة (البحر الإدرياتي) وبحر القلزم (الأحمر) وبحر الخزر (قزوين) وبحر بنطس وبحر الهند (البحر العربي) والبحر الفارسي (الخليج العربي) والبحر الأسود.

        هذا ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن الإدريسي وضع كتابه وخريطته في النصف الأول من القرن الثاني عشر، وأن موت الملك (روجار) وما أعقبه من اضطرابات في دولة الرومان في صقلية لم تمكن الإدريسي من إدخال التعديلات الأخيرة الواجبة على خريطته.

        أما طريقة تقسيم الإدريسي في خريطته التي هي اختصار لأطلسه فقد عرضها الجوهري، حيث قسم الإدريسي الخريطة إلى أقاليم وحدد كل منطقة في العالم المعمور، ثم ذكر أهم المظاهر في كل إقليم، وفيما يلي نبذة عن كل قسم بالخريطة:

        الإقليم الأول: يمتد هذا القسم من الغرب إلى الشرق ابتداء من المحيط الأطلسي أو البحر الغربي إلى السودان والنوبة والحبشة واليمن والهند وينتهي في الشرق إلى بلاد الصين.

        الإقليم الثاني: يمتد أيضاً من الغرب إلى الشرق ابتداء من المحيط الأطلسي ماراً بجزر الخالدات وكل أجزاء مصر وساحل بحر القلزم وشبه جزيرة العرب والخليج العربي. ويمتد شرقاً إلى أجزاء من بلاد الهند إلى أن ينتهي عند الشرق جنوب الإقليم الأول.

        الإقليم الثالث: ويبدأ من المحيط الأطلسي ويشمل جزر سارة وخسران وبلهان ثم يمتد إلى تونس وليبيا والبحر المتوسط والإسكندرية وجزء من بحر القلزم (خليج السويس) وفلسطين والشام والجزء الشمالي من شبه الجزيرة العربية والبحرين وإيران وتركستان وهضبة التبت إلى الشرق من الصين. ويقع هذا الإقليم جنوب الجزء الثاني وينقسم كغيره من الأقاليم إلى عشرة أجزاء.

        الإقليم الرابع: ويمتد من المغرب الأقصى عند بداية البحر الأبيض شمالاً إلى إسبانيا وجزر سردينيا وصقلية وكورسيكا ورودس، ويمتد شرقاً إلى سوريا وأرمينيا وتركيا والعراق وأذربيجان إلى أن ينتهي عند جنوب الإقليم الثالث.

        الإقليم الخامس: ويبدأ من شمال إسبانيا ويمتد من الغرب إلى الشرق ماراً بالبحر الأدرياتي ثم يمتد إلى بلاد الجرمان والقسطنطينية إلى تركيا ثم هضبة أرمينيا وبعض أجزاء من أذربيجان ثم هضبة التبت ثم إلى شمال الصين إلى أن ينتهي جنوب الإقليم الرابع.

        الإقليم السادس: ويبدأ من الغرب من الجزر البريطانية ويمتد شرقاً متخللاً بلاد فرنسا ثم ألمانيا وبلغاريا، ثم روسيا ماراً ببحر الخزر (بحر قزوين) وأرض تركيا إلى أن يصل إلى الصين عند سد سور الصين العظيم في الشرق جنوب الإقليم الخامس.

        الإقليم السابع: ويبدأ هذا الإقليم من المحيط الأطلسي غرباً ويمتد شرقاً عبر الجزر المتناثرة في البحر وعبر نهر (ألبه) ويتصل ببلاد روسيا وهضبة التبت إلى أن يصل شمال الصين حيث افترض أن لا حياة هناك.

        ومما هو جدير بالذكر أن الإدريسي استخدم الألوان في خريطته إذ ظهرت البحار في اللون الأزرق والجبال باللون الأحمر والبني الأرجواني، والأنهار باللون الأخضر والمدن بدوائر مذهبة. وقد امتازت خريطة الإدريسي أيضاً بأنها احتوت على بعض أسماء البلدان الصغيرة في جنوب إنجلترا، وأعطت أحسن الأبعاد لشمال غرب أوربا حيث ظهرت الدانمرك على خريطته بوضوح. كما يلاحظ أنها خريطة رسمت مقلوبة مما يميزها عن جميع الخرائط الأخرى([46]).

        وقد أورد الحريري([47]) أن هذه الخارطة اشتملت على 2064 اسماً منها 365 في إفريقيا، 720 في أوربا، 959 في آسيا، وإن كانت أسماء الظاهرات الطبوغرافية قد تغير بعضها حالياً إلا أن البقية ما زالت تحمل الاسم نفسه أو تقاربه([48]).

        وفيها يتمثل القسم الغربي من العالم الإسلامي بصورة أفضل من إيضاحها للقسم الشرقي منه. فيظهر المغرب العربي والأوسط قريباً من صورته العامة لرسمها في الخرائط الحديثة.

        واشتملت الخريطة على منابع النيل من بحيرات كبيرة في المنطقة الاستوائية. ولا يعرف أن أحداً سبق الإدريسي إلى بيان الحقيقة عن منابع النيل العليا كما حفظت في خرائطه([49]). كما نلحظ دقته في توقيع الدول غير الإسلامية في خرائطه، خاصة في شمال أوربا حيث ظهرت إنجلترا وإيرلندا والدنمرك.

 

1.3- من مزايا الأطلس وعيوبه

        وعلى الرغم من وجود اتفاق في بعض الجوانب بين الإدريسي والخرائط اليونانية وخريطة بطليموس إلا أن خرائط الإدريسي تفوقها في مدى شمولها ودقتها في جوانب كثيرة. فلقد أضافت هذه الخرائط للإدريسي الكثير إلى المعارف الإنسانية وتخلصت من كثير من الأخطاء العلمية المرتبطة بأشكال وامتداد المناطق عن الخرائط الأخرى السابقة. وفي ذلك يقول أسود: إن خريطته التي نشرت عن منابع النيل والبحيرات الاستوائية، أثبتت أن معارف العرب في جغرافية أفريقية جيدة ودقيقة أكثر مما يظن، لأن هذه المناطق لم يكتشفها الأوربيون إلا في الوقت الحاضر.

        ويضيف أن من مزايا خرائط الإدريسي التزامها بمقياس الرسم، وتحديد مواضع خطوط الطول والعرض، لذا اعتبرت قمة ما بلغته الكارتوغرافية العربية([50]).

        أما عن مسالب هذا الأطلس فلندع الجوهري يطلعنا على أبرزها، حيث ذكر أن هناك بعض الأخطاء في حساب المسافات والانحرافات، واتساع الساحل الأفريقي ناحية الشرق، وجعل المحيط الهندي تصب فيه الأنهار الأفريقية من الجنوب والأنهار الهندية والصينية في الشمال. هذا ولم يتحقق الإدريسي من الأسماء في خريطته كما أنه في تقسيمه للأقاليم السبعة إلى عشرة أقسام لم يكن يبين بوضوح أساس هذا التقسيم رغم أنه تقسيم جديد.

        إلا أن الخريطة تتضمن أيضاً بعض الأخطاء التي قلما كانت تخلو منها خريطة من خرائط العصرين القديم والوسيط. ويبدو أن أغلب هذه الأخطاء عن مناطق نقل معلوماته عنها عن المصادر المكتوبة دون أن يتحقق ويتيقن بنفسه بالرحلة أو بالقياس أو بكليهما معاً. ويورد لنا الحريري مجموعة من الملاحظات على هذا الأطلس ومنها: أن جزيرة سوكوترا (سومطرة) تبدو إلى الجنوب من خط الاستواء على غير الواقع. كذلك الحال في موقع الإسكندرية على الساحل الشامي. وقد رسمت كثير من الجزر تفوق بكثير أحجامها الحقيقية، من ذلك جزيرة سرنديب (سيلان) التي فاق حجمها المرسوم واقعها في ذاته، كما تفوق على حجم شبه جزيرة الدكن في المساحة والامتداد والتي رسمت على هيئة بروز صغير من يابس جنوب آسيا.

        كما أن حجم القرن الأفريقي وساحل أفريقيا الشرقي وشكلهما وامتدادهما، وكذلك شبه جزيرة الصين الهندية ولسان الملايو تبدو مخالفة لواقعها المعروف عنها في الخرائط الحديثة. فالأرض الأفريقية تمتد نحو الشرق في المحيط الهندي الجنوبي بدلاً من امتدادها نحو الجنوب كما هو معروف. وتضم هذه الامتدادات من اليابس الأفريقي إلى الجنوب من خط الاستواء أراضي مثل: أرض الزنج، بروة، ملندة منسية، وأرض سفالة وأرض ألواق واق. إلا أنه أثبت بربرة إلى الجنوب من خط الاستواء قرب أحد الأنهار، وهذا مخالف لما هو في الواقع. ويبدو أن الإدريسي قد شايع ما ورد في خريطة بطليموس عن الأقاليم نفسها وبذلك شاركه في مجانبة الصواب في الاتجاه والامتداد الصحيح للأرض.

        ولم تقتصر عيوب الشكل والامتداد والمساحة على المناطق اليابسة فقط بل نجدها أيضاً في بعض المناطق المائية، من ذلك أن رسم البحر الأحمر بالخريطة يظهره مساوياً في المساحة والامتداد للخليج العربي تقريباً وهذا يخالف الواقع. كما ظهر بحر قزوين بصورة تفوق في مساحتها امتدادات البحر الأسود. كما يظهر المحيط الشرقي والغربي (الهادي والأطلسي) كشريط ضيق بينما وسعت أراضي أفريقيا في الجنوب بحيث تتصل بأنتاركتيكا([51]).

        وقد اعترف (كراتشكوفسكي) بأن الفترة الثالثة في تاريخ الكارتوغرافيا العربية هي المقترنة باسم الإدريسي وتعتبر الأوج الذي بلغه فن رسم الخرائط، لكن في الوقت نفسه تحمل بعض الملاحظات الجوهرية التي منها اختفاء فكرة الأطوال والعروض الجغرافية من الخارطة سوى الإقليم الأول، وأيضاً الأقاليم التي على شكل أحزمة متساوية في العروض تظهر نسيان الأساس الفلكي الذي قامت عليه، أما تقسيمها إلى سبعين قسماً فيمثل انحطاط الكارتوغرافيا العربية.

        وتبيان خط منتصف النهار الابتدائي الذي يمر بجزر السعادة في طرف الخارطة فيه إشارة إلى تأثير مذهب بطليموس، ويضيف (كراتشكوفسكي) أن فحص التفاصيل الموجودة بخارطات الإدريسي أشق بكثير من فحصها لدى الخوارزمي الذي يمثل بداية المذهب البطليموسي عند العرب بقدر ما يمثل الإدريسي نهايته([52]).

        وعموماً، فلا تقلل الأخطاء التي ظهرت بالخريطة، وعدم انتظام نسب رسم أحجام بعض المناطق من أهمية الإدريسي وعمله ومركزه كصانع خرائط مشهور. فهو يتفوق على كل السابقين عليه، وكان مثلاً يحتذى به عند راسمي الخرائط اللاحقين عليه الذين أخذ الغربيون عنهم سواء في طريقة الرسم أو فيما تضمنه للخرائط من حقائق. وكانت خريطة الإدريسي بالذات ذات أثر كبير في تصوير "الدنيا للأوربيين مدى طويلة بعد عصره".

        والواقع أن رسمه لها في الوقت التي أنجزها فيه يعد عملاً ضخماً يحمد له لأن وسائل القياس والرسم والمساحة والانتقال لم تكن متوفرة بالصورة الموجودة حالياً. كما أنها تدل على التزام الإدريسي لجوانب أساسية من القواعد الحديثة في رسم الخرائط([53]).

        وبذلك يعتبر الإدريسي مدرسة قائمة بذاتها في رسم الخرائط تمثل المرحلة الثالثة من تطور الخرائط فقد تأثر بالمرحلة الأولى الرياضية والفلكية حيث اعتمد على الفلك في تحديد الخطوط العرضية السبع لبروزه في الفلك وإن كان خالف هذا المنهج في تقسيمها إلى أجزاء لا تعتمد على أساس فلكي. وقد تخلص من قيود المرحلة الثانية في اتجاهاتها الخطية القوسية كما فعل (ابن حوقل). ولهذا فقد انفرد بمرحلة خاصة به تميزت بتخلصها من قيود الرسم المحلية واتجه إلى العالمية بالإضافة إلى الخرائط الإقليمية. ويتميز منهجه أنه غطى غير المعمور من الأرض كما بين ذلك في مقدمة كتابه.

 

2.3- كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"([54])

1.2.3- أهمية الكتاب

        يعتبر كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" مكملاً للأطلس وشارحاً له على أرجح الأقوال، لهذا ناسب أن تأتي دراسته لاحقة للأطلس والكرة الفضية، وذلك حسب التتبع الزمني لمراحل التأليف لدى الإدريسي. وهذا الكتاب هو الذي جعل للإدريسي هذه الشهرة بين الشرقيين والغربيين على حد سواء. ويذكر عبد الغني، أنه على الرغم مما كان للكرة الأرضية الفضية التي صنعها، وما كان لخريطته ومصوراته من شهرة عالية وقيمة علمية كبيرة، فإن "نزهة المشتاق" ظل محتفظاً بمكانته، ولا يزال إلى الآن نبعاً ينهل منه كل غارف([55]).

        ويقول المستشرق الإسباني (بالنثيا) «أن الكتاب حافل بالمعلومات الصحيحة في الغالب، ومادته وافرة عن البلاد الأوربية التي تسكنها شعوب نصرانية»، ويقول عنه الباحث الهندي نفيس أحمد: «والكتاب بالتأكيد هو أكبر نموذج بارز لانصهار المعلومات الجغرافية القديمة مع المعلومات المتجددة»، وتقول دائرة المعارف الفرنسية: «أن كتاب الإدريسي في الجغرافيا هو أعظم وثيقة علمية جغرافية في القرون الوسطى»([56]).

 

 

2.2.3- سبب التأليف

        بالرجوع إلى المصادر التي كتبت عن الإدريسي يتضح لنا أن هناك إجماعاً بين الباحثين على أن سبب التأليف كان بطلب من الملك (روجار)، بل إن الكتاب يسمى في بعض المصادر بكتاب روجر! لأنه كما يقول ضيف ألف من أجله([57])، ويذكر الإدريسي نفسه أنه ألف الكتاب تلبية لطلب الملك، ولهذا يذكر الإدريسي في مقدمة كتابه «انه لما اتسعت أعمال مملكته... أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة ويقتلها يقيناً وخبرة ويعلم حدودها ومسالكها براً وبحراً وفي أي إقليم هي وما يخصها من البحار والخلجان الكائنة بها مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة...»([58]).

 

3.2.3- الهدف من الكتاب

من نظرة فاحصة لمقدمة الكتاب يتضح أن الملك يهدف من الكتاب معرفة الحدود البرية والبحرية للبلدان الخاضعة له سياسياً، وتحديد موقعها بالنسبة لإقليمه وبالنسبة للأقاليم الأخرى وموقعها من الكرة الأرضية، وأيضاً دراسة البحار والخلجان في العالم مع معرفة غيرها من البلدان الأخرى، كما كان يهدف من الكتاب تغطية الجانب البشري من خلال معرفة أوضاعهم السكانية والاقتصادية والاجتماعية ومستوى التحضر لديهم عن طريق دراسة الأحوال العمرانية والسياسية. ولم يهدف للوصول لهذه المعرفة من المصادر المكتوبة فقط وإنما بالتأكد من ذلك بالمشاهدة سواء من قبل الإدريسي شخصياً أم عن طريق الرحّالة والجوالين وبعث المكتشفين لكتابة التقارير عن البلدان التي لم تصل الإدريسي معلومات عنها.

ولما كان الملك نصرانياً ويقيم في صقلية، في موقع متوسط بين العالم الإسلامي والنصراني، لهذا كان يهمه معرفة الدول الإسلامية وغيرها مما حمل الإدريسي على السعي في تحقيق هذا الهدف، خاصة وأن الملك وفر له المال والرجال مما سهل تحقيق الهدف من الكتاب الذي خطط لأجله.

 

3.2.3- الصعوبات التي قابلته

لعل الحرج السياسي الذي قابل الإدريسي عندما طلب منه الملك (روجار) العمل في بلاطه، من أشد الصعوبات، إذ كيف بمسلم كانت أسرته تحكم هذه البلاد في فترة سابقة، يقبل العمل مع ملك نصراني احتل بلاده! وذلك من خلال تأليفه الكتاب تحت مظلة الملك روجار، ويعزو بعض الباحثين هذا إلى ذكاء الملك (روجار) ويبررون قبول الإدريسي أنه تحت ضغط نفسي وحرج سياسي قبل ذلك، ويذهب البعض بعيداً ويفسرون قلة ورود سيرة الإدريسي في التراجم وتأخر تحقيق كتابه إلى أن كثيراً من المؤرخين المسلمين كانوا غير راضين من موقف الإدريسي مع الملك (روجار).

أما عن الصعوبات الأخرى فتكمن في أن مصادره عربية وبعضها غير عربية وهذا برز في اختلاف تحديد المسافات في كتابه، فتارة يستخدم الميل العربي وفي موضع آخر الميل الإفرنجي وأحياناً يستخدم عبارة مرحلة وهي وحدة قياس تختلف حساباً لدى العرب مع الإفرنج. ومن أبرز الصعوبات التي قابلته: نقص المعلومات عن بعض البلاد النائية التي يصعب زيارتها كبلاد الروس، لصعوبة التنقل في حينه، لذا اعتمد على النقل من بعض المصادر والتي أوقعته في عدم الدقة في وصف تلك البلاد مع حرصه على توخيها، أما عن بعض أجزاء أوربا فقد ذلل الملك (روجار) صعوبتها بإرسال المكتشفين لتغطيتها.

كما لا يمكن أن ننسى مدى معاناة الإدريسي عند نقل ما تجمع على لوح الترسيم المصنوع من الحديد، من الظاهرات كالمدن والجبال وغيرها، حيث قابل صعوبات في توقيعها على الخارطة العالمية الكروية الشكل، فليس لديه وسائل لتصغير وتكبير الخارطة، لذا لجأ إلى الفرجار والمسطرة والمثلث، وكان عليه أن يحسب البعد الصحيح للموقع ثم ينقله إلى المقياس المطلوب في الخارطة.

 

5.2.3- خطة الكتاب

يعتبر هذا الكتاب الذي يتناول الأرض المسكونة المعروفة في ذلك الوقت جزءاً متمماً للأطلس وشارحاً له. إلا أن الكتاب خالف ما كان معهوداً من اقتصار كتب رواد التراث الإسلامي الحديث عن الممالك الإسلامية فقط، حيث لم يقتصر على الممالك الإسلامية بل تعداها إلى غير الإسلامية.

وقد اتبع الإدريسي في الكتاب نظرية الأقاليم السبعة التي تم ذكرها سابقاً عند الحديث عن الأطلس. وإن كان الإدريسي اعتمد على الأساس الفلكي في التقسيم لكنه قسمها إلى أحزمة طولية يصل عددها إلى سبعين، وبدون أساس فلكي، كما تتداخل فيها الأقاليم المناخية بعضها ببعض، وقد تقتسم الدولة الواحدة بين أكثر من إقليم، مع أنه ذكر أن هذه الأحزمة هي خطوط وهمية وموجودة بالعلم النجومي.

وعلى أية حال فإنه جعل الإقليم الأول بين صفر - 23 شمالاً، بينما يمتد كل من الأقاليم الخمسة التالية عبر ست درجات عرضية. أما الإقليم السابع فيمتد من دائرة عرض 54 شمالاً إلى 63 شمالاً. أما ما بعد هذه الدرجة الأخيرة فهي غير مسكونة لشدة البرد. وأضاف إلى هذه الأقسام جزءاً صغيراً من الأرض يقع جنوب دائرة الاستواء ويمتد مسافة 16 عرضية، وذكر أنها خلاء لشدة الحر، واعتقد أن جنوب ذلك بحر الظلمات حيث لا عالم بعده.

        أما طريقة عرضه للمعلومات الجغرافية الوصفية لهذه الأقاليم وأقسامها فإنه كان يبدأ بالقسم الأول ثم الذي يليه حتى نهاية كل إقليم وهكذا في جميع الأقاليم السبعة بداية من الشرق ونهاية بالغرب من الأرض. وذكر الحريري: أن الإدريسي في سياق عرضه للبيانات الجغرافية حدد المنهج الذي التزم به واتبعه في عرضه لجغرافية الأجزاء (الأقسام) والأقاليم. واتبع في وصف كل جزء من أجزاء الأقاليم السبعة منهاجاً محدداً حاول أن يجمع في عناصره الموضوعات المتشابهة. وكان يؤكد باستمرار عن طريق التكرار طريقته في عرض المعالم الجغرافية للأقاليم. فكان يعرض لما يحتويه كل منها من البلاد والأمم والعجائب، وما تشتمل عليه ممالكها وطرقاتها ومسالكها ومبلغ فراسخها وأميالها ومجاري أنهارها وعلو بحارها. وكذلك حال الأقاليم الفرعية لكل من الأقاليم السبعة حيث أوضح ما لكل جزء منها من المدن والأكوار والعمارات([59]).

 

6.2.3- المآخذ على الكتاب

على الرغم من الثناء العطر، والشهادة من قبل مجموعة من الكتاب، فإن الكتاب عليه بعض الملاحظات والتي يمكن إجمال أبرزها فيما يلي:

 

1) إن تقسيم الإدريسي للعالم إلى سبعين جزءاً، جعل وصف البلد الواحد موزعاً في أكثر من جزء، خاصة في الدول ذات المساحات الشاسعة كإيران مثلاً.

2) يلاحظ أن أوصاف الإدريسي لأجزاء الأقاليم غير متساوية في الدقة وكمية المعلومات الموزعة على كل قسم، ولعل المعول على ذلك قلة المادة العلمية أصلاً في المصادر التي رجع إليها، خاصة فيما يتعلق بالمناطق البعيدة التي لم يتسنّ له زيارتها.

3) اختلاف مصادر الإدريسي بين الشرق والغرب جعله يقع في ورطة اختلاف وحدة المسافة مثل الاختلاف بين الميل العربي والروماني، فكان يستخدم الميل العربي في مواضع ولا يستخدمه في مواضع أخرى.

4) إيراد بعض الخرافات، مثل التوسع في نقل حكايات لا يمكن تصديقها عن يأجوج ومأجوج ولعل عذره في ذلك سيادتها في ثقافة عصره (عصر القرون الوسطى) مع العلم أنه رد بعض الخرافات مثل قوله وهذه الحكاية يتهم المخبر بها، وفي موضع آخر يقول وهذه القصة محال وقوعها.

 

هذا ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن الإدريسي وضع كتابه في القرن الخامس الهجري النصف الأول من القرن الثاني للميلاد أي (قبل تسعة قرون) وأن موت الملك (روجار) وما أعقبه من اضطرابات في دولة الرومان في صقلية لم تمكن الإدريسي من إدخال التعديلات الأخيرة الواجبة على كتابه، كما أن الكتاب وصل إلينا عن طريق تحقيق عدة نسخ فمن المتوقع حدوث خطأ في النقل.

 

7.2.3- المنهجية العلمية لدى الإدريسي

تعد المنهجية أداة أساسية في المعالجة والتفسير، وترتبط بعدد من القواعد النظرية التي يستند إليها في التأليف. وتختلف حسب اختلاف المؤلف والتخصص. ولقد اتبع الإدريسي في عرض كتابه منهجية علمية عامة وأخرى خاصة يمكن إجمالها فيما يلي:

 

أ - المنهجية العلمية العامة

1) انتهاج الأسلوب الوصفي نظراً لشيوعه في عصره وعصور سابقيه، وقد بين لنا ذلك في مقدمة كتابه حيث ذكر «... غير أنه يزيد عليها بوصف أحوال البلاد والأرضين في خلقها وبقاعها وأماكنها وصورها وبحارها وجبالها وأنهارها...»([60])، وهذا لا يعني أنه لا يورد بعض القياسات الكمية وخاصة في المسافات إلا أن الغالب هو الوصف المبني على التحليل والاستقصاء التام للمعلومات.

2) تصويب المعلومة التي بين يديه، فلم يكن مجرد ناقل فقط وإنما كان متقصياً وفاحصاً، وبرز هذا في موقفه من بعض الخرافات والأساطير فعلى الرغم من أنه نقل بعضها على سبيل التشويق إلا أنه وقف فاحصاً وشك في صحة كثير منها.

3) حاسته الجغرافية بالمكان واضحة، والربط بين الظاهرات ومحاولة تبين السببية موجودة، والإحساس بالتغير في ظاهرات المكان وعواملها تَمَّ التعرض لها([61]).

4) أخذ بالتقليد ببعض القضايا التي سار عليها الجغرافيون السابقون له، مثل اعتبار عمارة الأرض مقتصرة على الربع الشمالي من الكرة الأرضية، لكنه لا يخلو تقليده من إضافة فعند تقليده (لابن خرداذبة) مثلاً، فيما يخص مساحة الكرة الأرضية، فقد أضاف أن استدارة الأرض بحساب أهل الهند أحد عشر ألف فرسخ وبحساب هرمس اثنا عشر ألف فرسخ، وعند تقليده بطليموس في تقسيم الكرة الأرضية إلى أقاليم سبعة أضاف إليها بأن قسم كل إقليم إلى عشرة أقسام.

5) كان منهج الإدريسي نقلة نوعية ومرحلة انتقالية من المنهج النظري في الجغرافيا إلى المنهج العملي وهذا تجلى بعد اعتماد الإدريسي على المنقول حيث عمد إلى الرحلة الميدانية وإرسال الكشوف للتأكد من المعلومات، وأيضاً استخدامه للبوصلة والخرائط البحرية الملاحية وذلك لتحديد امتدادات البحار والخلجان.

 

ب - المنهجية العلمية التخصصية

تبرز جوانب هذه المنهجية عند عرض الموضوعات التي ناقشها الإدريسي ودراستها في كتابه والتي أبرزت تركيزه على الظاهرات البشرية في جغرافيته الوصفية، مع إيراد بيانات عن طبيعة الأجزاء التي كان يصفها وأسماء الظاهرات الطبيعية، وتحليل آثارها على الحياة في تلك المناطق.

ولأن الجانب الوصفي الإقليمي غالب على الكتاب كان مناسباً أن يعرض أولاً.

 

1 - الجغرافيا الإقليمية

احتوى كتابه على معلومات قيمة عن الأقاليم، بل أعطى جوانب تفصيلية عنها أصبحت مادتها مرجعاً لمن جاء بعده، لأنه كتب عن أقاليم لم يسبقه أحد في الكتابة عنها. ويعد الجزء الخاص بأوربا في كتابه من أهم الأجزاء التي جذبت الأوربيين لدراستها قبل المسلمين لما تضمنته من معلومات تفصيلية لم يسبق إليها وأصبحت مرجعاً لمن جاء بعده.

وقد اهتم بصورة كبيرة بغرب أوربا وسكانها من الشعوب النصرانية خلافاً لأي جغرافي مسلم آخر. ويذكر الحريري([62])، أن وصف الإدريسي للساحل الإنجليزي بينه وبين الشكل العام للخرائط البحرية المبكرة تشابه مثير وإن كانت الأسماء بينهما غير متفقة.

وقد ظهرت هذه الخرائط حوالي عام 1250 م، حيث اعتمدت على مادة شبيهة بما عند الإدريسي أو قد يكون أصلها يرجع إلى قرن سابق من الزمان.

ويحدثنا الإدريسي في الجزء الواقع عند (تمبكتو) بمعلومات عن النيجر وعن إقليم منابع النيل ومناطق كبيرة من السودان في دقة لا ينازع فيها. وأن جدة المعلومات عن هذه المناطق الأفريقية وقيمتها تثيران إعجاب الجغرافيين المحدثين. وقد وجد اسم النيجر لأول مرة في كتابات الإدريسي وذلك بعد النيجر الغامض الذي سبق أن ذكره بطليموس.

ومن أكثر هذه الموضوعات شهرة ما يتصل بمشكلة النيل والنيجر وكان قد تعرض لها الإدريسي في كتابه. وقد ظلت هذه المشكلة قائمة لم تحل حتى القرن التاسع عشر للميلاد. ويمثل ما جاء عنها عند الإدريسي في الواقع إضافة هامة للتعرف الجغرافي عن العالم وتدل على مدى الدقة فيما ذكره من معلومات واضحة. وقد وصف منابع النيل وصفاً واقعياً منطقياً في عصره. ولا يعرف أن أحداً سبق الإدريسي إلى بيان الحقيقة عن منابع النيل العليا حيث أوضحها آتياً من بحيرات جنوب خط الاستواء بعد أن تخبط الجغرافيون في وصف منابعه وتعليل فيضانه منذ هيردوت([63]).

وعن النيل يذكر الإدريسي أن: «نيل مصر وكذلك القسم الثاني منه الذي يمر من جهة الشرق إلى أقصى المغرب عليه جميع بلاد السودان أو أكثرها وهذان القسمان مخرجها من جبل القمر الذي أوله فوق خط الاستواء بست عشرة درجة وذلك أن مبدأ النيل من هذا الجبل من عشرة عيون، فأما الخمسة الأنهار منها فإنها تصب وتجتمع في بطيحة كبيرة والخمسة الأنهار الأخر تنزل أيضاً من الجبل إلى بطيحة أخرى كبيرة ويخرج من كل واحدة من هاتين البطيحتين ثلاث أنهار فتمر بأجمعها إلى أن تصب في بطيحة كبيرة جداً، وعلى هذه البطيحة مدينة تسمى طرمى وهي مدينة عامرة يزرع بها الأرز.... فيشق بلاد النوبة وبلاد أرض مصر وينقسم في أسفل أرض مصر على أربعة أقسام فثلاثة أقسام تنصب في البحر الشامي وقسم واحد ينصب في البحيرة الملحة التي تنتهي إلى قرب الإسكندرية...»([64]).

وهذا الوصف الدقيق لمنابع النيل يجرنا للحديث عن الجوانب الطبيعية في كتابه بشيء من التفصيل.

 

2 - الجغرافيا الطبيعية

تقسيم الإدريسي للعالم على شكل أحزمة تبلغ السبعين، جعل الظاهرات الطبيعية موزعة على الأقسام جميعها التي تم التعرض فيها للجوانب الطبيعية بل إن نهر النيل امتد الحديث عنه ووصفه في أكثر من جزء في تقسيمه الإقليمي. وقد تم تصنيف أهم هذه الظاهرات مع إعطاء بعض الأمثلة التي تعكس منهجيته في تناول هذه الظاهرات.

 

1.2- وصف الأرض

بنى الإدريسي مفهومه لهيئة الأرض ووضعها في الفلك، على مفهوم الجغرافيين العرب الذين أخذوا عن بطليموس نظرية كروية الأرض وثبوتها في جوف الفلك ودوران الأخير حول الأرض ثم قسمه الأرض المعمورة بخط الاستواء إلى قسمين، يقول في فاتحة كتابه: «إن الأرض مدورة كتدوير الكرة والماء لاصق بها وراكد عليها ركوداً طبيعياً لا يفارقها، والأرض والماء مستقران في جوف الفلك كالْمُحّة في جوف البيضة ووضعها وضع متوسط والنسيم محيط بهما من جميع جهاتها وهو جانب لهما إلى جهة الفلك وذلك لشدة سرعة حركة الفلك وجميع المخلوقات على ظهرها والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل بمنزلة حجر المغنطيس الذي يجذب الحديد إليه، والأرض مقسومة بقسمين بينهما خط الاستواء وهو من الشرق إلى الغرب، وهذا هو طول الأرض وهو أكبر خط في الكرة»([65]).

ومن هذا النص يمكن أن تلاحظ قدرة الإدريسي في ذكر الجاذبية عند قوله والماء لاصق بها وراكد عليها، ثم تأمل حديثه عن الغلاف الغازي عند قوله والنسيم محيط بها أي الأرض، ثم نلاحظ سبق الإدريسي لغيره من الجغرافيين في بيانه أن الكرة الأرضية منبعجة عند الوسط وهذا يؤخذ من قوله: «والأرض مقسومة بقسمين بينهما خط الاستواء وهو من الشرق إلى الغرب وهذا هو طول الأرض وهو أكبر خط في الكرة».

 

2.2- البحار

لقد تناول الإدريسي وصف البحار إجمالاً عند حديثه عن هيئة الأرض في بداية كتابه، أما وصفها الدقيق فقد جاء عند حديثه عن الأقاليم أي أن مادتها متفرقة بين الأقاليم، فحينما يصادف أي بحر في أي إقليم يصفه، وعند حديثه عن المسطحات المائية في العالم يقول: «وتخترق الأقاليم السبعة سبعة أبحر تسمى خلجاناً ستة منها متصلة وبحر واحد منفصل لا يتصل بشيء من البحور المذكورة...»([66]).

فذكر المحيط الهندي وسماه (بحر الصين والهند والسند واليمن) والخليج العربي وسماه (الخليج الأخضر)، والبحر الأحمر وسماه (القلزم)، والبحر المتوسط وسماه (البحر الشامي)، ووصفه بالكبير، ثم ذكر بحر الادرياتيك وسماه (خليج البنادقة)، ثم البحر الأسود وسماه (نطيس)، وأخيراً بحر قزوين وأطلق عليه (بحر جرجان). وكان منهجه في وصفها يشمل امتداد هذه البحار وما تشتمل عليه من مسميات وعدد جزرها، وعند وصفه للجزيرة يقوم بذكر طولها وعرضها وثرواتها والمسافات بينها وبين غيرها والمراسي الموجودة بها ومثال ذلك حديثه عن جزيرة سرنديب (سريلنكا).

ومجموع هذه البحار سبعة أبحر تخترق الأقاليم السبعة كما ذكر الإدريسي، لكن السؤال أين المحيط الأطلسي الذي سماه بحر الظلمات!!؟ والجواب أن الإدريسي اعتبره يحيط بالكرة الأرضية ولا يخترق الأقاليم السبعة المعمورة، مع أنه وصفه وصفاً دقيقاً، فقد ترك لنا في القسم الخاص بالأندلس وصفاً جيداً للمحيط الأطلسي فقال: «... ولا يعلم أحد ما خلف هذا البحر المظلم ولا وقف بشر منه على خبر لصعوبة عبوره وظلام أنواره وتعاظم موجه وكثرة أهواله وتسلط دوابه وهيجان رياحه وبه جزائر كثيرة ومنها معمورة ومغمورة وليس أحد من الربانيين يركبه عرضاً ولا ملججاً وإنما يمر منه طول الساحل لا يفارقه وأمواج هذا البحر تندفع منغلقة كالجبال لا ينكسر ماؤها...»([67]).

وقد علق على هذا الوصف، الحريري: «أن الإدريسي تابع نظرة العرب إلى المحيط الأطلسي على أنه بحر مليء بالخبايا الرهيبة، لذلك سمي بحر الظلمات لاعتقادهم أنه ليس وراءه إلا الظلام الدامس. وعلى الرغم مما ذكره عن الفتية المغرورين من أهل لشبونة التي استدل بها على تَخَطِّي هذا المحيط إلا أنه، لم يكن يعرف عنه الكثير»([68]).

ومن تتبع قصة الفتية المغرورين من خلال عرض الإدريسي لها، يمكن التوصل إلى أنهم وصلوا إلى جزر الكناري وليس سواحل الأمريكيتين، كما توهم بعض المتحدثين عن أسبقية المسلمين إلى اكتشاف الأمريكتين، مستدلين بهذه القصة التي أوردها الإدريسي هنا، وإن كانت هذه القصة دفعت إلى المغامرة في هذا المحيط المجهول في تلك الفترة.

ومن جهة أخرى فقد وصف بعض الظاهرات المتعلقة بالبحار والمحيطات ومثال ذلك وصفه لبعض التيارات البحرية أو الدوامات المائية التي تدور فيها الأمواج، وهي خطرة على الملاحة وسماها (الدردور) فقال: «والدردور موضع يدور فيه الماء كالرحي دوراناً دائماً من غير فترة ولا سكون، فإذا سقط إليه مركب أو غيره لم يزل يدور حتى يتلف»([69]).

 

3.2- الأنهار

سبق وأن تم التعرض لمصب النيل والنيجر في ثنايا الحديث عن منهج الإدريسي في الجغرافيا الإقليمية، وليس تقليلاً بقدرات الإدريسي العلمية أن نذكر أنه اعتمد على الخوارزمي في وصف مجرى نهر النيل، لكن الذي يجدر ذكره هنا، هو منهجيته العلمية وقدرته على تتبع منبع النيل من جبال (كلمانجارو) الذي سماه (جبل القمر) وحتى مصب فروع النيل دون خلط بين الظواهر الطبيعية والبشرية.

ثم لا يمكن لأي متتبع للكتاب أن يغفل عن قدرة الإدريسي على الربط بين جريان الأنهار وأثر ذلك على قيام الحضارات والبلدان في ضفاف تلك الأنهار أو الفروع ويمكن ملاحظة ذكره للحبشة والسودان وغيرهما.

 

3.2- الظاهرات الطبيعية

يمكن من تتبع وصف الإدريسي لبعض الظاهرات الطبيعية كالهضاب والجبال والصحاري، أنه يحاول تتبع امتداداتها وعلاقاتها المتنوعة، ومن أمثلة ذلك: وصفة للهضبة الشرقية في مصر وامتداداتها وموقعها وما تمثله من أهمية، وأيضاً يمكن ملاحظة ذلك عندما يصف جبل المقطم حيث يقول: «... وتحفر منه المغرة والكلس وفيه ذهب كثير وكذلك في تربته إذا دبرت استخرج منها ذهب...»([70]).

وهنا يمكن تبين محاولة الإدريسي ربط الظواهر الطبيعية بأثرها وأهميتها الاقتصادية. وفي وصفة لإحدى الصحاري يقول: «وفي أعلى الأرض من هذا الجزء صحاري عيذاب وهي متصلة الخلاء ليس بها ساكن ولا ينزلها قاطم إلا قوم من البجة رحالة قليلو الإقامة فيها لعدم الماء بأمكنتها وقلة وجوده بها...»([71]).

وقد علل الإدريسي قلة سكان هذه الصحاري بأنه سبب ندرة المياه، ولهذا أصبحت هذه الصحراء طاردة للسكان. ويضيف الحريري: ويمكن أن نلاحظ مقدرة الإدريسي في الربط والتحليل فبعض الظواهر الجوية فمثلاً عند حديثه عن بعض الظاهرات الجوية يقول: «أرض مصر لا تمطر ولا تثلج البتة إلا يسيراً في بعض أيام الشتاء بأعاليها وأما بأسا فلها كرشيد ودمياط فإنها لا تمطر كثيراً كالشام والروم»، وقد لاحظ العلاقة بين حركة الهواء وسفي الرمال في أرض المغرب حيث يذكر: «أن بها رمالاً سائلة تنقلها الرياح من مكان إلى مكان»، ويضيف علاقة تلك الظاهرات بالعمران والاستقرار البشري حيث يضيف: «وليس لأحد بها مستقر لاعتداء الرمال عليها وكثرة جري الرياح»([72]).

كما لا يمكن إغفال اعتماد الإدريسي على الجانب المناخي المتطرف الذي جعله يصنف بعض أجزاء العالم، أنه خال من المعمور يسبب شدة البرد شمالاً، وخلو الجزء الجنوبي من الأرض لشدة ارتفاع الحرارة.

 

3 - الجغرافيا البشرية

زخر الكتاب بنواحي عديدة عن الجوانب البشرية لسكان الأقاليم التي تعرض لذكرها، فقد اهتم بشرح عناصر السكان وعادات الناس من حيث الملبس والمأكل والتقاليد الاجتماعية.

ورغم ذلك فإن الحريري: ذكر بأن الإدريسي لم يهتم بذكر أي بيانات رقمية، فلم يعثر من استبار كتاباته على إحصاء يتعلق بعدد السكان أو مقدار ما ينتج من صناعة معينة أو منتجات زراعية وما شاكل ذلك. وهو في هذا نجده يساير الاتجاه العام الذي كان سائداً عند الجغرافيين العرب حيث من النادر أن يعثر القارئ على أي بيانات من هذا القبيل لديهم([73]).

 

1.3- جغرافية المدن

يغلب المنهج الوصفي على التحليلي لدى الإدريسي في جغرافية المدن، وهو بذلك لا يعطي أحكاماً أو يبني نظريات على نتائج كما هو منهج ابن خلدون مثلاً وإن كان ابن خلدون استفاد من الإدريسي في الجانب الإقليمي، ومما يميز منهج الإدريسي أنه يغلب التسلسل المنطقي في وصف معظم المدن التي تعرض لها، فنجده أولاً يحدد موقعها ثم يسجل أهم المعالم الطبيعية فيها فيصف النهر الذي تقع عليه أو البحر القريب منها أو أي ظاهرة تتميز بها، مع ذكر المسافة بينها وبين المدن المجاورة لها، ثم يتعرض للاسم الصحيح للمدينة مع تقصي لاسمها القديم، ويسلك المنهج التاريخي للتعريف بتاريخ المدينة وما مر بها من أحداث ثم أخيراً يصف أهلها ونشاطهم الاقتصادي وعمارتها، ويصف مكة المكرمة فيقول: «ومدينة مكة قديمة أزلية البناء مشهورة الثناء معمورة مقصودة من جميع الأرض الإسلامية وإليها حجهم المعروف وهي مدينة بين شعاب الجبال وطولها من المعلاة إلى المسفلة نحو ميلين وهو من حد الجنوب إلى جهة الشمال ومن أسفل جبل أجياد إلى ظهر جبل قعيقعان ميل والمدينة مبنية في وسط هذا الفضاء وبنياتها حجارة وطين وحجارة بنياتها من جبالها وأسواقها قليلة وفي وسط مكة مسجدها الجامع المسمى بالحرم»([74]).

ويطيل الإدريسي في وصف المدن التي زارها أو التي عاش بها، بحكم معرفته التامة بها، مثل مدن الأندلس والمغرب وصقلية، ويستعمل عبارات وعاينا وشاهدنا، وهذه تدل على عنايته بالمعلومة وتسجيلها.

 

2.3- الجغرافيا الاقتصادية

تعد الجغرافيا الاقتصادية الفرع الرئيسي في الجغرافية البشرية، ولعل استطراد الإدريسي بفروعها كغيره من علماء الجغرافيا يرجع إلى صلتها بحياة الناس ومعاشهم، وموقع الإدريسي في صقلية كمدينة تلتقي فيها تجارة الشرق مع الغرب.

وتأخذ الأسواق التجارية العامة والخاصة مكان الاهتمام فيصف سوق عكاظ بقوله: «وسوق عكاظ قرية كالمدينة جامعة لها مزارع ونخل ومياه كثيرة ولها سوق... وذلك يوم الأحد يقصد إليها في ذلك اليوم بأنواع التجارات المحوج إليها أهل تلك الناحية فإذا أمسى المساء انصرف كل أحد إلى موضعه ومكانه ومن سوق عكاظ إلى مدينة نجران خمس مراحل»([75]).

ونلاحظ الاهتمام بأنواع التجارات، والسلع والغلات التي يتاجر بها في كل بلد فعند وصفه مدينة أشبيلية يذكر: «ومدينة إشبيلية مدينة كبيرة عامرة ذات أسوار حصينة وأسواق كثيرة وبيع وشراء وأهلها مياسير وجل تاجراتهم بالزيت يتجهز به منها إلى أقصى المشارق والمغارب براً وبحراً»([76]).

وللغلات نصيب كبير من اهتمام الإدريسي حين يصف المدن ومثال ذلك عند وصفه الطائف يقول: «والطائف منازل ثقيف وهي مدينة صغيرة متحضرة مياهها عذبة وهواؤها معتدل وفواكهها كثيرة وضياعها متصلة وبها العنب كثير جداً وزبيبها معروف»([77]).

ثم نتابع اهتمامه بالصناعة عند قوله: «وبالطائف تجار مياسير وجل بضاعتهم صنع الأديم وأديمها عالي الجودة رفيع القيمة وبالنعل الطائفي يضرب المثل»([78]).

ويضيف حسن، ويبدي الإدريسي اهتماماً خاصاً بمصايد الأسماك، واللؤلؤ، والمرجان. وقد وصف صيد السمك وخاصة التنين الكبير الذي يخرج من البحر قرب مدينة سبتة. أما صيد المرجان من شجره أو شعبه المرجانية في مياه (سبتة) المغربية فقد تعرض له الإدريسي، وإن كان لم يحدثنا عن طريقة صيده كما تحدث عن طريقة صيد اللؤلؤ من البحرين شائقاً ممتعاً([79]).

 

3.3- الجغرافيا الاجتماعية

كان كثيراً ما يكتب عن عناصر السكان في المناطق والمدن. ويتناول أسباب توزيع القبائل المختلفة في المناطق التي توجد بها، كما يوضح أسباب تميز عنصر السكان بالخصائص التي تميزهم. وعند الحديث عن عدد من المدن المتتالية كان يحرص على ذكر الغرباء من السكان من العناصر السائدة في المنطقة التي تقع فيها المدينة.

وقد أشار إلى أثر المناخ على الإنسان عند مقارنته سكان الأقاليم المختلفة فيذكر أن أهل هذا الإقليم الأول والثاني وبعض الثالث كانت ألوانهم سوداء وشعورهم مفلفلة لشدة الحر وإحراق الشمس لهم بضد ألوان أهل الإقليم السادس والسابع.

ويضيف عبد الغني([80]) ويبدو اهتمام الإدريسي بسكان البلاد التي زارها ويصف أشكالهم وأخلاقهم. كما أنه اهتم بتوزيع القبائل على أجزاء المنطقة التي يتعرض لها، ثم إنه لم يترك الحديث عن العادات والتقاليد لدرجة أنه يورد قصصاً في وصف ذلك تبعث على الضحك، ولعله في ذلك يسعى إلى طرد الملل عن القارئ لكتابه الطويل.

 

4.3- الجغرافيا الدينية واللغوية

بالإضافة لعناية الإدريسي بالحديث عن المسلمين، نجده أيضاً يلقي اهتمامه بالديانات الأخرى، فقد تحدث عن تجمعات اليهود في أرض الأندلس، وذكر أنهم يسكنون في جوف المدينة متحصنين ولا يسمحون للمسلمين في دخول أحيائهم وهم حذون في هذه الحصون([81]).

ويمكن ملاحظة قبوله لروايات بعض الأخبار المتعلقة بتوزيع الأضرحة كتصديقه ونقله أن ميزاب الكعبة يصب على قبر إسماعيل، ولعل ذلك يرجع لإقامته بالمغرب حيث انتشار الصوفية وقبوله لثقافة الاهتمام بالأضرحة. ومن جهة أخرى وفي أكثر من مدينة يدخلها يقوم بوصف مساجدها، ويلحظ عنايته بالمساجد الثلاث (الحرم المكي والمدني وبيت المقدس) فقد أسهب في وصفها.

أما عن عنايته بالجانب اللغوي فيورد عبد الغني، أن الإدريسي يخص أهل (شلب) الأندلسية بأنهم عرب من اليمن، وهم يتكلمون بالكلام العربي الصريح. وهم فصحاء نبلاء([82]).

 

5.3- الجغرافيا السياسية

كان للأحداث السياسية التي مرت بأسرة الإدريسي دور في جعله يعطي الجانب السياسي أهمية من خلال وصفه للبلدان. فعند وصفه لأي بلدة كان يتعرض لتاريخها السياسي من خلال التعرض لمن حكمها وأبرز الأحداث السياسية التي مرت بها، ويقوم بالربط بين الآثار التاريخية القائمة والأحداث السياسية التي مرت على هذه المنطقة.

ولما كانت أسوار  المدن جزءاً هاماً في تحصين البلاد من العدو، فقد اعتنى بوصف أسوار كل بلد يمر به، ومن ذلك وصفه لمدينة تلمسان، حيث يقول: «وتلمسان مدينة أزلية ولها سور حصين متقن الوثاقة وهي مدينتان في واحدة يفصل بينهما سور ولها نهر يأتيها من جلبها المسمى بالصخرتين وعلى هذا الجبل حصن بناه (المصمودي) قبل أخذه تلمسان ولم تزل المصامدة قاطنين به إلى أن فتحوا تلمسان»([83]).

ولم يغفل الإدريسي دور العدل في قبول المحكومين للحاكم ومن ذلك قوله: «وفي هذه الجزيرة أمير قائم بنفسه وقد رضيه أهل الساحلين لعدله ومتانة دينه ولا يلي مكانه إذا مات إلا مثله في العدل والقيام بالحق»([84]).

 

الخاتمة

في نهاية هذه الدراسة يمكن الخروج بمجموعة من النتائج تم التوصل إليها من خلال دراسة منهج الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، مع ملاحظة دمج النتائج الخاصة بأطلسه مع كتابه لأن كتابه محتوٍ على الخرائط.

 

1) انتهاج الأسلوب الوصفي نظراً لشيوعه في عصره وعصور سابقيه، وهذا لا يعني أنه لا يورد بعض القياسات الكمية وخاصة في المسافات إلا أن الغالب هو الوصف المبني على التحليل والاستقصاء التام للمعلومات.

2) تصويب المعلومة التي بين يديه، فلم يكن مجرد ناقل فقط وإنما كان متقصياً وفاحصاً، وبرز هذا في موقفه من بعض الخرافات والأساطير فعلى الرغم من أنه نقل بعضها على سبيل التشويق إلا أنه وقف فاحصاً وشك في صحة كثير منها.

3) الحاسة الجغرافية بالمكان واضحة، والربط بين الظاهرات ومحاولة تبيين السببية موجودة، والإحساس بالتغير في ظاهرات المكان وعواملها تَمَّ التعرض لها.

4) أخذ بالتقليد ببعض القضايا التي سار عليها الجغرافيون السابقون له، مثل اعتبار عمارة الأرض مقتصرة على الربع الشمالي من الكرة الأرضية، لكنه لا يخلو تقليده من إضافة، فعند تقليده (لابن خرداذبة) مثلاً، فيما يخص مساحة الكرة الأرضية، فقد أضاف أن استدارة الأرض بحساب أهل الهند أحد عشر ألف فرسخ، وبحساب هرمس إثنا عشر ألف فرسخ، وعند تقليده بطليموس في تقسيم الكرة الأرضية إلى أقاليم سبعة أضاف إليها بأن قسم كل إقليم إلى عشرة أقسام.

5) كان منهج الإدريسي نقلة نوعية ومرحلة انتقالية من المنهج النظري في الجغرافيا إلى المنهج العملي وهذا تجلى بعدم اعتماد الإدريسي على المنقول وعمد إلى الرحلة الميدانية وإرسال الكشوف للتأكد من المعلومات، وأيضاً استخدامه للبوصلة والخرائط البحرية الملاحية وذلك لتحديد امتدادات البحار والخلجان.

6) اتساع ثقافة الإدريسي وتعدد العلوم التي تعلمها كالطب وعلم النبات واللغة وغيرها، أثرت قدرته على الملاحظة وأعطته المقدرة الشمالية للوصف.

7) الدعم المادي والتقدير الذي مني به الإدريسي من قبل الملك (روجار)، ساعداه على إنجاز عمله العلمي والذي شمل الأطلس والكتاب.

8) مقام الإدريسي في صقلية، أي في موقع ساحلي يلتقي فيه تجار ورحالو الشرق والغرب، ومقابلة الإدريسي لكثير منهم، كان له الأثر في امتزاج الثقافة الشرقية والغربية في مصادر الإدريسي.

9) كان للخريطة شأن كبير في كتابة الإدريسي، وليس أدل على ذلك من اقتران الخريطة بالنص، وهذه سمة من سمات الجغرافية الإقليمية في العصر الحديث وهو التلازم بين المعلومات والخريطة.

10) كان اتباع أساليب المنهج العلمي في طريقة الإدريسي واضحاً، ففي الأطلس استخدم وسائل الرسم المتوفرة في عصره، بل زاد عليها في استخدام لوح الترسيم وهو بمثابة مقياس الرسم الحديث، أما في التأليف فجعل الرحلة الميدانية والملاحظة والمقابلة من وسائل جمع المادة العلمية.

 

 



([1])     سترابون، جغرافي يوناني ولد في آماسيا في آسيا الصغرى حوالي عام 58 ق. م، وتوفي عام 21 أو 25 م، وهو مؤلف كتاب "جغرافيا" الذي عالج فيه الظواهر البشرية.

([2])      هناك نسخة خطية مصورة موجودة بمكتبة جامعة الإسكندرية.

([3])      أحمد فؤاد باشا، «العلوم الجغرافية في التراث الإسلامي»، مجلة المنهل، عدد متخصص بالجغرافية، جدة، 1997، ص. 120.

([4])      سعد أحمد حسن ومساعد الجخيدب، المكانة العلمية للتراث الجغرافي العربي الإسلامي، سلسلة رسائل جغرافية، قسم الجغرافيا، جامعة الكويت، الكويت،  1425 ﻫ ، ص. 38.

([5])      أغناطيوس كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين هاشم، القسم الأول لإدارة الثقافة في جامعة الدول العربية، القاهرة، 1987، ص. 294.

([6])      أحمد سوسة، الشريف الإدريسي في الجغرافيا العربية، نقابة المهندسين العراقيين، بغداد، 1974،
ص.
273.

([7])      محمد السيد غلاب، الجغرافيون المسلمون ودورهم في تطور الفكر الجغرافي، بحوث المؤتمر الإسلامي الأول، المجلد الثالث، مركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1404 / 1984 م، ص. 144.

([8])      أحمد نفيس، الفكر الجغرافي في التراث الإسلامي، ترجمة فتحي عثمان، دار القلم، الكويت، ط. 2، 1398 ﻫ/ 1978 م، ص. 99؛ شوقي ضيف، الرحلات، فنون الأدب العربي الفن القصصي، دار المعارف، القاهرة، ط. 3، 1956 م، ص. 4؛ محمد عبد الغني، الشريف الإدريسي أشهر جغرافي العرب والإسلام، سلسلة أعلام العرب، رقم 97، الهيئة العليا للتأليف والنشر، د.ن، 1971، ص. 9؛ البشير صفر، الجغرافيا عند العرب، نشأتها وتطورها، تقديم وتعريب حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، 1404 / 1984 م، ص. 64.

([9])      يسري الجوهري، الكشوف الجغرافية دراسة لتاريخ الكشوف الجغرافية، وتطور الفكر الجغرافي، دار النهضة العربية، بيروت، 1404 / 1984 م، ص. 91.

([10])    عبد الغني، الشريف الإدريسي أشهر جغرافي، المرجع السابق، ص. 9.

([11])    يعزو بعض الباحثين المستشرقين سبب تجاهله من قبل المؤلفين إلى إسرافه في مدح الملك روجار والنصارى من صقلية بعد طرد المسلمين من حكمها. وهذا الرأي له وجاهة ويسنده بعض الكتاب المسلمين، فهم يعتقدون أن سبب تجاهله هو عدم الرضا عنه وعن خدماته للملك النورماندي الذي طردت أسرته ووالده بالذات المسلمين من حكم صقلية وورثهم فيها، (انظر: محمد مرسي الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة في جغرافيته، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1985، ص. 73-74).

([12])    سوسة، الشريف الإدريسي في الجغرافيا العربية، المرجع السابق، ص. 275.

([13])    كراتشكوفسكي، الأدب الجغرافي، المصدر السابق، ص. 28.

([14])    عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافيين العرب، دار الفكر العربي، دمشق، ط. 2، 1400 / 1980 م، ص. 316.

([15])    محمد مرسي الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة في جغرافيته، المرجع السابق، ص. 3.

([16])    سوسة، الشريف الإدريسي في الجغرافيا، المرجع السابق، ص. 276.

([17])    كراتشكوفسكي، الأدب الجغرافي، المصدر السابق، ص. 280.

([18])    حميدة، أعلام الجغرافيين، المرجع السابق، ص. 316.

([19])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، المرجع السابق، ص. 3.

([20])    سوسة، الشريف الإدريسي في الجغرافيا، مرجع سابق، ص. 267.

([21])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، مرجع سابق، ص. 5-6.

([22])    عبد الغني، الشريف الإدريسي أشهر جغرافي، مرجع سابق، ص. 12.

([23])    مرجع سابق، ص. 12.

([24])    المصدر السابق، ص. 108.

([25])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، مرجع سابق، ص. 44.

([26])    محمد بن إدريس الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، الجزء الخامس من الإقليم الخامس، مكتبة الثقافة الدينية، د. ن، د. ت، ص. 816.

([27])    المصدر نفسه، ص. 6.

([28])    بعض المصادر تسمي ملك صقلية (روجار) والبعض الآخر (رجار)، وقد يرجع مرد ذلك إلى الاختلاف في الترجمة.

([29])    سوسة، الشريف الإدريسي في الجغرافيا، مرجع سابق، ص. 314.

([30])    عبد الغني، الشريف الإدريسي أشهر جغرافي، مرجع سابق، ص. 122.

([31])    عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافيين العرب، دار الفكر العربي، دمشق، ط. 2، 1400 ﻫ/ 1980م، ص. 317.

([32])    كراتشكوفسكي، ص. 289.

([33])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، مرجع سابق، ص. 25.

([34])    محمد محمود الصياد، منهج العلماء المسلمين في البحث الجغرافي، من بحوث المؤتمر الجغرافي الإسلامي الأول، جامعة الإمام، مركز البحوث، الرياض، 1404 / 1984 م، ج 3، ص. 495.

([35])    سوسة، الشريف الإدريسي، مرجع سابق، ص. 315.

([36])    المرجع نفسه، ص. 357.

([37])    المرجع السابق، ص. 359.

([38])    فلاح شاكر أسود، دور العرب والمسلمين في رسم الخرائط، بحوث المؤتمر الإسلامي الأول، المجلد الثالث، مركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1404 ﻫ/ 1984 م، ص. 213.

([39])    محمدين، الجغرافيا والجغرافيون، ص. 214.

([40])    الإدريسي، نزهة المشتاق، مصدر سابق، ص. 6.

([41])    سوسة، الشريف الإدريسي في الجغرافيا، مرجع سابق، ص. 317.

([42])    المرجع نفسه، ص. 318.

([43])    عبد الغني، الشريف الإدريسي أشهر جغرافي، مرجع سابق، صص. 87-88.

([44])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، مرجع سابق، صص. 25-26.

([45])    المرجع نفسه والصفحة.

([46])    الجوهري، الكشوف الجغرافية، صص. 91-95.

([47])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، مرجع سابق، صص. 27-28.

([48])    المرجع نفسه، ص. 28.

([49])    أسود، دور العرب...، مرجع سابق، ص. 215.

([50])    الجوهري، الكشوف الجغرافية، مرجع سابق، ص. 985.

([51])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، مرجع سابق، صص. 29-30.

([52])    كراتشكوفسكي، مصدر سابق، ص. 290.

([53])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، مرجع سابق، ص. 28.

([54])    أقدم طبعة عربية له في سنة 1592 م بمطبعة المديتشي بمدينة روما تحت عنوان طويل "نزهة المشتاق في ذكر الأمصار والأقطار والبلدان والجزر والمدائن والآفاق"، وهي طبعة نادرة الوجود، كما تضم مكتبة باريس نسخة خطية كاملة من هذا الكتاب. كما أن للكتاب أكثر من مخطوطة موزعة في العالم، وبينها نقص واختلاف مما يعني بأن الإدريسي ترك مسودات عديدة. وكان للمستشرقين السبق في إظهار هذا الكتاب وطبعه، وبعضهم اختص بطباعة أقسام منه تخص دولة أو مجموعة دول، وقام البعض بترجمته لغير العربية كاللاتينية، بل وترجم إلى الإسبانية، والألمانية، والروسية، والفنلندية، والفرنسية، والإيطالية والنمساوية.

([55])    عبد الغني، الشريف الإدريسي أشهر جغرافي، مرجع سابق، صص. 76-77.

([56])    المرجع نفسه والصفحة.

([57])    شوقي ضيف، الرحلات، فنون الأدب العربي الفن القصصي 4، دار المعارف، القاهرة، ط. 3، 1956، ص. 19.

([58])    الإدريسي، نزهة المشتاق، مصدر سابق، ص. 6.

([59])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، مرجع سابق، صص. 12-13.

([60])    الإدريسي، نزهة المشتاق، مصدر سابق، ص. 7.

([61])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، مرجع سابق، ص. 13.

([62])    الحريري، المرجع السابق، ص. 16.

([63])    المرجع نفسه، صص. 16-17.

([64])    الإدريسي، نزهة المشتاق، مصدر سابق، صص. 32-33.

([65])    المصدر نفسه، صص. 7-8.

([66])    المصدر نفسه، ص. 9.

([67])    المصدر نفسه، ص. 525.

([68])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، المرجع السابق، ص. 19.

([69])    عبد الغني، الشريف الإدريسي أشهر جغرافي، مرجع سابق، ص. 156.

([70])    الإدريسي، نزهة المشتاق، مصدر سابق، ص. 132.

([71])    المصدر نفسه، ص. 134.

([72])    الحريري، الشريف الإدريسي ودور الرحلة، المرجع السابق، ص. 20.

([73])    المرجع نفسه ، ص. 20.

([74])    الإدريسي، نزهة المشتاق، مصدر سابق، ص. 139.

([75])    المصدر نفسه، ص. 152.

([76])    المصدر نفسه، ص. 541.

([77])    المصدر نفسه، ص. 144.

([78])    المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

([79])    عبد الغني، الشريف الإدريسي أشهر جغرافي، مرجع سابق، ص. 132.

([80])    المرجع نفسه، ص. 139.

([81])    الإدريسي، نزهة المشتاق، مصدر سابق، ص. 571.

([82])    عبد الغني، الشريف الإدريسي أشهر جغرافي، مرجع سابق، ص. 136.

([83])    الإدريسي، نزهة المشتاق، مصدر سابق، ص. 248.

([84])    المصدر نفسه، ص. 387.