النفط والتنمية في دولة قطر

 

الدكتور إدريس لكريني

كلية الحقوق - مراكش

 

لعب النفط دوراً كبيراً وهاماً في تعزيز وتطوير مسيرة التنمية في منطقة الخليج العربي بشكل عام منذ بداية السبعينيات من القرن المنصرم؛ حيث أهلها لبلورة عدد من المشاريع الكبرى في مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والصناعية..

وأمام تنامي التحديات الدولية والمحلية المطروحة في علاقتها بتقلبات أسعار النفط عالميا ورغبة في تحقيق تنمية مستدامة لا تقف على المصدر الواحد؛ حرصت دولة قطر في السنوات الأخيرة على الاستثمار في قطاعات حيوية كفيلة بتطور المجتمع وتحقيق تنمية حقيقية شاملة؛ مستثمرة في ذلك الإمكانيات التي يتيحها النفط.

وقد كان من ثمرات المجهودات التي قادتها الدولة والمجتمع في هذا الصدد أن أصبحت قطر نموذجا طموحا في التنمية.

 

أولاً: النفط ومقومات التنمية في قطر

انطلقت أولى محاولات التنقيب عن النفط بقطر في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي؛ بعد حصول شركة البترول الإنجليزية الإيرانية على امتياز في هذا الصدد؛ وقد لاحت أولى المؤشرات بوجود كميات هائلة من النفط في المنطقة سنة 1940؛ غير أن ظروف الحرب العالمية الثانية وتداعياتها حالت دون مباشرة عمليات الإنتاج التي انطلقت فيما بعد سنة 1949 باستخراج ما يناهز 80 ألف طن من النفط؛ قبل أن يفتح المجال لشركات أخرى من أجل التنقيب والاستغلال؛ مما أسهم في رفع الإنتاج إلى ما يناهز 22 مليون طن سنة 1977 ليتطور الأمر بعد ذلك بشكل مطرد.

ومنعا للاحتكار وحرصا على سيادتها؛ عملت الدولة على تنويع جنسيات الشركات المستفيدة من منح عقود امتياز استخراج البترول.

وقد شهدت سنة 1968 إحداث شركة توزيع البترول الوطنية؛ التي تكفلت بالتوزيع المحلي وتكرير المنتجات البترولية.

ويتم استخراج النفط الخام والغاز من حقل دخان الذي بدأ إنتاج النفط فيه منذ سنة 1949؛ وقد ازدادت الطاقة الإنتاجية لهذا الحقل الذي تصل مساحته إلى حوالي 1500 كيلومتر مربع؛ بعد تحديث وتطوير مرافقه سنة 1997؛ حيث أصبحت تعالج 335 ألف برميل نفط يوميا و800 ألف برميل يوميا من السوائل و330 مليون قدم مكعب يوميا من الغاز المصاحب([1]).

وبعد تأسيس المؤسسة العامة القطرية للبترول في بداية السبعينيات من القرن المنصرم؛ قبل أن تحول إلى "قطر للبترول"([2]) لتصبح المؤسسة المركزية التي تندرج تحت رعايتها وإشرافها جميع القطاعات المرتبطة بالنفط والغاز والصناعات التحويلية؛ أصبح قطاع النفط يلعب دورا أساسيا في الاقتصاد القطري؛ مثلما هو الشأن بالنسبة لدول الخليج العربي؛ حيث تزايدت حدة الاستثمار في هذا الحقل الذي يعتبر أحد الدعائم الرئيسية للتنمية في البلاد.

ومن جهة أخرى؛ تتميز قطر على الصعيد العالمي بإنتاجها للغاز الطبيعي وتسييله وتصديره؛ وقد اكتشف حقل غاز الشمال الذي يعد أكبر حقل منفرد للغاز في العالم سنة 1971؛ وفي شهر شتنبر سنة 1991 تم افتتاح المرحلة الأولى لمشروع غاز الشمال الذي قدرت طاقته الإنتاجية بحوالي 800 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا؛ وفي سنة 1997 انتهت المرحلة الثانية من هذا المشروع.

وبحسب بعض الدراسات الحديثة؛ فإن احتياطي حقل الشمال يزيد عن 90 تريليون قدم مكعب، بينما تزيد الاحتياطات القابلة للاستخراج عن 380 تريليون قدم مكعب لتعادل تسعة أمثال التقديرات السابقة لاحتياطات البلاد من النفط.

وهذا الاحتياطي الضخم يتيح لقطر بأن تظل منتجا عالميا للغاز بمعدل 10 مليارات قدم مكعب يوميا أو ما يعادل 50 مليون طن متري سنويا من الغاز المسال؛ وحوالي 400 ألف برميل يوميا من المكثفات ذات الأسعار العالية في سوق البترول العالمية ولمدة زمنية تصل إلى 260 عاما([3]).

ولا تخفى الانعكاسات الإيجابية لهذا المخزون على مختلف القطاعات؛ باعتباره سيشكل داعما كبيرا للصناعات المرتبطة بهذا الشأن وغيرها.

ولتأمين استغلال الإمكانيات التي توفرها هذه الثروة الهامة؛ رسمت قطر استراتيجية متكاملة مكنتها من تطوير صناعاتها في هذا الشأن؛ وتصدير جزء هام منها -أي الثروة- إلى مختلف الأسواق العالمية؛ وهو ما جعل البلاد تحتل مرتبة متقدمة ضمن الدول المصدرة للغاز في العالم.

ويبدو أن الدولة حرصت على الاستفادة من احتياطاتها من النفط والغاز وتسخيرها في عدد من المجالات والقطاعات الصناعية والتجارية وتطوير البنية التحتية الكفيلة بتحقيق التنمية والتطور وبناء دولة حديثة.

ومع تزايد المتطلبات الاقتصادية والخدماتية والاجتماعية؛ فرض وجود هذه الثروة الحيوية على الدولة تطوير مؤسساتها الإدارية منذ بداية الستينيات من القرن الماضي واستقطاب عدد من الأيدي العاملة الأجنبية المتخصصة والمدربة في هذا الشأن.

وضمن هذا الإطار إحداث مجموعة من المشاريع الكفيلة بتطوير هذا المجال؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة إحداث شركة "قطر لنقل الغاز المسال المحدودة" لناقلات الغاز برأسمال ضخم وصل 5 مليارات ريال قطري.

وفي سنة 2004 تم التوقيع على عقود إنشاء مشروع "شركة قطر للغاز"؛ والذي يعد من ضمن أكبر المشروعات في مجال الهيدروكاربونات والغاز الطبيعي على مستوى العالم..

ومما لا شك فيه أن ثروة النفط تعد أرضية وأساسا لبلورة تنمية شاملة واستراتيجية وبخاصة إذا رافقها توفير مناخ قانوني وإجرائي كفيل بتحقيق في أحسن الشروط.

وضمن هذا السياق؛ يمكن القول إن مناخ الاستثمار الصناعي في قطر تعزز بعدد من القوانين والتشريعات ونذكر من ذلك: القانون رقم 19 لسنة 1995 بشأن التنظيم الصناعي والقانون رقم 13 لسنة 2000 المرتبط بتنظيم استثمار رأس المال الأجنبي في النشاط الاقتصادي؛ والقانون رقم 11 لسنة 1981 والخاص بإصدار قانون الشركات التجارية؛ والقانون رقم 5 لسنة 1988 المرتبط بإصدار قانون الجمارك والمرسوم بقانون رقم 11 لسنة 1993 بشأن ضريبة الدخل والقانون رقم 6 لسنة 1987 بشأن القواعد الموحدة لإعطاء الأولوية في المشتريات الحكومية للمنتجات الوطنية، والمنتجات ذات المنشأ الوطني بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والقانون رقم 6 لسنة 1988 بشأن ضوابط ممارسة مواطني دول مجلس التعاون للأنشطة الاقتصادية في دولة قطر والقانون رقم 7 لسنة 1989 بشأن النظام الموحد لحماية المنتجات الصناعية ذات المنشأ الوطني بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والقانون رقم 11 لسنة 2000 بإنشاء المجلس الأعلى للبيئة والمحميات الطبيعية([4])...

كما أن السنوات الأخيرة تميزت باستصدار مجموعة من التشريعات المرتبطة بمختلف المجالات الاقتصادية والمالية والاستثمارية؛ ونذكر في هذا الشأن: المرسوم بقانون الصادر سنة 1996 القاضي بتعديل بعض أحكام القانون رقم 22 لسنة 1992 الخاص بتنظيم السياسة المالية العامة في قطر؛ والقانون رقم 21 لسنة 1998 القاضي بتحويل المؤسسة العامة القطرية للاتصالات السلكية واللاسلكية إلى شركة مساهمة قطرية؛ والقانون رقم 13 لسنة 2000 المرتبط بتنظيم استثمار رأس المال الأجنبي في النشاط الاقتصادي المعدل بالقانون رقم 31 لسنة 2004 وبالقانون رقم 2 لسنة 2005، وأخيرا بالقانون 6 لسنة 2006؛ ثم صدر قانون الشركات التجارية بموجب القانون رقم 5 لسنة 2002 المعدل بالقانون رقم 16 لسنة 2006؛ وهناك أيضا القانون رقم 19 لسنة 2002 القاضي بإنشاء صندوق قطر للتنمية؛ والقانون رقم 25 لسنة 2002 بشأن صناديق الاستثمار؛ ثم القانون رقم 1 لسنة 2003 المتعلق بإنشاء مركز قطر للمعارض؛ وأخيرا المرسوم بقانون رقم 33 لسنة 2006 بشأن مصرف قطر المركزي([5]).

وبالموازاة مع هذه التطورات حرصت قطر على تطوير جهازها الإداري نحو مزيد من الفعالية والنجاعة؛ فتعزيزاً لهذه الجهود التي تثري الإطار القانوني للنشاطات الاقتصادية؛ تم إحداث مركز قطر للمال بموجب قانون صدر سنة 2005؛ وفي نفس السنة تعززت هذه الضوابط بصدور القانون الخاص بهيئة قطر للأسواق المالية وشركة سوق الدوحة للأوراق المالية.

كما أن إنشاء المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار يعد إنجازا على طريق تحقيق التنمية المنشودة بمواصفات دولية مبنية على الانفتاح..

ويجد الانفتاح الاقتصادي للدولة مرتكزاته ومقوماته في ترسانة قانونية هامة تنظم وتشجع الاستثمار؛ وكذا ضمن مقتضيات الدستور الدائم الذي تم إقراره سنة 2004 حيث نص في مادته الثامنة والعشرين على أن الدولة تكفل حرية النشاط الاقتصادي على أساس العدالة الاجتماعية والتعاون المتوازن بين النشاط العام والخاص، لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة الإنتاج، وتحقيق الرخاء للمواطنين، ورفع مستوى معيشتهم وتوفير فرص العمل لهم، وفقا لأحكام القانون؛ فيما أكدت المادة الواحدة والثلاثون منه على أن الدولة تشجع الاستثمار وتعمل على توفير الضمانات والتسهيلات اللازمة له.

ومن جانب آخر شهدت دولة قطر مجموعة من التحولات المتدرجة التي عززت حقل الحريات وحقوق الإنسان؛ حيث تم فتح المجال لحرية الصحافة والإعلام؛ كما فتح المجال للمرأة ضمن الانتخابات البلدية التي شهدتها البلاد.

وقد أسهم الدستور الدائم؛ في ترسيخ مجمل الإصلاحات مما سمح بتوفير الشروط الموضوعية والقانونية لتعزيز وتطوير التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي انعكست بشكل إيجابي على مستوى معيشة المواطن القطري وحفزته على المساهمة الفاعلة في العملية الديمقراطية والتنموية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.

وإيمانا منها بأهمية تعزيز دولة المؤسسات والقانون في التنمية والتطور؛ حرصت قطر على ضمان استقلالية مؤسسة القضاء؛ من خلال مجموعة من التدابير والإجراءات الدستورية منها([6]) وغيرها من التشريعات العادية الأخرى التي توخت توحيد جهات التقاضي في البلاد وإنشاء المجلس الأعلى للقضاء وتعزيز وتطوير الترسانة القانونية للبلاد بمختلف التشريعات الحيوية (قانون النيابة العامة؛ القانون المدني؛ قانون المحاماة؛ قانون مكافحة الإرهاب؛ قانون العقوبات..)..

كما عملت على إحداث مجموعة من الهيئات التي أسهمت في تعزيز مسار التنمية بالبلاد؛ ومن ذلك إنشاء المؤسسة العامة القطرية للقناة الفضائية المنشأة بالقانون رقم 1 لسنة 1996 والتي عدل اسمها إلى قناة الجزيرة الفضائية بموجب القانون رقم 21 لسنة 2001 ثم إلى "شبكة الجزيرة الفضائية" بمقتضى القانون رقم 28 لسنة 2005؛ والهيئة العامة للسياحة والمؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء كهرماء والمجلس الأعلى للبيئة والمحميات؛ والهيئة العامة للمواصفات والمقاييس والمجلس الأعلى واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان وهيئة الأشغال العامة والهيئة العامة القطرية للأعمال الخيرية؛ والهيئة العامة للتخطيط والتطوير العمراني ومجلس التخطيط والمجلس الأعلى لشؤون الأسرة واللجنة العليا للتنسيق والمتابعة؛ والمجلس الأعلى لاستثمار احتياطي الدولة والمجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار والمجلس الأعلى للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات؛ والهيئة العامة لشؤون القاصرين والأكاديمية الرياضية وجهاز قطر للاستثمار وهيئة متاحف قطر ثم الهيئة القطرية للأوقاف([7])..

وقد كان للعضوية الفاعلة لدولة قطر في مجلس التعاون الخليجي أثر ملحوظ في تطوير أدائها على المستوى التنموي، وبخاصة وأن وثيقة الإستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية لدول المجلس حددت مجموعة من الأهداف والأولويات في هذا الشأن؛ من قبيل تسريع عملية التنمية الصناعية والعمل على زيادة النمو في القطاع الصناعي ورفع إسهام العمالة الوطنية في القطاع الصناعي والتركيز على زيادة المكون المحلي في إجمالي المنتجات الصناعية وإيجاد قاعدة للبحوث والعلوم التطبيقية المرتبطة بالصناعة وتعزيز التكامل بين القطاع الصناعي والنفطي وتعزيز تواجد الصناعة في المناطق الأقل نموا([8]).

لقد تنبه أحد الباحثين منذ ظهور الطفرة النفطية في منطقة الخليج العربي إلى أنه إذا لم تحقق تنمية شاملة سياسية اقتصادية اجتماعية مبنية على مشاركة شعبية واسعة وموجهة إلى تحقيق علاقات داخلية متوازنة، تصبح هذه الأقطار معرضة لهبوب الرياح الشديدة([9]).

فيما أشار باحث آخر في نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم؛ إلى أن "المأزق الحقيقي" الذي تمر به البلدان النفطية العربية يكمن في أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها وتشهدها في ظل "الحقبة النفطية الراهنة"؛ ستزيد كل يوم من تعقيد الموقف بالنسبة للمستقبل وتزيد من حجم المشاكل المتوقعة في "عالم ما بعد النفط"([10]).

وعلاقة بهذا الأمر؛ وفي أعقاب التقلبات التي شهدتها أسعار النفط منذ ظهور هذه الثروة الطبيعية في عدد من البلدان العربية والخليجية منها على وجه الخصوص؛ تبين أن دولة قطر قد استوعبت بشكل جدي حجم التحديات المطروحة في هذا الصدد منذ وقت مبكر؛ حيث أقامت سلسلة من الصناعات الثقيلة والخفيفة وفقا لبرنامج عملي متين؛ يتوخى تنويع وتعزيز مصادر الدخل القومي للخروج من مأزق الارتكاز والمراهنة على المصدر النفطي الواحد؛ وعن طريق تشجيع القطاعين المالي والتجاري وتطوير البنية الأساسية؛ مستفيدة في ذلك من الإمكانات الهائلة التي يتيحها قطاع النفط والغاز في هذا الصدد؛ والذي يمثل أكثر من 90 بالمائة من نسبة المبادلات التجارية الخارجية للدولة.

 

ثانياً: نموذج طموح في التنمية الشاملة

أضحى مفهوم التنمية في السنوات الأخيرة واسعا تتحكم في مدلوله مجموعة من العناصر والمؤشرات كالتعليم والصحة والتدريب والرفاه المجتمعي والمحافظة على البيئة..، وأصبح بذلك تحقيقها معيارا لقياس مدى تقدم الدول والمجتمعات، وهي من هذا المنظور عملية تطور عامة تطال مختلف مناحي الحياة في بعدها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي.. بالشكل الذي يكفل العيش الكريم للمواطن.

والتنمية الحقيقية من منظور مختلف الدارسين والأخصائيين والباحثين تفترض تركيز كل الجهود على الإنسان باعتباره وسيلة ومحركا لتحقيقها وبلورتها

وباعتباره هدفا لها أيضا؛ كما أنها تتطلب الاستجابة لحاجيات ومصالح الجيل الحالي والأجيال القادمة بشكل متوازن.

وقد حظيت أولوية التنمية باهتمام كبير لدى مختلف البلدان بالنظر لأدوارها المحورية في مواجهة مختلف الإكراهات الداخلية والتحديات الخارجية؛ ومدخلا لتحقيق الاستقرار والرفاه داخل المجتمعات.

كما تزايد الاهتمام العالمي بشؤون التنمية في سياقها الشمولي والمتكامل والذي يجمع بين التنمية الاجتماعية والتطور الاقتصادي والمحافظة على البيئة؛ وقد حرصت الأمم المتحدة في هذا الصدد سنة 2001 على تحديد قائمة تتضمن 58 مؤشرا؛ طرحت أمام الدول لاختيار ما يتناسب منها مع ظروفها وأولوياتها التنموية.

إن التنمية هي عملية شاملة؛ وضمن هذا الإطار شهدت قطر مجموعة من المبادرات الإصلاحية على طريق تطوير المسيرة الديمقراطية وتعزيز الحريات وحقوق الإنسان؛ كما وضعت برامج تنموية طموحة مكنتها من تعزيز وتطوير مختلف البنية التحتية من شبكة للطرق السيارة والجامعات والمستشفيات.

وإذا كان القطاع العام يمثل المحرك الرئيسي لعجلة التنمية بمختلف مظاهرها من خلال الاستثمار في القطاعات الصناعية الحيوية الأساسية وإنشاء البنيات الأساسية الملائمة (مدن ومناطق صناعية، طرق، موانئ؛ شبكات الكهرباء والاتصالات..)؛ فقد تم فتح المجال أيضا للقطاع الخاص للإسهام في مسيرة التنمية من خلال الاستثمار في مختلف القطاعات الصناعية الصغرى والمتوسطة.

ومن منطلق استحضار العنصر البشري في هذه التنمية والمراهنة على الإنسان فيها؛ وانسجاما مع دستورها الذي ينص في مادته الواحدة والعشرين على أن الأسرة أساس المجتمع؛ قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، وينظم القانون الوسائل الكفيلة بحمايتها، وتدعيم كيانها وتقوية أواصرها والحفاظ على الأمومة والطفولة والشيخوخة في ظلها؛ حرصت قطر على استحضار مختلف الجوانب الجذرية المرتبطة بهذا الصدد؛ حيث حظيت الأسرة أيضا باهتمام بالغ ضمن السياسات العامة للدولة؛ وقد تم إنشاء المجلس الأعلى لشؤون الأسرة كسبيل لرسم السياسة العامة ومتابعتها في هذا المجال وتأهيل المرأة.

وعلاقة بهذا الموضوع أيضا؛ وإيمانا منها بأن اتخاذ تدابير حقيقية وفعالة على طريق تمكين المرأة سياسيا؛ يشكل مدخلا مهما لمعالجة إشكالات ومعضلات سياسية واجتماعية واقتصادية.. أخرى؛ حرصت دولة قطر على بلورة استراتيجية عامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ سمحت بتحقيق العديد من المنجزات على طريق تمكين المرأة وإدماجها في الحياة العامة؛ وإلغاء مختلف الحواجز والمعيقات التي تحول دون تأهيلها في مختلف المجالات والحقول.

وقد أشار تقرير التنمية البشرية لسنة 2006 ضمن هذا السياق إلى أن مقاعد المجلس البلدي التي تشغلها النساء 3.5 في المائة ونسبة النساء بين المشرعين وكبار المسؤولين والمديرين 8 بالمائة كما أن نسبة النساء بين المهنيين والعاملين التقنيين 24.5 بالمائة ويصل معدل النشاط الاقتصادي للإناث في دولة قطر إلى 40 بالمائة.

إن إحداث المجلس الأعلى لشؤون الأسرة يعد عملا إيجابيا على طريق تمكين المرأة والنهوض بشؤونها في مختلف المجالات والقطاعات؛ وقد أسهمت مختلف التدابير والمجهودات التي تمت في هذا الصدد في وصول المرأة إلى مراكز ومناصب سامية ووازنة من قبيل وزيرة التربية والتعليم ورئيسة جامعة قطر ورئيسة الهيئة الوطنية للصحة، وعضو المجلس البلدي ومديرة مختلف الهيئات بالمجلس الأعلى للتعليم..

كما أن فعاليات المجتمع المدني حظيت بقدر من اهتمام الدولة باعتبار المواقع والأدوار الطلائعية التي أصبحت تحتلها دوليا؛ حيث تم سن عدد من التشريعات والقوانين([11]) التي حرصت على توفير فضاء يسمح بتحرك هذه الهيئات في ظروف مريحة ومناسبة؛ وتتيح لها الفرص اللازمة للمساهمة في تحقيق التنمية المنشودة.

إن حقل التعليم والتربية هو رافد مهم من ضمن الروافد الحيوية الأخرى للتنمية والاستثمار فيه هو رهان مربح، وقد تنبهت قطر إلى هذا الحقل الهام وحاولت الاهتمام به بشكل ملحوظ أيضا؛ وهكذا تم إنشاء المجلس الأعلى للتعليم سنة 2002 وبدأ تطوير المؤسسات التعليمية بكل مراحلها وتخصصاتها اعتمادا على التكنولوجيا الحديثة والبرامج التعليمية .

وموازاة مع مختلف الإصلاحات التي طالت الحقل الاقتصادي والتجاري؛ تشير العديد من التقارير الاقتصادية الدولية إلى أن قطر أصبحت من ضمن أهم المناطق الجاذبة للاستثمار الدولي بفعل الحوافز وحرية ممارسة النشاط الاقتصادي؛ مما كان له انعكاس واسع على أداء الاقتصاد المحلي ودخوله معترك التنافسية التي تعد مدخلا للتطور والتقدم.

وقد جاء في تقرير مؤشرات التنمية المستدامة في قطر الذي يهدف إلى قياس التقدم والتحسن في مستوى المعيشة ونوعية الحياة الذي أحرزته الدولة في جوانب التنمية المستدامة؛ ويقدم مجموعة من الإحصائيات والأرقام التي تبرز مدى التطور الذي شهدته هذه الدولة في شتى المجالات:

فعلى المستوى الاجتماعي([12])؛ صنف تقرير التنمية البشرية لسنة 2006 دولة قطر وفق مؤشر خط الفقر الدولي ضمن الدول المتقدمة؛ ذلك أن نسبة السكان ممن هم دون خط الفقر الدولي؛ تتراوح بين الصفر في الدول المتقدمة و75,8 في بعض الدول النامية.

كما تصنف أيضا من ضمن الدول المتقدمة التي تتوافر بها خدمات المرافق الصحية بنسبة 100%؛ ونفس الشيء بالنسبة لمياه الشرب المأمونة للسكان 100%.


واستطاعت أيضا أن توفر الكهرباء والسكن اللائق لجميع أسر المجتمع؛ كما نجحت في تحقيق الرعاية الصحية الأولية بشكل كامل لسكانها.

وصنفت بموجب تقرير التنمية البشرية لسنة 2006 ضمن مجموعة الدول المتقدمة من حيث العمر المتوقع عند الولادة؛ بمعدل يفوق 76 سنة.

كما تصنف من ضمن الدول المتقدمة على مستوى انخفاض معدل وفيات الرضع أو الأطفال دون الخامسة من أعمارهم؛ حيث نجحت إلى حد كبير في تحصينهم ضد عدد من الأمراض المعدية وذلك بنسب مرتفعة.

ونفس الأمر ينطبق على مؤشر نسبة الأطفال دون الخامسة الذين يعانون من سوء التغذية الذي يعرف تدنيا كبيرا؛ وكذلك من حيث نسبة نقص المناعة المكتسبة "الإيدز" الذي لا تتجاوز نسبة انتشاره بين السكان 0,001 بالمائة.

ويعرف معدل الإلمام بالقراءة والكتابة بين البالغين ارتفاعا ملحوظا؛ ومن جهة أخرى وصل عدد الحاصلين على الشهادة الجامعية من إجمالي عدد السكان سنة 2005 حوالي 34 بالمائة من السكان.

وإذا كانت قطر تصنف من ضمن الدول المتوسطة من حيث استعمال الهاتف الثابت والأنترنت؛ فإنها تصنف ضمن خانة الدول المتقدمة ضمن سياق استعمالات الهاتف النقال.

وعلى المستوى الاقتصادي([13])؛ تعتبر قطر من ضمن الدول المرتبة ضمن خانة الدخل المرتفع؛ حيث تجاوز نصيب الفرد 42 ألف دولار عام 2004؛ كما أن نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي القطري والبالغة 29 بالمائة لعام 2004 تفوق نظيرتها في عدد من الدول المتقدمة.

 

فيما نجد أن نسبة المديونية الخارجية إلى الناتج المحلي الإجمالي في دولة قطر والبالغة 12,1 بالمائة جيدة مقارنة بمثيلتها في عدد من الدول الغربية التي بلغت 35,5 بالمائة سنة 2005.

فيما لا زال النشاط الاقتصادي حسب الجنس متدنيا بالمقارنة مع عدد من البلدان المتطورة في هذا الصدد.

وتعد قطر في مقدمة الدول الخليجية من حيث نسبة تحويلات العمالة المقيمة إلى الناتج المحلي الإجمالي؛ حيث بلغت 6,9 بالمائة عام 2004، كما يعد نصيب الفرد من الاستهلاك السنوي للطاقة الكهربائية في قطر من بين أعلى المعدلات العالمية؛ مما يبرز تنامي الصناعات التحويلية.

وتتبوأ قطر مكانة متقدمة ضمن الأقطار العربية والعالمية على مستوى الاستخدام الفردي للغاز الطبيعي.

وعلى المستوى البيئي([14])؛ التزمت دولة قطر بتفعيل وبلورة برنامج زمني طموح لمنع استعمال المواد شديدة التأثير في طبقة الأوزون؛ واستخدام البدائل المسموح بها عالميا وفق ما أقره بروتوكول مونتريال في هذا الشأن.

أما فيما يتعلق بمساحة الأراضي الزراعية؛ فقد بلغت سنة 2003 نسبة 0,6 من إجمالي مساحة البلاد التي تصل 7419,9 هكتارا؛ وهي نسبة تظل متوسطة على كل حال؛ بالنظر لصغر مساحة البلاد وظروف تضاريسها ومناخها؛ كما أن نسبة استعمال الأسمدة الزراعية تظل منخفضة؛ فيما يبقى استعمال المبيدات الزراعية في حدود المقبول أيضا؛ وإذا كان نصيب الفرد من الأسماك المصطادة محليا الذي بلغ حدود 14,9 كيلوغراما سنة 2004 يضاعف معدل الفرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ فإنه يظل دون المتوسط العالمي الذي يبلغ 16 كيلوغرام للفرد الواحد في السنة.

 

أما نسبة أنواع الكائنات الحية المهددة من الانقراض فتظل ضعيفة مقارنة مع مناطق أخرى من العالم.

وقد أثمرت هذه المجهودات بأن تبوأت قطر مكانة متقدمة ضمن تقارير التنمية البشرية الصادرة في السنوات الأخيرة؛ فقد جاءت قطر على رأس الدول العربية في دليل التنمية البشرية محققة المرتبة الـ40 بين الدول 177 ضمن تقرير التنمية البشرية لسنة 2005([15])، بعدما استطاعت أن تحسن وتطور مكانتها ومرتبتها بنسبة سبع درجات خلال سنة واحدة؛ مما يؤكد التطور الحاصل على مستوى عدد من مؤشرات التنمية البشرية في هذا البلد؛ من قبيل مستوى العمر وجودة التعليم وحجم الدخل..

وهو ما يجعل من تجربتها نموذجا طموحا في مجال التنمية الشاملة على مستوى المنطقة ومجمل الدول الساعية للنمو والتطور.

ويشير أحد الباحثين إلى الدور الهام الذي يمكن أن يساهم به العامل الاقتصادي للدولة في دعم القرار السياسي للدولة وبعلاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى بأسلوب مباشر أو غير مباشر([16]).

وفي السياق نفسه؛ يؤكد البعض على الأهمية التي يحظى بها النفط في التطور الاقتصادي العالمي؛ وآثاره على العلاقات بين الشعوب.. كما أن وجود "قوة النفط" بحد ذاتها دون استخدام؛ أو بإمكانية استخدام في المستقبل يمكن أن يحقق مصالح كبيرة في ساحة السياسة الدولية([17])..

ومن هذا المنطلق لا تخفى انعكاسات هذه الوضعية التنموية على أداء الدبلوماسية القطرية؛ سواء على مستوى المعونات الموجهة لعدد من الدول في سياق تكريس التعاون والتضامن الدوليين؛ أو على مستوى التمثيل الدبلوماسي وإطلاق عدد من المبادرات المندرجة ضمن حفظ السلم والأمن الدوليين في سياق المساعي الحميدة ودعم الحوار والتعاون بين الشعوب سواء في دائرتها الخليجية أو العربية والإسلامية أو الدولية.

فخلال شهر مايو من سنة 2007 أعلنت قطر عن إنشاء مؤسسة لدعم الديمقراطية في العالم العربي خصصت لها عشرة ملايين دولار، في ختام ملتقى الدوحة الثاني للديمقراطية والإصلاح السياسي في العالم العربي. ستكون سبيلاً إلى تشجيع المنطقة العربية على تعزيز ثقافة الديمقراطية والأخذ بها فكرا وممارسة([18]). وتقديرا لجهودها الجادة في مجال الإصلاح السياسي المرتبط بتطوير المسار الديمقراطي وتعزيز الحقوق والحريات؛ ولحضورها الدبلوماسي في مختلف القضايا الدولية؛ واقتناعا بدورها المتميز في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين المنسجم مع مبادئ وأهداف الأمم المتحدة؛ اختارت هذه الأخيرة قطر لتكون مقرا للمنظمة الدولية لحقوق الإنسان الخاصة بمنطقة جنوب غرب آسيا والمنطقة العربية.

مما لا شك فيه أن قطر حققت طفرة تنموية نوعية؛ غير أن هذه الجهود لا زالت بحاجة إلى مزيد من التطور؛ ذلك أن الاقتصاد القطري وإن بدأ يبحث عن موارد متنوعة تسمح بتنويع مصادر الدخل القومي فهو لا زال مبنيا بالأساس على مداخيل النفط؛ الأمر الذي يفرض المزيد من الاجتهاد في أفق البحث عن سبل تمويلية حيوية أخرى.

كما أن المجتمع المدني يظل بحاجة إلى مزيد من التشجيع والتحفيز ليصبح بالفعل شريكا حقيقيا في التنمية.

وقد اعتبر البعض أن دول الخليج العربية تشترك في إعطاء أولوية واضحة للإصلاح الاقتصادي مقارنة بالإصلاح السياسي؛‏ نظرا لأن متطلبات الاندماج في الاقتصاد العالمي تتطلب اتخاذ العديد من الإجراءات السريعة على مستوى السياسات الاقتصادية‏؛‏ وتوافر فوائض مالية كبيرة يتطلب توفير بيئة اقتصادية ملائمة للاستثمار‏؛‏ ومحاولة النظم الخليجية التخفيف من حدة الضغوط الخارجية والداخلية الدافعة للإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية‏؛‏ من خلال الإسراع بالإصلاح الاقتصادي وتوفير متطلباته باعتباره أداة التنمية الاقتصادية الرئيسية؛‏ ومن ثم يؤدي هذا إلى التخفيف من حدة الضغوط في المجال السياسي([19]).

وهو ما يفرض تعزيز الإصلاحات السياسية التي بدأت بشكل طموح وجدي في السنوات الأخيرة.

 

 

 



([1]) إدارة التنمية الصناعية لدولة قطر: التنمية الصناعية في قطر، 2001، ص. 26.

([2]) يصل رأسمال هذه المؤسسة حوالي 50 مليار ريال قطري؛ وهي تشرف بمفردها على إنتاج أكثر من 60 بالمائة من إجمالي إنتاج النفط بالبلاد.

 

([3]) علاء البحار وطارق خطاب، مسيرة التنمية في عهد أمير الحرية؛ 2005؛ ص. 40.

([4]) انظر في هذا الشأن: إدارة التنمية الصناعية لدولة قطر: التنمية الصناعية في قطر، 2001 ص. 18 وما بعدها.

([5]) انظر في هذا الشأن؛ جريدة الراية القطرية، بتاريخ الأحد 20/5/2007.

([6]) تنص المادة 129 من الدستور الدائم للدولة على أن: "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة. وشرف القضاء ونزاهة القضاة وعدلهم ضمان للحقوق والحريات"، وتؤكد المادة 130 منه على أن "السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون"؛ فيما تنص المادة 131 منه على أن : "القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم".

 

([7]) انظر في هذا الشأن جريدة الراية القطرية، بتاريخ الأحد 20/5/2007.

([8]) إدارة التنمية الصناعية لدولة قطر: التنمية الصناعية في قطر، مرجع سابق؛ ص 32.

([9]) محمد الرميحي، "النفط والعلاقات الدولية، وجهة نظر عربية"، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب؛ الكويت؛ العدد 52؛ أبريل 1982؛ صص. 177-178.

([10]) محمود عبد الفضيل: "النفط والمشكلات المعاصرة للتنمية العربية"، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب؛ الكويت؛ العدد 16؛ أبريل 1979؛ ص. 192.

 

([11]) نشير في هذا السياق إلى القانون المتعلق بالجمعيات والمؤسسات الخاصة الذي صدر سنة 2004 وعدل سنة 2006.

([12]) دولة قطر؛ الأمانة العامة، مجلس التخطيط: مؤشرات التنمية المستدامة في دولة قطر؛ ديسمبر 2006 من ص 15 إلى ص 41.

([13]) دولة قطر؛ الأمانة العامة، مجلس التخطيط: مؤشرات التنمية المستدامة في دولة قطر؛ مرجع سابق، من ص 45 إلى ص 62.

([14]) دولة قطر؛ الأمانة العامة، مجلس التخطيط: مؤشرات التنمية المستدامة في دولة قطر؛ مرجع سابق، من ص 65 إلى ص 76.

([15]) جريدة الحياة؛ السعودية؛ بتاريخ 12 سبتمبر 2005.

([16]) عبد العزيز بن محمد بن جبر آل ثاني، السياسة الخارجية القطرية خلال الفترة 19952005؛ دار الشرق، ط. 1، 2005؛ ص 126.

([17]) محمد الرميحي، النفط والعلاقات الدولية، وجهة نظر عربية، مرجع سابق؛ ص 177.

([18]) جريدة النهار اللبنانية، بتاريخ 30-05-2007.

([19]) لمزيد من التفاصيل هذا الشأن؛ انظر؛ محمد سعد أبو عامود، "دول الخليج وتجربتها التنموية"؛ مجلة الديمقراطية، لشهر أكتوبر 2007 ، مركز الأهرام، مصر.