صيانة اللغة العربية في الهند

بين شهادة التاريخ ومشهد الراهن

 

                                           الدكتور محمد ثناء الله الندوي

                            قسم اللغة العربية وآدابها-جامعة علي كره الإسلامية

                                                            أوترابراديش، 202002

                                                                  الهند

 

        البحث يهدف إلى مخاطبة بعد ديني عقيدي وثقافي وعلمي من التشييد التاريخي والتراثي الحضاري الهندي مرتبط بالإسلام ولغة الضاد والثقافة العربية والإسلامية في شبه القارة الهندية عبر العصور، والمشهد الثقافي الهندي بمكوناته العربية ولغة القرآن بوجه خاص اتخذ من الأصول والتراث قاعدة ترسيخ وتطوير ممنطق لم يفقد صلابته وحيويته ورشده حتى في أحرج مواقف تاريخية ملقنة بدياليكتيك العصرنة والحدوثة، فالهند الإسلامية لا تزال نابضة بالحياة حتى الآن، ولم تفتأ جماليات اللغة العربية والثقافة الإسلامية وجبروتهما متصدرة في هيكلة شعب أفراده أكثر من مأتي مليون.

        ظاهرة اللغة العربية في شبه القارة الهندية محور تاريخي وإنساني وثقافي وفكري ولغوي وأدبي وشعري، وتشكل مشهداً محترماً مفعماً بفاعليات ودلالات في العديد من قطاعات الفكر والثقافة في الأبعاد الكينونية والوظيفية والجمالية، على أن اللغة العربية لم تكن لغة الدولة أو الجماهير إلا في عصر الإمارة العربية في منطقة سند إثر الفتح العربي للمنطقة على يد محمد بن قاسم الثقفي (92-96 ﻫ/ 711-715 م).

        لا يقبل الجدل أن الكيان الثقافي والمعرفي الهندي تعزز باللغة العربية والثقافة الإسلامية عبر قرون من الحكم والنفوذ الإسلامي: العرب التجار في ساحل الهند الجنوبي كيرالا وكاليكوت، ومليبار، وإرساء أول أسطول بحري بتهانة، الهند، في خلافة عمر الفاروق، في عام 636 م، الفتح الإسلامي للسند في عام 711 م على يدي محمد بن القاسم الأموي، والحكومات الإسلامية في الهند من الغزنويين (997-1152 م) والغوريين (1186-1206 م) والمماليك (1206-1290 م)، والخليجيين (1290-1320 م)، والتغلقيين (1320-1440 م)، والسادة (1414-1451 م) واللوديين (1451-1566 م)، والشرقيين في جنونبور (1394-1500 م)، والخانديش في برهانبور (1349-1599 م)، والبهمنيين في كرناتك (1347-1526 م)، والعادل شاهيين في بيجابور (1489-1686 م) والقطب شاهيين في كول كنده (1512-1678 م)، والنظام شاهيين في أحمد نجر (1490-1595 م)، والمغول (1526-1875 م)، والهند زمن الاستعمار البريطاني 1857-1947 م)، والهند بعد الاستقلال، ولا نجد لغة من اللغات في الهند إلا وتأثر تشكيلها الفيلولوجي باللغة العربية، وفيها كمية مترجمة من التراث العربي الإسلامي، فاللغة الأردوية التي يتكلم بها المسلمون في الهند بوجه عام ثلاثة أرباع مفرداتها مشتقة من اللغة العربية، وشعرياتها (الأوزان والقوافي والصنائع الشعرية) مبنية على كلاسيكيات الشعر العربي، ويقدر أثر الإسلام فيها بأنها تحوي أكثر من ثلاثمائة ترجمة كاملة لمعاني القرآن الكريم، إضافة ما يزيد على سبع مائة ترجمة غير كاملة، حتى سرد الأسماء يستغرق صفحات، ومن أبرز المترجمين: عبد الله الهجلي (1829 م) والشاه رفيه الدين الدهلوي (1866 م) وعبد السلام البدايوني (1868 م) وعبد المقتدر البدايوني (1897 م) وأشرف علي التهانوي (1938 م) وأبو الأعلى المودودي (1951 م) وعبد الحي الفاروقي (1955 م) والشيخ ثناء الله الأمرتسرى (1971 م)، ونجد في اللغة الهندية ست ترجمات كاملة لمعاني القرآن الكريم، إضافة تسع ترجمات غير كاملة، وحتى اللغة السنسكريتية نجد فيها ترجمتين لمعاني القرآن الكريم، بيد أنهما لم تكتملا بعد، ونجد أكثر من أربع وعشرين ترجمة منظومة لمعاني القرآن الكريم في اللغة الأردوية.

        إن مخاطبة ظاهرة اللغة العربية في الهند عبر العصور أفقياً وعمودياً تسر في روع الباحث أسمى أحاسيس الاعتزاز من خلال الكشف التاريخي والراهن لرصيد اللغة العربية بتفاقمه الكمي الهائل في بلد لم تكن فيه العربية لغة الحكومة ولا لغة الجماهير (إلا فترة قصيرة وفي منطقة صغيرة جداً) إذ لا يصادف الباحث موضوعاً من موضوعات العلوم والفنون العربية والإسلامية إلا وفيه كمية لا يستهان بها من مساهمة الهنود، ولا يتقلص حجم قيمتها العلمية والأدبية أمام روائع التراث الإسلامي التي أنتجتها مراكز العروبة ومدن العالم العربي، ومما يسهل له تقدير حجم نفوذ اللغة العربية في الكيان الهندي المسلم أن الهنود ألفوا عدداً من تفاسير القرآن الكريم باللغة العربية عبر العصور، من أهمها: "تفسير تبصير الرحمن وتيسير المنان" المعروف بـ"التفسير المحمدي"، لصاحبه علاء الدين علي بن إبراهيم المهائمي الكوكني الشافعي (776-835 ﻫ/ 1374-1431 م)، و"التفسير المحمدي" للشيخ محمد بن أحمد ميانجي بن نصير الغجراتي (ت. 982 ﻫ/ 1547 م)، و"التفسير المظهري" للقاي ثناء الله البانيبتي (ت. 1225 ﻫ/ 1810 م)، و"شؤون المنزلات" للشيخ علي المتقي البرهانبوري (ت. 975 ﻫ/ 1568 م)، وترجمة الكتاب للشيخ محب الله الإله آبادي (ت. 1058 ﻫ/ 1548 م)، و"فتح الخبير بما لابد من حفظه في علم التفسير"، للشاه ولي الله الدهلوي (1114-1176 ﻫ/ 1702-1762 م)، و"سواطع الإلهام" (بصنعة مهملة)، لأبي الفيض فيضي بن مبارك الناجوري الأكبر آبادي (954-1004 ﻫ)، وجب شغب أو فيض غيض (بصنعة منقوطة) للشيخ عبد الأحد بن إمام علي الإله آبادي، و"فتح البيان في مقاصد القرآن"، للأمير صديق حسن خان القنوجي (1248-1357 ﻫ/ 1832-1889 م)، و"كتاب نيل المرام في تفسير آيات الأحكام" للأمير المذكور.

        أما الأحاديث النبوية الشريفة فلا نجد مجموعة مطبوعة إلا ولها ترجمة في اللغة الأردوية، فالصحاح الستة مترجمة بكاملها إلى الأردوية، ولـ"صحيح البخاري" 26 ترجمة، وأشهرها الترجمات التي عملها أبو الحسن (لاهور 1313 ﻫ)، ووحيد الزمان الحيدرآبادي (1323 ﻫ)، ومرزا حيرت الدهلوي (1323 ﻫ)، ولـ"صحيح مسلم" سبعة ترجمات، أشهرها من عمل وحيد الزمان الحيدرآبادي (1305 ﻫ) وأبو دأود راز (1385 ﻫ)، ولكل من "جامع الترمذي" و"سنن أبي داؤد" و"سنن النسائي" و"سنن ابن ماجة" ترجمات أردوية عديدة عملها أفاضل هنديون من أمثال فضل أحمد دلاوري (1309 ﻫ) وعبد الأول (1950 م) ووحيد الزمان الحيدرآبادي (1305 ﻫ) وعبد الدائم الجلالي (1355 ﻫ)، كما ترجمت مجموعات أخرى من الأحاديث النبوية الشريفة من أمثال "مشكاة المصابيح"، و"مشارق الأنوار"، و"شرح معاني الآثار"، و"بلوغ المرام من أدلة الأحكام"، و"سنن الدارمي"، و"منتقى الآثار"، و"مسند" الإمام أبي حنيفة، و"رياض الصالحين" للنووي، و"الشفاء" للقاضي عياض، و"الأدب المفرد"، و"منبهات" إبن حجر العسقلاني، و"موطأ" الإمام مالك، و"مسند" الإمام أحمد، وغيرها من المجموعات.

        أما مؤلفات الهنود في الحديث النبوي الشريف والتي أنجزوها باللغة العربية، فمن أهمها: "لمعات التنقيح على مشكاة المصابيح"، للشيخ عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي (958-1052 ﻫ/ 1551-1642 م)، و"الحاشية على صحيح البخاري"، لأبي الحسن السندي (ت. 1183 ﻫ/ 1727 م)، و"المسوى" للشاه ولي الله الدهلوي، و"شرح تراجم أبواب البخاري"، للشاه المذكور، و"المحلى" للشيخ سلام الله (ت. 1129 ﻫ/ 1716 م)، و"مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية" للإمام حسن بن الحسن الصغاني اللاهوري (577-650 ﻫ/ 1174-1262 م)، و"كنز العمال من سنن الأقوال والأفعال" للشيخ علي المتقي البرهانبوري، و"مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار" للعلامة محمد بن طاهر الفتني (914-986 ﻫ) و"التعليق الممجد على مؤطا الإمام محمد" للشيخ عبد الحي الفرنكيمحلي (ت. 1304 ﻫ)، وكتب أخرى ألفها الشيخ المذكور من أمثال "الآثار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة" و"ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني"، و"الرفع والتكميل في الجرح والتعديل"، و"حاشية حصن حصين"، وهناك مؤلفون آخرون أسهموا في إثراء مكتبة الحديث النبوي الشريف في الهند، منهم الشيخ حسنين بن المبارك الزبيدي "عون الباري في حل أدلة البخاري".

        وفي مجال الفقه اشتهر عدد من الهنود بتأليفاتهم العربية، منهم الشاه ولي الله الدهولي "الإنصاف في بيان سبب الاختلاف"، "عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد"، والشيخ محب الله  بن عبد الشكور الحنفي البهاري (ت. 1119 ﻫ/ 1707 م) بكتابه "مسلم الثبوت"، والشيخ أبو حفص سراج الدين عمر بن إسحاق الهندي (773-1371 ﻫ) بكتابه "شرح المغنى"، والشيخ عبد الحي الفرنكيمحلي بحاشيته على الهداية للشيخ المرغيناني، كما اشتهرت الهند أيام المغول بالفتاوى الهندية العالمكيرية (في ستة مجلدات ضخام).

         ولا يقل حظ التصوف والفلسفة والتاريخ والنحو وعلم اللغة والأدب والشعر في مجال التأليف باللغة العربية، فكتاب "لوائح الأنوار في الرد على من أنكر على العارفين من لطائف الأسرار" للشيخ  سراج الدين عمر بن إسحاق، و"القول الجميل في بيان سواء السبيل" للشاه ولي الله الدهلوي، و"إرشاد الطالبين وتأييد المريدين" للشيخ ثناء الله البانيبتي، و"التحفة المرسلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم" للشيخ محمد بن فضل الله (ت. 1620 م)، و"أنفاس الخواص" للشيخ محب الله الإله آبادي من أهم ما أنجزته الهند، كما نجد كتاب "الدوحة الميادة في حديقة الصورة والمادة" للشيخ ملا محمود الجونبوري، و"الجوهر الفرد" للشيخ محب الله البهاري، و"الهدية السعيدية" للشيخ فضل حق الخير آبادي (ت. 1278 ﻫ/ 1861 م) من الكتب الفلسفية التي ألفت بالعربية في الهند.

        كثرت مؤلفات الهنود العربية في التاريخ والسير، من أهمها: "تحفة المجاهدين" للشيخ زين الدين بن عبد العزيز بن زين الدين المعبري (ت. بعد 991 ﻫ/ 1583 م)، و"ظفر الواله بمظفر واله" للشيخ عبد الله بن عمر النهروالي المعروف بحاجي دبير (946-1540 ﻫ/ 1020-1611 م)، و"السيرة المحمدية" للقاضي كرامت علي بن فاضل محمد حيات علي، و"سبحة المرجان في آثار هندوستان" للعلامة غلام علي آزاد البلجرامي (1116-1200 ﻫ)، و"سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر" للشيخ علي بن أحمد بن المعصوم (1052-1117 ﻫ)، و"نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر" للعلامة عبد الحي الحسني اللكنوي.

        كما اشتهر في علمي النحو والصرف واللغة مؤلفون هنديون، منهم القاضي شهاب الدين بن شمس الدين الدولت آبادي (ت. 849 ﻫ/ 1445 م) بكتابه "إرشاد النحو"، والشيخ حسن الصغاني اللاهوري "كتاب التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح الجوهري" في ستة أجزاء مطبوعة، وكتاب "مجمع البحرين في اللغة"، في اثني عشر جزءاً، و"كتاب العباب الزاخر واللباب الفاخر"، في عشرين مجلداً (أربعة منها مطبوعة)، والعلامة مجد الدين الفيروزآبادي "القاموس"، والعلامة محمد مرتضى بن محمد الحسني البلجرامي ثم الزبيدي (1145-1205 ﻫ/ 1732-1791 م) بتأليفه الشهير "تاج العروس في شرح القاموس"، ومحمد علي التهانوي (ت. 1158 ﻫ) بكتابه "كشاف اصطلاحات الفنون" في أربع مجلدات ضخام، مطبوعة، والشيخ محمد بن أبي بكر الدماميني ((763-828 ﻫ) الذي قضى حياته الأخيرة في غجرات والدكن واشتهر لكتابيه "تعليق الفرائد" و"المنهل الصافي بشرح الوافي"، والفيلسوف الهندي الشهير الشيخ محمد بن محمد الجونبوري (973-1062 ﻫ) بكتابه "الفرائد"، والشيخ فيض الحسن السهارنبوري (1232-1304 ﻫ/ 1816-1887 م) بكتابه "رياض الفيض" وهو شرحه للمعلقات السبع.

        أما الشعر باللغة العربية فليس عدد من تصدى له من الهنود بقليل في أغراض شتى، من المديح إلى الرثاء والغزل ووصف الطبيعة وغيرها من الأغراض الكلاسيكية، لقد اشتهر في العصر الأموي شعراء من أصل هندي، منهم المخضرم أبو عطاء السندي (ت. 180 ﻫ) واشتهر في العصور التالية عدد لا بأس به من الهنديين الذين قرظوا باللغة العربية، منهم إبراهيم بن صالح الهندي (ت. 1099 ﻫ) وله ديوان شعر في مجلد ضخم، والحكيم محمد مؤمن بن محمد (ت. 1118 ﻫ)، والشيخ غلام نقشبنذ اللكنوي (1226 ﻫ) والشيخ محمد باقر بن مرتضى المدراسي (ت. 1220 ﻫ) والشاه رفيع الدين الدهلوي (ت. 1233 ﻫ)، والشيخ عبد العزيز الدهلوي (ت. 1239 ﻫ)، والشيخ أوحد الدين البلجرامي (ت. 1262 ﻫ)، وسيد علي بن أحمد المعروف بابن معصوم (ت. 1227 ﻫ)، وحسان الهند السيد غلام علي آزاد البلجرامي (ت. 1200 ﻫ/ 1786 م) الذي اشتهر لديوانه في سبعة أجزاء المعروف بـ"السبع السيارة"، والشاه ولي الله الدهلوي (ت. 1176 ﻫ/ 1763 م)، وفضل حق الخير آبادي (ت. 1278 ﻫ)، والمفتي سعد الله المراد آبادي (ت. 1294 ﻫ)، والمير عباس التستري اللكنوي (ت. 1306 ﻫ)، والقاضي طلا محمد البيشاوري (ت. 1310 ﻫ)، والشيخ عبد القادر الكوكني (ت. 1320 ﻫ)، والشيخ وحيد الدين العالي الحيدر آبادي (ت. 1322 ﻫ)، والشيخ ذو الفقار علي الديوبندي (ت. 1322 ﻫ)، والشيخ نذير أحمد الدهلوي (ت. 1330 ﻫ)، والشيخ عبد المنعم الجتاجامي (ت. 1333 ﻫ)، والشيخ حميد الدين الفراهي (ت. 1349 ﻫ)، وغيرهم، ولمعظمهم دواوين شعرية بين المطبوع والمخطوط.

        المراحل الأولى للتأليف بالعربية في الهند لا تفرز أمامنا إلا شخصيات وجهود فردية قام بها علماء وأفاضل أدركوا ضرورة العمل فقاموا بما تيسر لهم وحسب ما كان من اقتضاء الظروف ومستوى الذوق، فلم يكن هناك بيت الحكمة في الهند، على أن ذلك لا يرادف تقلص الحجم القييمي للأعمال  الفردية التي تحويها آلاف من الصفحات، والتي نشرت في مئات من المجلدات، من مطابع كانت في المدن الهندية من أمثال دلهي وآكره ولكناؤ وكانبور ولاهور وبومبائي وبتنه وكلكتة وحيدر آباد ومدراس، وغيرها من المدن الهندية الصغيرة والكبيرة.

        أما الهيئات والمؤسسات والمدارس الحكومية وغيرها والتي لها مساهمتها القيمة في خدمة العربية في الهند، فهي كثيرة وهي صاحبة الفضل في صيانة اللغة العربية، فقد أنشئت في طول الهند وعرضها مئات من المدارس الدينية، وعرفت لدورها البالغ في نشر العلوم والثقافة الإسلامية والعربية في مختلف أدوار التاريخ، فلا تجد مدينة أو قرية في الهند إلا وفيها مدرسة أو مدارس تدرس فيها العلوم الدينية ويتخرج منها رجال أفعمت قلوبهم بحب العروبة وثقافتها، ولا يدخرون وسعاً في خدمة العلوم الإسلامية تأليفاً وترجمة وتصحيحاً، ومن أهم المدارس الدينية في الهند: دار العلوم بديوبند (أنشئت عام 1866 م)، ومظاهر العلوم بسهارنبور، ودار العلوم التابعة لندوة العلماء بلكناو (أنشئت عام 1898 م)، الجامعة السلفية ببنارس (أنشئت عام 1963 م)، جامعة دار السلام بعمر آباد (أنشئت عام 1924 م)، ولكل منها أبناء هم جزء هام من مسيرة التأليف والترجمة في الهند، وهناك مئات من المدارس الإسلامية الأخرى التي لها خدماتها في هذا المجال.

        تزخر الهند حالياً بأكثر من مئتي جامعة حكومية، وتوجد في عدد منها أقسام للدراسات العربية والإسلامية، ومن أهم الجامعات التي تدرس فيها العربية والتي اشتهرت لإسهامها في التأليف وتحقيق المؤلفات العربية ونشرها وفي مجال الترجمة: جامعة عليكره الإسلامية، وجامعة دلهي، والجامعة الملية الإسلامية بدلهي، وجامعة جوهر لال نهرو بدلهي، وجامعة لكناؤ، والجامعة الهندوكية ببنارس، وجامعة بتنه، وجامعة كلكتة، والجامعة العثمانية سيفل بحيدر آباد، وجامعة بومبائي، وجامعة كاليكوت، وجامعة كشمير، وغيرها.

        أما المؤسسات والمجاميع الحكومية المعنية بالترجمة فأشهرها: دار الترجمة التي أنشئت عام 1917 م بحيدر آباد، وتكونت لجنة التأليف والترجمة من خمس لجان: العلوم الطبيعية، الفنون، علم الإحصاء، الطب، والهندسة، ومجلس لوضع المصطلحات العلمية التي ظهرت ستة أجزاء منها حتى عام 1949 م في العلوم والتدريس والرياضيات والفلك والطب والترقيم الرياضي والعلمي، وهذه الدار نشرت 356 كتاباً إلى نهاية عام 1946 م، بينما كانت 58 كتاباً قيد الطبع و86 كتاباً قيد الترجمة والتأليف، فيها عدد كبير من الكتب العربية.

        كان لكلية فورت وليم التي أنشأها الإنجليز عام 1800 م خدمات جليلة في مجال الترجمة من مختلف اللغات بما فيها العربية، ومن أهم المجاميع العلمية غير الحكومية التي أسهمت في نشر المؤلفات العربية في الهند: مجمع البحوث العلمية بدار العلوم ندوة العلماء، والمجمع العلمي الهندي بجامعة علي كره الإسلامية، ومجمع الفقه الإسلامي بنيودلهي، ومؤسسة الدراسات الموضوعية بنيو دلهي، وغيرها من المجاميع.

        كان لظهور الصحافة العربية في الهند كبير دور في صيانة اللغة العربية وتوسيع دائرة نفوذها وتعزيز التواصل والاحتكاك بين الهند والبلاد العربية، فبداية من جريدة "النفع العظيم لأهل هذا الإقليم" التي تعتبر أول جريدة عربية أنشئت في الهند في أكتوبر 1871 م من مدينة لاهور، أنشئها الشيخ شمس الدين، شهدت أوساط الهند العلمية والثقافية منطقة نشاط وفاعلية جديدة توصل المنتوج العلمي والأدبي بسرعة فائقة إلى القراء، وتتابع ظهور صحف عربية في الهند، فظهرت صحيفة "البيان" (لكناؤ عام 1902 م)، و"الجامعة" (كلكته عام 1923 م)، و"الضياء" (لكناؤ عام 1932 م)، و"ثقافة الهند" (دلهي عام 1950 م)، و"البعث الإسلامي" (لكناؤ عام 1955 م)، و"الرائد" (لكناؤ عام 1959 م)، و"دعوة الحق" (ديوبند عام 1965 م)، و"صوت الأمة" (بنارس عام 1969 م)، و"مجلة المجمع العلمي الهندي" (قسم اللغة العربية جامعة عليكره الإسلامية، 1976 م)، وغيرها من المجلات، ولها دور ملموس في مخاطبة قضايا اللغة العربية ونشر العلوم الدينية في الهند.

        وفي مجال البحث التاريخي هناك التواصل والالتقاء بين موروث العروبة والإسلام ورصيد الهنود، وهناك المنطوق الدلالي للثابت والمتغير في معترك المعادلات العقيدية والثقافية والأدبية الناجمة عن الديالكتيك التاريخي، والرصد لمدلول الدمج الواضح المعالم والمشهود في شخصية الإسلام وهي تقتحم الهند فتفتح بلادها وتفتح قلوب أهلها، فتنشأ بذلك حضارة عربية - إسلامية في بلد ذكره مؤرخو العروبة والإسلام كبلد الحكمة.

        وعن الدراسة التوصيفية السردية والتحليلية المركزة لمعظم ما اهتدى إليه المؤلف من التراث العربي المنجز في الوسط الهندي، والمتمثل في عدد كبير من النماذج التي اطلع عليها ودرسها، وذلك بغية إرهاص تنظيري وتاريخي لظاهرة اللغة العربية في الهند غابراً وحاضراً، ومن خلال ذلك التماس أبعاد فسيولوجية تحتم دياليكتيك الفكر واللغة في صميم التفاعل الحضاري، في ضوء مقومات تنظيرية يقول بها وينظرها ويطبقها ديننا الحنيف، مقابل التنظير الهيجلي الماركسي الذي تشدو شدوه قطاعات مخضرمة من الهيجليين والماركسيين الجدد المتواجدة - بقلة أو كثرة - في أوساط هندية وعربية وأوربية على السواء.

        ومما تجب الإشارة إليه:

1)   التواصل والتفاعل بين الحضارتين العربية والهندية، في الارتقاء بالبشرية، وكيف تحول الارتقاء إلى الاهتداء في كنف الإسلام، وما تشكل بذلك من نموذج رؤيوي منطوقه ومسكوته هو الإسلام.

2)   تاريخ التأليف باللغة العربية قبل الاستقلال، ويتفرع على فروع:

1. العلوم الدينية (التفسير، الحديث، الفقه، العقائد، وغيرها).

2. العلوم العربية (النحو والصرف، اللغة، البلاغة، وغيرها).

3. الأدب والشعر.

3) تاريخ التأليف باللغة العربية بعد الاستقلال.

4) من أشهر المؤلفات في تاريخ الآداب العربية والهندية:

1. أطهر المباركفوري، القاضي، رجال السند هند إلى القرن السابع، المطبعة الحجازية، 1377 ﻫ.

2. حبيب الرحمن المظاهري، تذكرة المصنفين، كانبور، 1389 ﻫ.

3. رحمن علي، تذكرة علماء هند، كراتشي، 1961 م.

4. عبد الحي الحسني، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، 1390 ﻫ.

5. غلام علي آزاد البلجرامي، سبحة المرجان في آثار هندوستان، بومبائي، 1303 ﻫ.

6. محمد إسحاق، علم حديث مين ﭘﺎك وهند كاحصه، لاهور، 1977 م.

7. محمد ميان، علماء هند كاشاندار ماضي، دلهي، 1958 م.

8. عبد الحليم الندوي، مراكز المسلمين الثقافية والتعليمية والدينية في الهند، مدارس، مطبعة نوري المحدودة، دون تاريخ.

9. Tara Chand, Influence of Islam on Indian Culture, Allhabad, 1963.                                                                                         

10.             Z.A. Desai, Centres of Leanrning in India, New Delhi, 1978.

11. Krishna Lal Ray, Education in Medieval India, Delhi, 1984.

12. M.S. Jaffar, Education in Muslim India, Delhi, 1936.

13. Khaliq Ahmad Nizami, Some Aspects of Religion and Politics in India During the 13th Century, Delhi, 1974.          

14. Narendra Nath Law, Promotion of Learning in India Dureng Muhammadan Rule, New Delhin 1973.                                   

15. Zubaid Ahmad, The Contribution of Indo-Pakistan to Arabic Literature, Lahore, 1968.