النشاط اللغوي المعجمي

أو

مشروع لغة عربية حديثة([1])

 

                                                الدكتور مصطفى غلفان

                                                         أستاذ باحث - الدار البيضاء

                                                                       المملكة المغربية

 

 

        تنظر هذه الدراسة في الكيفية التي حاولت بها مجامع اللغة العربية لا سيما مجمع اللغة بالقاهرة رفع التحديات التي واجهت اللغة العربية في بداية القرن العشرين.

 

-       ما القضايا التي عالجتها هذه المجامع؟

-       ما الأسس المنهجية التي تم إتباعها لتحققي هذه الأهداف؟

-       ما نتائج هذه المحاولات؟

 

        نتتبع ذلك بالتفصيل ومن خلال أمثلة محددة جزءً من هذه القضايا اللغوية لنقف عند إمكانات وحدود الكتابة اللغوية المجمعية لا سيما في الجانب المتعلق بالمصطلح والمعجم. كما نبين من خلال هذه الدراسة هيمنة النزعة المحافظة داخل المجمع وكيف أن المجمع لم يستفد من الآراء اللسانية الجديدة التي عرضها بعض الأعضاء والتي كان بإمكانها أن تقدم الحلول المناسبة لبعض القضايا الشائكة التي عالجها المجمع.

        إن التحدي الحضاري الذي واجهته اللغة العربية منذ ما عرف بالنهضة وما زالت تواجهه إلى اليوم لم يزدد مع مرور الوقت إلا قوة وصلابة أمام ضآلة النتائج العلمية المحصل عليها في غياب سلطة لغوية شاملة يخضع لها الجميع أو يستأنس بها الكل في أحسن الأحوال. فأسئلة النهضة مثل: كيف تواجه اللغة العربية مظاهر الحضارة الغربية؟ وكيف ننمي اللغة العربية ونجعلها عملية ووظيفية لرفع التحديات والعقبات. هذه الأسئلة ما تزال تطرح نفسها بإلْحَاح شديد وربما بدرجة أكبر أمام تضخم غول العولمة وسيادة مجتمع المعرفة العالمي من جهة والتوتر القائم بين الهوية العربية بجميع مقوماتها ومنها اللغوية والهيمنة الاقتصادية والسياسية العالمية التي لا تتردد في قطع الطريق أمام كل الخصوصيات اللغوية والثقافية لا سيما إذا كانت لها مقومات وخلفيات فكرية ومجتمعية مغايرة لما هو سائد في الغرب.

 

1 - نشأة المجامع اللغوية

       1-1. من أجل عربية حضارية

        نشأت المجامع العلمية واللغوية العربية بدمشق والقاهرة وبغداد وعمان نظراً للمتطلبات الملحة التي استوجبتها الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي عاشها العالم العربي منذ عصر النهضة. وتنحصر هذه المتطلبات في الدور الحضاري الذي يمكن أن تقوم به اللغة العربية في حياة الإنسان العربي. وعلى غرار ما حاول بعض القادة العرب - آنذاك - القيام به سياسياً واجتماعياً، تركز النظر حول دور اللغة العربية الفاعل في كل عمل نهضوي سواء أتعلق الأمر بالجانب السياسي أو الاجتماعي أو العلمي أو الأدبي، إذ لا إصلاح ولا نهضة بدون إحياء لغة الأمة.

        إن المجامع التي تأسست في العالم العربي منذ بداية القرن العشرين لم تنظر إلى اللغة العربية في «حد ذاتها ومن أجل ذاتها»، وإنما باعتبارها وسيلة فعالة لدعم النهضة السياسية والاجتماعية. كان الاهتمام باللغة العربية في المجامع - موازياً لاهتمامات معرفية أخرى بدءً «بنشر الآداب العربية وإحياء مخطوطاتها وتعريب ما ينقصها من كتب العلوم والصناعات والفنون عن اللغات الأوربية وتأليف ما تحتاج إليه من الكتب المختلفة المواضيع على نمط جديد (...) وبجمع الآثار القديمة من تماثيل وأدوات وأوان ونقود وكتابات وما شاكل ذلك ولا سيما ما كان منها عربياً. كما عني بجمع المخطوطات القديمة الشرقية والمطبوعات العربية والإفرنجية على اختلاف موضوعاتها»([2]). وتتضح هذه القضايا من خلال مجلة "المجمع" التي  «تحتوي على دراسات في فقه اللغة والتاريخ والآداب والاجتماع من تأليف الأعضاء وغيرهم من الباحثين والدارسين»([3]).

        وقد كان مجمع اللغة العربية بالقاهرة أكثر التصاقاً باللغة العربية وقضاياها النحوية والصرفية واللغوية والمعجمية لجعلها أكثر قدرة على مواجهة الحياة الجديدة ومواكبة لمظاهر التقدم العصري في مجال العلم والصناعة والاجتماع...

        حددت أعراض هذا المجمع فيما يلي:

 

‌أ.       أن يحافظ على سلامة اللغة العربية، وأن يجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها ملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر وذلك بأن يحدد في معاجم أو تفاسير خاصة أو بغير ذلك من الطرق ما ينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب.

‌ب. أن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثاً دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وتغير مدلولاتها.

‌ج.   أن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة بمصر وغيرها من البلاد العربية.

‌د.     أن يبحث كل ما له شأن في تقدم اللغة العربية مما يعهد إليه([4]).

 

        وأضيفت لهذه الأغراض بعد عشرين سنة «نشر ما يراه لازماً لأعمال المعجم ودراسة فقه اللغة من النصوص القديمة بالطرق العلمية»([5]). ثم أصبحت قضايا المجمع وموضوعاته أكثر اتساعاً وشمولية حين بات من أهدافه مناولة جوانب معرفية وفنية أخرى تخرج عن حدود الأغراض اللغوية التي تم سردها. لقد أضيف لأغراض المجمع:

 

-       الدراسات العربية وإحياء تراث العرب في العلوم والفنون والآداب وعلاقة ذلك بتاريخ العرب وآثارهم وحضاراتهم وصلتها بالحضارات وأثرها فيها وتأثرها بها (...).

-       نشر الوثائق والنصوص التاريخية والآثار التي خلفها أدباء العرب وعلماؤها ومفكروها والتنويه بأعمال المؤلفين والأدباء وأصحاب البحوث التي تخدم أغراض المجمع([6]).

 

        وجاء أيضاً ضمن الأغراض الجديدة للمجمع:

 

-       يدرس المجمع ما من شأنه تيسير الكتابة العربية وقواعد النحو والصرف، ويتلمس الوسائل إلى التشجيع على التنافس في الإنتاج الأدبي واللغوي كما يعمل على إحياء الكتب القديمة([7]).

 

        مما لاشك فيه أن الأهداف السالفة لها قيمتها "المعرفية" إضافة إلى "قيمتها التاريخية"، لا سيما إذا أخذنا بالحسبان الظروف الحضارية التي ظهرت فيها المجامع من خدمات جليلة للغة العربية قصد النهوض بها بدءً من جمع جديد لمفرداتها والتكفل بتأليف المعجمات اللغوية المناسبة مثل ("معجم الوسيط" 1960) ووضع المصطلحات العلمية بالعربية وألفاظ الحضارة الملائمة. وقامت المجامع - لا سيما مجمع اللغة بالقاهرة - بالبحث في كل السبل التي تيسر النحو العربي وتجعله وظيفياً ليستفاد منه تربوياً. وكذلك كان دأب المجامع اللغوية العربية بالنسبة لتيسير الخط العربي ليكون في مستوى ما تقدمه صناعة الطباعة من تقنيات حديثة([8]). ونجد «في محاضر المجمع ومجلته دراسات قيمة وبحوثاً عميقة (...) وليست ثمة مشكلة من مشاكلنا الحاضرة في الأدب واللغة إلا وله فيها رأي أو توجيه. وقد تكون هناك قضايا لم يقطع فيها برأي ولكنه قلبها على وجوهها واقترنت فيها الحجة وألقي عليها كثير من الضوء»([9]).

 

2 - المحاور الكبرى في البحث اللغوي المجمعي

        تمحورت اهتمامات المجمعيين حول القضايا اللغوية التالية:

 

-       وضع المصطلحات العلمية وألفاظ الحياة.

-       مشروع معجم عربي حديث.

-       تيسير النحو العربي وتطور أساليب العربية.

-       تيسير الإملاء والطباعة العربية، وهي مسألة لن نعرض لها في هذا البحث لأنها تخرج عن صلب العمل اللساني الصرف([10]).

       

 

    2-1. وضع المصطلحات العلمية وألفاظ الحضارة

        يعد مجمع اللغة بالقاهرة([11]) نموذجاً لباقي المجامع العربية. وقد تشكل هذا المجمع منذ نشأته من مجموعة من اللجان التي أنيط بها النظر في المصطلحات العلمية المتنوعة وألفاظ الحضارة([12]). ونذكر من هذه اللجان:

 

-               لجنة الرياضيات (الحساب والهندسة والجبر وعلم الآلات والحيل والفلك).

-       لجنة العلوم الطبيعية والكيمياء (بصريات وكهربا والمغناطيس).

-       لجنة علوم الحياة والطب.

-       لجنة العلوم الاجتماعية والفلسفية (علوم الاجتماع كالحقوق والاقتصاد والسياسة والإدارة ووصف الشعوب. أما العلوم الفلسفية فمنها علم النفس والمنطق والأخلاق والتصوف والإلهيات والدينيات).

-       لجنة الآداب والفنون الجميلة (تاريخ، جغرافية وما يتعلق بالمدينة وما إليها والمنزل وأجزائه وأدواته ومصطلحات الصناعات والحرف وما إليها)، ومن الفنون (الرسم، التصوير، النحت ونقر الخشب والموسيقى بأنواعه وآلاته وأجزاء آلاته والمثيل والخيالة والشعر).

-       لجنة المعجم.

-       لجنة اللهجات.

-       لجنة الأصول العامة (التصنيف والتعريب والتوليد والاشتقاق)([13]).

 

        وهكذا تآزرت جهود أعضاء اللجن المذكورة لوضع المصطلحات والألفاظ التي أضحت العربية الحديثة في حاجة إليها. وقلما صدر عدد من مجلة المجمع دون لوائح مطولة بالمصطلحات التي اقترحها المجمعيون في مختلف مجالات العلم والحياة([14]).

        ما المقصود بالمصطلح؟ إنه «اللفظ أو الرمز اللغوي الذي يستخدم للدلالة على مفهوم علمي أو عملي أو فني أو أي موضوع ذي طبيعة خاصة».

        لكن ما هي القاعدة المنهجية التي اتبعها المجمع في وضع المصطلحات؟ «الواقع أنه لم يستقم له لأول وهلة منهج لوضع المصطلحات وإقرارها. وتردد في ذلك زمناً: أيخترع أم يسجل؟ أيعرب أم يحيي الألفاظ القديمة؟ أيقبل العامية أم يأخذ من الفصحى وحدها؟ أيسلم بالنحت أم يرفضه»([15]).

        تلك بعض الإشكالات المنهجية التي واجهت المجمع وهو يحاول صوغ المصطلحات. غير أن المجمعيين لم يخرجوا في وضعهم للمصطلحات عن الأسس المعروفة قديماً في توليد الألفاظ العربية وتنميتها وهي: الاشتقاق والمجاز، والنقل والنحت والتعريب. وتم تقنين هذه المبادئ وتحديدها وتوضيح شروط تطبيقها، ومكنت الوسائل السالفة اللغة العربية من ابتكار المصطلحات العلمية الجديدة والألفاظ العامة التي تحتاجها العربية لمواجهة مستجدات العلم واختراعاته.

        واتسم موقف المجمع بكثير من المرونة والانفتاح في توليد الألفاظ العربية الجديدة سواء كانت مصطلحات علمية أم ألفاظاً حضارية. وتوسع في الاشتقاق وزواج بين التعريب والاشتقاق ومزج بين المولد والمقيس بعد أن ضبط كلاً منهما وسمح بما لم يسمح به أئمة اللغة العربية من قبل.

        أما الاشتقاق «فأخذ كلمة من كلمة أو أكثر مع تناسب بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى»([16]). وتجاوز المجمع مبدأ الاشتقاق من الصيغ الفعلية «فأجاز الاشتقاق من الأسماء الأعيان»([17])، «لتدليل عقبة وضع مصطلحات العلوم الكيمائية والطبيعية والحيوية»([18]). واعتبر قرار الاشتقاق من أسماء الأعيان خاصاً بلغة العلوم ضرورة([19]). وعلل أحد المجمعيين اللجوء لهذا القياس الجديد بأنه «أخذ بما ذهب إليه ابن جني وأبي علي الفارسي واستناد لمجموعة من الشواهد اللغوية القديمة لهذا النوع من الاشتقاق: ومن ذلك قولهم مُذهَّب (من ذهَبَ) مُدَنَّر (من دينار) مُدَرْهَمٌ (من درهم)». وعلى هذا المنوال القديم يجوز لنا أن نقول «مُنَحَّس (من النحاس) مُبَلَّر أو مُتَبَلَّر (من البلور) مُقصْدَر (من القصدير) مُكَهْرَب (من الكهرباء) مُغَنْطَسٌ (من المغنطيس)»([20]).

        وتميز مجمع اللغة العربية بالقاهرة بمواقفه الجديدة الإيجابية حيال بعض الأوزان الصرفية التي أقر أنها قياسية رغم أنها لم تكن كذلك من قبل، كدلالة «فِعالة على الحرفة أو شبهها من أي باب من أبواب الثلاثي»، «ودلالة فَعَلان على الاضطراب من كل فعل لازم مفتوح العين إذا دل على تقلب واضطراب»، و«قياس فُعال» من الفعل اللازم المفتوح العين للدلالة على المرض «(كُباد أي مصاب بداء الكبد) وقياس فُعال وفَعيل للدلالة على الصوت»، و«قياس مِفْعَل ومِفْعَلَة ومِفْعَال من الثلاثي للدلالة على الآلة التي يعالج بها الشيء». واعتبر المجمع أن «تعدية الفعل الثلاثي اللازم بالهمزة قياسية»([21]). ومن القرارات الهامة في وضع المصطلح قول المجمع بقياسية المصدر الصناعي و«يكفي لتكوينه أن يضاف إلى الكلمة ياء نسب وتاء تأنيث فيقال المثالية والكانطية. ولهذا المصدر أهميته في الدلالة على المعاني العلمية الدقيقة، وخاصة أسماء المذاهب والنظريات مما هو مفتوح بـ isme في اللغات الأوربية»([22]).

        ورغبة منه في تسهيل مهمة وضع المصطلحات عدل المجمع عن قراره بإجازة الاشتقاق من أسماع الأعيان للضرورة جاعلاً هذا الصنف من الاشتقاق جائزاً من غير تقييد بالضرورة([23]).

        أما ما يتعلق بالتعريب، فقد سمح المجمع بأن «تستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم»([24]). وتم قبول أسماء مثل أوكسجين وهيدروجين وأنزيم وأيون وإلكترون([25]). كما أجاز المجمع مجيء بعض الأفعال من الأسماء المعربة فوافق على اشتقاق "بَسْتَرَ" وهو مأخوذ من باستور صاحب الطريقة الخاصة في التعقيم، و"بَلْوَرَ" من البلور وهو معرب قديماً و"بَلْشَفَ" من البُلْشِفِيَّة و"تَلْفَنَ" من التلفون و"فَبْرَكَ" من الفابريكة، والمراد بالفعل صنع الشيء بالآلة (...) و"كَهْرَبَ" من الكهرباء، وقد أقر المجمع تعريب الاسم([26]).

        وإضافة للقرارات السالفة قرر المجمع من المبادئ والأصول العامة لوضع المصطلحات والألفاظ هي:

 

-         الأول: يفضل اللفظ العربي على المعرب القديم إلا إذا اشتهر المعرب.

-         الثاني: ينطلق بالاسم المعرب على الصورة التي نقطت بها العرب.

-         الثالث: تفضل الاصطلاحات العربية القديمة على الجديدة إلا إذا شاعت.

-         الرابع: تفضل الكلمة الواحدة على كلمتين فأكثر عند وضع اصطلاح جديد إذا أمكن ذلك، وإذا لم يمكن ذلك تفضل الترجمة الحرفية([27]).

        تلك بعض الأصول التي حاول المجمع إتباعها في وضع المصطلحات والألفاظ، غير أن وفرة المصطلحات والألفاظ الأجنبية التي كان ينبغي إيجاد مقابل عربي لها وتعدد الاختصاصات والمجالات المعرفية والتباطؤ في صوغ المصطلحات والتعامل معها، كل هذه العوامل حدت كثيراً من قيمة عملية الوضع هاته، وجعلتها عملية صعبة ومعقدة بعد أن تكاثرت المصطلحات، وتعددت داخل الحقل المعرفي الواحد بين ما هو جديد، وما هو قديم وبين ما هو معرب قديم ومعرب حديث. كما تراجع المجمع نفسه عن كثير من المصطلحات التي تم وضعها من قبل. وانعكس ذلك كله على تداول هذه المصطلحات فصار لكل قطر من الأقطار العربية في مصر والشام والعراق وبلاد المغرب أوضاعه اللغوية ومصطلحاته الخاصة([28])، ولم تتمكن المجامع بعد من تنسيق جهودها لتوحيد المصطلحات كما لم يستطع مكتب تنسيق التعريب بالرباط - الذي أحدث لهذه الغاية - أن يقوم بهذا الدور إلا جزئياً وما تزال الاقتراحات تتقدم في هذا الاتجاه([29]).

        ورغم ذلك كله لا يمكن لأي أحد أن يتجاهل الدور الذي قام به المجمع وما أولاه المجمعيون من اهتمام للمصطلحات وضعاً وتعريباً. فقد وضع مجمع القاهرة «منذ نشأته ما يقرب من خمسين ألف مصطلح وهو ما يعادل وضع خمس كلمات في اليوم لمدة ثلاثين سنة»([30]). ومما لا شك فيه أن هذا العدد قد تضاعف اليوم مرات ومرات.

        والواقع أن مسألة تعدد المصطلح في الثقافة العربية ترجع لأسباب موضوعية منها «أن العربية اليوم تأخذ ولا تعطي (...) واختلاف اللغات التي يترجم عنها العرب»([31])؟

        ونلحظ عدم مردودية المصطلحات والألفاظ المقترحة من قبل المجمعيين من خلال ما نصادف في قراءتنا للمؤلفات العربية المعاصرة - أياً كان مجال اختصاصها المعرفي - مصاحبة المصطلح العربي لنظيره الأجنبي، وما يزال معظم المؤلفين العرب يملؤون مؤلفاتهم بقائمة المصطلحات التي يقترحونها باعتبارها أكثر ملاءمة من غيرها.

        بصفة عامة يتسم العمل المجمعي في صوغ المصطلح ووضعه بجملة من الأمور نذكر منها:

 

1-                     التأخر في مواكبة ما يَجِدُّ من مصطلحات العلوم الإنسانية والعلوم الصرف.

2-       عدم الإحاطة الشاملة بكل مصطلحات العلوم الإنسانية وغيرها في جميع اتجاهاتها.

3-       انحصار ما تقترحه المجامع من مصطلحات في إطار محدود. فلا يكتب لها الشيوع والانتشار بين المختصين العرب أنفسهم نتيجة عدم تعميم توزيعها على الباحثين العرب، كما لا تشجع المجامع استخدام ما تقترحه من مصطلحات بسبب عدم استشارتها للباحثين العرب، بل تكتفي بأعضاء لجانها وما يرونه في الموضوع.

 

        كم باحث في العلوم الإنسانية - أو في غيرها - يأخذ بعين الاعتبار ما تضعه المجامع من مصطلحات؟ بل كم منهم يعرف أن ثمة مصطلحات وضعتها المجامع العربية؟

        إن إشكالية المصطلح في الثقافة العربية الحديثة -على خلاف ما يعتقد- لا تكمن في وضعه فحسب، ذلك أن «أزمة مصطلحاتنا ناشئة عن ضيق حدود استعمالنا لها»([32]).

 

 

3 - نحو معجم عربي حديث

        اهتمام الثقافة اللغوية العربية الحديثة بقضايا المعجم سبقت الإشارة إلى اهتمام اللغويين اللبنانيين بالمعجم العربي نقداً وتأليفاً. وتميز اللغويون اللبنانيون بريادتهم لهذا النوع من البحث اللغوي. وليس هنا مجال عرض ما تم القيام به في هذا الباب. بصفة عامة، دارت الحركة المعجمية في لبنان وغيره من الأقطار العربية خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حول المحاور التالية:

 

-       التنبيه على أخطاء المعجميين العرب القدامى سواء فيما يتعلق بترتيب الكلمات أو شرح معانيها.

-       استدراك ما فات المعاجم العربية القديمة من كلمات.

-       محاولة وضع معجم عربي حديث ينمي المعاجم العربية القديمة ويطورها ويكون وافياً بحاجيات العصر الحديث  ومقتضياته.

 

        وقد صاحب هذه المحاور حركة نشر واسعة للمعاجم العربية القديمة، وقد حمل مشكل هذا النشاط المعجمي علماء لغويون كثيرون من عرب وعجم أشهرهم على الإطلاق أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني ودوزي([33]).

        وتابع مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ نشأته سنة 1932 هذه المسيرة بحثاً عن معجم عربي حديث، وقد أسندت مهمة ذلك لكل المهتمين بالبحث المعجمي من عرب وأعاجم المتواجدين تحت سقف المجمع. في هذا الاتجاه حاول المجمع أن ينشر تحت إشرافه ودعمه المادي المعجم الذي وضعه المستعرب الألماني أوغست فيشر عضو المجمع، وهو معجم تاريخي صنفه صاحبه على «غرار معجم أكسفورد التاريخي فيصعد للنصوص الأولى لتوضيح معاني الكلمات ويتتبع تاريخها وتغير مدلولها»، غير أن هذا المشروع الضخم لم يخرج للوجود إذ توفي فيشر سنة 1949. حاول المجمع أن يستخدم جذاذات فيشر قاعدة للمعجم التاريخي للغة العربية لكنه لم يفلح «لاستحالة تحقيق هذا الغرض لأن الجذاذات لم تتم وما تم منها لم يرتب، والكتب التي روجعت وجمعت منها المواد لم يتبين ما قرئ منها وما بقي بلا قراءة»([34])، لذلك لم ينشر من عمل فيشر سوى «المقدمة التي [كان المؤلف قد] راجعها والجزء الذي نشره في مجلة المجمع»([35]).

        تابع المجمع المحاولات الرامية لوضع معجم عربي حديث يتجاوز نقائص المعاجم العربية القديمة ويكملها نتيجة ضرورات الحياة العصرية فأصدر سنة 1970 الجزء الأول من "المعجم الكبير" وصدر الجزء الثاني منه في بداية الثمانينيات. يتميز "المعجم الكبير" من حيث مصادره اللغوية اعتماده الشعر والنثر العربيين مهما يكن العصر الذي أنشئ فيه دونها تحديداً لما درج على تسميته بعصور الاحتجاج، كما أخذ المعجم مادته من الحديث النبوي والأقوال المشهورة. واهتم  بالألفاظ الطارئة حديثاً على العربية نتيجة تقدم الحضارة ورقي العلم. و"المعجم الكبير" يتجاوز بذلك كل المعاجم العربية القديمة منها والحديثة، ليعكس حرص فئة كبيرة من المجمعيين على تطوير اللغة العربية وإنمائها بألفاظ حديثة.

        اعتمد المجمعيون في تأليف "المعجم الكبير" منهجية جديدة تجمع بين ما قام به بعض القدامى في معاجمهم وما اتبعته أمهات المعجميات الغربية الحديثة. لقد «نحي في هذا المعجم المعاجم الغربية في استخلاص المعاني العامة المشتركة التي تدور حولها ألفاظ المادة الواحدة والتي تشبه إلى حد كبير ما سماه ابن فارس الأصول أو المقاييس وقدمها في صدر كل مادة مع ترقيمها وقسمت المادة نفسها إلى أقسام بحسب معانيها التي استنبطت منها وأعطى كل قسم الرقم الذي وضعه تحت معناه في صدر المادة»([36]).

        ويتميز "المعجم الكبير" بمحاولته الفريدة في البحث عن أصول الألفاظ العربية، فأردف الألفاظ العربية بنظيراتها في اللغات السامية - أو في غيرها من اللغات - كلما كان ذلك ممكناً.

        على أن أهم عمل معجمي قام به المجمع اللغوي بالقاهرة يتمثَّل في إنجازه "للمعجم الوسيط" الصادر سنة 1960. يعتمد "الوسيط" من حيث المادة، اللغة العربية قديمها وحديثها، «يضع ألفاظ القرن العشرين إلى جانب ألفاظ الجاهلية وصدر الإسلام ويهدم الحدود الزمانية والمكانية التي أقيمت خطأ بين عصور اللغة المختلفة ويثبت أن في اللغة العربية وحدة تضم أطرافها»([37]). ويحتوي المعجم المصطلحات العلمية الشائعة سواء منها ما وضعه المعجميون أو غيرهم وسواء أتعلق الأمر بالمعرب أو بالدخيل. واحتلت الألفاظ العامة والمصطلحات الحديثة حيزاً لا يستهان به من حجم المعجم، ففيه من الدخيل 237 كلمة والمولد 535 والمحدث 651 وزاد ما أقره المجمع 1283 [من مجموع 2706] أي بنسبة 9 % من مواد المعجم (30.000([38]).

        كما أورد "المعجم الوسيط" الأساليب الرائجة على أقلام الكتاب وألسنة المتعلمين المحدثين مبتعداً عن «الألفاظ الحوشية الجافية أو التي هجرها الاستعمال لعدم الحاجة إليها أو قلة الفائدة منها كبعض أسماء الإبل وصفاتها وأدوائها وطرق علاجها (...) كذلك أغلقت بعض المترادفات التي تنشأ عن اختلاف اللهجات»([39]).

        وأفاد واضعو "المعجم الوسيط" من قرارات المجمع اللغوية فطبقوها في عملية وضع مواد المعجم وتفسيرها اللغوي والصرفي والنحوي ومن هذه القرارات الهامة:

-       فتح باب الوضع للمحدثين بوسائله المعروفة من اشتقاق وتجوز وارتجال.

-       إطلاق القياس ليشمل ما قيس من قبل وما لم يقس.

-       تحرير السماع من قيود الزمان والمكان ليشمل ما يُسمع اليوم من طوائف المجتمع كالحدادين والنجارين والبنائين وغيرهم من أرباب الحرف والصناعات.

-       الاعتداد بالألفاظ المولدة وتسويتها بالألفاظ المأثورة عن القدماء([40]).

 

        وجاء "المعجم الوسيط" سهل التناول ميسر الترتيب بحيث رتبت الكلمات بحسب نطقها - أي هجائياً - لا بحسب تصريفها. واستعمل المعجم لغة عصرية واضحة في التعريفات والشروح التي جاءت معززة «بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأمثال العربية والتراكيب البلاغية المأثورة عن فصحاء الكتاب والشعراء»([41]).

        وزين "المعجم الوسيط" بالصور والرسوم المساعدة على الإفهام بلغ عددها ستمائة صورة([42]). واعتمدت اللجنة الواضعة للمعجم الوسيط في ترتيب المواد المعتمدة منهجية موحدة وواضحة تتلخص فيما يلي:

 

-       تقديم الأفعال على الأسماء.

-       تقديم المجرد على المزيد من الأفعال.

-       تقديم المعنى الحسي على المعنى العقلي والحقيقي على المجازي.

-       تقديم الفعل اللازم على الفعل المتعدي([43]).

 

        والواقع أن الحركة اللغوية المعجمية قدمت من خلال إخراجها "للمعجم الكبير" و"المعجم الوسيط"([44]) خدمة جليلة للغة العربية المعاصرة. وقد حمد المتتبعون اللغويون ما بذله المجمع من عناية فائقة وجهود طويلة وشاقة لإخراج معجم في مستوى "المعجم الوسيط". فهو «أقرب معاجمنا إلى الكمال في الجمع والترتيب والتيسير»([45])، و«توافر فيه من أسس التجديد المعجمي ومظاهره ما يهيئ له مكاناً مرموقاً بين المعاجم المعاصرة»([46]).

 

    2-3. تيسير النحو العربي

        إن محاولات تيسير النحو العربي وقواعده ليست وليدة القرن العشرين. سار النحو العربي منذ نشأته في اتجاهين متوازيين يمثل أحدهما التآليف المتخصصة بدقائق النحو وغرائب اللغة ويمثل الآخر التآليف التعليمية التي تهدف إلى تيسير النحو وتسهيل تعليمه للشاذين من أبناء العربية وللأعاجم الراغبين في تعلمها([47]). وتزايد الاهتمام بمسألة تبسيط قواعد النحو العربي منذ بداية النهضة فكانت محاولات رفاعة الطهطاوي في كتابه "التحفة المكتبية" وسيد المرصفي في "الوسيلة الأدبية وغيرهما"([48]). وارتبطت الأبحاث اللغوية في كثير من الحالات بمسألة تدليل صعوبات العربية وقواعدها بإصلاح طريقة التعليم والاستعانة بأساليب التربية الحديثة واختيار الكتاب المدرسي الملائم لتدريس اللغة وعرض قواعدها([49]).

        اهتم مجمع اللغة العربية بالقاهرة بقضية "تيسير النحو العربي" عندما كانت وزارة المعارف قد ألفت لجنة للبحث في تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة ورفعت هذه اللجنة تقريرها إلى الوزارة فعرضته الوزارة على المجمع لتعرف آراءه فيما قررته اللجنة من المقترحات([50]).

        لا يسعنا المقام لعرض مقترحات لجنة وزارة المعارف المصرية لذلك نكتفي بتقديم الأفكار الموجهة لهذه المقترحات تسهيلاً لإدراك موقف المجمع من مسألة "تيسير النحو العربي"([51]).

        لاحظ تقرير "تيسير النحو" المقدم من قبل اللجنة المذكورة «أن أهم ما يعسر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء:

 

أ و لاً :  فلسفة حملت القدماء على أن يفترضوا ويعللوا ويسرفوا في الافتراض والتعليل.

والثاني : إسراف في القواعد نشأ عنه إسراف في الاصطلاحات.

والثالث: إمعان في التعمق العلمي باعد بين النحو وبين الأدب»([52]).

 

        استهدف التقرير تيسير أبواب النحو العربي التالية:

 

0 الإعراب: - وما يتعلق به من إعراب تقديري ومحلي والاستغناء عن ذلك.

-    العلامات الأصلية للإعراب والعلامات الفرعية.

0   الجملة: - أركانها الأساسية تسمية الارتكان، أحكام إعرابهما الترتيب بين الموضوع والمحمول، المطابقة بينهما.

-   التكملة وأغراضها.

0   الأساليب: - وتضم تراكيب التعجب والتحذير والإغراء والتفضيل وما شابهها.

 

        أما الصرف فقد رأت اللجنة «أن أكثر مسائله من بحوث فقه اللغة التي لا يحتاجها البادئ بل لا يصل إليها فهمه كالإعلال والإبدال والقلب»([53]).

        نظر المجمع اللغوي ابتداء من سنة 1945 في تقرير اللجنة ومقترحاتها فأصدر جملة من القرارات يُكمل معظمها ما جاء في تقرير اللجنة:

                ð أكد المجمع أن «أي رأي - في تيسير النحو - يؤدي إلى تغيير في جوهر اللغة وأوضاعها العامة لا تنظر إليه اللجنة لأن مهمتها تيسير القواعد»([54]).

        غير أن المجمع لم يحدد طبيعة جوهر اللغة وأوضاعها العامة، لذلك فإن قراراته أبقت على كثير من الآراء اللغوية القديمة كتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف. ووافق المجمع على جل مقترحات لجنة وزارة المعارف المتعلقة بالقضايا النحوية التالية:

 

        ð إعراب الأسماء المبنية حيث يستغنى عن الصيغ المألوفة في إعراب المبنيات وفي إعراب الاسم الذي تقدم عليه الحركات (...) ويستغنى عن الصيغ المألوفة في الدلالة على العلامات التي تنوب عن الحركات الأصلية...

        نقول في إعراب "من" في "جاء من أكرمني". من اسم موصول مبني مسند إليه محله الرفع وفي إعراب الفتى والقاضي في "جاء الفتى والقاضي" نقول: اسمان مسند إليهما محلهما الرفع. ونقول في إعراب الزيدان في "جاء الزيدان": الزيدان مسند إليه مرفوع بالألف.

        ð تسمية ركني الجملة بالمسند والمسند إليه كما اختار علماء البيان.

        ð كل ما ذكر في الجملة غير المسند والمسند إليه تكملة منصوبي على علامات النصب إلا إذا كان مضافاً أو مسبوقاً بحرف جر أو تابعاً من التوابع. يقال في إعراب قمت إجلالاً لك: قمت: صيغة ماضي للمتكلم وإجلالاً تكملة للفعل لبيان السبب.

        في "جاء زيد "راكباً" يقال "راكباً: تكملة لزيد مبنية للحال.

        وفي "سرت والنيل". يقال "النيل" تكملة لفعل لبيان المصاحبة.

        ð التركيب مثل التعجب والإغراء والتحذير والتفضيل... ويسميها تقرير اللجنة الأساليب - تدرس على أنها تراكيب يبنى معناها واستعمالها ويقاس عليها، نقول في ما "أحسن الجو" ما "أحسن" صيغة تعجب والاسم بعدها المتعجب منه منصوب.

        نقول في "إياك والنار" أو "النار النار". تراكيب تحذير والاسم فيها منصوب([55]).

        ð اعتبار علم الصرف من فقه اللغة ولا داعي لتدريسه للناشئة([56]).

 

        يلاحظ مما تقدم أن المجمع وافق على معظم ما جاء في تقرير لجنة وزارة المعارف من اقتراحات، ولا غرو في ذلك فقد كان بعض أعضاء المجمع أو المقربين أو المقترحين للانضمام إليه، أعضاء في اللجنة التي صاغت مشروع وزارة المعارف إضافة إلى العلاقة المعنوية بين المجمع ووزارة المعارف المصرية.

        لم يحقق مشروع تيسير النحو العربي أهدافه بالرغم من مساندة المجمع، وأجمع كثير من الدارسين في مصر وغيرها من الأقطار العربية على رفض مقترحات تيسير النحو. ففي مصر كان لهذه الاقتراحات «أثر كبير في إثارة أنصار القديم وكان من أشدهم ثورة عليها بعض علماء الأزهر الذين عدوا عملها طعناً في قداسة اللغة وخروجاً عن الدين»([57]). وفي سوريا كما في العراق رفض المشروع جملة وتفصيلاً([58]).

6-3. إمكانات الكتابة اللغوية المعجمية وحدودها

       6-3-1. الكتابة اللغوية المجمعية بين المحافظة والتجديد

        الواقع أن كثيراً من القضايا المتعلقة بوضع المصطلحات والمعاجم وتيسير النحو العربي وتطوير أساليب العربية وعلاقة العربية الفصحى باللهجات، لم تكن كلها موضوع إجماع المجمعيين. إن الاختلاف بين العلماء أمر طبيعي إذا كان مبنياً على أسس نظرية ومنهجية محددة واضحة. غير أن الاختلاف بين لغويي المجمع لم يكن قائماً على اعتبارات من هذا القبيل، يتبناها هذا الفريق ويرفضها الآخر وتدرس في ضوئها قضايا العربية.

        إن المجمع فيه نزعتان:

 

-       الأولى: الميل إلى التوسع في القياس وتيسير اللغة للقائلين والرجوع إلى ما ورد من اللغة لمناقشة أقيسة النحاة وفقدها.

-       الثانية: التمسك بآراء النحاة وتقولهم. وقد شافه العرب متقدموهم وأتيح لهم ما لم يتح لمن بعدهم وخلفوا أقيسة تشهد بنفوذ بصرهم ودقة حكمهم واتساع جهدهم، وكانت النزعة الثانية أغلب على المجمع([59]).

 

        كان أصحاب النزعة الأولى يرغبون في جعل اللغة العربية أكثر مرونة وحيوية تتجاوب مع روح العصر الحديث. ونظر هذا "الاتجاه المجدد" إلى قضايا العربية بنوع من الحرية الفكرية، ومن أصحاب هذه النزعة شخصيات "فكرية" عرفت بانفتاحها الفكري والسياسي أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين وأحمد أمين (1886-1954) وأمين الخولي (1895-1966) وعباس محمود العقاد وإبراهيم مصطفى (1888-1962) وأحمد حسن الزيات. عرف هؤلاء بمحاولاتهم المتكررة لإصلاح اللغة العربية متناً وقواعد. لقد دعا أحمد أمين([60]) إلى إصلاح متن اللغة العربية بحذف الكلمات الحوشية التي يمجها الذوق ويكرهها السمع واستبعاد المترادفات التي لا حاجة إليها وحذف الكلمات الأضداد. كما يمجها الذوق ويكرهها السمع واستبعاد المترادفات التي لا حاجة إليها وحذف الكلمات الأضداد. كما طالب بفتح باب الاجتهاد في اللغة على مصراعيه. ودافع أحمد حسن الزيات عن حق المحدثين في وضع الكلمات لأنه "حق مقرر بالطبيعة لا مساخ للنزاع فيه"([61]).

        مقابل هذه المواقف والآراء المجددة سعى الاتجاه الثاني إلى المحافظة على روح اللغة العربية القديمة وسد الباب أما كل مظاهر التجديد اللغوي خوفاً على العربية من الضياع وركز أصحاب هذا الاتجاه أمثال أحمد العوامري (1876-1954) وأحمد الإسكندري (1875-1933) وحسين والي (1869-1936) وعطية الصوالحي ومحمد الخضر حسين (1877-1957) ومحمد علي النجار (1895-1965) اهتمامهم بعض التصويبات اللغوية المعيارية التي رأوا أنها من "عثرات اللسان" و"الأقلام". وكان ذلك واضحاً عند مجمعي القاهرة ودمشق([62]) على حد سواء.

        وتعكس محتويات مجلة المجمع ومحاضر الجلسات والبحوث التي ألقيت في المؤتمرات السنوية للمجمع التعارض البين في مواقف المجمعيين إزاء سلامة أو خطأ كثير من الأساليب العربية([63]).

        ولم يتردد أحد المجمعيين في الإشارة إلى الأخطاء اللغوية التي ارتكبها المجمعيون أنفسهم كقول بعضهم متحف و"منطقة" وإنكارهم لكلمة "مبرر" لأنها لم ترد بهذا المعنى([64])، ثم جاء رد معجمي آخر ليثبت أن هذه الكلمات غير قياسية فعلاً([65]).

 

       5-3-2. تهميش مبادئ الفكر اللساني الحديث في أعمال المجمع

        لا نريد أن ننتصر لهذا الاتجاه أو ذاك. إن ما يهمنا أساساً هو المنطلقات النظرية والمنهجية لكل فريق. وبصرف النظر عن مواقف المجمعيين تجاه القضايا اللغوية المدروسة فإن مواقفهم لم تكن قائمة على أسس نظرية ومنهجية مستمدة من علم اللغة/ (اللسانيات)، إن الدفاع عن هذا الرأي أو ذاك يعتمد أساساً بلاغة الإقناع والحجاج بالرجوع للنصوص اللغوية القديمة وتأويلها بما يلائم القضية المعروضة للنقاش في تجاهل شبه تام لأصول علم اللغة([66]). ومن الغريب أن الجمع ما فتئ منذ نشأته يردد أن من أهدافه الأساس دراسة العربية ولهجاتها علمياً. فأي عملية يقصد المجمع؟ وهل ثمة علمية في دراسة اللغة خارج علم اللغة (اللسانيات) وفروعه؟

        لقد شغل المجمع نفسه لمدة طويلة بكثير من القضايا الهامة في العربية صرفاً ونحواً ومعجماً. وتوصل المجمعيون إلى وضع كثير من القرارات في هذه الموضوعات كان بإمكانها أن تنمي العربية وتطورها بشكل ملموس لو أن بحوث المجمعيين كانت أكثر التصاقاً بالمبادئ النظرية لعلم اللغة الحديث. إن كثيراً من مشاكل المعجم العربي ما تزال قائمة ويتعين حلها في إطار العلوم الإنسانية المعاصرة وليس في إطار رؤية لغوية ضيقة خاصة بعلوم العربية وآدابها وتراثها. يعتبر وضع المعجم اليوم صناعة متطورة بالمعنى الدقيق. إن المعاجم أشياء مصنعة يخضع إنتاجها في المجتمعات المتقدمة لمتطلبات إعلامية وتواصلية، وتتحكم في صناعتها معطيات علوم أخرى خصوصاً العلوم الإنسانية، وفي اللسانيات. «إن مقاربة المعجم تستوجب من الدارس أن يطرح قضايا اللسانيات التي تكاد تكون كلها متجمعة فيه»([67]).

        تفيدنا اللسانيات العامة كثيراً في وضع المعجم (العربي) الحديث. إنها تمكننا مثلاً من التمييز بين «صناعة المعجم (المعاجمية) وبين علم المفردات "المعجمية" فالأولى عريقة تعتمد مناهج مختلفة في جمع مادة اللغة ووضعها أو ترتيبها والثانية تهدف إلى دراسة المعجم دراسة علمية نظرية وتطبيقية تتعلق بتقديم المداخل حسب وحدات معجمية وأخرى تركيبية معرفة تعريفاً ينتسب إلى إحدى النظريات الدلالية وما لها من صلة بقضية المدلول والدال»([68]).

        وللسانيات أيضاً أهميتها النظرية والمنهجية في تحديد طبيعة التعارف التي يقدمها المعجم للكلمات، هل هي تعاريف منطقية؟ أم اصطلاحية؟ أم لغوية؟ كما تفيدنا اللسانيات العامة في تحليلها لبعض الظواهر المعجمية الهامة كالمشترك اللفظي والمشترك المدلولي وعلاقتهما بالمحور الاستبدالي والترادف الجملي Paraphrase والتمييز بين دلالة الكلمة ومعناها. وتزودنا اللسانيات بمعلومات نظرية ومنهجية حول دور اللغة الواصفة وأهميتها في تحديد مداخل المفردات والفرق بين الوجهة التزامنية والوجهة التلاحقية في تحديد معاني المفردات.

        إن العمل المعجمي لم يعد يقتصر في عصرنا الراهن على جميع أكبر عدد من المفردات وشرحها بالاستناد إلى قواميس قديمة وحديثة وإعادة ترتيب كل ذلك، إن هذه العملية لا تخلف سوى تراكم في القواميس نفسها.

        أما مشروع تيسير النحو العربي الذي سانده المجمع فإنه لم يكن بعيداً في جوهره عن الأفكار النحوية العربية القديمة.

        إن المشروع لم يأخذ بعين الاعتبار ما وصل إليه البحث اللساني من نتائج نظرية ومنهجية في دراسة الجملة، إذ ظل النحو العربي في مشروع "التيسير"، "نحو أبواب" وليس "نحو جملة"؛ كما لم يكن المشروع شمولياً وإنما جاء «جزئياً وسطحياً، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه لم يجرؤ أحد على إصلاح النحو إصلاحاً منظماً لأن الإصلاح الشامل الذي يتناول مسألة النحو كاملة يعتبر الإصلاح الوحيد الكفيل بإبراز نتائج مثمرة علماً بأن المسائل النحوية مرتبطة»([69]).

        كان بإمكان البحوث المجمعية التي حاولت رصد ما اعتبرته "أخطاء لغوية" لدى مستعملي اللغة العربية حديثاً أن تكون بمثابة استقراء تام لبعض الاستعمالات الجديدة في العربية. إن عملاً من هذا القبيل سيشكل - ولا شك - أساساً ضرورياً للكشف عن مظاهر التطور اللغوي الذي عرفته اللغة العربية ويتحدث عنه دونما تحديد. إن اطراد ما سمي "بالاستعمالات الجديدة" أو ما اعتبر "أخطاء لغوية" هو في حد ذاته دليل على وجود قواعد ثابتة تحكم هذه الاستعمالات. ولو أن هذه الأبحاث اللغوية استهدفت الوصف الشامل والتسجيل الدقيق - بالرجوع لمبادئ لسانية في الموضوع - لكان ذلك أجدى وأفيد بالنسبة للدرس اللغوي العربي الحديث.

        إن تتبع "الأخطاء" بشكل معياري دون تحديد لطبيعتها. ودون تساؤل عن الأسباب المؤدية إليها وعلاقة الاستعمالات الجديدة بالاستعمال العربي الفصيح، نقول إن تتبعاً من هذا الصنف لا يفيد أبداً. لا يكفي أن نقول بأن الخطأ اللغوي ناتج عن ضعف في المستوى التعليمي والثقافي للمتكلم العربي وتعلق أبناء العربية بالثقافات الأجنبية وتغاضيهم عن العربية([70])، لا يكفي «أن نقضي العمر في تأليف الكتب في عثرات اللسان عند العامة وعند الخاصة كما فعل الشيخ عبد القادر المغربي وغيره دون أن يكون لها نفع لأنه لم يبحث عن السبب الذي جعلنا نقول الجرأة لا الجرأة والنسر لا النسر والخطة لا الخطة فهل اللغة لقلة مستعمليها أم لغلبتهم؟ من يمثل الصواب ومن يمثل الذوق؟ هل لنا حق فيهما وفي تطوريهما؟»([71]).

        إن الأعمال الجليلة التي قامت بها المجامع لم تكن لتحجب عنا كثيراً من الصعوبات المنهجية التي واجهت المجامع منذ نشأتها وما تزال تواجهها.

        يتضح جلياً من الأعراض التي رسمتها المجامع العربية غاية أن دراسة العربية لغوياً لم يكن أمراً مستقلاً عن الأغراض الفكرية الأخرى التي تقترب أو تبتعد من الدراسة اللغوية سواء في دراسة المصطلحات أو الدراسات الأدبية أو ما يتعلق بإحياء التراث. لم تهتم المجامع في دراسة اللغة العربية بما وصلت إليه الأبحاث اللسانية الحديثة. لقد تَمَّ التنصيص غير ما مرة على "الدراسة العلمية" للغة العربية ولهجاتها. لكن المجامع لم توضح معنى هذه الدراسة العلمية وما هو الأساس النظري والمنهجي الذي ستقام عليه الدراسة العلمية للعربية ولهجاتها. إن المجمع اللغوي بالقاهرة - مثلاً - ظل حتى حدود الستينيات مقتصراً على ترديد صدى المنهج التاريخي من خلال إلحاح أعضائه على «وضع معجم تاريخي للغة العربية وأن ينشر أبحاثاً دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وتغير مدلولاتها». هل تنحصر كل مشاكل اللغة العربية في وضع معجم تطوري؟

        الواقع أن اللغويين المنجمين قلما تحدثوا بدقة وعمق عن النظريات اللسانية الحديثة، مكتفين بإحالات عامة إلى بعض المفاهيم اللسانية وأسماء بعض العلماء كما فعل إبراهيم أنيس([72]) ومراد كامل في تقديمه لعلم الأصوات([73]) ومصطلحات علم اللغة التي وردت في بعض أعداد مجلة المجمع([74]). وقد بدأ تهميش المبادئ اللسانية أمراً واضحاً أثناء دراسة القضايا المطروحة على المجمع.

        لم تقدم المجامع أي دراسة لسانية للغة العربية في إطار لساني حديث سواء تعلق الأمر بالمنهج المقارن أو التاريخي أو الوصفي، ولعل مرد هذا التهميش أن أغراض المجامع - مهما اختلفت صياغتها وتعددت - ظلت منحصرة في المحافظة على العربية وإحيائها بجعلها لغة العلم والتعليم والحياة، لذلك ركزت المجامع اهتمامها على البحث في الوسائل التي تضمن تحقيق الأهداف الكفيلة بترقية اللغة العربية. وقلما خرجت المجامع اللغوية عن هذه الغاية "الحضارية" التي أنشئت من أجلها.   

        يرجع السبب الثاني في عدم الاهتمام بالتحليل اللساني الحديث للغة العربية لطبيعة المجمع ذاته باعتباره مؤسسة دورها الأساس المحافظة على اللغة العربية وتطويرها. إن المجامع حيثما وجدت أقرب إلى المحافظة والتقليد منها إلى التجديد «ولعل فكرة المجامع اللغوية ألصق بالماضي منها بالحاضر وأقرب إلى القرن السابع عشر منها إلى القرن العشرين»([75]). وقد دعم هذه النزعة نحو المحافظة والتقليد عدم وجود عدد كاف من اللغويين المجمعيين الأخصائيين في علم اللغة الحديث. إلا أنه لا ينبغي ربط غياب الأسس النظرية اللسانية في الخطاب اللغوي المجمعي بغياب الأفكار اللسانية ذاتها. لقد كان من بين المجمعيين من تعرف على الفكر اللغوي بمفهومه الغربي أمثال حامد عبد القادر وعبد الحميد حسن ومراد كامل وإبراهيم أنيس اللغوي المعروف([76]).

        إذا نحن تتبعنا ورود بعض الأفكار اللسانية الحديثة إلى رحاب المجمع بالقاهرة وجدنا أنها صدرت أساساً عن مجمعيين غير عرب أي المستشرقين.

        لقد تحدث مثلاً لويس ماسينيون (1883-1962) «عن البرامج الحديثة التي بدئ النظر فيها لجميع اللغات على مقتضى نظرية علم الصوتيات لمؤسسها Troubetskoy([77]) وبين ماسينيون للمجمعيين الفرق النظري والمنهجي بين علم الصوتيات Phonologie وعلم الأصوات Phonétique، فعلم الصوتيات ترﻛﻴﺒﻲ وعلم الأصوات تحليلي، وأهمية نظرية علم الصوتيات هي بحث الأشياء جملة كما هي في الحياة لا تفصيلاً كما في علم الترشيح([78]). كما عرض هذا المستشرق المجمعي لبعض المفاهيم النظرية في علم الصوتيات البنيوية فتحدث عن مفهوم "الورود Récurrence أو Fréquence. والحروف Opposées ومعناها المتباعدة "أي" أن الفرق الثابت بين الحروف المتناسبة أبعد مخرجاً في النطق. مثلاً هناك تباعد بين الفاء والباء والميم وهذا التباعد ثابت يميزها ويمنع الاشتباه بغيرها»([79]). ومعلوم أن المقصود بالحروف المتباعدة أو المتقابلة ما أصبح يعرف بالتقابلات، وهو المفهوم الذي أرسى دعائمه مدرسة براك انطلاقاً من قولة سوسور الشهيرة «ليس في اللغة إلا الاختلاف»([80]). عبر ماسينيون عن ذلك بشكل مبسط لا يخلو من فائدة قائلاً: «يقول علماء الصوتيات إنما الإنسان إذا فكر في مادة عامة كاللون ففكرة الأسود كامنة في ضميره إذا ذكر الأبيض لأن الفكر ترﻛﻴﺒﻲ وفكرة اللون تجمع النقضين. فالقضبان هما حدان يشيران إلى منتهى التباعد وأحدهما ملازم للآخر في التصور الذهني وفي الاصطلاح النطقي»([81]).

        وتحدث ماسينيون عن مفهوم القيمة الوظيفية للحرف Valeur fonctionnelle([82]) وهو أيضاً مفهوم بنيوي أكد عليه أساساً براك تربسكوي وجاكبسون ومن جاء بعدهم أمثال مارتيني([83]).

        وينتهي ماسينيون إلى القول بأن المعجم يمكن أن يستفيد من الصوتيات، «يمكن على أساس نظرية علم الصوتيات أن ننظم ذلك في المعجم»([84]).

        هذه مبادئ أساسية في البحث اللساني كان بإمكانها أن تثري أعمال المجمع والمجمعيون. إن الاكتفاء بالإحالات العامة لبعض "الأفكار" اللسانية الحديثة لم يكن كافياً لأن يقدم أي جديد على المستوى العملي. نعم إن ماسينيون وغيره من المستشرقين ليسوا لسانيين بالمعنى الدقيق لكلمة "اللساني" "Linguiste"، وصحيح كذلك أن الأفكار اللسانية التي عبر عنها المستشرقون داخل المجمع وخارجه - كما هو الشأن بالنسبة للآراء برجشترايس - لم تكن دقيقة وكافية للتعريف بالمبادئ النظرية والمنهجية لعلم اللغة الناشئ، لكن الصحيح أيضاً أن المجمعيين العرب لم يعطوا للسانيات العامة ما تستحقه من العناية والأهمية بالرغم من أنهم كانوا في أمس الحاجة لرؤية نظرية ومنهجية يمكن من خلالها تسليط أضواء جديدة على قضايا اللغة العربية.

        هل نجح المجمع في مهمته التاريخية رغم الإمكانات المادية والفكرية التي توفرت له؟ يبدو أن ثمة جملة من مظاهر النقص التي يمكن تبريرها كالتالي:

 

        أولاً: إن معاجمنا في مجملها تعكس تصوراً فكرياً من النمط التقليدي الذي يتطلب مجهوداً كبيراً بحثاً عن القليل.

        ثانياً: تضخم المادة المعجمية نفسها ومرد ذلك في نظرنا ارتباط المعجم بصورة غير محددة للغة العربية من حيث إنها حالة لغوية محددة بالمعنى العلمي الدقيق لكلمة حالة. فنحن لا نعرف بالتحديد أين تبدأ اللغة العربية وأين تنتهي. فمفردات اللغة العربية قد تنتمي للعصر الجاهلي كما قد تنتمي للعصر الحديث أو لعصر المقامات أو لأي مرحلة لغوية أخرى على عكس ما هو حاصل بالنسبة للغات أخرى. والنتيجة أن مفردات اللغة العربية تنتج وتفهم اليوم بشكل تقرﻳﺒﻲ والقارئ العربي لا يبدو أنه يرجع كثيراً للقواميس العربية للتدقيق في معاني الكلمات وذلك لعدة أسباب:

 

-       المعاجم العربية لا تقدم مداخل تناسب المعاني الجديدة للكلمات كما تستعمل اليوم.

-       صعوبة الاستعانة بالمعاجم العربية التي تتطلب معرفة أولية بصرف الكلمات العربية - الأصل والاشتقاق وما إلى ذلك.

-       الاعتقاد الراسخ بأن السياق اللغوي يمكن من الوقوف على المعنى التقرﻳﺒﻲ الذي يحتاجه القارئ أو الكاتب ويكفي النظر إلى استعمال أفعال الجهة les verbes de modalité في اللغة العربية اليوم مثل: ينبغي - يتعين - يتوجب - يجب - يستلزم - وما شابهها التي تستعمل اليوم عند العديد من الكتاب بمعنى واحد تقريباً رغم الفروق بينها في المعاجم العربية.

 

        ثالثاً: انتفاء السلطة اللغوية لدى المجامع العربية ونعني بذلك غياب العلاقة بين ما هو لغوي وما هو فكري أو اجتماعي أو حتى سياسي. فالمجامع أو الهيئات اللغوية التابعة له لا تمارس سلطتها اللغوية كما يحصل بالنسبة للغات أخرى، لأن الإرادة السياسية الوصية على المجامع لا تهتم كثيراً بالتدبير السياسي لقضايا اللغة العربية سواء في المحافظة عليها (إعلانات/ لغة الوصلات الإشهارية المسموعة والمكتوبة إلخ) أو في تطويرها وتنميتها والتخطيط لها تربوياً وإدارياً. ولا يمكن للمجامع اللغوية أن تستمد سلطتها اللغوية إلا حين يكون للغة وضع اعتباري فاعل اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وهو الوضع الذي تفتقده اللغة العربية رهناً بانحصارها في إطار معرفة محددة. فما أكثر قرارات المجامع منذ بداية القرن العشرين وما أكثر المؤسسات الرسمية المكلفة بالنهوض باللغة، لكن بالمقابل ما أكثر مظاهر الانحراف والتدمير والعوائق التي تعيشها اللغة العربية يومياً وعلى يد أبنائها قبل غيرهم. من يملك سلطة مراقبة لغة المذيع الصحافي والمعلق الرياضي والكاتب الصحفي والأديب؟ من يسهر على ضبط الاستعمال الصحيح للغة العربية لمعجم اللغة العربية وتراكيبها؟ من يسهر على تنسيق الاستعمال الصحيح والموحد للمصطلحات العربية في الأوساط الفكرية والجامعية عبر ما ينشر في العالم العربي من دوريات وكتب ودراسات؟ ندرك جيداً أنه لا مجال لفرض قيود جديدة من أي نوع على مستعملي اللغة، نحن لا ندعو إلى سلطة لغوية جديدة لفقهاء اللغة ونحاتها حتى ولو جاؤوا في تسميات جديدة، لكننا مع إجراءات وتدابير كفيلة برفع تحديات العصر اللغة ليس المعجم إلا عنصراً واحداً منها.

        لقد أشرنا في بداية هذه الدراسة أن الحركة اللغوية المجمعية ذات طبيعة حضارية قوامها جعل اللغة العربية لغة ملائمة للعصر الحديث ومتطلباته، لذلك فإن المجمع قلما نظر إلى العربية في "ذاتها". وإذا كانت المجامع قد حققت إلى حد كبير مهمتها الحضارية في النهوض باللغة العربية وتطويرها بشتى الوسائل والطرق فإنها لم تضف أي جديد يذكر في وصف العربية الفصحى وفق ما تقدمه النظريات اللسانية الحديثة من مفاهيم ومناهج.

        لقد كان الخطاب اللغوي المجمعي معاصراً في كثير من الموضوعات والقضايا التي طرحها للبحث والتداول لكنه كان تقليدياً في أسلوب تناولها والحديث عنها بالرغم من كثرة الإحالات العامة إلى "الدرس اللغوي الحديث" الواردة عند المجمعيين دون تحديد أو ضبط.

 

 



([1])      أصل هذه الدراسة عرض قدمه صاحبه في ندوة دولية حول المعجم العربي وتحديات العصر، نظمها معهد العالم العربي، باريس 16-17 يناير 2004.

([2])     محمد كرد علي، «منشور المجمع للمجلات والمجامع في مجلة المجمع العلمي»، دمشق، المجلد الأول، عدد 1، يناير 1921، ص. 6.

([3])      محمد رشاد الحمزاوي، مجمع اللغة العربية بدمشق والنهوض بالعربية، دار التركي للنشر، تونس، 1988، ص. 19.

([4])      «مرسوم بإنشاء مجمع ملكي لغة العربية بالقاهرة»، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 1، 1935، صص. 6-7.

([5])      مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 8، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1955، ص. ﻫ.

([6])      إبراهيم بيومي مذكور، مجمع اللغة في ثلاثين سنة، القاهرة، 1964، صص. 128-129.

([7])      المصدر نفسه، ص. 148.

([8])      كتاب أصول اللغة: مجموع القرارات التي أصدرها المجمع في الدورة من 29 إلى 34، القاهرة، 1969.

([9])      إبراهيم بيومي مذكور، مجمع اللغة في ثلاثين سنة، المرجع السابق، ص. 1.

([10])    أنظر مشروع تيسير الإملاء الذي قدمه أعضاء المجمع في: مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 8، 1955، ص. 95؛ ومجلة مجمع اللغة العربية، عدد 12، 1960، ص. 107.

([11])    نقتصر في حديثنا عن مجمع القاهرة. للتعرف على مجمع دمشق ينظر في: رشاد الحمزاوي، مجمع اللغة العربية بدمشق والنهوض بالعربية وضع المصطلحات وإصلاح أوضاع اللغة، دار التركي، تونس، 1988.

([12])    نقصد بألفاظ الحضارة «ما نسميه كلمات الحياة العامة مما يجري على الألسنة والأقلام للتعبير عن أدوات مادية أو معادن مجردة يدور استعمالها في البيت والمكتب والمتجر والسوق»، (محمود تيمور، معجم ألفاظ الحضارة، مكتبة الآداب، القاهرة، 1961، ص. 11).

([13])    مجلة مجمع اللغة العربية، العدد الأول، القاهرة، 1935، صص. 29-32.

([14])     انظر جرداً كاملاً بالمعاجم التي تم وضعها في اللغة العربية بصفة عامة في: علي القاسمي وجواد حسيني عبد الرحيم، ببيلوغرافية المعاجم المتخصصة: اللسان العربي، عدد 20، 1983، صص. 135-174؛ والعدد 21 من المجلة نفسها.

([15])     عبد الصبور شاهين، العربية لغة العلوم والتقنية، دار الاعتصام، القاهرة، ط. 1، 1983 وط. 2، 1986، ص. 117.

([16])     عبد الله أمين، «بحث من علم الاشتقاق»، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 1، 1935، ص. 381.

([17])     مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 1، 1935، ص. 232.

([18])     المصدر نفسه، ص. 233.

([19])     أحمد الإسكندري في مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 1، 1935، صص. 232-234.

([20])     المصدر نفسه.

([21])     مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 1، 1935، صص. 34-37.

([22])     إبراهيم مذكور، مجمع اللغة في ثلاثين سنة، المصدر السابق، ص. 55.

([23])     كتاب أصول اللغة، (إصدار مجمع اللغة العربية سنة 1969)، القاهرة، ص. 69.

([24])     مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 1، 1935، ص. 202.

([25])     إبراهيم مذكور، مجمع اللغة في ثلاثين سنة، المصدر السابق، ص. 55.

([26])     كتاب أصول اللغة، المرجع السابق، ص. 252.

([27])     مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 1، 1935، ص. 37.

([28])     رضا  اﻟﺸﺒﻴﺒﻲ، «توحيد المصطلحات»، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 8، 1955، ص. 132.

([29])     انظر ما ينشر من مقالات في مجلة "اللسان العربي" التي يصدرها مكتب تنسيق التعريب بالرباط.

([30])     رشاد الحمزاوي، العربية والحداثة، منشورات المعهد القومي للتربية، تونس، 1982، ص. 101.

([31])     المرجع نفسه، ص. 99.

([32])     المرجع نفسه، ص. 107.

([33])     انظر أعمال الندوة الدولية التي خصصت لهؤلاء في: المعجمية العربية المعاصرة، دار الغرب الإسلامي، تونس، 1987.

([34])     مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 8، 1955، ص. 252.

([35])     المصدر نفسه، ص. 253.

([36])     حسين نصار، المعجم العربي نشأته وتطوره، القاهرة، ط. 2، 1968، ج 2، ص. 738.

([37])     إبراهيم مذكور، تصدير المعجم الوسيط، دار إحياء التراث العربي، القاهرة، 1960، ص. 9.

([38])     عبد العزيز مطر، «المعجم الوسيط بين المحافظة والتجديد»، أعمال ندوة المعجمية العربية المعاصرة، ص. 515.

([39])     تقديم المعجم الوسيط، القاهرة، ط. 1، 1960، ص. 10.

([40])     المرجع نفسه، ص. 10.

([41])     نفسه، ص. 11.

([42])     إبراهيم مذكور، تصدير المعجم الوسيط، المرجع السابق، ص. 8؛ وعبد العزيز مطر، مظاهر التجديد، المرجع السابق، ص. 497.

([43])     تقديم المعجم الوسيط، ص. 12.

([44])     أخرج المجمع أيضاً "المعجم الوجيز" أما "المعجم الكبير" فقد صدر الجزء الأول منذ سنة 1971 والثاني سنة 1982، مطبعة دار الكتب، القاهرة.

([45])     حسين نصار، المعجم العربي، نشأته وتطوره، ج 2، ص. 731.

([46])     عبد العزيز مطر، «مظاهر التجديد والمحافظة في المعجم الوسيط»، في أعمال المعجمية المعاصرة، ص. 522.

([47])     عبد الكريم خليفة، تيسير النحو العربي بين القديم والحديث، منشورات مجمع اللغة الأردني، عمان، 1986، ص. 81.

([48])     انظر الفصل الأول من كتابنا "اللسانيات في الثقافة العربية الحديثة حفريات النشأة والتكوين، مكتبة المدارس، الدار البيضاء، 2006، هذا البحث والمصادر المشار إليها هناك.

([49])     أمين الخولي، «هذا النحو»، مجلة كلية الآداب، القاهرة، مجلد 7، يونيو 1944، ص. 40.

([50])     مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 6، 1951، ص. 180 وما بعدها. وكانت اللجنة مكونة من: طه حسين وأحمد أمين وعلي الجازم ومحمد أبو بكر إبراهيم وإبراهيم مصطفى وعبد المجيد الشافعي.

([51])     انظر النص الكامل لهذه المقترحات في: مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 6، ص. 180؛ وصص. 193-197؛ عبد المتعال الصعيدي، النحو الجديد، دار الفكر العربي، القاهرة، 1947، صص. 114-140.

([52])     مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 6، ص. 185؛ وكذلك: عبد المتعال الصعيدي، المرجع السابق، ص. 211؛ وأمين الخولي، «هذا النحو»، مجلة كلية الآداب، المرجع السابق، ص. 49.

([53])     مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 6، ص. 190؛ وأيضاً عبد المتعال الصعيدي، النحو الجديد، المرجع السابق، ص. 107.

([54])     مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 6، ص. 192؛ وانظر رفض أمين الخولي لهذا المبدإ: «هذا النحو»، مجلة كلية الآداب، المرجع السابق، ص. 43.

([55])     مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1951، عدد 6، صص. 193-197.

([56])     المصدر نفسه.

([57])     عبد المتعال الصعيدي، النحو الجديد، المرجع السابق، ص. 112.

([58])     سعيد الأفغاني، من حاضر اللغة العربية في الشام، دار الفكر، بيروت، ط. 2، 1971، ص. 199 وما بعده؛ جعفر القزاز، الدراسات اللغوية في العراق خلال النصف الأول من القرن العشرين، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1981، صص. 174-176.

([59])     إبراهيم مصطفى، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 10، القاهرة، 1958، ص. 63.

([60])     أحمد أمين، «اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة»، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 6، 1951، صص. 88-89 وهو بحث ألقي سنة 1944.

([61])     أحمد حسن الزيات، « الوضع اللغوي وهل للمحدثين حق فيه»، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 8، 1955، ص. 115.

([62])     انظر نموذجاً لهذه الكتابة المعيارية في العدد 1 و2 و3 و4 من مجلة "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة، و"باب عثرات الأقلام" الذي كان يكتبه عبد القادر المغربي في مجلة المجمع العربي بدمشق.

([63])     انظر محاضر مناقشة قرار التعريب في مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 5، صص. 98-99، والمناقشة التي دارت حول اقتراح أحمد أمين «بإصلاح متن اللغة»، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 6، ص. 87 وما بعدها.

([64])     محمد كامل حسين، أخطاء اللغويين، عدد 22، 1967، صص. 106-108.

([65])     محمد عطية الصوالحي، حول أخطاء اللغويين (رد) أصول اللغة، القاهرة، 1969، ص. 299 وما بعدها.

([66])     محمود السعران، علم اللغة مقدمة للقارئ العربي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1962، ص. 19.

([67])     محمد رشاد الحمزاوي، من قضايا المعجم العربي قديماً وحديثاً، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986، ص. 169، (ط. 1، 1982).

([68])     أحمد العايد، "هل من معجم عربي وظيفي"، ضمن أعمال ندوة المعجمية العربية المعاصرة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1987، ص. 590.

([69])     محمد رشاد الحمزاوي، مجمع اللغة العربية بدمشق، المرجع السابق، ص. 110.

([70])     عباس حسن، اللغة والنحو بين القديم والحديث، دار المعارف، د. ت، ص. 67 (والمؤلف مجمعي).

([71])     محمد رشاد الحمزاوي، العربية والحداثة، منشورات المعهد القومي للتربية، تونس، 1982، ص. 107.

([72])     انظر كتاب "أصول اللغة" الذي أصدره المجمع سنة 1969 حيث يتحدث إبراهيم أنيس عن القياس الخاطئ عند هرمان بول (1846-1921) وعن يسبرسن وكتابه: اللغة طبيعتها، تطورها ونشأتها (1922).

([73])     مراد كامل، «علم الأصوات نشأته وتطوره»، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 16، 1983، صص. 75-79.

([74])     مصطلحات في علمي الأصوات واللغة، عدد 16، 1963، صص. 211-216، وعدد 18، 1965، صص. 253-256.

([75])     إبراهيم مذكور، مجمع اللغة في ثلاثين عاماً، القاهرة، 1964، ص. 2 (من إصدار المجمع).

([76])     انظر حياتهم العلمية في: محمد مهدي علام، المجمعيون، القاهرة، 1966 (من إصدار مجمع اللغة).

([77])     ماسينيون، «المعاجم الأوربية الحديثة ومدى ما تستفيده المعاجم العربية منها»، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد 7، القاهرة، 1953، صص. 359-360.

([78])     المصدر نفسه، والكلمات الأجنبية واردة في النص العربي.

([79])     المصدر نفسه، ص. 360.

([80])     Saussure, Idem, p. 166.

([81])     ماسينيون، «المعاجم الأوربية الحديثة...»، المصدر السابق، ص. 360.

([82])     المصدر نفسه، ص. 360.

([83])     انظر مثلاً: N. Troubetskov, Principes de phonologie.

([84])     ماسينيون، المصدر السابق، ص. 360.