جهود المالكية في مواجهة الفرق المخالفة

في الغرب الإسلامي

   

                                         الدكتور عبد السلام شقور

                                              كلية الآداب والعلوم الإنسانية

                                                            تطوان - المغرب

 

        في البداية أريد التنبيه إلى أن لموضوعنا المثبت أعلاه جوانب كثيرة كلها تستحق البحث نظراً لأهميتها وجدة البحث فيها، ويمكن حصرها في موضوعين كبيرين هما:

        - موضوع تلك المواجهة، نعني مواجهة المالكية لغيرها من الفرق المخالفة من حيث الأسس المذهبية التي تقوم عليها تلك المواجهة، وهنا يلزم الرجوع إلى أصول تلك الفرق، وقبل ذلك إلى أصول المالكية من أجل المقارنة وبيان أوجه الاتفاق والاختلاف في الأصول والفروع بين المذهب المالكي وبين تلك الفرق.

        - وأما الموضوع الثاني فيتعلق بدراسة التاريخ السياسي والثقافي لتلك المواجهة، والبحث فيه يتكون من شقين: شق تنصب فيه الدراسة على تلك المواجهات وأثرها في خلق الأحداث السياسية وفي توجيهها، وفي الشق الثاني ينصرف البحث إلى الأثر الثقافي العام الذي كان لتلك المواجهات، كل هذا مع ما يستلزمه البحث من مقدمات ونتائج. وهذا ما حاولنا القيام به، والأمل أن يكون بحثنا مدخلاً لكتابة التاريخ السياسي والثقافي للغرب الإسلامي بشكل يتم توظيف كل عناصر ذلك التاريخ من أجل فهم أفضل، فلا يكون تاريخها تاريخ أسر حاكمة وتاريخ قبائل متطاحنة.

        واجهت المالكية في غرب العالم الإسلامي واقعاً مغايراً لما واجهته في شرق العالم الإسلامي، والحق أنه مع الصلة الحميمة لشرق العالم الإسلامي مع غربه بفضل وحدة الدين واللغة، فإن لتاريخ كل منطقة من المنطقتين خصوصيتها التاريخية، وذلك يرجع إلى اختلاف المكونات والظروف بينهما.

        وإذا كانت الدراسات الخاصة بتاريخ المذاهب الفقهية والفرق الكلامية والطوائف والفرق الدينية بشكل عام قطعت شوطاً كبيراً فيما يخص الجناح الشرقي من العالم الإسلامي، فإن البحث في تاريخ تلك المذاهب والفرق والطوائف في الجناح الغربي ما زال في بدايته، هذا مع ما يواجه هذا البحث من صعوبات شتى، تتمثل على الخصوص في ندرة المصادر الضرورية، وهكذا فإن الباحث في تاريخ المذاهب والفرق في المشرق يجد بين يديه المصادر الكافية في حين ضاعت جل المدونات المعتمدة في موضوعنا، وقد عني فقهاء المالكية رحمهم الله بتأريخ أعلام مذهبهم، وفي سياق ذلك ذكروا أوجه الصراع بين المالكية وغيرهم من المخالفين لهم، وتعد "طبقات المالكية" المصدر الأول لأي بحث يروم الكشف عن تاريخ المذهب في الغرب الإسلامي، ويعد كتاب "ترتيب المدارك" للإمام القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي أول تصنيف في هذا الباب يعول عليه في التأريخ للمالكية عموماً وللمالكية في الغرب الإسلامي خصوصاً، وقد وقف القاضي عياض رحمه الله عند كثير من المعارك التي خاضها المالكية في مواجهتهم للفاطميين ولغيرهم من الفرق والطوائف، وهو دون شك أوفى مصدر في هذا الباب.

        وتقدم صلات وذيول "ترتيب المدارك" المذكور مواد إضافية يعول عليها كذلك في البحث عن تاريخ الفرق الإسلامية في الغرب الإسلامي، نذكر منها "الديباج المذهب" لابن فرحون، و"نيل الابتهاج" و"كفاية المحتاج" وكلاهما لأبي العباس أحمد المشهور بأحمد بابا التنبوكتي، و"أزهار البستان" لابن عجيبة، و"شجرة النور الزكية" لابن مخلوف، و"الفكر السامي" للحجوي. إن "طبقات المالكية" لا تقف عند حد التعريف بأعلام المذهب المالكي، ولكنها تتجاوز ذلك إلى التاريخ الفكري والسياسي للمنطقة، وتنفرد عن كتب التاريخ العام بكثير من المواد التاريخية التي لا يعني بها عادة المؤرخون الرسميون ومن نحا نحوهم.

        وكان المستشرقون أول من استثمر هذه المصادر وأشباهها في التأريخ للفرق الإسلامية بشمال إفريقيا والأندلس، وقد أفرد ألفرد بل كتاباً ضخماً للفرق الإسلامية في شمال إفريقيا([1])، ثم خص برونشفيك المذهب المالكي ببحث خاص([2])، كشف فيه عن الأثر الكبير للمالكية في تاريخ الغرب الإسلامي.

        وأما الدكتور عباس الجراري فقد تعرض لتاريخ المذهب المالكي ولفضله على المغرب في أكثر من موضع في تأليفه ومحاضراته، ثم خصه ببحث تحت عنوان "وحدة المغرب المذهبية"، وللدكتور محمود إسماعيل جهد مشكور في دراسته القيمة التي تنم عن صبر، ومعرفة دقيقة بتاريخ المنطقة لولا اتكاؤه الشديد على التفسير الاجتماعي وانحيازه الواضح إلى الفرق الخارجة على الجماعة. ومن ثمرات جهوده المشكورة في هذا الباب، كتابه القيم عن الخوارج في المغرب وحفرياته في تاريخ البرغواطيين في المغرب ومحنة المالكية في إفريقيا([3]).

        ومن المؤكد أن الأبحاث المذكورة على اختلاف مشاربها ومناهجها، وأهدافها، ومع الاعتراف بالجهد الكبير المبذول فيها فإنها لم تستوعب موضوعنا في جميع جوانبه، هذا إضافة إلى كونها انطلقت من موقفين متناقضين تماماً:

        - موقف الناقم على المالكية، وهو موقف لا يتردد في لغتهم بالجمود والتحجر، ولا يتردد أصحاب هذا الموقف في إرجاع السلبيات في تاريخ المغرب والأندلس إلى المالكية. فالمالكية في رأي أصحاب هذا الموقف متحجرون متزمتون، وقفوا في وجه حرية الفكر وقمعوا أصحاب الفرق المخالفة ولم يسلم منهم الفلاسفة ولا المتصوفة.

        - وموقف المدافع عن المالكية، وأصحاب هذا الموقف وهم قلة، منهم موقف أستاذنا الدكتور عباس الجراري، وموقف صديقنا المرحوم الدكتور عمر الجيدي في كتاباته المتعددة في الموضوع، وهو موقف يذهب إلى أن المالكية إنما قاوموا أهل البدع والفرق الضالة، وإليهم يرجع الفضل في توحيد المغرب في إطار المذهب المالكي وفي نطاق السنة بشكل عام في الفقه والعقيدة والتصوف، وكان من ثمار أعمالهم أن الغرب الإسلامي تحددت إختياراته، وعليه فالمغاربة مالكيون أشعريون جنيديون، كما قال ابن عاشر في بيته الشهير:

 

في عقد الأشعري وفقه مالك

 

وفي طريقة الجنيد السالك

 

        ولكل ما سبق فقد يكون من المفيد الرجوع في دراسة تاريخ المالكية إلى مصادرها الأولى أولاً، ثم في المصادر التي يمكن الاستئناس بها أيضاً لنتتبعها من جديد، وربما في ظروف مغايرة لتلك الظروف التي تمت فيها البحوث السابقة في الموضوع للتعرف على تلك الفرق التي واجهتها المالكية، ثم على طبيعة تلك المواجهة وعلى مداها، وللوقوف أخيراً على آثار تلك المواجهة.

        واجه المذهب المالكي في طريقه إلى الانتشار في الغرب الإسلامي واقعاً اجتماعياً وثقافياً مغايراً لما واجهه في جهات أخرى من العالم الإسلامي، واعترض علماء المالكية في جهادهم المستميت في الدفاع عن مذهبهم وفي العمل على نشره وترسيخه فرق مخالفة عديدة، منها ما كان لها أصل في المشرق مثل فرقة الخوارج الصفرية والإباضية والشيعة الفاطمية والغزالية، ومنها ما لم يكن لها أصل في المشرق وذلك مثل الطائفة البرغواطية والمذهب التومرتي، وهذا الأخير وإن كانت أصوله مشرقية فإنه في صورته التي انتهى إليها في المغرب مذهب جديد لا عهد للشرق به. هذا عدا حركة المتنبئين، وقد عرفت بعض القبائل في المغرب جماعة منهم اشتهر منهم أحدهم يدعى باسم حاميم([4]).  

                وإذا كانت هذه الفرق والطوائف متباينة في أصولها مختلفة في مبادئها وآرائها بشكل عام، فإنها كانت كلها تهدف إلى إقامة دول باسمها تدعم آراءها وتساعد على نشرها وترسيخها. وهذا يعني أنها لم تكن فرقاً تكتفي بالمناظرة في عملها وإنما كانت تتخذ من السيف وسيلة لتحقيق أهدافها، وهذا ما طبع المواجهة بينها وبين مخالفيها بالعنف في أحيان كثيرة، ولا نعجب بعد ذلك إذا قلّت التصانيف التي تدعم آراء هذه الفرقة أو تلك الطائفة لأن معركة المواجهة إنما كانت ساحة الحرب في كثير من الأحيان، وهذا ما يفرض على الباحث أن يستأنس بكتب التاريخ العامة التي تؤرخ لقيام الدول وانقراضها لتتبع أوجه المواجهات بين هذه الفرق من جهة وبين المالكية من جهة أخرى([5]).

        من أدخل مذهب مالك إلى الغرب الإسلامي؟ ومتى كان ذلك؟ وما سبب انتشار المذهب المالكي في هذه الأصقاع؟ وكيف تم ذلك؟ وعلى يد من؟ وكم أخذ من الوقت نشره وإقراره بصفة نهائية؟

        هذه أسئلة عديدة بعضها يجاب عنه في صلب الموضوع وبعضها مما يستحسن الجواب عنه هنا توطئة للبحث وتمهيداً له.

        لقد ثبت أن المذهب المالكي دخل الغرب الإسلامي في حياة صاحب المذهب([6])، نعني في حياة الإمام مالك رحمه الله، وذلك على يد الآخذين عن مالك في المدينة المنورة ممن رحلوا إليه من أهل إفريقية والأندلس، واشتهر من هؤلاء جماعة ترجم بهم القاضي عياض في "ترتيب المدارك"([7]). وأشهر أسانيد المغاربة في "الموطأ" إنما تنتهي إلى يحيى الليثي([8]).

        ولم يعد تلاميذ مالك من المدينة بعد جلوسهم إلى مالك وأخذهم عنه "الموطأ" فحسب، بل رجعوا ومعهم المدونات التي دونوها، على أن الإمام مالك رحمه الله لم يكن يفيد الجالسين إليه بعلمه وهو كثير فحسب، وإنما كان له أثره البالغ في سلوكهم وأخلاقهم. وهكذا كانوا يأخذون عنه العلم وأنماطاً من السلوك يسيرون عليها في حركاتهم وسكناتهم.

        وقد أفاض القاضي عياض رحمه الله في الحديث عن عادات مالك وسلوكه([9])، وقد أشاع تلامذة مالك علم شيخهم وسلوكه، وأقاموا صلات وثيقة بينهم، وهكذا نجد سلسلة متصلة تمتد من قرطبة وتصل إلى الإسكندرية عبر ابن حمدين في قرطبة، وعياض في سبتة، والمازري في المهدية، والطرطوشي في الإسكندرية.

        وتختلف الآراء بخصوص تفسير أسباب تحول الأندلسيين عن مذهب الأوزاعي وكانوا على مذهبه إلى المذهب المالكي، كما تختلف في تحديد أسباب استقرار المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، فمن ذاهب إلى أن المذهب المالكي استفاد من دعم حكم الأمويين، ومن دعم هشام بن عبد الرحمن خاصة، إلى قائل بملاءمة المذهب في بساطته لعقلية الشعوب في هذه المنطقة.

        والحق أن كلا الرأيين لا يقدمان جواباً كافياً، إن المذهب الذي يستمد قوته من السلطة الحاكمة لا يقوى على الاستمرار كيفما كان الدعم الذي تقدمه السلطة، ولنا في التاريخ أمثلة متعددة تدل كلها على فشل السلطة في إقرار المذهب بصفة دائمة، وأن القول ببساطة المذهب المالكي، فرأي يفتقر إلى التسليم أولاً وإلى سلامة المقدمة التي يقوم عليها: أين تتمثل هذه البساطة؟ بل ما معنى هذه البساطة؟ ثم هل صحيح أن فكر المجتمع الإسلامي بغرب العالم الإسلامي بسيط؟ وكيف ذلك؟ وما مظاهر هذه البساطة؟ وهذا مما سنعود إليه في حينه.

        إن تفسير الظواهر المعقدة في الحياة الفكرية والاجتماعية لأي مجتمع لا يمكن أن يستند إلى سبب أو سببين، فلابد من توافر أسباب كثيرة متداخلة. ومهما يكن فإن المذهب استلزم أمر انتشاره واستقراره وانتصاره على غيره سنوات بل قروناً، واجه فيها المالكية خصومهم من أصحاب الفرق والطوائف المخالفة بمختلف أنواع الأسلحة، ولم تكن الفرق التي واجهتها المالكية في نفس الدرجة من القوة. وكانت فرقة الخوارج الصفرية أول فرقة واجهتها المالكية.

        كان لأخطاء بعض القادة الفاتحين للمغرب أثر كبير في انتشار المذهب الخارجي في المغرب([10]). لقد قبل المغاربة الإسلام ودخلوا فيه طوعاً وصاروا من جنده حتى إن ولدي الكاهنة صارا من عداد قادة الجيش الإسلامي الفاتح، وكانوا الفاتحين للأندلس، ولكنهم رفضوا استغلال بعض الولاة لهم، فقاوموا ولاة الأمويين عليهم وانتهى رفضهم لولاة دمشق إلى إعلان التمرد على الحكم الأموي وعانقوا المذهب الخارجي، ورأوا فيه المذهب الذي يتجاوب مع واقعهم، فالمذهب الخارجي يفسح المجال لغير العرب بولاية شؤونهم والقيام بأمورهم ويحررهم بذلك من حكم الولاة الأمويين الذين بالغوا في جمع الأموال من الأهالي بقصد إتحاف أسيادهم في دمشق([11]).

        ويظهر أن المذهب الخارجي وصل إلى المغرب مع الجيش الفاتح، فما إن انتهى الفتح حتى اشتعل المغرب بثورة خارجية، وتم الإعلان عن ميلاد دولة خارجية في مدينة طنجة سنة 122 ([12])، ثم ما لبثت أن تكونت إمارتان خارجيتان إحداهما إمارة بني مدرار الصفرية والثانية دولة بني رستم الإباضية([13])، وأثناء القرن الثاني للهجرة فإن الخوارج لم يجدوا منافساً قوياً ولذلك انتشرت دعوتهم في كل شمال إفريقيا فيما يعرف حالياً بالمغرب العربي، ولكنه ما إن ظهرت دولة الأدارسة في فاس وقويت مكانتها بمن وفد عليها من المهاجرين الأندلسيين والقيروانيين، وكان هؤلاء المهاجرون على مذهب مالك، وظهرت دولة الأغالبة في إفريقية وانتشر مذهب مالك فيها بفضل من عاد إليها من تلامذة مالك حتى ضاق الأمر على الخوارج، ونشطت المالكية في محاربتهم، وكان رد المالكية على الخوارج والمعتزلة رداً عنيفاً، آية ذلك هذه العبارة وهي لابن رشد إذ قال: «المعتزلة مجوس هذه الأمة». وورد في عبارة سابقة من نفس هذا النص المنقول عن المعيار قول أحد الفقهاء المالكية منتقداً الخوارج في تصويبهم الرأي القائل بوجوب الخروج عن الإمام الجائر، إذ يقول: «فهو إما غير مؤمن أو خارجي من مجوس هذه الأمة»([14]). وقد اضطرت المالكية إلى التحالف مع الخوارج لمواجهة الشيعة الفاطمية، علماً أن الخوارج إنما هدأت رياحهم على يد الفاطميين.

        لم تخلف مواجهة المالكية للخوارج سوى إشارات في المصادر التاريخية، ولم تسفر عن كتابات يعتد بها([15]).

        تميز وجود الفاطميين في المغرب منذ قيام دولتهم في سنة 279([16]) بصراع عنيف مع كل من الخوارج والمالكية حتى إن المالكية تحالفوا مع الخوارج لمواجهة الفاطميين، والحق أن الفاطميين طعنوا في المعتقدات التي قام عليها إيمان الناس، حيث بالغوا في النيل منها بالتشنيع الفظيع في حق أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وسخروا لذلك جهالهم([17]). وآذوا المالكية فنكلوا بهم أشد التنكيل وقاوم المالكية ذلك وكان نصيب المالكية في إفريقية كثيراً من التنكيل، ولم تسلم الإمارات المالكية من أذاهم في المغرب الأقصى، فقد خربت جيوش الفاطميين إمارة نكور وقضت على دولتهم، ودخل الفاطميون فاس وكانت من معاقل المالكية، وكذلك كما دخلوا سجلماسة معقل الخوارج من الصفرية في المغرب الأقصى، وقد أرهب هذا كله دولة الأمويين في الأندلس، وخاف الأندلسيون على أنفسهم من أن تشرئب أعناق الفاطميين إلى حكم الأندلس فاضطروا إلى التدخل عن طريق بعض الثائرين في المغرب، وأصبح المغرب الأقصى بذلك واجهة للصراع بين الفاطميين في الشرق والأمويين في الشمال، أو إن شئت قلت بين السنة من المالكية وبين الفاطميين من الشيعة. والملاحظ أن المغرب والأندلس وعامة الغرب الإسلامي على شدة حبهم لآل البيت عامة، ولأحفاد فاطمة الزهراء خاصة، وهو حب عبروا عنه شعراً ونثراً([18]) فإنهم لم يتجاوزوا في حبهم هذا إلى حدود التشيع([19]) فلم يومنوا بمقولات الشيعة. ولقد اضطر الفاطميون من الشيعة([20]) العبيديين إلى الخروج من المغرب تاركين بذلك عاصمتهم المهدية إلى عاصمتهم الجديدة وهي القاهرة، وذاك لفشلهم الذريع في الاستقرار بالمغرب اعتماداً على القوة والتنكيل، وكان فقهاء المالكية يحرضون العامة ضدهم طوال وجودهم في المغرب، فكان خروجهم من المغرب انتصاراً للمالكية فيه.        ولئن كانت دولة الشيعة الفاطميين قامت على قبيلة "كتامة" وهي بربرية صنهاجية، أي أمازيغية، فإن دولة برغواطة قامت على قبيلة بربرية أخرى هي "زناتة" وهي بربرية صنهاجية أيضاً.

        وبين البرغواطيين والفاطميين بعض العلائق مع فارق يكمن في الإجماع على القول بخروج البرغواطيين عن الإسلام، حتى أن ابن الخطيب اعتذر عن إيراد أخبار حولهم في كتابه "أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام"، فالبرغواطيون كمن لم يكونوا مسلمين فقد خرجوا عن شرطه في كتابه. قال ابن الخطيب: «قال بعض المؤرخين: ليس قبيل برغواطة لأب، ولا يرجعون إلى أصل، وإنما هم أخلاط من قبائل شتى، زناتة اجتمعوا لصالح بن طريف القائم بتامسنا وقد عين - زعم - نحلة لنفسه ودينا، وذلك على عهد هشام بن الحكم بقرطبة، وذكروا أن صالح بن طريف استوزره ميسرة الحقير، أمير الغرب عند الفتح ثم عزله وكتب له كتاباً إلى أهل تامسنا وقومه من زناتة البربر يوصيهم به ويصف فضله وعمله، وكان صالح هذا مصمودي الأصل وقيل كان إسرائيلي الأصل نشأ بقرية برباط الأندلس، ورحل إلى المشرق، فقرأ على عبيد القدري المعتزلي، واشتغل بالسحر فمهر فيه وقدم المغرب فاستمال من لقيه بما أظهر من الإسلام والزهد والورع... فاستهواهم.. فأقروا بفضله واعترفوا بولايته فولوه على أنفسهم([21]).

        ووجه الشبه بين الفاطميين والبرغواطيين يكمن في القول ببعض المبادئ الخاصة بالفكر الشيعي، وكان البرغواطيون ينتظرون الإمام السابع منهم.

        وأما نحلتهم فيوجز ابن الخطيب حديثه بقوله: «وزعم - أي صالح بن طريف المذكور - أنه المشار إليه في القرآن، وشرع لهم الديانة التي قرر ضلالها في سنة خمس وعشرين ومائة وهي: أمور غريبة مضحكة، يأمر بصوم رجب فيها وأكل رمضان، وخمس صلوات بالليل، وشرع في الوضوء غسل السرة والخاصرتين، وأباح تزوج النساء مما فوق أربع، وحرم تزوج بنت العم وشرع قتل السارق، وحرم أكل رأس كل حيوان، وحرم ذبح الديك، ومن قتل ديكاً أعتق رقبة، ووقع لهم سوراً بلغت ثمانين سورة»([22]).

        وهناك من جهة أخرى صلة بين الخوارج الصفرية في المغرب وبين البرغواطية وذلك أن صالحاً بن طريف البرغواطي مؤسس نحلتهم ودولتهم كان على صلة بالخارجي الثائر في طنجة والذي تسميه المصادر ميسرة، وتنبزه بالحقير،  ولعله الخفير في الأصل([23]). ولعل صالحاً هذا كان والياً لميسرة على تامسنا ثم بدا له أن يؤسس نحلة خاصة به، ودولة يورثها أبناءه من بعده.

        كان عداء المالكية للبرغواطيين كبيراً، فهم بالإجماع كما قلنا خارجون عن الإسلام، لذا وجب حربهم، ثم إن خطرهم كان عظيماً، إذ دخل تحت حكم البرغواطيين خلق كثير فكان على المالكية أن يعملوا من أجل وقف حملة الردة. فدخل الأدارسة في حربهم، وكانت فاس عاصمتهم قد صارت معقلاً للمالكية، وزالت دولة الأدارسة وبقيت دولة البرغواطيين تنشر الضلال، إلى أن قضى عليها المالكية في عصر المرابطين، فقد أفلح عبد الله بن ياسين مؤسس دولة المرابطين المشهور في تحريك القبائل الصحراوية من لمتونة وكدالة ومسوفة وغيرهم، وكانت الحرب طاحنة بين قائد عبد الله بن ياسين، الفقيه المالكي أبي بكر بن عمر اللمتوني، وبين البرغواطيين، وفتح المغرب من جديد، ثم إن عبد الله بن ياسين نفسه قام لمحاربتهم، وكان مقتله رحمه الله في حرب البرغواطيين في بسيط تامسنا.

        لقد كان من نتائج الصراع المرير الذي خاضه المالكية في مواجهة العبيديين والصفرية والبرغواطية خلال قرن كامل هو القرن الرابع، أن عمل فقهاء المالكية على إيجاد دولة تكون دولتهم تحارب باسمهم وتنتصر لهم، ويستندون إليها كلما هبت عاصفة، وقد وجدوا أخيراً في سواعد الملثمين ما يحقق غايتهم، فكان اللقاء الشهير بين الفقيه أبي عمران الفاسي الغفجومي وبين يحيى بن إبراهيم الكدالي في القيروان بداية تأسيس تلك الدولة، وهي دولة الفقهاء أو دولة المرابطين الصنهاجية ذات المآثر الجليلة وأعظمها مراكش وهي من بناء هذه الدولة، والانتصار العظيم في معركة الزلاقة على النصارى في الأندلس 479، والزيادة بذلك في عمر الإسلام في الأندلس أربعة قرون.

        كانت القبائل الصحراوية تتطلع إلى شمال إفريقيا في زحفها، فكانت تفتقر إلى دعم ديني وروحي، فجاء هذا الدعم على يد المالكية.

        لقد أرسل الفقيه المالكي أبو عمران الفاسي المذكور يحيى بن إبراهيم الكدالي إلى رباط سوس بجنوب المغرب الأقصى وكان فيه تلميذ له وهو الفقيه المالكي عبد الله بن ياسين، والتقى الرجلان وصحب عبد الله بن ياسين يحيى إلى الصحراء، وأقام هناك رباطاً له كان المنطلق الفعلي لدولة المرابطين كما هو معروف([24]).

        - الغزالية: يرد لفظ الغزالية في الكتابات الصوفية المغربية ويقصد بها جماعة الصوفية التي كانت مقبلة على تآليف الغزالي الصوفية وعلى كتابه "إحياء علوم الدين" بشكل خاص، وتتعصب لأفكار الغزالي، وتدافع عنه([25]).

        والمعروف أن تآليف الغزالي وردت على المغرب وشيخ الإسلام أبو حامد ما يزال على قيد الحياة، وقد تتلمذ على يد الشيخ الغزالي غير واحد من المغاربة نذكر منهم محمداً ابن تومرت الشهير بالمهدي بن تومرت، والشيخ أبا بكر بن العربي، وكان الرجل في رحلته بصحبة والده، وقد جرت مكاتبات بين يوسف بن تاشفين وبين أبي حامد الغزالي وكان من المفارقات الغربية أن دولة المرابطين كانت لها صلة خاصة وذكر محمود عند أبي حامد، ومع ذلك فقد انتهى بها الأمر إلى إصدار أوامر بحرق كتاب "الإحياء".

        تمكن حب الإحياء والتعلق بصاحبه من قلوب عدد غير قليل من متصوفي المغرب في النصف الثاني من القرن الخامس للهجرة، والنصف الثاني من القرن السادس، وأصبحت هذه الجماعة تكون تياراً فكرياً متميزاً، وظهر أن بعض هؤلاء المتصوفة وخاصة متصوفي شرق الأندلس ظهرت لديهم أطماع سياسية([26])، ومهما يكن فإن فقهاء المالكية وهم الحريصون على وحدة المغرب المذهبية رأوا في حركة الغزالية خروجاً عن الإجماع، فأفتوا بإحراق "الإحياء" وصدرت الفتوى عن فقهاء قرطبة، وقرطبة كانت معقلاً من معاقل المالكية، وقع ذلك سنة 503([27])، وانتهى الأمر بصدور أمر أميري عن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين إلى جميع الجهات في المغرب والأندلس بضرورة تنفيذ الفتوى، فكان الناس يحضرون نسخهم من "الإحياء" ويضعونها في الماء حتى تتلاشى حروفها، وواجه المتصوفة هذه الفتوى وتحدوا الأمر الأميري المشار إليه، وظلوا على عنايتهم بـ"الإحياء"، وقراءتهم له، والتعصب لما ورد فيه، وكان متزعمهم في ذلك أبو الفضل يوسف ابن النحوي.

        كان موضوع هذه الفتوى وما تلاها من الإحراق مجالاً لأبحاث عديدة تروم تفسير أسباب إقدام المالكية على إصدار تلك الفتوى، فمن ذاهب إلى رمي الفقهاء بالجمود والتحجر، ومن قائل إن أفكار الغزالي التي ضمنها كتابه "الإحياء" لم تكن لتنسجم مع ما كان عليه المغرب والغرب الإسلامي عموماً من مواجهة يومية للنصارى تستلزم شدة في القلوب وتحريك همم الناس إلى الجهاد، وليس الدعوة إلى الانزواء والشعور الانهزامي، ثم كان هناك من رأى أن المالكية إنما حاربوا الغزالي لما صدر عنه في حق الفقهاء في باب العلم من كتابه "الإحياء" فقد رماهم بكونهم طلاب دنيا همهم التهافت على المناصب الدنيوية.

        والذي يبدو من تتبع كل الظروف التاريخية التي أحاطت بقضية الإحراق، فينتهي به الأمر ما انتهى إليه الدكتور عباس الجراري في أبحاثه القيمة في الموضوع، وخاصة في كتابه "وحدة المغرب المذهبية" وحاصل ذلك أن عقل الفقهاء لم يكن متحجراً ولا جامداً وإنما كان ذلك منهم حرصاً على وحدة المغرب المذهبية، وعملهم هذا يدخل في نطاق عملهم القائم على التوجيه والمراقبة، وقد كان هؤلاء الفقهاء حريصين على الدعائم التي قامت عليها دولة المرابطين وهي دولتهم أولاً وأخيراً، فهم مؤسسوها، وهم الذين فتحوا لرجالها المغرب والأندلس قبل أن تفتحها رماح المرابطين.

         ظل كتاب "الإحياء" على الرغم من موقف المالكية في الغرب الإسلامي مصدراً أساسياً من مصادر التصوف إلى جانب "الرسالة القشيرية" و"حلية الأولياء" بل إن إقبال المتصوفة في هذه الجهة من العالم الإسلامي على "الإحياء" زاد، وهذا أبو الفضل النحوي المذكور سابقاً كان يعمد إلى تجزئة "الإحياء" بحسب أيام شهر رمضان فيقرأ كل يوم جزءاً منه، ويبدو أن المالكية انتهى بهم الأمر إلى قبول الكتاب لأسباب منها: أن مذهب صاحبه غير بعيد عن مذهبهم فأبو حامد شافعي، ثم إن الغزالي لا يذهب في آرائه مذهب أصحاب الشطحات الصوفية أمثال الطوسي والحلاج وابن سبعين وابن عربي الحاتمي.

        وإذا كانت المواجهة بين المالكية والغزالية انتهت بما يمكن أن يسمى بالمصالحة، فإن المالكية بقيت مع ذلك تراقب الحركات الصوفية وتفرض توجيهاً خاصاً عليها، وقد تمكنت المالكية من فرض توجيهاتها في هذا المجال، آية ذلك أن مشاهير الصوفية الذين أمعنوا في شطحاتهم الصوفية مثل ابن عربي وابن سبعين لم يكن لهم أثر في الغرب الإسلامي وذلك رغم الضجة الكبرى التي أثارها الرجلان في المشرق.

        واصلت المالكية طوال التاريخ التصدي لكل حركة صوفية تخرج في الظاهر والباطن عن المقررات الصوفية في القول والعمل، وأهم مظاهر هذه المواجهة تمثله المحاكمة التي عقدها الفقهاء للصوفي الشهير أبي العباس أحمد بن عجيبة الدرقاوي([28]).

        - التومرتية: نسبة إلى ابن تومرت مؤسس المذهب، ويقوم هذا المذهب على شقين: أحدهما عقدي، وآخر سياسي، ففي الشق العقدي يتكئ ابن تومرت على آراء المعتزلة ويذهب إلى ما ذهبوا إليه في التأويل، وقد تسمى المذهب التومرتي بالمذهب الموحدي، ومن ثم تسمت حركتهم بدولة الموحدين، وقد قامت دعوة المهدي على تكفير المرابطين باعتبارهم من المجسمة من حيث أخذهم في القول بالصفات على ظاهرها، وهو وهم وتهمة باطلة، رمى بها المعتزلة خصومهم من أهل السنة، وقد ذكر القاضي عياض أن أهل السنة قبل ظهور الأشعري كانوا يرمون بالتجسيم ويدعون بالمثبتة، ومن تتبع آراء عياض في "الشفا" يجد أنه بعيد عن التجسيم بريء منه([29]). وأما الشق الثاني من المذهب التومرتي فيقوم على آراء اقتبسها بن تومرت من الشيعة، ومن أهم ما أخذه عنهم في هذا الباب القول بالمهدوية وادعائه لها، وقد ادعى المهدي لنفسه هذا اللقب وخص نفسه به، وردده شعراء الدولة الموحدية كذلك في شعرهم([30])، وقد تمكن المهدي من أن ينشر مذهبه الذي بسطه في كتابه المعروف بعنوان "أعز ما يطلب"([31]).

        لقد عاشت دولة الموحدين في الأصل هذا المذهب إلى أن تبرأ منه المأمون وهو منهم فأعلن تخليه عنه، بل اجتث هذا المذهب من أصله، فكان في ذلك نهاية دولته ودولة الموحدين ونهاية المذهب التومرتي.

        - مذاهب سنية مخالفة: دخلت الغرب الإسلامي مذاهب سنية غير المذهب المالكي، وقد أشار القاضي عياض رحمه الله في "ترتيب المدارك" إلى أحد الأشياخ الذين كانوا على مذهب أب حنيفة([32]). ولم نقف على أثر بارز لمذهب أبي حنيفة في الغرب الإسلامي غير الآثار التي أوردناها، أما مذهب الأوزاعي فقد استقر في الأندلس، وظل وجوده مستمراً هناك حتى زحزحه المالكية، وذلك دون عناء يذكر، وثالث المذاهب السنية المخالفة للمذهب المالكي هو مذهب ابن حزم القرطبي الظاهري الشهير بتصانيفه العديدة وآرائه المتميزة، وكانت وفاته رحمه الله سنة 456، وقد تجسد المذهب الظاهري في الأندلس بكونه لم يكن له نزوع سياسي ولا مظهر اجتماعي، وإن كان قد مس جوانب من الإنتاج العلمي في الأندلس إذ ظهر أثره في النحو وغيره، وكان للظاهرية خصمان أحدهما المالكية، والثاني الصوفية([33]) وقد لقي ابن حزم في الأندلس مواجهة عنيفة بسبب آرائه، وعانى من الفتنة الأندلسية أو الفتنة البربرية كما يسميها البعض. وللأندلسيين من المالكية ردود على ابن حزم ساق ذكر بعضها الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله في ما كتبه([34])، ومنها كتاب "الرد على ابن حزم" لعبد الله بن طلحة اليابري، ذكره صاحب "النيل" و"المعلى في الرد على المحلى" لابن زرقون الإشبيلي، ذكره صاحب "الديباج" أيضاً. ورد أبي زكرياء الزواوي على ابن حزم في كتاب وسمه بـ"حجة الأيام وقدوة الأنام" وقد أثار هذا الكتاب ضجة في مراكش جعلت الخليفة يتدخل وأحضره الأمير بين يدي جمع من الفقهاء وعرض تأليفه عليهم، فتصدى المحدث عبد الكريم الحسن إلى الدفاع عن الزواوي فترك الرجل على اختيار([35]).

        واجهت المالكية بكل ما أوتيته من قوة، بالمجادلات والمناظرات تارة، وبالسلاح تارة أخرى، وكان القاضي عياض رحمه الله الخصم العنيد لدعوة ابن تومرت ومذهبه، قاومه بالعلم والسيف([36]).

        لم يرد في كتاب "الشفا" ذكر ولا إشارة إلى ابن تومرت ومذهبه، وإن كان الكتاب كله يقوم كما نص على ذلك مؤلفه في مقدمته على إثبات العصمة للرسول r ونفيها عن مطلق البشر من غير الرسل، وفي ذلك رد مباشر على مزاعم ابن تومرت بخصوص ادعائه العصمة، وقد أثبتت الدراسة المتأنية "للشفا" على أن تأليفه كان إبان حياة ابن تومرت وفي الفترة التي كان فيها ابن تومرت قد أخذ يحشد الناس ويدعوهم إلى مذهبهم وإلى محاربة مخالفيهم من المرابطين وأتباعهم، والمرابطون كانوا الأداة الفعلية لترسيخ المالكية، وفيما يخص ردود فقهاء المالكية على أتباع المهدي في زمنه وبعد وفاته، أورد صاحب "المعيار" أجوبة لبعض الفقهاء في تكفير من خرج عن الجماعة، وقصد بذلك أتباع المهدي، ويظهر من الفتوى أن حركة المهدي ظلت حية حتى بعد وفاته في جهات المغرب الأقصى([37]).

        على أن القاضي عياض لم يكتف بما ذكر في مواجهة التومرتية، ولكنه رأس ثورة أهل بلده بسبتة ضد الدعوة الموحدية، وحاربت سبتة جيوش عبد المومن بن علي اﻟﮕﻮمي، وعاود عياض الكرة بعد انهزامه فثار للمرة الثانية.

        ويذكر عبد الواحد المراكشي أن الموحدين حاربوا المدونات المالكية([38])، ويذكر غيره أن العناية بهذه المدونات توقفت كلياً في زمن الموحدين حتى أنه لم يبق أحد من فقهاء المغرب من يحفظها، وقد لا يخلو كل هذا من مبالغة، ولعل أهم ما يستفاد من مثل هذه الأقوال هو عنف المواجهة بين المالكية من جهة وبين التومرتية من جهة أخرى.

        تلك هي الفرق والطوائف التي واجهتها المالكية في الغرب الإسلامي فيما بين القرنين الثالث والسادس الهجريين، وهي فرق وطوائف متباينة كما رأينا في أسسها ومبادئها وأهدافها ولعل الجامع الوحيد بينها، كما سبق أن ذكرنا هو نزوعها السياسي وطموحها إلى إقامة دولة باسمها، ولذلك فإن دراسة موضوع هذه الفرق وموقف المالكية منها يستلزم فيما نرى، الوقوف عند واجهتين:

        أولهما: الواجهة الفكرية، باعتبار أن لكل هذه الفرق مبادئ تقف عليها وتدعوا إليها، ودراسة هذه الواجهة تدخل ضمن دراسة الفكر الإسلامي في الغرب الإسلامي، ومن المعروف أن هذا المجال خصب ومغر لما يتوقع أن يكشف عنه البحث في الفكر الإسلامي في هذه الجهة من العالم الإسلامي.

        وأما الواجهة الثانية، فيمثلها النشاط السياسي لهذه الفرق، ويدخل هذا الموضوع في حيز التاريخ السياسي، ومن الأكيد أن هذه الفرق والطوائف المذكورة كان لها أثرها في خلق الحدث السياسي تارة، وفي توجيهه تارة أخرى، ولذلك فإنه من الخطأ فيما نرى تفسير التاريخ السياسي في شمال إفريقيا تفسيراً يقوم على الاتكاء على الأصول البشرية، بمعنى أن تاريخ الإسلام في شمال إفريقيا والأندلس لم يكن مجرد صراع وتطاحن بين قبائل بربرية وعربية، فليس تاريخ المغرب تاريخ الصراع بين مصمودة وصنهاجة، ولا تاريخ الأندلس تاريخ الصراع بين اليمنية والقيسية من جهة ولا بين البربر والعرب عامة من جهة أخرى، هذا مع عدم إنكار الأثر العرقي في التاريخ، ولعله قد آن الأوان للنظر في الأثر الكبير الذي كان للمذاهب والفرق والطوائف التي ظهرت في هذه الجهة، في تفسير حركة التاريخ الإسلامي فيها([39]).

        ولمزيد من البيان نعود إلى تفصيل الكلام بعض الشيء في كل واجهة من الواجهتين:

        الواجهة الأولى: وتمثلها على ما ذكرنا المبادئ الفكرية التي كانت موضوعاً للمواجهة بين المالكية وخصومها من الفترة المذكورة، إن المدونات التي يمكن الإفادة منها والاعتماد عليها في دراسة هذا الجانب قليلة جداً، ولعل الكثير منها أتلف عمداً بسبب الصراع الذي كان قائماً بين تلك الفرق، وتتفاوت خطوط تلك الفرق من المدونات التي سلمت من التلف.

        وهكذا فإن النصوص التي تعنى بالخوارج في الغرب الإسلامي نادرة، وما هو موجود منها غير متداول خارج الجيوب الخارجية التي ما تزال قائمة، هذا مع العلم أن الخوارج الذين أقاموا الدنيا في مغرب القرنين الثاني والثالث الهجريين كانوا من الصفرية والإباضية. ثم إن كل ما انتهى إلينا من أخبار عن المبادئ التي اعتمدها البرغواطيون، إنما تضمنتها كتب التاريخ والجغرافية([40]).

        ولم تخلف الغزالية تراثاً يخص خلافها مع المالكية، وإن كانت الإشارات إلى أوجه الخلاف بين الفقهاء والمتصوفة، أو بينهم وبين المالكية تتردد في غير تصنيف من تصانيفهم، ومرد الخلاف بين المالكية والغزالية هو نفسه الحاصل بين المتصوفة والفقهاء في العالم الإسلامي، وهو الصلة بين الشريعة وبين ما يسمى بالحقيقة، أو العلاقة بين الظاهر والباطن، وقد تمكنت المالكية كما سنوضح فيما بعد توجيه الفكر الصوفي في الغرب الإسلامي، توجيهاً وقع في التحكم في الشطح الصوفي إلى حد بعيد سواء في القول أو العمل.

        وأهم ما انتهى إلينا من تراث المذهب التومرتي، رسائل محمد بن تومرت التي يجمعها كتابه المنشور باسم "أعز ما يطلب" ثم ما تبقى من كتاب "نظم الجمان" لابن القطان، فقد جرى فيه كلام في بيان أوجه الخلاف بين المالكية وبين التومرتية، وذلك حين يذكر المؤلف وجوه النقد التي توجه للمالكية.

        وأما المذهب الظاهري الحزمي فإن تآليف صاحب المذهب ابن حزم هي من الكثرة بحيث تغني الدارس عن غيرها في تتبعه لهذا المذهب، هذا مع العلم أن الظاهرية بدت معالمها في كثير من تصانيف الأندلسيين في علوم الشريعة وعلوم اللغة.

        وليس من السهل حصر ما تركته المالكية في بيان أصول المذهب والدفاع عنه في مواجهة خصومه، وتجب الإشارة إلى أن المالكية مذهب فقهي وتوجه فكري.

        ففي المجال الفقهي لك أن تعتبر كل المدونات المالكية مصدراً من مصادر المذهب، أما في مجال الفكر عامة، فإن أهم المصادر المالكية التي يمكن الرجوع إليها في إبراز التوجه الفكري تآليف القاضي عياض، وخاصة كتابه "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى" وتآليف شيخه ابن العربي وخاصة كتابه: "العواصم من القواصم"، يضاف إلى ذلك كله نصوص المناظرات ونصوص المسائل وبعض النوازل.

        إن التراث المالكي في الغرب الإسلامي من الخصب والغنى، بحيث يستحق أن يكون موضوعاً لأطاريح كثيرة تدرسه من جوانب فقهية وفكرية وتاريخية... إلخ، ولا يعنينا منه هنا إلا ذلك الجانب الذي وقف فيه الفقهاء منافحين عن مذهبهم مواجهين لخصومهم من الفرق التي مر معنا ذكرها، وهنا تجب الإشارة إلى أننا لا نعرف لهم تصنيفاً مفرداً في الرد على هذه الفرقة أو تلك، إلا ما كان من ردود على الظاهرية وبعض الطوائف الصوفية.

        ولم يكن الخلاف بين المالكية وبين خصومهم من الفرق المذكورة خلافاً مذهبياً باستثناء ما بينها وبين الظاهرية، فالبرغواطية وهي أقوى تلك الفرق، طائفة لم يدرجها أحد ضمن الفرق الإسلامية، وقد مر معنا كيف اعتذر ابن الخطيب عن إيراد أخبارها في كتابه الذي خصه لملوك الإسلام "أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام". وأما ما أتت به التومرتية من آراء فيصطدم مع أصل المقررات السنية، كما أشار إلى ذلك الأستاذ ابن تاويت الطنجي.

        ولذلك كله فإن الخلاف بين الطرفين أعمق والشقة أبعد، وما قد نجده من اعتراض في مؤلفات القاضي عياض، وأبي بكر بن العربي وأضرابهما من مالكية الغرب الإسلامي على المذاهب والفرق المختلفة، لا يتوجه كله إلى الفرق المذكورة ولا جله، وإنما هو توضيح لمواطن الخلاف بين المالكية وبين خصومها في المشرق والمغرب على السواء. ويمكن حصر تلك المواضع في القضايا الآتية:

        قضايا تخص رسالة النبوة، وصفات الرسل وما يجب ويمتنع في حقهم، وذلك كله موضوع كتاب "الشفا" للقاضي عياض.

        قضايا تخص التفسير السني لوقائع التاريخ الإسلامي الكبرى، وهي وقائع وقع تباين كبير كما هو معروف في تفسيرها، وذهبت كل فرقة إلى رأي، حسب ما تبث لديها من آثار، وتشكل تلك الوقائع أصولاً للخلاف بين الفرق الكلامية خاصة، وأهمها ما حدث عقب وفاة الرسول r، خلافة أبي بكر وكيف تمت، مقتل عثمان وعواقب ذلك، بيعة معاوية ثم اليزيد بعده... وفي أصول هذه الوقائع تكمن بعض أصول الخلاف بين السنة والشيعة كما هو معروف، وقد تصدى لها جميعاً أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم" وقدم التصور السني لتفسيرها، والنصوص المعول عليها لديهم في فهمها.

        قضايا تخص المذهب المالكي، وقد خص القاضي عياض القسم الأول من كتابه "ترتيب المدارك" للدفاع عن المذهب للرد على خصومه، ووقف عند أهل الأصول المعتمدة لدى المالكية وأشبع فيها القول.

        قضايا عقدية والكلام عنها وارد في كثير من مدونات المالكية، على أن الكلام فيها مع ذلك محدود، والخوض في دقائقها قليل، وما انتهى إلينا من الآثار في باب العقائد عند أهل المغرب قليل جداً.

        إن آراء المالكية في القضايا المذكورة أعلاه، لا تخرج كما هو معروف عن آرائهم، وهي تعود إلى ما استقرت عليه المالكية وتردد في مدوناتهم، ففي مجال العقائد تلتقي المالكية مع سائر الفرق السنية كما هو معروف.

        وقد ترددت بقوة أصداء مواجهة المالكية لبعض الفرق التي سبق ذكرها، وأهمها الخوارج والتومرتية والظاهرية في نوازل "المعيار" للونشريسي، والنوازل تراث مالكي ضخم كما لا يخفى.

        الواجهة الثانية: وهي الواجهة التاريخية، ومن المؤكد أن المصادر المعتمدة في دراسة هذا الجانب من جانبي تلك المواجهات بين المالكية وبين الفرق والطوائف أوفر، وهذا دليل على أهمية البعد التاريخي أو السياسي لتلك المواجهات، وقد ذكرنا غير مرة أن ما من فرقة أو طائفة إلا وكان لها نزوع سياسي، وطموح إلى إقامة دولة، وإذا كان ابن خلدون قد أهمل الأثر المذهبي في تحريك عجلة التاريخ في هذه المنطقة، واحتكم بصفة كاملة إلى الأثر العرقي أو القبلي([41]) فإنه لم يستطع تجاهل أثر تلك الفرق فقدم لنا صفحات عن تلك الفرق والطوائف مما يجعل تاريخه مصدر لدراستها، أو دراسة أثرها في صناعة الأحداث السياسية وتوجيهها.

        ولن يصعب على الباحث تقسيم تاريخ شمال إفريقيا، أي القسم الأكبر من الغرب الإسلامي تقسيماً ينبني على أساس المذاهب والفرق التي سادت وتحكمت.

        وعلى الرغم من التشابه الكبير بين الأمصار الثلاثة المكونة للغرب الإسلامي وهي إفريقية والمغرب والأندلس، من حيث المكونات الاجتماعية والثقافية والتاريخية، فإن التحدي الذي واجهته المالكية في المغرب يختلف عما واجهته في إفريقية والأندلس، وكانت محنة المالكية في كل من إفريقية والأندلس أكثر وأشد، وقد أسلمت الأندلس نفسها للمالكية مبكراً بعد تخليها عن المذهب الأوزاعي وأصبحت قلعة من قلاع المذهب المالكي في مطلع القرن الثالث، وفي حياة تلاميذ الإمام مالك رحمه الله المباشرين، ولم يتمكن ابن حزم من أن يزحزح المذهب المالكي عن الأندلس. أما مالكية إفريقية فكانت محنتهم عظيمة على يد العبيديين([42]).

        وكانت البرغواطية أخطر طائفة واجهت المالكية في المغرب، وما كادت المالكية تنتصر على البرغواطية بعد حرب طويلة ذهب فيها زعيم المالكية في المغرب الشيخ عبد الله بن ياسين، حتى أظهر ابن تومرت مذهبه التومرتي، فكان في ذلك امتحان جديد للمالكية ومحنة عظمى ذهبت برأس مالكية المغرب في القرن السادس: القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي الشهير([43]).

        لقد تمكن الخوارج من إقامة دولتهم، ثم ما لبث عقدهم أن انفرط، وانحسر أمرهم في جيوب وسط بيئة مالكية، واستطاع البرغواطيون بسط نفوذهم على تامسنا في المغرب الأقصى، مدة تزيد على قرنين. إلى أن اقتلعت المالكية كما مر جذورهم، وتمكن التومرتيون كذلك من إقامة دولتهم ولعلها أكبر دولة في زمنهم، وهي الدولة المعروفة باسم الدولة الموحدية، واستمر حكمها قرناً كاملاً إذ كان قيامها في الربع الأول من السادس ونهايتها أواسط القرن السابع.

        وأثناء تلك المدة كلها كانت المالكية تتحرك في طول الغرب الإسلامي وعرضه، من أجل إقامة دولة سنية تتمذهب بالمذهب المالكي، ونجحت في إقامة تلك الدولة في منتصف القرن الخامس بتأسيس الدولة المرابطية، فكانت دولة المرابطين دولة الفقهاء، كما أجمع على نعتها بذلك عامة الدارسين. وكان لدولتهم من القوة ما جعلها تقاوم الدولة الموحدية وتصمد في وجه خصومها وكانوا كثيرين([44]).

        لقد كان قيام دولة بني مرين وهي دولة بسطت نفوذها في أزمان متقطعة على الغرب الإسلامي، انتصاراً للمالكية، وإذا كان بنو مرين لم ينطلقوا في المغامرة السياسية التي انتهت بهم إلى تأسيس دولتهم من مشروع سياسي واضح يقوم على مذهب من المذاهب، فإنهم فطنوا إلى ضرورة حصولهم على الدعم المعنوي، فوجدوه في المالكية، وهكذا سارعوا إلى تقريب المالكية وإلى دعم جهودهم، فراجت من جديد المدونات المالكية، وأقبل الطلبة على الأمهات من تلك المدونات([45]).

        وبذلك فإن الانتصار النهائي للمالكية على سائر الفرق والطوائف في الغرب الإسلامي إنما تم في زمن بني مرين وبمساعدتهم، ولم تقم لفرقة أو مذهب قائمة في المنطقة كلها بعد هذا التاريخ وهو القرن السابع، القرن الذي بسط فيه المرينيون الحكم على بلدان المغرب وعلى قسم من الأندلس.

        ولقد واجهت المالكية بعد القرن السابع طوائف انتسبت للتصوف، خاصة في القرنين التاسع والعاشر الهجريين([46])،  وبرز في تلك المواجهة أعلام من المالكية من أبرزهم الفقيه أبو عبد الله الخروبي الطرابلسي([47])، وأبو العباس أحمد زروق وهو الصوفي الشهير الذي اشتهر بلقب محتسب الصوفية، وفي ذلك إشارة إلى جهوده في مراقبة الحركات الصوفية الزائفة. واشتهر كذلك عبد الكريم الفكون([48]).

        ومن الطوائف المخالفة اشتهر ابن أبي محلي الشهير بتآليفه الغريبة([49])، ولعله تبين أن لكل واجهة من واجهتي تلك المواجهة بين المالكية وبين الفرق والطوائف قدراً كبيراً من الأهمية، في معرفة أسس تلك المواجهات وأبعادها وآثارها، والحق أن تفصيل الكلام في ذلك يخرجنا عن القصد ويقذف بنا إلى متاهات تاريخية وفكرية تستلزم مجالاً آخر غير مجالنا هذا، وحسبنا هنا تحديد أطراف تلك المواجهات وطبيعة كل منها مع التأكيد على أن فهم تاريخ الغرب الإسلامي بجميع مكوناته السياسية والمذهبية لا يتأتى إلا بدراسة معمقة لكل العناصر الفاعلة فيه ومنها المذاهب الفقهية، والفرق الكلامية، والطوائف الصوفية التي تفاعلت فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين عناصر أخرى لتصنع ذلك التاريخ.

        على أننا من الواجب أن نقف لنحاول مرة أخرى الإجابة عن سؤالين اثنين، نرى الإجابة عنهما ضرورية في بحثنا هذا، وهما: ما الأسباب التي جعلت المالكية تنتصر على سائر الفرق التي واجهتها في الغرب الإسلامي؟ وما أثر ذلك على المنطقة كلها؟

        مرت معنا الإشارة إلى قول من قال بأن انتصار المذهب المالكي وتمكنه من قلوب المغاربة، يعود إلى مناسبة المذهب لعقلية المغاربة، وهذا الرأي قديم([50]) جديد قال به ابن خلدون وغيره. والقول به يستلزم المعرفة التامة بعقلية المغاربة، كما يستدعي أمراً آخر هو أن المذهب المالكي لا يقدر له الانتشار والانتصار إلا وسط شعوب ذوات عقلية متشابهة لعقلية المغاربة وهي عقلية تتسم بطابع البداوة وهذا غريب حقاً. على أن بيئة الحجاز أيام مالك كانت أبعد ما تكون عن البداوة بفضل ما انتهى إليها من غنائم أثمرت مدنية وحضارة، وكذلك فإن بيئة الأندلس وهي قلعة مالكية بعيدة عن البداوة كما لا يخفى. وربما كان من الأنسب أن يقال إن أخذ المغاربة بمذهب مالك وتمسكهم به في حياتهم والسير على منواله في معاملاتهم، ترك أثره في عقليتهم، وظهر ذلك في آثارهم الكتابية فيما ألفوا فيه، وفيما عزفوا عن التأليف فيه، في إشارة إلى الزعم القائل بقصور أهل المغرب في حقل المباحث النظرية والتصنيف في الكلاميات والفلسفة.

        إن تفسير الظواهر الاجتماعية والفكرية لا يتم على أساس سبب واحد، بل لابد من اجتماع أسباب كثيرة لقيام هذه الظواهر أو تلك أو زوالها، وعليه فإن البحث في أسباب انتصار مذهب مالك على غيره من المذاهب، وظهور المالكية على غيرهم من أصحاب الفرق والطوائف المختلفة، يجب أن يشمل كل العناصر ذات الصلة بالموضوع.

        ويأتي على رأس أسباب انتصار المالكية على غيرهم من أصحاب الفرق كونهم لم ينازلوا أصحاب مذاهب سنية عدا ابن حزم ومذهبه الظاهري، وإنما واجهوا أصحاب فرق متهافتة الأسس، جمع أصحابها بين الدجل وسفك الدماء مثل البرغواطيين والعبيديين.

        هذا وإن ظهور ابن حزم ومذهبه إنما كان في القرن الخامس، وذلك بعد أن كان المالكية قد تمكنوا من الأندلس، تمكناً تاماً، ولم يبق لمذهب مطمع فيها، هذا مع ما عرف عن المالكية من تماسكهم وشدة بأسهم حتى أن منهم من تاقت نفسه إلى إقامة دولة باسمه مثل ابن حمدين في قرطبة، وقد ورد في "المعيار" ما نصه: «في أواخر حياة مالك حمل أمير الأندلس هشام بن عبد الرحمن الناس على العمل بمذهب الإمام مالك والفتيا به وذلك سنة 170 ﻫ وكان المفتي يومئذ صعصعة بن سلام إمام الأوزاعية وراويتهم فالتزم الناس هذا المذهب: يعني مذهب مالك وما تدين بغيره أحد إلا من لا يؤبه به»([51]).

        وقد كان لمكانة الإمام مالك رحمه الله وهو عالم مدينة رسول الله r، أثر في نفوس تلاميذه وأصحابه من الطبقات التالية لطبقته، وهي مكانة لا يدانيها مكانة صالح بن طريف من البرغواطيين ولا مكانة ميسرة الخفير، فبين الطرفين ما بين السماء والأرض. ومن أسباب ظهور المالكية على غيرهم ما كانوا عليه من علم، وما اشتهروا به بين العامة من رغبة في الإصلاح، وحب إقامة العدل، وسيرة كثير من قضاة المالكية في المغرب والأندلس شاهدة على ذلك([52]).

        وما من شك أن الأصول التي أقيم عليها المذهب المالكي من القوة والتماسك والقدرة على الاستجابة لتطور المجتمع وتنوعه([53])، بحيث لا تسهل مواجهته ولا يملك من يروم ذلك إلا الإذعان له والتسليم بأسسه([54]).

        والجواب عن السؤال الثاني وهو الخاص في مجال تحديد آثار المالكية ومذهبهم في الغرب الإسلامي يتطلب فحصاً شاملاً ودقيقاً لكل مكونات التاريخ الثقافي والسياسي لهذه الجهة من العالم الإسلامي، ويمكن القول أن للمالكية فضلاً كبيراً في صنع أحداث ذلك التاريخ وفي تشكيله إلى درجة يصعب معها تصور هذه الجهة من العالم الإسلامي خارج المذهب المالكي. ويعرف المشتغلون بالتراث المغربي، في أي جانب من جوانبه الفكرية والأدبية والعلمية والشرعية كيف ظل الفقه المالكي لا يفارقهم أبداً، وهكذا يلتقي أبو بكر الطرطوشي، وعياض وابن رشد وأبو بكر بن العربي، وابن خلدون وابن عباد الرندي، رغم اختلاف مجال اهتمامهم وتباين مواضع تصانيفهم، وإجمالاً يمكن حصر نتائج انتصار المالكية في أمرين اثنين:

 

        ˜ توحيد الغرب الإسلامي في نطاق المذهب المالكي: وذلك تم بعد انهزام التومرتيين واعترافهم ببطلان مذهب مهديهم، وكان ذلك في الربع الأول من القرن السابع للهجرة. ووحدة الغرب الإسلامي المذهبية من المكاسب العظمى([55])، ورغم تقلب الأحوال وتغيير الأزمان ما زالت الوحدة قائمة، تتجلى آثارها في كثير من جوانب حياة الشعوب خاصة في الحقول التشريعية والتعليمية.

        ˜   التوحيد الثقافي والفكري: كما كان لتمسك المغاربة بمذهب مالك أثر كبير في حياتهم الفكرية والثقافية. نلمس ذلك الأثر في المجالات الآتية:

 

        - مجال التأليف في الكلاميات وما إليها: إن تصنف المغاربة في هذا المجال محدود، وكان مما أخذ على المالكية انصرافهم عن الأصول واكتفاؤهم بالفروع وهذا يعني أنهم أقاموا مدوناتهم الفقهية مقام الأصول في علم الشريعة([56]).

        ويظهر أن المتأخرين منهم تمادوا في ذلك، وأصبحت غاية الفقيه حفظ وترديد مجموعة من المتون الفقهية، وكان حفظ المتون الفقهية التي ألفها المالكية معتمد أهل الغرب الإسلامي في جميع مراكزهم العلمية([57]).

        في باب العقائد اكتفى أهل المغرب بما نظمه فقهاؤهم من منظومات على المذهب الأشعري، واشتهرت من ذلك منظومات أبي الحجاج الضرير وهو أحد شيوخ عياض. وله ثلاث منظومات في العقائد صغرى ووسطى وكبرى، ثم الشيخ السنوسي، وعلى عمل السنوسي اعتمد المتأخرون في باب العقائد.

        لقد حاول بعض المتأخرين من المالكية، مثل ابن مبارك السجلماسي في أجوبته الشهيرة أن يخرجوا عن تلك المنظومات ولكنهم لم يتمكنوا من الابتعاد عنها، ولعل ذلك لا يرجع إلى قصور مداركهم ولا إلى قلة زادهم، وإنما يرجع إلى أن الوسط العلمي لم يكن ليفسح باب الكلام في العقائد والأصول.

        وفي مجال الأدب بسط الفقهاء نفوذهم على ساحته منذ القرن الخامس، ونافس الفقيه الشاعر في رزقه وسد باب القصر في وجهه فما كان من الشاعر إلا أن يهجوه...

        وأخيراً فإننا نسجل على وجه الإيجاز مجمل النتائج التي انتهى إليها البحث، وقد مرت الإشارة إلى بعضها في مكانها منه وهي الآتية:

        -  إن انتشار المذهب المالكي في الغرب الإسلامي واستقراره تم على مراحل وخلال قرون، ولم يتيسر للمالكية ترسيخ مذهبهم إلا بعد جهاد مرير ومواجهات عديدة مع فرق كثيرة.

        وما كان ليتيسر ذلك لولا عوامل كثيرة مساعدة، وأهمها يكمن في أصول المذهب نفسه، واستعداده للإجابة عن الأسئلة التي تطرحها البيئات المختلفة والظروف المتباينة. وقد أدى ذلك إلى توحيد الغرب الإسلامي اجتماعياً وثقافياً بشكل عام، شمل هذا التوحيد كل مظاهر الحياة، ولذلك يتعذر فهم تاريخ هذه المنطقة فهماً صحيحاً دون الرجوع إلى التاريخ الفكري والمذهبي لها.

        ولكل ذلك بات من الضروري إعادة كتابة تاريخ الغرب الإسلامي بشكل لا يقع الاتكاء كلياً على العامل القبلي أو الاقتصادي، وإنما يعتمد جميع العناصر الفاعلة في هذا التاريخ ومنها العامل المذهبي وأثره في صناعة تاريخ الغرب الإسلامي.

 



([1])       الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، ترجمة عبد الرحمن بدوي.

([2])       Polimique autour derite de malik.؛ مجلة الأندلس، 1950، ص. 450.

([3])       إبراهيم خلف العبيدي، البرغواطيون في المغرب.

([4])       حركة المتنبئين هذه أغرت أحدهم ممن لا يحسن ذكر اسمه، بالبحث رغبة في الشهرة على غرار المتطلعين إلى الشهرة على حساب الإسلام في زماننا هذا.

([5])       ومن المصادر التاريخية التي تفيد في موضوعنا: ابن عذاري، البيان المغرب، ج 1، ص. 134 وما بعدها؛ وعبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص. 184؛ وابن خلدون، العبر، ج 6، ص. 283؛ وأحمد الناصري، الاستقصا، ج 1، ص. 114.

([6])       يعني مصطلح الغرب الإسلامي، شمال المغرب والأندلس والجزر المتوسطة مثل صقلية التي كانت تحت حكم المسلمين.

([7])       ترتيب المدارك، ج 1، ص. 118، 156، 181.

([8])       فهرست ابن خير، صص. 13، 77-78.

([9])       انظر ترجمة مالك في الجزء الثاني من "ترتيب المدارك" في عدة مواضع.

([10])      ابن عذاري، البيان المغرب، المصدر السابق، ج 1، صص. 42-43.

([11])      المصدر نفسه، ج 1، صص. 42-43.

([12])      محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي، ص. 39 وما بعدها.

([13])      المرجع نفسه، ص. 39 وما بعدها.

([14])      محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي، المرجع السابق، صص. 177-178؛ والقاضي عياض الأديب، لكاتب هذا البحث، ص. 14؛ الونشريسي، المعيار، ج 5، ص. 34.

([15])      محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي، المقدمة.

([16])      سبقت الإشارة إلى مراجع ذلك.

([17])      ترتيب المدارك، المصدر السابق، ج 5، ص. 303 وما بعدها.

([18])      من ذلك كتاب ابن الأبار، درر السمط في خبر السبط.

([19])      محمد ابن تومرت استند إلى مبدأي العصمة والمهدوية فصاغ منهما مذهبه وهو مذهب انهار سريعاً في أيام الدولة التي أسس بنيانها.

([20])      معروف أن الأدارسة فاطميون أيضاً، والفاطميون الذين أسسوا الدول في الغرب الإسلامي هم: الأدارسة، والفاطميون الحسنيون في صقلية، والفاطميون العبيديون الذين انطلقوا من المغرب واستقروا بمصر، وهم المقصودون هنا.

([21])      أعمال الأعلام، المصدر السابق، صص. 180-182.

([22])      المصدر نفسه، صص. 182-183.

([23])      أحمد الناصري، الاستقصا، المصدر السابق، ج 1، ص. 108.

([24])      القاضي عياض الأديب، المصدر السابق، ص. 14.

([25])      التشوف إلى رجال التصوف، ترجمة أبي الفضل النحوي، ص. 9؛ وترجمة أبي الحسن حرزهم، ص. 51.

([26])      وكان من هؤلاء ابن قسي وحركته.

([27])      ابن القطان، نظم الجمان، ص. 11؛ الونشريسي، المعيار، المصدر السابق، ج 12، ص. 185 وما بعدها.

([28])      ينظر في ذلك كتاب "إرشاد السالك" للمكودي التازي، وهو مخطوط يتم تحقيقه تحت إشرافنا من طرف الطالب الباحث الولهاني محمد لإعداد الدكتوراه.

([29])      ترتيب المدارك، المصدر السابق، ج 5، ص. 30-42.

([30])      ومن أبرزهم في ذلك أبو العباس الجراوي شاعر الخلافة الموحدية.

([31])      نشر أخيراً بتحقيق جديد قام به صاحبنا الدكتور عبد الغني أبو العزم.

([32])      ترتيب المدارك، المصدر السابق، ج 5، ص. 24، 30؛ القاضي عياض الأديب، المصدر السابق، ص. 21.

([33])      ابن القاضي، درة الحجال، ج 2، ص. 36.

([34])      الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، ج 1، ص. 75. لقد كان مذهب ابن حزم ومذهبه الظاهري موضوعاً لدراسات عديدة، ولعل آخرها في الجامعات المغربية، الأطروحة التي أعدها في موضوع الظاهرية في الأندلس، الدكتور توفيق الغلبزوري ومن المؤكد أن هذه الدراسات تكون بدورها موضوعاً لأطروحة بعنوان "ابن حزم الظاهري بين دارسيه".

([35])      انظر صفحات المصادر المذكورة، والردود التي وردت في المرجع السابق.

([36])      ينظر في بيان ذلك المقدمة التي كتبها المرحوم بن تاويت الطنجي لتحقيق الجزء الأول من "ترتيب المدارك"؛ وينظر أيضاً بحث صاحب هذه السطور بعنوان "القاضي عياض الأديب".

([37])      انظر: القاضي عياض الأديب" لكاتب هذا البحث، من ص. 13 إلى ص. 33؛ وانظر الونشريسي، المعيار، المصدر السابق، ج 2، ص. 453، 463.

([38])      المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، المصدر السابق، ص. 185.

([39])      أهمل ابن خلدون بشكل كامل أثر هذه المذاهب في توجيه التاريخ في الغرب الإسلامي، واعتمد اعتماداً كلياً على الأصل العرقي، وقسم تاريخ هذه المنطقة بحسب القبائل الكبرى التي حكمت المغرب الكبير.

([40])      أهم المصادر في معرفة البرغواطيين "المسالك والممالك" للبكري؛ وأعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام لابن الخطيب وعليه كان اعتمادنا. ومن الدراسات الحديثة "البرغواطيون في المغرب" لإبراهيم خلف العبيدي.

([41])      إن دعوة ابن تومرت تندرج عند ابن خلدون ضمن حركات مصمودة، ودعوة العبيديين ترجع إلى كتامة.

([42])      ترتيب المدارك، المصدر السابق، ج 5، ص. 303 وما بعدها.

([43])      مات الشيخ  عبد الله ياسين في حرب برغواطة سنة 451 ﻫ وضريحه معروف إلى الآن في المكان الذي استشهد فيه، أما القاضي عياض رحمه الله، فقد مات غريباً مغرباً منفياً في مراكش، نفاه إليها خليفة ابن تومرت عبد المومن بن علي اﻟﮕﻮمي في مراكش، مات في ظروف غامضة سنة 544 ﻫ، وضريحه بها مشهور كذلك.

([44])      واجهت الدولة المرابطية أعداءاً قديماً وحديثاً، فقديماً حاربها الموحدون وملوك الطوائف وأتباعهم من الشعراء، وحديثاً حاربها المستشرقون من أمثال "دوزي" ورموهم بالتحجر والتزمت والبعد عن الحضارة. ومن خصوم المرابطين المؤرخ عبد الواحد المراكشي الذي أظهر في كتابه "المعجب" مواقف معادية لهم.

([45])      ينظر في ذلك كتابنا: الشعر المغرب في عصر بني مرين قضاياه وظواهره، ص. 31 إلى ص. 53.

([46])      من ذلك طائفة ابن أبي محلي صاحب "المنجنيق" و"الإصليت". إن الحركة التصحيحية التي قامت بها المالكية ضد الطوائف المنحرفة من أهل التصوف تستحق دراسة مفصلة، فقد اشتهر من مالكية هذا العصر وهو القرن العاشر "ابن ميمون الغماري" توفي سنة 917 وأبو عبد الله الخروبي الطرابلسي، توفي سنة  963 وأبو عبد الله الهبطي توفي سنة  968 والشيخ زروق بتصانيفهم في مواجهة الحركة الصوفية الانتحابية وهي حركة أبي عمر القسطلي المراكشي توفي  914 وحركة ابن أبي محلي وقد هم بادعاء المهدوية، ثم حركة العكاكزة المعروفة باليوسفية نسبة إلى أحمد بن يوسف الملياني.

([47])      ينظر بحثنا المنشور ضمن أعمال ندوة التواصل الثقافي، بين أقطار المغرب العربي، بعنوان "التواصل العلمي بين بلدان المغرب العربي من خلال التراث الصوفي للشيخين أبي العباس زروق وأبي عبد الله الخروبي الطرابلسي".

([48])      ابن مخلوف، شجرة النور الزكية، ص. 310. وكانت وفاة الفكون رحمه الله سنة  1072 ﻫ.

([49])      انظر الهامش رقم 46.

([50])      عباس الجراري، وحدة المغرب المذهبية، ص. 25.

([51])      "البيوتات الأندلسية" لصاحب هذا البحث، ضمن كتاب "الأندلس قرون من التقلبات والعطاءات
ج
1، ص. 247 وما بعدها.

([52])      تاريخ القضاة في المغرب والأندلس.

([53])      مثال ذلك القول بالعمل عندهم في المذهب، وهو الذي سمح فيما بعد بظهور ما عرف بالعمل القرطبي والعمل الفاسي.

([54])      تكفل القاضي عياض رحمه الله من بسط ذلك في القسم الأول من "ترتيب المدارك".

([55])      انظر كتاب عباس الجراري، وحدة المغرب المذهبية" فقد أعطى الموضوع حقه من البحث.

([56])      المعجب في تلخيص أخبار المغرب، المصدر السابق.

([57])      أبو عبد الله الطالب الولائي، فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور؛ وانظر مقدمة المحقق.