مسكويه المعلم الثالث بين الرؤية التاريخية

والإبداع الفلسفي

   

                                         الدكتور بركات محمد مراد

                                               جامعة عين شمس - القاهرة

 

«كانت لديه ميزة كبيرة في أخبار عصره من معرفته الشخصية بالرجال المشهورين، إذ كان قادراً على الحصول على المعلومات من مصادرها الأصلية. أضف إلى ذلك، أنه كان عارفاً بمناهج الإدارة والحروب في عصره مما يسر له وصف الأحداث وصف عارف، والحكم على الأعمال حكم واقف على دقائقها بحكم تقلده مركزاً، وإن لم يكن سامياً حداً في بلاط البويهيين».                                                                                                     (المستشرق مرغليوث)

                                           

        يعد مسكويه Miskawaih من أهم مؤرخي القرن الرابع الهجري، استطاع من خلال كتابه "تجارب الأمم" أن يسهم في تطور الكتابة التاريخية العربية، التي بلغت في عصره، نضجاً لم تعهده من قبل، كما يعد فيلسوفاً أخلاقياً عظيماً، فقد أصاب - بمؤلفاته الأخلاقية ومنها كتاب "الفوز الأصغر" - مقاماً رفيعاً في الفكر والفلسفة، فقد سموه المعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي، ويُراد بذلك أنه مثلهما وفي مقامهما فكراً وفهماً. ولا ينكر أحداً أن علم الأخلاق، رسمت ملامحه، وتوضحت شخصيته، وتميزت هويته، بفضل هذا المفكر الذي وضع كتابه "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" فكان في أسلوبه فريداً وفي منحاه فريداً، مازجاً بين بنات الفكر وآيات الذكر، فخلق مزاجاً تقبله الأنفس كلها، وتستسيغه العقول وإن تباينت ثقافاتها، وزاوج فيها بين التحليل والتسليم، فكان للعقل حجة وللإيمان محجة.

 

نشأته وحياته

        هو أحمد ابن محمد ابن يعقوب، أبو علي الخازن، الملقب بـ"مسكويه"([1]). ولد ما بين عام 320-325 ﻫ بالري في إيران. وقد أغفلت المصادر إغفالاً غريباً نشأته في مقتبل حياته، فلا نعرف شيئاً عن أساتذته ومعلميه، أو عن ثقافته المعرفية الأولى. لقب بالخازن، لأنه كان قيماً على خزانة كتب ابن العميد، ثم كتب عضد الدولة البويهي. ولقب بالرازي، نسبة إلى بلدة الري، حيث ألحقوا الزاي في النسبة تخفيفاً([2]). والذي اتفق عليه القدامى والمعاصرون من الكتاب والباحثين، أن أبا علي عَمّر قرناً من الزمن إلا بضع سنين، عايش فيه أبرز العلماء وأنبغ الكتاب والأدباء، وأرفع الفلاسفة والشعراء قدراً وصيتاً. فقد كان معاصراً لابن سينا والبيروني والتوحيدي، وكان رفيق الأمراء والملوك، فقد بدأ طفولته مع معز الدولة أحمد بن بويه، وقضي شبابه مع عضد الدولة، وعرف في رجولته ابن صمصام الدولة، وفي شيخوخته كان إلى جانب بهاء الدولة.

        عاش مسكويه في فضل بني بويه ومات في فضلهم، وكان لهم في حياته صديقاً وفياً وخازناً أميناً، وكاتباً رفيع الجناب يمتعهم بكتابته، ومفكراً يعطيهم من عقله وفكره، أكثر مما يعطونه من أيديهم وجيوبهم. وكان ينادمهم في مجالس أسمارهم، ويمدهم بمشورته في عسرهم ويسرهم، وينير لهم الطريق إذا أظلم ما حولهم، ويصير رسولهم إلى الخلفاء والأمراء، ويؤدي الرسالة خير تأدية، فهو الخازن الأمين لبني بويه في حله وترحاله، وهو ثمرة من ثمارهم اليانعة الوافرة، وعود من ريحانتهم الناضرة.

        ولقد كان لبني بويه شأنهم الكبير في توسيع رقعة العلم والمعرفة، وتنشيط جسد الحضارة العربية الإسلامية، وإقامة صرح ممرد من المعارف والفنون شملت آفاق الحياة كلها، فانتعشت الفلسفة وزها الأدب والنحو في بلاطاتهم وفي بلاط الحمدانيين الذين كانوا في حلب والشام، وبعث بني بويه الحياة في عروق الفكر العربي الإسلامي كما كانت أيام المأمون، بل أكثر وأشد، لأنهم استفادوا من تجارب الزمن ومن تطور البشر.

        بدأ مسكويه حياته العلمية بمصاحبة أبي محمد المهلبي - وزير معز الدولة البويهي - في أيام شبابه، وكان خصيصاً به، رفيق مجالسه، ونديم لياليه، ودامت الرفقة اثنتي عشر سنة (340-352 ﻫ) ثم عاد بعد وفاة المهلبي إلى الري، حيث اتصل بابن العميد، حاكم إقليم الجبال، وعمل معه خازناً لمكتبته الضخمة، وعندما توفي ابن العميد، ظل مسكويه في خدمة ابنه أبي الفتح حتى عام 366، حيث توفي الأخير، فترك مسكويه الري متجهاً إلى فارس، ملتحقاً بأميرها "عضد الدولة البويهي"، والظاهر أن مسكويه قد عمل خازناً لمكتبة عضد الدولة إذ كانت تعد الأخيرة من كبريات المكتبات في التاريخ الإسلامي، بما جمعت بين دفتيها من آثار القدماء وتصانيف العلماء.

        ومثلت وفاة عضد الدولة البويهي عام 372 منعطفاً مهماً في حياة مسكويه، ففي الوقت الذي حافظ فيه على علاقاته مع خلفاء الأول، فإنه انصرف عن مجالسة ومنادمة الوزراء، إلى التأليف والتصنيف قرابة خمسين عاماً، أثرى فيها المكتبة العربية بالمفيد النافع من علوم الفلسفة والأخلاق، والطب، والأدب، والتاريخ. والظاهر أن مسكويه كان مسلماً شيعياً، رغم تردد بعضهم في تقرير ذلك. وقد توفي في صفرح من عام 321. لقد عاش مسكويه ما يقارب قرناً كاملاً هو تقريباً عمر الدولة البويهية، أيام ازدهارها وعنفوانها، لذلك يُعد مؤرخ البويهية بلا منازع([3]).

 


فلسفته

        فلسفته مزيج من آراء أفلاطون وأرسطو وجالينوس، والشريعة الإسلامية، غير أنه يميل إلى أرسطو أكثر، وكان من ثمرة جهوده الفلسفية تقريبه بين الفلسفة والشريعة الإسلامية. ويعرف النفس بأنها جوهر بسيط غير محسوس بشيء من الحواس، تدرك ذاتها وتعلم أنها تعلم وتعمل، ومعارفها أوسع من العالم المحسوس، وهي في أساسها عقلية أولية، تميز الأحاسيس وتقارنها وتصححها.

        والخير هو ما يتحقق به للإنسان كمال وجوده، ولكن لابد للإنسان من استعداد كامن يوجهه إليه، ومن الناس من هو خير بطبعه وهم قليلون، ولا يتحولون عن الخير قط، ومنهم من هو شرير بطبعه وهم كثرة، ولا يتحولون عن الشر قط، ومنهم من لا ينتمي إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولكنهم يتلونون بالخير أو بالشر بالتأديب، أو بمصاحبة أهل الخير وأهل الشر.

        والخير إما عام يسعى الجميع إليه، وإما خاص يحقق لصاحبه سعادته الخاصة، وسواء كان عاماً أو خاصاً، فإنه ما يتحقق به لصاحبه صورته الحقيقية، ولكن الإنسان يستحيل أن يحقق لنفسه كل خيراتها، ولابد له من الاستعانة بالآخرين، فإذا كانت الفضيلة هي تحقيق الإنسان لذاته، فالأخلاق هي ما يجب أن تكون عليه أفعاله في الجماعة، والدين هو الرياضة الخلقية للنفس وغايته طبع الإنسان بالطابع الاجتماعي([4]).

 

مؤلفاته

        تتنوع آثار مسكويه بتنوع معارفه وعلومه، فقد صنف في علوم الأخلاق، والفلسفة، والطب والرياضيات، والتاريخ. ومؤلفاته بين مفقود لا نكاد نعثر له على أثر، إلا عند من ترجم له من القدماء، وهي الأغلب، وبين مخطوط محفوظ في خزائن الكتب الخطية، وبين مطبوع أبصر النور من كوة جهود المستشرقين ابتداء، وبعض الأكاديميين المتخصصين في الجامعات العربية انتهاء. وهي بين هذا وذاك قاربت نيفاً وثلاثين كتاباً وهي:

 

1 - آداب الدنيا والدين: وهو كتاب أخلاقي يتضمن أصول المعرفة مع شيء من مراسم الشريعة وأحاديث العلم.

2 - أحوال الحكماء وصفات الأنبياء السلف: وهو تاريخ الحكماء والأنبياء.

3 - كتاب في الأدوية المفردة: وهو في علم الطب.

4 - كتاب في علم الأشربة: وهو كتاب في علم الطب ظاهراً.

5 - أنس الفريد: قال ياقوت: «وهو مجموع يتضمن أخبار وأشعار وحكماً وأمثالاً، غير مبوب».

6 - ترتيب السعادات ومنازل العلوم: في الأخلاق وهو شرح لمراتب السعادة الثلاث، وتحديد دقيق لمراتب العلوم.

7 - كتاب في تركيب الباجات من الأطعمة.

8 - تعاليق على الكتب المنطقية.

9 - تفصيل النشاتين وتحصيل السعادتين.

10 - جاويدان خرد: أي الحكمة الخالدة، وهو أصلاً لأحد ملوك الفرس القدماء بالفارسية، يتحدث عن آداب الفرس ومواعظهم. وزاد عليه مسكويه آداب الأمم الأخرى من العرب والهند والروم.

11 - كتاب الجامع: الظاهر أنه في علم الطب.

12 - حقائق النفوس: وهو في أحوال النفس.

13 - الخواطر: هو في أحوال النفس، وتباين أنها جوهر بجهة وعرض بجهة.

14 - رسائل فلسفية: وهو مجموعة رسائل فلسفية كالآتي: أ. رسالة في اللذات والألم. ب. رسالة في الطبيعة. ﺟ. رسالة في جوهر النفس والعقل. د. رسالة في إثبات الصور الروحانية. ﻫ. الفصل بين الدهر والزمان.

15 - رسالة في دفع الغم من الموت: وهي في الحكمة.

16 - رسالة في ماهية العدل: وجهها مسكويه إلى علي ابن محمد أبي حيان الصوفي، وهي في ماهية العدل.

17 - الرسالة المسعدة.

18 - كتاب السياسة والملك.

19 - كتاب السير: قال ياقوت «أجاده، ذكر فيه ما يسيّر به الرجل نفسه من أمور دنياه، مزجه بالأثر والآية والحكمة».

20 - فقر أهل الكتب: وهو كتاب طريف من عنوانه، ولعله خلاصة تجربة مسكويه، كونه خازن لمكتبات البويهيين.

21 - الفوز الأصغر: وهو في علم الفلسفة (سوف نتناوله بالتحليل النقدي).

22 - الفوز الأكبر: وهو في الفلسفة والحكمة.

23 - فوز النجاة.

24 - فوز السعادة.

25 - المختصر في صناعة العدد: وهو في علم الرياضيات والحساب.

26 - مختصر النبض: كتاب في الطب، كتبه لعضد الدولة البويهي.

27 - مراسلة بينه وبين بديع الزمان الهمذاني.

28 - المستوفى: في الشعر، وهو أشعار مختارة.

29 - الهوامل والشوامل: وهي هوامل أبي حيان التوحيدي، أي أسئلته المبعثرة البالغة 175 مسألة أجابه عليها مسكويه بالشوامل، لأن الشوامل هي الحيوانات التي تضبط الإبل الهوامل فتجمعها.

 

30 -   تهذيب الأخلاق: (تحليل نقدي):

            وهو في علم الأخلاق، ويتألف من ست مقالات، في مبادئ الأخلاق، والكمال الإنساني، والخير وأقسامه، والسعادة، ومراتبها والعدالة، والمحبة والصداقة، وصحة النفس وحفظها، نقله نصير الدين الطوسي (672 ﻫ) إلى الفارسية وسماه "أخلاق ناصري" وقد أعجب به إعجاباً شديداً، كما ترجم إلى الإنجليزية والفرنسية، وطبع الكتاب طبعات عديدة. ولا نخطئ القول إذا قلنا كل من كتب في الأخلاق العملية بعد مسكويه وجد في الكتاب متكأ، أو نظر فيه أو استمد منه. ولئن بقيت قيمته حتى الآن معتبرة، فلا يعود السبب إلى الناحية التاريخية فقط، بل يعود لناحية الأسلوب، ويعود لناحية النتائج والأعراض التي حققها الكاتب في كتابه، إذ فيه نظرات جديدة وآراء تدل على نبوغ.

 

        فمسكويه لا يفهم الصفات التي ترتسم في النفس، أو الأخلاق التي يكتسبها الإنسان، أنها من صنيع النفس بمعزل عن الجسم، ولا من صنيع الجسم مفرداً عن الروح، بل إن هناك اشتراكاً محتماً واضحاً بينهما لصناعة الأخلاق. وكما أن أمراض الجسم يستعان عليها بتناول الأدوية وأخذ العقاقير، فكذلك هناك أمراض للنفس، يستعان في التداوي منها والتغلب عليها بوسائل نفسية روحانية.

        ويجعل للعزم وقوة الإرادة التي هي العقل والحكمة المكتسبة الفاعلية الأجدى والأثر الأشد في تبديل الأطوار القبيحة بالأطوار الحسنة. وبعبارة أخرى، في نقل النفس من الهيئة الرذيلة إلى الهيئة الفاضلة الشريفة. فليس هذا الطب الروحاني الذي عنى الكاتب ببحثه عناية جدية سوى العلاجات النفسية التي نعثر عليها في علم النفس الذي تطور تطوراً هائلاً، بحيث أصبح له مدارسه ووسائله العلمية الحديثة التي تعتمد أحدث الأجهزة، وأدق الأدوات والأساليب لإنقاذ النفوس المريضة وإرجاعها سوية إلى حالتها الأولى.

        فمثلاً يتعرض مسكويه لمسألة (الهرم) التي هي مشغلة الإنسان منذ وجوده، سيما في الزمن الحاضر، ويقول مثلاً: «وأما الأمور الضرورية كالهرم وتوابعه، فإن علاج الخوف منه أن نعلم أن الإنسان إذا أحب طول الحياة، فقد أحب الهرم واستشعر ما لابد منه»([5]). ويتابع كلامه فيحلل ظاهرة الهرم تحليلاً علمياً مادياً، فتأمل كلامه السابق لتصيب ما فيه من الدقة. إنه لا مراء في أن الإنسان إذا أحب أن تطول حياته، فهذا يعني أن الهرم يسعى إليه، إذاً فالهرم نتيجة طبيعية لطول الحياة، وعلى الإنسان أن يتحمل بصبر وتسليم أعباء الهرم وآلام الشيخوخة، وألا يهرب من الاعتراف بالمسؤولية إذا هو أحب شيئاً أو كرهه.

        وينتقل بعد ذلك إلى (الكلام على الخوف من الموت)، فيغوص في تحليله إلى أغوار النفس البشرية، وينتزع منها اعترافات تتأبى عن الظهور والوضوح إلا للحاذق الخبير، ويقدم صورة للموت تظهر عندها آلام العيش وعذابات الحياة أمر من الموت الذي هو مفارقة النفس لبدنها العنصري. وبعدها يشرح حياة ما بعد الموت، ويقدم الدليل تلو الدليل على خلود النفس وبقائها بصورة أعمالها التي اكتسبتها في مسيرة عمرها في الحياة الدنيا.

        وهذا الكتاب مشهور في العربية، ومعروف في اللغات الأجنبية، حيث ترجمه منذ سنوات خلت إلى اللغة الفرنسية الدكتور محمد أركون، وقد أشاد به قديماً أبو سليمان المنطقي الحكيم البارع والفيلسوف الحاذق- أستاذ التوحيدي- والذي كان يقدر مسكويه ويعظمه وكان هو أيضاً محط إعجاب مسكويه وتقديره، نراه، وهو أعرف الناس به يقول: «وله تصانيف كثيرة مثل "الفوزين" الكبير والصغير في علم الأوائل، وكتاب "ترتيب السعادة" و"منازل العلوم" و"تهذيب الأخلاق([6]).

     

31 -   تجارب الأمم وتعاقب الهمم: (تحليل نقدي):

            وهو كتاب في التاريخ، ألفه - كما يقول - «ليستفيد منه الوزراء والأمراء، وأصحاب الجيوش، وسواس المدن، ومدبرو أمر العامة والخاصة»([7]). بعد أن تصفح أخبار الأمم، وسير الملوك، وقرأ أخبار البلدان، وكتب التاريخ، ووجد ما يستفاد منه تجربة. ويؤرخ الكتاب من مرحلة ما بعد الطوفان حتى سنة 369 ﻫ. وقسمه إلى ستة أجزاء. ويتعرض فيه للحقبة البويهية، وإلى كل ما يدور في فلك الخلفاء والوزراء وأمور الجيوش والسياسة، وما كان يدبر في كواليس القادة، ومدبري شؤون الناس من القضاة والشخصيات الفكرية والسياسية، وكل ذلك من خلال مشاهدة عيان أو سماع من وزير، أو حوار مع قائد، الأمر الذي جعله مصدراً لا يستغنى عنه في دراسة تلك الحقبة.

        ويمثل مسكويه وعياً متميزاً في الكتابة التاريخية العربية، وذلك من خلال التزامه الشديد بالخطوط العريضة لمنهجه التاريخي، التي حددها في مقدمة كتابه "تجارب الأمم" ولم يضعف هذا الالتزام عند دخوله في تفاصيل الأحداث، وجزئيات التاريخ. ومن الملاحظ أنه يستبعد الخرافة من تاريخه، فهي «لا فائدة منها غير استجلاب النوم بها، والاستمتاع بأنس المستطرف منها». ويعد استحالة حدوثها ووقوعها سبباً منطقياً فرفضها. ولم يتعرض مسكويه لذكر معجزات الأنبياء وأفعالهم المرتبطة بالغيب، واستثنى من ذلك ما كان فعلاً بشرياً غير مقترن بالإعجاز، ولقد اهتم مسكويه بالتدبير البشري - أي فعالية الإنسان غير المرتبطة بالغيب - اهتماماً كبيراً، لما يمثله ذلك من زخم عملي في الحياة العامة، ويؤمن مسكويه بالمصادفة في فهمه لأحداث التاريخ، على الرغم أيضاً من إيمانه بالسببية، وهذا يعني أن الميتافيزيقا لا وجود لها في منهجه في فهمه لتسلسل الحدث التاريخي.

        ويؤكد مسكويه على التجربة المستفادة، التي كانت هاجسه في كتابته للتاريخ، إذ يكاد لا ينفك - كما يقول باحث في كتابه هذا([8]) - عن رفض نقل أي نص تاريخي لخلوه من تجربة مستفادة والتجربة المستفادة هي العبرة المستوحاة من النص ونفعها للمستقبل، فإذا لم يلب النص هذه الحاجة، فلا فائدة في ذكره. كما تتجلى السببية التاريخية عند مسكويه، واضحة المعالم وتتكرر بكثرة في تاريخه، الأمر الذي حدا ببعض المعاصرين أن يقول: «ومسكويه لا يكتفي بذكر سبباً واحداً لتعليل وتفسير أحداث تاريخية. بل يورد دائماً عدة أسباب لتفسير ذلك الحدث مجتمعة، وربما كان المؤرخ الإسلامي الأول الذي أعطى لمفهوم السببية التاريخية دورها وأهميتها في الكتابة التاريخية»([9]).

        ويظهر أن مسكويه كان يعتمد "الإجماع" بوصفه أحد الأسس في قبوله للرواية التاريخية، كما يستخدم مسكويه الاختزال - أو إن شأت فقل "الاقتصاد اللغوي" - في تعاطيه مع النصوص التاريخية فما يهمه أن يؤدي النص الفائدة المتوخاة لفهمه من دون إطالة وإسهاب. كما تبنى مسكويه الاقتناع العقلي في رفضه للرواية التاريخية، ويستنكر المبالغات المعهودة في الروايات التاريخية، ويواجهها بإعمال العقل للحد منها. ولقد التزم مسكويه بوحدة الموضوع التاريخي، وجنب نفسه الاسترسال عند سرده للأحداث، متمسكاً بموضوعه الأساس، مكباً عليه، حتى إنهائه، فإذا ما اعترضه موضوع جانبي، استخدم الإحالة وعدم الخوض فيه، الأمر الذي جعل النص التاريخي عنده خالياً من الثغرات، متماسك الوقائع، ولقد أظهر دقة متناهية في تحكمه بمسار النص التاريخي، كما أن التاريخ عنده يقارب أن يكون محققا، فهو لا يقف أمام النص وقفة محايدة، بل يتصدى لمناقشته، وإبداء رأيه بكل وضوح، معتمداً في تبنيه لرأيه التاريخي على تناقضات النصوص، ومقارنة بعضها ببعضها الآخر، وصولاً إلى الحقيقة.

        ولم يعن مسكويه بالسند اعتناءه بالمتن، فقد تحرر من قيود الأول، ولم يلزم نفسه إلا بما تقدم من اعتبار «العقل، والإجماع، والاستحسان». لقد كان مسكويه موضوعياً في تعاطيه مع الأحداث التاريخية، فلم يتأثر بعلاقاته مع الأمراء والوزراء البويهيين، مع ما له من الحظوة عندهم، بل لم يتوان عن توجيه النقد الشديد لسياستهم، وكان بعيداً كل البعد عن أي صورة من صور التحيز، حتى أن المطالع لتاريخه لا يخرج بأي استنتاج عن مذهب الرجل وديانته. ولعل التردد في معرفة مذهبه واتجاهه العقدي، ناشئ من موضوعيته الشديدة في كتابته التاريخية.

        ويلاحظ أن فارسية مسكويه من جهة، وعمله خازناً في مكتبات الأمراء البويهيين من جهة أخرى جعلاه يعثر على نصوص إيرانية قديمة ونادرة، ضمنها كتابه "تجارب الأمم" لم تتوافر عند كبار المؤرخين أمثال الطبري والمسعودي، مثل "عهد أردشير" الذي يعد أقدم نص إيراني مدون، والسيرة الذاتية لأنو شروان وخطبته المهمة.

        ومن هنا لم يكن غريباً أن قول المستشرق فرانز روزنتال عنه([10]): «إن مسكويه يمثل مستوى عالياً في الكتابة التاريخية... فهو قلما يهتم بالأمور التافهة، بل يدرك كل ما له قيمة تاريخية جوهرية، ويعرض الأحداث بشكل معقول، متماسك». ويقول د. السيد عبد العزيز سالم عن مسكويه: «ويعبر في كتابته عن خبرة بشؤون السياسة وإدراك كامل، وبفهم شامل للتاريخ، وهو لذلك يقتصر على السياسات التي يمكن لأهل زمانه أن يفيدوا من تجاربها»،([11]).

 

الفوز الأصغر (تحليل نقدي):

        لا ندري على وجه دقيق قاطع لماذا اختار مسكويه هذه التسمية لكتابه لكننا نستطيع أن نقول إن هذه المسائل التي شغل بها نفسه محققاً متطلعاً هي الأصول والأركان التي ينبغي أن لا تفوت معرفتها من أراد أن ينجو من أسر المادة، وأن يفوز بالخلاص في العقبى من لظى الهاوية إلى نعيم مقيم. ولما كانت هذه المسائل الثلاث «التي تشتمل على العلوم كلها، وتحتوي على الحكم بأجمعها، إذ هي لباباتها وخلاصتها وثمرتها ونتيجتها، والتي لأجلها سعى الساعي واجتهد من اجتهد، ومن أجلها قدمت المقدمات، وبسببها وطيت التوطيات، وبها جاءت الرسل والأنبياء عليهم السلام، وإليها انتهى بحث الحكماء والعلماء»([12]). أقول لما كانت بهذه الأهمية، وكيف لا تكون! وهي الباري والنفس والنبوة، فلماذا كانت معرفتها هي الفوز الأصغر؟

 

        لا نشك أن المعرفة درجات، ولا يتأتى لاثنين أن يتساويا في معرفة الله مثلاً، ومعرفته من أجل المعارف وأرفعها، وكل فرد من أبناء البشر يضرب بسهم كبير أو صغير في هذا المجال ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر لقولن الله فأنى يؤفكون (العنكبوت، الآية 61). وكل إنسان جاهلاً كان أو عالماً رفيعاً أو وضيعاً له نصيب من معرفته جل وعلا، غير أن المعرفة التي تسوق إلى الفوز هي في درجة من المعرفة في هذا الكتاب يكفي ليوصل إلى الفوز الذي هو الاستشعار بالخروج من الظلمات إلى النور، وهو الفوز الأصغر. ثم لا يزال الإنسان بعده يرتقي ويعلو في المعرفة والعلوم حتى يصير جزءاً من النور، وهو الفناء عن كل شيء إلا عن الذات، وذلك هو الفوز الأكبر الذي انتهت عنده الغايات.

        ونحن لم نستطع - كما يقول محقق الكتاب - أن نتبين من هو هذا «الأمير الأجل المظفر المؤيد من السماء»([13]) الذي من أجله ألف مسكويه هذا الكتاب، لكننا نرجح أن يكون عضد الدولة البويهي، وعلة هذا الترجيح هي أن المؤلف كان أشد تعلقاً به من أفراد الأسرة البويهية الذي عاش معهم وتقلب في نعيمهم، وبسيرة حياته ختم كتابه المشهور "تجارب الأمم وتعاقب الهمم".

        عالج في الكتاب ثلاث مسائل هي أصول الأمهات، وما عداهن فروع، وهي إثبات الصانع، وفي النفس وأحوالها، وفي النبوات. ولتسهيل بحث كل مسألة واستيعاب أبعادها فقد قسمها إلى عشرة فصول، وقدم في كل فصل ما أراد أن يقدمه من التحليل والتدليل بالشواهد العقلية والنقلية. وقد أخذ نفسه بالاختصار، لأنه لا يملك الوقت الذي يسمح له أن يفصل ويطيل، وهو بعد ذلك، يعد في أكثر من موضع من الكتاب أنه سيعود إلى التفصيل في كتاب آخر سماه "الفوز الأكبر".

        والفكرة التي تشد الانتباه إليها شداً قوياً،  وإن مر عليها بإيجاز كأنه الإشارة في هذا الكتاب، ووعد أن يوسع فيها في الكتاب الآخر، هذه الفكرة هي الصفات التي ينبغي أن توجد في خليفة النبي r، وهي عينها تلك الصفات التي وجدت في النبي غير المرسل، وليس بينهما اختلاف إلا في صفة أو «خصلة واحدة يباين بها الإمام ويختص بها وهي القوة الفائضة عليه من غير أن يرتقي إليها بتعليم ولا توقيف، ولا يتدرج نحوها بسعي في طلب حكمه على سبيل التفلسف»([14]).    

        وهذا التمايز في استقبال الفيض من نور الذات الإلهية، هو الذي يعين هوية كل كائن موجود في المحسوس أو في المعقول، ويرسم له وجوده الخاص به، فعلى ذلك يكون الإمام القائم مقام النبي غير المرسل في درجة لا يلحقها البشر، ولكنها لا تلحق هي درجة النبوة أيضاً.

        وفي هذا الكلام إشارة واضحة لمسألة هامة حساسة، شغلت أذهان المسلمين وسيطرت على تفكيرهم وأقلامهم، بل وأدارت بينهم معارك لاهبة، تلك هي مسألة الحاكم الذي ينبغي أن يستجمع في شخصه صفات تجعله أهلاً للقيام مقام النبي، وتعهد إليه زمام أمور الدنيا وزمام الدين.

        ونحن لا نريد هنا أن نعدد آراء الفرقاء ونظرياتهم في المسألة، لأن ذلك يكاد يكون خارجاً عن دائرة بحثنا في هذا التحليل العابر. والذي نقدر أن نقوله، وما يجمع عليه الناس من مسلمين وغير مسلمين، أن الحاكم ينبغي أن يتمتع بشخصية قوية لا تنفعل انفعالاً لا يخرجها من الحق إلى الباطل هادئة متأنية، تحسب لكل خطوة تخطوها حساباً حتى لا تظلم الناس أشياءهم، فيكون في هذه الصفة أعدل الناس، العدل يحتاج إلى عقل راجح توزن به الأمور وتوضع في أماكنها المقدرة لها، ولا يمكن للعدل أن ينفصل عن العلم، إذ كيف يكون هنالك عدل دون معرفة وجوه الحق ووجوه الباطل لنشر هذه ولتبديد تلك.

        وفوق ما ذكرنا ينبغي أن يكون ذا إلهام قوي وإحساس متوفر. فلو أن المسلمين تمسكوا بالحاكم الذي عرفت فيه هذه الخصال، أو اجتمعت به أكثرها، إن لم يجتمع فيه كلها، ولو أنهم رفضوا على مدى القرون الحاكم الذي لا يكون متميزاً على الناس بعدله وعلمه وعقله وبفيوضات تشرق عليه من خالقه، لجنبوا أنفسهم ما لحق بهم من الخسران والوبال، ومن التفرقة والضياع. ومن يحسب أنني أرسم شخصية خيالية للحاكم، بعد أن رأينا في تاريخنا من الحكام، فليس بمخطئ في حسبانه، لكنه يخطئ إذا أنكر وجود أمثال هذه الشخصية حاكمة كانت أو غير حاكمة، على الموازين المنتشرة في المجتمع والقيم السائدة فيه تقع مسؤولية ترجيح هذا على ذاك.

        ومسكويه عندما يتكلم على حركة النفس يأتي بالمعنى العميق العجيب. صحيح أنه يتكئ في كلامه على أفلاطون ويستعين به، لكنه يخلق معاني جديدة متنوعة، فهو يتناول معنى حركة النفس، ومعنى الجوهر الذي يرسم في سيلانه - الذي هو الحركة - الزمان والمكان معاً. ثم يبين أن المكان لا وجود له إلا بالحركة، و«أن هذه الحركة هي حركة الروية، وهي جولان النفس الموجود لها دائماً، فإنك لا تجد النفس خالية من هذه الحركة في حال من الأحوال، وهذه الحركة لما لم تكن جسمانية لم تكن مكانية، ولما لم تكن مكانية، لم تكن خارجة عن ذات النفس»([15])، فالجسم الخالي من النفس لا يتحرك، لأنه لا يملك هذه القدرة، وليست هي من طبيعته، وإنما هي طبيعة خاصة بالنفس.

        ومن استطاع أن يلحظ حركة النفس الذاتية، فقد تمكن من الخروج عن قيود الزمان وعن حدود المكان، وعرف عند ذلك أن الزمان والمكان هما من الأوهام التي لابد منها، لتجري فيهما صور الموجودات عن طريق الحركة الطبيعية «فالزمان لا وجود له إلا في التكون والحركات الطبيعية لا وجود لها إلا في التكون»([16]).

        ثم يشرح بعبارات سهلة بسيطة قول أفلاطون الوارد في كتابه "طيماوس": «ما الشيء الكائن ولا وجود له؟ وما الشيء الموجود ولا كون له؟»([17])، فيقول: «عنى بالكائن الذي لا وجود له الحركات المكانية والزمانية...»([18])، وذلك أن الكينونة تختلف في بعض الوجوه عن الوجود، فالوجود يبقى دائماً في ثبات، ولا يلحق جوهره التغير، أو التبديل. والكينونة صفة للموجود لا تدوم على حال واحدة، تنتقل وتتغير فترسم في انتقالها وتغيرها أحوال الموجود وحدوده التي منها الزمان والمكان «وأما الوجود الذي لا كون له فالأشياء التي هي فوق الزمان»([19]). أي التي لا تدخل في حدود الماضي والمستقبل، ولا تجري عليها الأحكام الزمانية، فهي في منجى من التغير والفناء.

        وجدير بالاهتمام والتقدير، أن مسكويه لا يعد الحاضر من أقسام الوجود، كما نجد عند غيره من المفكرين، وكما هو صنيع النحاة، إذ يقسمون الزمان إلى ماض وحاضر ومستقبل، بل يجعل الحاضر هو (الآن) الذي ما إن يتلفظ به الإنسان، حتى يصير في الماضي، ويخلفه (آن) آخر فيمضي ويخلفه غيره، وهكذا «والآن يجري من الزمان مجرى النقطة من الخط»([20]). ومن يطل التأمل في الموضوع يرى أن الزمان ليس فيه أقسام وأن الحركة وحدها هي التي تحكم وتجري.

        ومن الملاحظ أننا لا نكاد نمر في إيضاح مسألة أو شرح موضوع عند أبي علي - في كتابه هذا - إلا ونرى أنه يشترط، بل ويلح على ضرورة وجود الارتياض الروحي وهو: خلق الاستعداد والتهيؤ لتقبل هذه المعاني واستيعابها بطرق ووسائل، كان الفلاسفة وأساتذة الفكر والتصوف يصطنعونها لتيسير الفهم لدى طلابهم ومريديهم.

        فالموضوع يتضح لمن له رياضة «إنما يغمض على من لم تكن له رياضة»([21]). ولم يوجد هناك أناس خلقوا بطبيعتهم لهذا الفن من العلم، وأناس وجدوا وفيهم طبيعة الميل لذاك الفن، بل إن الناس خلقوا وفيهم طبيعة استقبال كل شيء، والارتياض وحده هو الذي يحدد هذا الشيء ويعينه، ويسهل للمرء اجتناء المعرفة واكتشاف المجهول. ولا أريد أن أقارن الارتياض بفن الاختصاص في أيامنا هذه إلا من ناحية التجربة في المختبرات العلمية، لأنها وحدها التي تصدق فيها المقارنة، فما كانت الرياضة أو الارتياض إلا تجربة تمارسها النفس لتوسع استعدادها تزيد في طبيعة التقبل عندها.

        وهكذا نجد تحليلات فلسفية رائعة يقدمها مسكويه لمختلف هذه المواضيع التي أشرنا إليها، ونجد الكتاب رغم صغره، مكتنز بأفكار جديدة وجريئة، منها ما يتعلق بترابط الموجودات واتصال بعضها ببعض، ومنها ما يرتبط بكيفية حدوث الصور، والعلاقة بين الصورة والهيلولى وبين الصورة والمعنى، وكذلك الارتباط بين الغيب والشهادة، ومفهوم الألوهية، ثم مفهوم النفس والروح، وكيف تكون علاقتهما مع المحسوس والمعقول؟ وبعدها تأتي نظرية المعرفة وسبل تكوينها، ثم النبوة وحقيقتها واتصال النبي مع الغيب، والفرق بينه وبين المتنبي، وبينه وبين الكاهن، وكذلك بين النبوة والكهانة، وارتباط ذلك كله بالأجرام السماوية والأفلاك الدائرة، إلى غير ذلك من الأفكار الحساسة المتوثبة السائرة في كل عصر وكل مجتمع بصيغ متعددة وأساليب مختلفة. ولقد تحرى أبو علي الدقة في كل ما كتب، والمسؤولية عن الأفكار التي توصل إليها وبثها في كتابه هذا. ومن الموضوعات الطريفة التي يتناولها في كتبه:

        الفروق الفردية (ومراتب الناس في قبول الآداب): يقول مسكويه: «أما مراتب الناس في قبول هذه الآداب التي سميناها خُلقاً، والمسارعة إلى تعلمها، والحرص عليها، فإنها كثيرة، وهي تشاهد وتعاين فيهم، وخاصة الأطفال، فإن أخلاقهم تظهر فيهم منذ بدء نشأتهم، ولا يسترونها بروية، ولا فكر - كما يفعل الرجل التام، الذي انتهى من نشئه وكماله، إلى حيث يعرف من نفسه ما يستقبح منه فيخفيه بضروب من الحيل والأفعال المضادة لما في طبعه. وأنت تتأمل من أخلاق الصبيان، واستعدادهم لقبول الآداب، أو نفورهم عنه، أو ما يظهر في بعضهم من القحة، وفي بعضهم من الحياء. وكذلك ترى فيهم من الجود، والبخل، والرحمة، والقسوة، في قبول الأخلاق الفاضلة، وتعلمهم معه أنهم ليسوا على رتبة واحدة، وأن فيهم المواتي، والممتنع، والسهل السلسل، والفظ العسر، والخير والشرير، والمتوسطون بين هذه الأطراف في مراتب كثيرة لا تحصى»([22]).

        وقد أوضح مسكويه أن هناك فروقاً فردية بين المتعلمين من حيث تقبلهم لمختلف العلوم والآداب:

 

1 - فبعض التلاميذ عندهم قدرة قوية وصادقة على التخيل، فهم يصلحون للعلوم التي تحتاج هذا التخيل.

2 - وآخرون منهم يتميزون بالتفكير الصحيح فتناسبهم الدروس التي تحتاج صحة التفكير.

3 - وفريق ثالث من المتعلمين يتميزون بالتفكير الجيد، بالإضافة إلى قدرتهم على الحفظ.

4 - وفريق رابع منهم يجمع كل الصفات السابقة وهم قليلون (وقد يقصد بهم العباقرة).

5 - والفريق الأخير الذي لا تتحقق فيه واحدة من الصفات السابقة، وهم لا يصلحون لتعلم العلوم (وقد يقصد بهم فئات التخلف العقلي) ([23]).

 

        هذا من ناحية الفروق بين الأفراد، أما الجماعات والأمم، فيرى أنها تتفق في تفكيرها الجماعي، ففضيلة الصدق في القول مثلاً تتفق عليها كل الأمم، وكذلك الشجاعة والعدل... إلخ. يقول مسكويه    «المقصود أن تعلم أن عقول الأمم كلها تتوافر على طريقة واحدة، ولا تختلف باختلاف البقاع، ولا تتغير بتغير الأزمنة، ولا يردها راد على الدهور والأحقاب»([24]).

        النمو النفسي للطفل: يرى مسكويه أن (نفس الطفل) هي حلقة بين نفس الحيوان ونفس الإنسان العاقل، أي عندها ينتهي أفق الحيوان ويبتدئ أفق الإنسان، وهي تسير في تطورها وفق ما يلي:

 

            1 - هي في أولها سذاجة من غير نقش، وهي مستعدة للتربية، وصالحة للعناية، ولا يجب أن تهمل.

            2 - تظهر فيها القوة البهيمية وقد ضمنها مسكويه ما يلي: أ. تظهر قوة الإحساس باللذة والألم. ب. تظهر فيها قوة تشتق من الأولى، ولكنها أكثر حدة، هي قوة الشهوات. ﻫ. تبزغ في أفق النفس قوة تدفعه إلى تحقيق ما في نفسه، وأن يلتمس مختلف الوسائل والسبل لفعل ذلك وهي قوة الشوق. د. تتدرج نفسه في نمو ملكاتها إلى قوة التمثيل التي تساعده على أن يرسم لنفسه صوراً معينة، هي بمثابة مثالات يتشوق إليها([25]).

            3 - بعد هذه القوة العامة البهيمية التي تهتم بالغذاء، وبكل ما يساعد الإنسان في حياته الدنيوية، تظهر في نفس الصبي القوة السبعية ويسميها بقوة الغضب، يدفع الطفل بها عن نفسه ما يؤذيه، مرة بنفسه إذا استطاع، وأخرى بوالديه بالبكاء إن عجز([26]).

            4 - ثم تظهر فيه قوة أرقى مما تقدم، هي قوة التمييز، وهي القوة التي تميزه عن غيره من سائر الموجودات باعتباره إنساناً، وهي قوة العقل، وأول ما يظهر لها عند الطفل هو الحياء، ويعرف مسكويه الحياء بأنه «الخوف من ظهور شيء قبيح من الطفل، وهو الإحساس بالجميل والقبيح وإيثار الأول على الثاني»، ويرى أن هذه القوى تتسلسل، وسابقها ضروري للاحقها، وكلها لازمة ليصل الطفل إلى حياة الفضيلة([27]).

            وحياة الفضيلة عند الطفل لها شرطان: شرط نفسي وشرط اجتماعي، أما الأول فيتلخص في الانطباع على الخير بالسليقة، بظهور الحياء والإطراق إلى الأرض. أما من كان وقحاً بطبعه كان مثله كالخنزير الوحشي لا يطمع في رياضته، لأن نفسه العاقلة تصير خادمة لنفسه البهيمية ولنفسه الغضبية([28]).

        أما الشرط الاجتماعي فيتلخص في إبعاد الصبي عن رفاق السوء، ومخالطة الفاسدين بطبعهم، لأن المخالطة تفسد بالمقارنة والمداخلة، هذا من جهة ومن جهة أخرى مصاحبتهم بالأخيار وأهل الحكمة، فيها المثل الصالح، والفعل الصالح مع الأخيار، يقوي النفس، ويشجعها على الفضائل، وأيضاً إبعاد الأطفال من حين إلى حين عن محيط الأسرة، أي المحيط الذي يجدون فيه عادة كثيراً من العطف والتنعم إلى محيط آخر، يشعرون فيه بشيء من الجفاء والخشونة وعدم التواكل والاعتماد على الأهل([29]). حتى يشبوا معتمدين على أنفسهم، فتتكامل شخصيتهم، ويتم نضجهم.

 

 

 

 

 


 



([1])       توجد ترجمته في التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، دمشق، 1987، ج 1، ص. 132؛ وانظر الزركلي، الأعلام، ج 1، ص. 65؛ وياقوت الحموي، معجم الأدباء، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 5، ص. 5؛ القفطي، أخبار العلماء بأخبار الحكماء، دار الآثار، بيروت، ص. 217.

([2])       السمعاني، الأنساب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1408 ﻫ، ج 3، ص. 23.

([3])       انظر البغدادي، مراصد الاطلاع، دار الجيل، 1992، ج 2، ص. 650؛ القمي، سفينة البحار،
ج
1، ص. 540؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، المصدر السابق، ج 5، ص. 10.

([4])       عبد المنعم الحفني، الموسوعة الفلسفية، دار ابن زيدون، القاهرة، د. ت، ص. 22.

([5])       مسكويه، تهذيب الأخلاق، طبعة طهران، 1314 ﻫ، ص. 206.

([6])       أبو سليمان المنطقي، صوان الحكمة، طهران، 1974، ص. 37.

([7])       مسكويه، تجارب الأمم، دار سروش، طهران، 1366 ﻫ، ج 1، صص. 1-2.

([8])       حامد الخفاف، مسكويه ومنهجه في الكتابة التاريخية، ص. 135.

([9])       حسن منيمنة، «تجارب الأمم»، مجلة أوراق جامعية، العدد 3، ربيع 1993، ص. 49.

([10])      فرانز روزنتال، علم التاريخ.

([11])      السيد عبد العزيز سالم، التاريخ والمؤرخين العرب، دار الكتاب العربي، القاهرة 1976، ص. 111.

([12])      مسكويه، الفوز الأصغر، تحقيق صالح عضيمة، الدار العربية للكتاب، 1987، صص. 29-30.

([13])      مسكويه، الفوز الأصغر، المصدر السابق، ص. 29.

([14])      المصدر نفسه، ص. 141.

([15])      المصدر السابق، انظر مقدمة التحقيق، ص. 84.

([16])      المصدر نفسه، ص. 85.

([17])      المصدر نفسه.

([18])      المصدر نفسه.

([19])      المصدر نفسه.

([20])      المصدر نفسه.

([21])      المصدر نفسه.

([22])      مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، مكتبة صبيح، القاهرة، 1959.

([23])      مسكويه وأبو حيان التوحيدي، الهوامل والشوامل،القاهرة، 1951، صص. 165-166.

([24])      مسكويه، الحكمة الخالدة، تحقيق عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1952، ص. 59.

([25])      مسكويه، تهذيب الأخلاق، المصدر السابق، صص. 57-58.

([26])      المصدر نفسه، ص. 58؛ وانظر محمد عبد الظاهر، «الآراء النفسية عند مسكويه»، مجلة المسلم المعاصر، العدد 32، 1982.

([27])      مسكويه، تهذيب الأخلاق، المصدر السابق، ص. 58؛ وانظر عبد العزيز عزت، ابن مسكويه: فلسفته الأخلاقية ومصادرها، مكتبة الحلبي، القاهرة، 1946، ص. 342.

([28])      مسكويه، تهذيب الأخلاق، المصدر السابق، ص. 67.

([29])      عبد العزيز عزت، ابن مسكويه، المرجع السابق، ص. 342؛ وانظر محمد عبد الظاهر، الآراء النفسية، المرجع السابق، صص. 136-137.