الخطاب الإصلاحي في المغرب العربي خلال القرن التاسع عشر بين الانتصار للموروث والانبهار بالوافد

 

                                         الدكتور ودان بوغفالة

                                                                     جامعة معسكر

 

احتدم النقاش بين علماء المغرب العربي حول العديد من المسائل بزيادة الاحتكاك مع الطرف الآخر الأوربي منذ نهاية القرن الثامن عشر، وظهرت خلال القرن التاسع عشر على وجه الخصوص مفاهيم جديدة ذاع صيتها وانتشر أنصارها ولفتت انتباه المفكرين المسلمين في المشرق والمغرب الإسلاميين.

لقد ثار الجدل بين مجموعة من الأزواج المتقابلة في المفاهيم، منها مثلاً الخلافة والوطنية، أي: الاندماج في العالم العثماني ومحاولة فك الارتباط منه، القطيعة والتقارب، النقل والعقل، التقيد والتحرر، الملكية والجمهورية، التقليد والتجديد، القوة الروحية والقوة المادية. وفي الوقت الذي مثلت فيه الأطراف الأولى للأزواج الأصول والقواعد التي انطلق منها الفكر الإسلامي الموروث والمحافظ حينئذ ودرج عليها في الذود عن الأوطان، مثلت الأطراف الثانية لهذه الأزواج الفكر المغاربي المتفتح والواقع تحت تأثير المستجدات والمنخرط هو الآخر في المهمة نفسها.

وإذا كان الاتجاه المحافظ قد برر مواقفه عن طريق تقديم نصوص شرعية وفتاوى التراث، فإن الاتجاه التحديثي المتفتح عاد هو الآخر أيضاً إلى هذه المصادر وحاول التوفيق بين مقاصدها وبين ما تذهب إليه القيم الأوربية، واجتهد لإزالة التعارض والاختلاف الظاهر بينهما.

 

الخلافة والوطنية([1]): تناغم أم تناقض

تداخلَ مفهوم الخلافة (المفهوم الديني = التمثيل الشرعي) مع مفهوم الوطنية (المفهوم السياسي = الانتماء القطري) وتكاملاً في فكر وموقف أغلبية ممثلي النخبة المغاربية. فلم تناقض الوطنية (أو القومية أحياناً) التي دافعوا عنها سيادة الخلافة العثمانية على الولايات المغاربية التابعة لها، ولم تبلغ فكرة الخلافة والانتماء إلى العالم العثماني (الجامعة الإسلامية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي) فكرة الوطنية ولم تزاحمها. فالوطن الصغير جزء لا يتجزأ من الوطن الكبير، أي الوطن الطرابلسي أو التونسي أو الجزائري هو قسم من الوطن العثماني.

والذين ثاروا أو عارضوا، أو تحفظوا ولم يتحمسوا في هذا الاتجاه العام للمنطقة، إنما كان ذلك بسبب مناصرتهم للاستعمار مثل دعاة الاتحاد من فرنسا([2])، أو كان هذا الموقف رد فعل تجاه حاكم معين كمعارضة حكام الولايات أو سياسة بذاتها مثل الضرائب والتهاون في استرجاع المناطق المحتلة. تاريخياً ومبدئياً لم يرفضوا الخلافة ليطرحوا الوطنية بديلاً عنها، فمن رفض الانتماء العثماني قبل غيره في الأصل، ولم تتبلور لديه الوطنية التي تقتضي الاستقلال السياسي والمشروع الاجتماعي والوعي بالذات على غرار النموذج الأوربي.

وحتى محاولات الاستقلال النهائي عن الدولة العثمانية التي أبداها بعض حكام الولايات في طرابلس (الأسرة القرامانلية)، وفي تونس (الأسرة الحسينية)، وفي الجزائر (الدايات والباشوات)، لم تكن تحمل معنى الوطنية التي تهدف إلى تحويل المملكة إلى وطن، وتحويل الرعية إلى مواطن يتمتع بكل حقوق المواطنة، أي إقامة الشراكة السياسية وإثبات الحقوق الفردية والحريات ورعايتها، ولم تتجاوز تلك المحاولات حدود الرغبة في الانفراد بالسلطة في كيانات سياسية محلية، ولم ترق إلى المستوى الذي بلغته مثيلاتها في أوربا.

وإذا كان المغرب الأقصى قد تمتع باستقلاليته عن الحظيرة العثمانية، وقدم هو من جهته نموذج الوطن والخلافة المتحدين في قطر واحد، فإن العلماء فيه لم يمتنعوا عن الاعتراف بالخلافة العثمانية وتبعية الأوطان المغاربية الأخرى لها، رغم حالات الاصطدام والتناوش خاصة على الحدود الجزائرية. وتعتبر فتوى علماء فاس في هذا الموضوع هي أحسن مثال عندما طلب منهم ذلك السلطان مولاي عبد الرحمان (1823-1859 م) ([3]).

لقد تحالفت الوطنية والخلافة في الذهنية المغاربية خلال القرن التاسع عشر تحالفاً منطقياً، فعندما أخذت الوطنية معنى الواجب الذي ترتبه الأوضاع المحلية ويستوجب الدفاع عن مصالح المنطقة، أخذت الخلافة معنى الجهة الشرعية والمؤهلة للقيام بهذا الواجب. وتعتبر المسألة الجزائرية والمسألة التونسية من المسائل التي أنتج بمناسبتها خطاب النخبة المغاربية الصور التي تحالفت فيها الوطنية مع الخلافة وتحاورتا فيما بينهما.

حيث تراسل الأمير عبد القادر الجزائري مع الدولة العثمانية وهو يقود معركة تحرير وطنية ضد فرنسا، فاعترف بالخلافة العثمانية في رسالة له عام 1841 م إلى السلطان عبد المجيد (1839-1861 م)، وانتقد سياسة الأتراك بالجزائر وطلب النجدة. وهذا في رسالته المطولة التي استعرض فيها ظروف البلاد إذ قال: «الينيشارية الذين كانوا بالجزائر، لما خرجوا عن طاعة أمير المؤمنين والدك المرحوم عاقبهم الله... وسلط عليهم من لا يرحمهم العدو الكافر... فبدد شملهم... وملك القرى والمداين، واستولى على الأموال والذخائر والخزاين... وحال الكافر والبحر بين المسلمين وبين سلطانهم، مع شدة حاجتهم إلى من يقوم بهم، ويدافع عن حريمهم وأولادهم وأوطانهم... والمسلمون بهذا القطر لا ينظرون من غيرك إفراج ولا لهم ملجأ يلجئون إليه غير حصنك العالي الأدراج، فأبصارهم لإعانتك وإمدادك طامعة، وقلوبهم بمحبتك وذكرك طافحة. فإن قيل مال عندك المال وافر وإن قيل جيش عندك العسكر البحر»([4]).

ولم يقتصر نداء الوطنية للخلافة على العسكريين المحتاجين فقط([5])، دون السياسيين المتفرغين، ولا على نخبة البلدان المحتلة فقط دون غيرها ومن هي في جوارها متحررة. وإنما حمل خطاب أغلبية النخبة في المغرب العربي هذا الانشغال وطيلة القرن التاسع عشر الميلادي كله قبل الاحتلالات وبعدها.

فلقد تعجب حمدان خوجة وديوان أحمد باي قسنطينة بعد احتلال الجزائر من الذين يفكرون في فصل الجزائر عن الدولة العثمانية([6])، وعبر عن هذا  الشعور الاتحادي كذلك من طرابلس إبراهيم سراج الدين بعد احتلال تونس ومصر، وكان واعياً بالتآمر الأجنبي على المنطقة حيث قال: «... الأجانب... يكرهون تقدم الوطن تحت الراية العثمانية المنصورة...»([7])، وأكد أعيان المنشية عام 1250 ﻫ/ 1835 م أن ثورتهم على يوسف باشا لا تستهدف فصل طرابلس عن الخلافة([8]). أما من تونس وقبل احتلالها، كان ابن أبي الضياف يرى في الارتباط بالدولة العثمانية «قوة العصابة الإسلامية»([9])، وكان خير الدين يصر على بقاء تونس في العالم العثماني، لأن «الروابط التي تربطها بالخلافة العثمانية أمنع حصن يصونها من أطماع الدول الأوروباوية المختلفة...»([10]).

 

بين الوطن والآخر: القطيعة أم التواصل

فيما أعلن البعض من النخبة المغاربية عن الحذر وعن القطيعة مع الغير "الآخر"، جزئياً أو كلياً، صراحة أو ضمنياً، أعلن البعض الآخر عن رفع هذه القطيعة وهذا التسفيه، وعن أهمية وضرورة الاقتراب من هذا الطرف ومد جسور التعاون معه من أجل الوطن.

إن خطاب القطيعة والحذر كان يتجدد كل مرة مع تجدد اعتداءات الأوربيين على العالم الإسلامي. فيستدعي هذا الخطاب الألفاظ اللازمة للتنبيه والتخويف، وللاستنفار والتعبئة، ويدعم لغته وبكل قوة بأمثلة الاحتلالات، حيث كان الاحتلال الفرنسي لمصر عام 1798 م هو المثال الأكثر حضوراً في الإسطوغرافيا المغاربية للقرن التاسع عشر الميلادي، وهذا بالنسبة للمنطقة المغاربية ككل([11]). وجاء المثال الثاني بعد ذلك من احتلال فرنسا للجزائر عام 1830 م بمثابة الدليل القاطع على صدق الخطاب، والبرهان الساطع على حقيقة الطرف الآخر.

ولم تعد الدعوة إلى القطيعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي في حاجة إلى تدليل على خطورة الأوربيين على الأوطان وعداوتهم. وهذا بعد زيادة الضغوط الأجنبية والتدخلات الأوربية في طرابلس الغرب، في عهد الأسرة القرامانلية الحاكمة، وبعد تراجع الجيوش المغربية أمام فرنسا في إيسلي عام 1844 م وأمام إسبانيا في تطوان عام 1860 م، وسقوط تونس بعد ذلك عام 1881 م في يد الاستعمار الفرنسي ومصر عام 1882 م ي يد الإﻧﮕﻠﻴﺰ.

لقد انتقل الخطاب المغاربي إلى مرحلة التصعيد بتوظيف تعابير المواجهة والتصدي للأوربيين "الجهاد"، وامتلك الأدوات والصور التي تمكنه من ذلك وتعزز موقفه في مواجهة دعاة التقارب والتوفيق. ونادى أنصار هذا التوجه ومنذ وقت جد مبكر بالاعتناء بالجيوش وترقيتها، فهي ليست في مستوى المواجهة([12]).

إن احتلال فرنسا للجزائر أثار مشاعر المسلمين في كل مكان، وبدأت تعلو صيحات التحسيس بالخطر الداهم خاصة في المنطقة المغاربية. بل أصبح هذا الأمر برنامج عمل عند البعض؛ وهو ا اعتمدته إحدى الجمعيات الليبية في قانونها المسمى "فوائد ونصائح خيرية"([13])، حيث جعلت من ضمن أهدافها التعريف بالأطماع الأوربية، والكشف عن التحرشات الفرنسية على الإقليم، انطلاقاً من الجزائر وتونس([14]). وبتدبير من أعضاء هذه الحركة، جاء في إحدى خطب الجمعة بطرابلس ما يلي: «... أنتم غافلون وتوقظكم حوادث الغرب والشرق وأنتم نائمون. أما علمتم بمن جزر الجزاير وهو إلى حيكم ساير، أما علمتم بمن سود وجه الخضرا وتفرغ إلى افتراس الأخرى، أما علمتم بمن شرب النيل وكيف تقلص في واديه ظلكم الظليل...»([15]).

وبرز من المغرب الأقصى ما يماثل هذا الخطاب ويشبهه عند غالبية رموز النخبة. فمع الوزير محمد بن إدريس (ت. 1264 ﻫ/ 1848 م) الذي أنشد بمناسبة الحرب في إيسلي أبياتاً شعرية، ظهرت الدعوة إلى الجهاد، وترادفت معاني التحذير من الفرنسيين في الجزائر([16]).

ومع الناصري في "الاستقصا..." تكرر نفس النداء وأكثر من ذلك حبذ الناصري القطيعة الشاملة مع الغير، وتأسف على أوضاع المغرب الأقصى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي التي كان يراها في نظره قد تدهورت تدهوراً خطيراً على مستوى الأخلاق والاقتصاد والتجارة والعمل والمداخيل، والسبب عنده هو: «ملابسة الفرنج وغيرهم من أهل الأربا للناس وكثرة مخالطتهم لهم وانتشارهم في الآفاق الإسلامية، فغلبت أحوالهم وعوائدهم على عوائد الجيل وجذبته إليها جذبة قوية»([17]). والدليل الذي قدمه الناصري على ما ادعاه هو قوله: «إن أهل المغرب أقل الأمم اختلاطاً بهم، فهم أرخص الناس أسعاراً وأرفقهم معاشاً وأبعدهم زياً وعادة من هؤلاء الفرنج، وفي ذلك من سلامة دينهم ما لا يخفى، بخلاف مصر والشام وغيرهما من الأمصار فإنه يبلغنا عنهم ما تصم عنه الآذان»([18]).

إن القطيعة في مفهوم الناصري يجب أن تتم أولاً بتقليص وتحجيم عدد الأوربيين الوافدين كتجار وسواح إلى العالم الإسلامي، وللحفاظ على أسباب الحياة وعلى مظاهرها المقبولة فيه. وهو يلاحظ التغييرات التي طرأت على أحوال الناس، قدم الناصري نموذج المغرب في الفترة السابقة كأحسن مثال على نجاعة سياسة العزلة. وقدم بعد ذلك نموذج مصر والشام وغيرهما كأقرب مثال على تفكك بنية المجتمع من جراء عدم التحفظ في الاندماج مع الآخر.

استثناء فقط، كان يرى البعض من دعاة هذا الخطاب، خاصة المعتدلين منهم، رفع هذه القطيعة جزئياً عندما تقتضي ذلك الضرورة، كرعاية مصلحة الدين وجلب المنفعة للأمة من خلال العلاقة مع هذا الآخر. ومثال ذلك مسألة تحديث الجيش، وجواز التعاون في هذا الإطار مع الأوربيين "الكفار" ما دام ذلك ممكناً. وهذا ما كان ابن العنابي يوم نبه ويدعو له، وفي نفس الوقت يرد على أقوال خصومه ويفند آراءهم: «وأنه إذا لم يمكن استعلام ذلك إلا من قبلهم، وجب استعلامه منهم، لأنه مستطاع لنا»([19]).

أخذ عدد لا بأس به من أقطاب النخبة المغاربية على عاتقه مهمة خطاب التقارب، وإذا كان البعض منهم قد وعى أطر التقارب والتوفيق وآلياتهما وشروطهما، ثم النتائج المترتبة عنهما، فإن البعض الآخر قد غاب عنه ذلك واندفع وتحمس للموضوع. فتورط هذا الفريق الثاني تاريخياً واستغل في الدعاية للاستعمار الفرنسي خاصة. إما من خلال مواقف سياسية ناصر فيها الإدارة الاستعمارية وإجراءاتها، بشكل أو بآخر، من حيث يقصد أو لا يقصد ذلك، وإما من خلال مواقف فكرية لجأ فيها وبحسن النية غالباً إلى التلفيق أكثر من التوفيق([20]).

لقد اهتم محمد بن عثمان الحشائشي بعدة مواضيع في دراساته المتعددة، غير أن موضوع التقارب هو المسألة التي أولاها اهتماماً خاصاً وقبل مجيء الفرنسيين: «أما المسألة التي تعلقت بها أكثر من غيرها فهي دراسة الطرق الكفيلة بتقريب الشقة بين الفرنسيين والعرب، وقد كانت شغلي الشاغل قبل احتلال فرنسا لتونس... وكنت كلما تهيأت لي الفرصة لا أتردد في القيام بما في مقدوري حتى أيسر هذا التقارب. وهكذا فقد ألفت كتاباً بعنوان "الدرة النقية في النوايا الصادقة للحكومة الفرنساوية" سنة 1881 م([21]) حين شبت ثورة بالإيالة إثر انتصاب الحماية، حاولت فيه إبراز المقاصد التمدينية لفرنسا...»([22]).

معاصر الحشائشي ومواطنه، محمد بن عثمان السنوسي، تورط هو الآخر أيضاً وانتقل من صفوف المعارضة للحماية الفرنسية إلى صفوف المسايرين لها والموظفين لديها، وأصبح خطابه (قبل أن يتراجع عنه في أواخر حياته) يتجه نحو التوفيق والتهدئة، ولذلك كتب كتابه المعروف بـ:"مطلع الدراري بتوجيه النظر الشرعي على القانون العقاري" الذي حاول من خلاله مطابقة القانون العقاري الذي وضعته فرنسا في تونس عام 1885 م بأحكام الشريعة الإسلامية وفق المذهبين المالكي والحنفي.

وهناك من دفعت به المثالية والسذاجة إلى المناداة بضرورة الاتحاد وبأهميته مع الأمة الفرنسية المتحررة لما في ذلك من خير للأمة العربية. وهو ما قال به محمد بن عبد الجليل الطرابلسي([23]) ومحمد بن عثمان الحشائشي التونسي([24]). وقبل ابن عبد الجليل والحشائشي اندفع كذلك من الجزائر أحمد بوضربة الذي قال في مذكرته إلى اللجنة الإفريقية عام 1833 م: «وإنني سوف أحدد الأسس الرئيسية أملاً أنها ستفيد فرنسا، وطني الجديد، كما أنها سترجع بالفائدة على بني جلدتي، وسأحقق سعادة العمر لو أنني أستطيع المساهمة في هذا العمل الجليل»([25]). وبعد حوالي نصف قرن من دخول فرنسا إلى الجزائر توقع أحمد ولد قاضي([26]) في "الرحلة القادية في مدح فرنسا وتبصير أهل البادية" امتزاج العرب عن قريب مع الفرنسيين في أمة واحدة «كذات واحدة»([27]).

وعلى خلاف هذا الفريق، استطاع الفريق الأول تناول موضوع التقارب والتآخي والتوفيق بكل وعي، انطلاقاً من معرفة واطلاع كافيين على أهم الأسس والقواعد والاتجاهات التي تحكم الفكر الإسلامي والفكر الغربي. وأكثر من ذلك استطاع هذا الفريق التمييز بين ظاهرة الحضارة الغربية وأساسها الفكري والعلمي، واستقلالها عن ظاهرة الاستعمار وطبيعته العدوانية. وبالتالي قبول الظاهرة الأولى والتفاعل معها ورفض الظاهرة الثانية والتصدي لها.

إن حمدان بن عثمان خوجة، وحسونة الدغيس الطرابلسي([28])، يأتيان في طليعة المثقفين المسلمين المتنورين وقبل رفاعة الطهطاوي، الذين تعرفوا على حضارة أوربا وعلى الفلسفة الغربية، فأعجبوا وتأثروا بها، وحاولوا إسقاط ما جاءت به من نظم وأفكار وحريات على مضمون التراث الإسلامي. قال حمدان: «درست مبادئ الحرية الأوربية... ووجدت أن هذه المبادئ كانت تشبه المبادئ الأساسية لشريعتنا إذا استثنينا فارقاً بسيطاً في التطبيق، وعليه فكل من له فكرة دقيقة عن الشريعتين يجعلهما تتطابقان فيما بينهما...»([29]). غير أن هذا الموقف لم يمنع حمدان من مطالبة فرنسا بالعدول عن فكرة البقاء في الجزائر([30])، ولم يمنعه أيضاً من تعرية الاستعمار ومواجهته وكشف تجاوزاته، وتعرية الطابع المخادع للإيديولوجيا المحضرة للاستعمار بالاعتماد على الفكر الليبرالي أساساً([31]).

 

التنمية الوطنية: أولوية النقل على العقل أم العكس

بحكم انقسام النخبة المغاربية خلال القرن التاسع عشر الميلادي إلى نخبة تقليدية وأخرى عصرية، اختلفت نظرتهما وتباين موقفهما من العقل. فهناك من لم يسلم سوى بالعقل الديني "الإسلامي"، وهناك من اعترف بالعقل الإنساني العلماني "غير الإسلامي".

لقد رفض بعض العلماء التسليم حتى للعقل الإسلامي "المرتبط بالدين" بأن يكون مصدراً للمعرفة  ولا أن يكون وسيلة للتنمية، وهم الذين أغلقوا باب الاجتهاد وأصبحوا خصومه. بيد أنه تصدى لهؤلاء بعض المغاربة المجددين أمثال محمد بن محمود ابن العنابي الجزائري([32])، ولو كان ذلك ضمن دائرة الماضي وإشكالية التاريخية.

لأن ابن العنابي لم يعترف سوى بالحقيقة العقلية "جودة الرأي" التي يتضمنها القول الديني نفسه (الكتاب والسنة)، وهي عنده حقيقة متكاملة([33]). أما العقل غير الإسلامي "المسيحي"؛ فهو في نظره غير ناضج، ولا يمكن أن يحوز الصواب ما دام يقر بالشرك([34]). لذلك رفض ابن العنابي وبلغة صريحة الفلسفة الغربية وكل النظم السياسية والدستورية التي وضعها الأوربيون، وإن كان بعض ما أظهره هؤلاء ووضعوه لا يتعارض مع الإسلام([35]).

ولم يخرج الناصري هو كذلك عن دائرة المنظور الديني للعقل ووظيفته الأخلاقية "العقل الأخلاقي". فالعقل عنده هو تكريم وتشريف من الله للإنسان، وتمييز له عن الحيوان، لذا يجب على هذا الإنسان الإيمان بالله والالتزام بتنفيذ أوامره، والإنسان مكلف لأنه عاقل([36]). واعتبر الناصري كل الأفكار والنظريات والنظم التي يضعها العقل ولا تنطلق من تعاليم الإسلام هي في حكم الانحراف المنبوذ «كل سياسة لا تستضيء بنور الشرع فهي ضلال...»([37]).

ومع زيادة احتكاك المغاربة بالأوربيين وتعدد فرص التعرف على حضارتهم وعلى قوتهم، لم يعد صواب الرأي مرتبطاً عند بعض المصلحين ارتباطاً لازماً بالدين. حيث أن العقل الإنساني "المسيحي، الملحد" أصبح محل إعجاب وتقدير.

إن العقل الغربي صار يصنف ضمن النوع المقبول والمتميز؛ وهو ما وصف به خير الدين باشا المفكرين الفرنسيين جون جاك روسو وفولتير ومونتسكيو. فقال عن الأول: «وله من حسن التعبير ما لا تستقر معه الأوهام»، وقال عن الثاني «واشتهر... اشتهار الدجال في الأجيال»، ورأى أنه لو لم يكن ملحداً «لكانت شهرته أتم، والنفع بمعارفه أعم»، وقال عن الثالث بأن له «تعليقات صادقة وعبارات محررة راشقة»([38]).

 

الحرية وإشكالية البناء الحضاري للوطن

ارتبط مفهوم الحرية في معظم الأدبيات التاريخية المغاربية خلال القرن التاسع عشر بالدين وبالموروث الثقافي التاريخي، ولهذا تحدث المؤرخون والفقهاء والأدباء عن الحرية الشرعية التعبدية، أي حرية الخضوع والتقيد بالشريعة الإسلامية، وحرية الإذعان للنظام القائم "أولي الأمر"([39]).

لكن هذا المفهوم الديني والتاريخي للحرية اهتز بكثرة الثورات المحلية في بلاد المغرب العربي من جهة، ومن جهة أخرى تأثر وتجدد بانتقال مفاهيم فلسفة الأنوار وفكر الثورة الفرنسية إليه. وهذا عن طريق من تبناها من المصلحين المغاربة، وعن طريق التعابير الشفوية والممارسات السلوكية للأوربيين الوافدين إلى الأوطان المغاربية (رُحَّلٌ، تجار، سفراء). ومن ثمة أثير موضوع الحرية، وظهر المعنى الحديث لها.

إن أحسن مثال نقدمه هنا عن المعنى التقليدي للحرية في الخطاب المغاربي هو ما قاله الناصري: «اعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه وبينها رسول الله... لأمته وحررها الفقهاء... فراجع ذلك وتفهمه ترشد...»([40]). لقد انتقد الناصري بشدة مفهوم الحرية في الفكر الليبرالي الأوربي، ووصف أنصار الحرية ومنظريها بالملحدين المتحللين من الالتزامات: «اعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعاً»([41]).

وما جعل الناصري يتخذ هذا الموقف ويبنِي على ذلك الحكم؛ هو مقتضيات هذه الحرية في الواقع ومستلزماتها، والصور التي ترتبها في المجتمع وعلى مستوى العلاقات. فالحرية في تقديره تسقط: «حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية»، لأنها تحرر الفرد من الحدود والعقوبات المتوجبة على من ترك التكاليف الشرعية وتعاطي المحرمات؛ وهي تصطدم كذلك بطبيعة البناء الأسري في المجتمع الإسلامي (عدم الاعتراف بالسلطة الأبوية، عقوق الوالدين والحرمان من برهما). ولا تتصف هذه الحرية بمواصفات العقل "الأخلاقي" ولا تلتزم به، وليس لها ما يميزها عن الفوضى «حياة الحيوان»، سوى أن الأفراد يحترمون بعضهم البعض ولا يتظالمون، لأن الإنسان عندهم قال الناصري: «لا يلزم أن يتقيد بقيد» إلا في حالة واحدة فقط وهي «إعطاء الحق لإنسان آخر مثله فلا يجوز أن يظلمه»([42]).

أما خير الدين فقد انطلق من ظاهرة الحرية في أوربا بالضبط ليبين أنها كانت أساس الحضارة الحديثة في القارة، حيث قال: «الحرية هي منشأ سعة نطاق العرفان والتمدن بالممالك الأورباوية»، وأكد قوله هذا عندما كان يتحدث عن ثمار الحرية فقال: «وقد رأينا بالمشاهدة أن البلدان التي ارتقت إلى أعلى درجات العمران هي التي تأسست بها عروق الحرية...». كما أنه ضرب أمثلة عنها وصور حياة الأفراد والدول بدونها تصويراً يبرز دورها فقال: «فالحرية إذا فقدت من المملكة تنعدم منها الراحة والغنى، ويستولي على أهلها الفقر والغلاء، ويضعف إدراكهم وهمتهم كما يشهد بذلك العقل والتجربة»([43]).

وإذا كان خير الدين قد ارتبطت لديه الحرية أساساً بدائرة الدنيا، فإن ذلك لا يعني أنه أهمل دائرة الآخرة ولم يهتم بها، لأن خير الدين كان يريد أن ينبه إلى ما أغفله الخطاب العام أو تشدد بشأنه (الحرية والتنظيمات). فلقد اهتم خير الدين بالضوابط الشرعية وبالمتغيرات الزمنية والمتطلبات الحاضرة والمستقبلية للحياة، أي اهتم بالدائرتين معاً «مصالح الدارين»، ولم يغلب إحداهما على الأخرى بإلغاء هذه وترقب تلك كما يعتقد البعض([44])، حتى أصبح أصدقاؤه ينادونه بخير الدنيا والدين([45]).

 

نظام الحكم: إصلاح أم تغيير

لقد تعرض النظام السياسي في البلدان المغاربية إلى انتقادات شتى من جانب المعارضين والمجددين (زعماء الثورات، دعاة تقييد السلطة)، ومن جانب المؤيدين والمحافظين كذلك (الوزراء والسفراء، العلماء المقربين). وأجمع هؤلاء وأولئك وهم مختلفون، على ضرورة إصلاح هذا النظام فقط لا تغييره، فأعطوا المواصفات الواجب توافرها في الحاكم، وعددوا شروط المسؤولية وتبعاتها، بالتصريح أحياناً وبالتلميح أحياناً أخرى.

ولم يتحمس حتى من كان يغريهم الفكر التنويري والنظام السياسي الأوربي إلى طرح فكرة النظام الجمهوري، وإنهاء الحكم الوراثي أو الحكم القائم على القوة العسكرية. بل إن البعض حاول أن يثبت بأن رئيس الجمهورية ما هو في الحقيقة إلا ملك أو داي.

فبيرم الخامس مثلاً نفى وبصريح العبارة أن يكون هناك فرق جوهري بين النظامين الملكي والجمهوري «... الجمهورية... من يقيمونه رئيساً لها ما هو في الحقيقة إلا ملك...»، ونقطة الاختلاف بينهما عنده هي في «اللقب وفي تحديد السلطة أو إطلاقها... وزيادة الأبهة...»([46]). وما كان يهم بيرم فعلاً هو الدفاع عن الفكرة التي تقضي بوجوب قيام السلطة في المجتمع وإلزامية الخضوع لها «الاستقامة بدون ملك... أمر وهمي... إذ إقامة الملك أمر طبيعي لا يمكن الاستقامة بدونه...»، وقال أيضاً: «فلا مندوحة... من الإقرار بوجوب الملك والانقياد إليه...»([47]).

وعندما كان حمدان خوجة يستعرض صلاحيات وسلطات الداي في النظام الحكومي للأتراك بالجزائر، أضفى على هذا النظام صفة الجمهورية هو الآخر أيضاً بقوله: «في بعض الشكل يمكن القول بأن الجزائريين تبنوا مبادئ الحكم الجمهوري، ومنه فالداي هو ليس إلا رئيس الجمهورية». وسبب هذه المقاربة وهذا التطابق عند حمدان هو توفر صفات أساسية للحكم العثماني في الجزائر، منها الاختيار وعدم توارث الحكم([48]).

إن الصفار التطواني قد لمح إلى ضرورة تحديد صلاحيات الملك حينما وصف النظام السياسي الفرنسي على عهد الملك لويس فيليب (1830-1848 م) «... ولا يستقل السلطان وحده بحكم من الأحكام»([49])، وكذلك أوضح حسونة الطرابلسي في رسالته إلى حكومة الملك لويس فيليب عام 1832 م أنه يأمل في تدخل فرنسا في طرابلس لإنهاء الحكم المطلق ليوسف باشا، وتنصيب ابنه علي باشا في نظام ديمقراطي تحرري إنساني. واشترط حسونة على هذا الحاكم الجديد أن: «لا يتبع حكم أسلافه للبلاد، حيث لمس نتائجه السيئة، بل عليه أن يتخذ النظام الفرنسي قدوة له، ويكون من اللائق أيضاً أن يلزم على قبول مبدأ مشاركته في الحكم، وأن يؤمن ملكيات الأفراد ويضمن الحريات الشخصية»([50]).

أما خير الدين التونسي فهو يعتبر أهم من تناول وناقش موضوع النظام السياسي الدستوري «المتقيد بالقوانين» في كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"([51]). حيث استعرض بنية النظام السياسي في أوربا وقارن بينه وبين النظام القائم في الوطن العربي والإسلامي، ولم ير أي مانع من تقليد الغرب في ما لا يخالف الشريعة الإسلامية، وهذا بهدف إنقاذ العالم الإسلامي وتحقيق الحضارة فيه. وأكد خير الدين على الفرق الشائع بين النظام العسكري القائم على القوة والنظام الديمقراطي الدستوري، حينما قال: «فشتان بين حالة المستبد الذي يأخذ ويعطي بمقتضى الشهوة والاختيار، وحالة المتقيد بالقوانين الذي يفعل ما ذكر بمقتضاها متوقعاً تعقب آراء كثيرة يخجل من تنزيلها إياه منزلة القاصر في تصرفه، فضلاً عن الخائن فيه»([52]).

وإذا كان النظام السياسي في مغرب القرن التاسع عشر قد تعرض إلى النقد والتجريح من طرف بعض المثقفين المصلحين، فإنه تلقى من جهة أخرى المبالغة في المدح والتأييد والإشادة. وهو ما تمثله كتابات عدد من المؤرخين والأدباء في الجزائر والمغرب الأقصى خاصة، أمثال ابن سحنون وابن هطال والشرف الزهار والضعيف الرباضي وأبو القاسم الزياني والناصري. حيث اتفق هؤلاء على شرعية السلطة القائمة لأنها خلافة: "السلطان ظل الله على الأرض"، وعلى جواز قمع الثورات لأنها فتنة: "وجوب طاعة أولي الأمر"، وعلى الافتخار والتباهي بتحرير الأوطان لأنه فريضة: "جهاد"، وعلى أحقية تولي الحكم لأن النسب شريف: "سلالة النبي". ومثال ذلك، ما أورده الناصري على سبيل المثال في "الاستقصا..." من قصائد المادحين للسلطان المغربي مولاي الحسن (1873-1894 م)([53])، كما تلقى باي الغرب الجزائري محمد بن عثمان الكبير (1778-1798 م) قصائد مدح عديدة أثبتها ابن سحنون في "الثغر الجماني..."([54]).

 

حاجات الوطن وتجارب الأوربيين

أخذت ثنائية التقليد والتجديد في الفكر العربي والإسلامي في الأبحاث التي انفردت بدراسة تغيرات القرن التاسع عشر معنى أوضاع الوطن العربي والإسلامي وحاجاته في ملف النخبة، وهذا بين الحضارة العربية والفكر الإسلامي والحضارة الأوربية والفكر الغربي، أي ما مدى حضور هذا الثاني مع الأول وتوافقه معه؟ وما مدى قبول الأول للثاني وتفاعله معه؟

ولما كان القرن التاسع عشر هو القرن الذي اصطدمت فيه الأوطان المغاربية بالليبرالية الاستعمارية؛ وهو الظرف الذي زاد فيه احتكاك هذه الأوطان بالليبرالية ومظاهرها من خلال الجاليات الأوربية المهاجرة إليها، ومن خلال الرحلة إلى مركز الليبرالية نفسها، كان ولابد من إنتاج خطاب إصلاحي جديد يتبنى التجديد والعصرنة. وهذا ما أفرزته عملية المقارنة والوقوف على حقيقة البون الشاسع بين الواقع المغاربي والواقع الأوربي.

وفي الوقت الذي كان يدعو فيه أنصار التحديث والمعاصرة إلى ضرورة مراعاة متطلبات العصر وقضاياه المستحدثة وحاجاته المتجددة، وإلى التفتح على الأوربيين، كان يدعو دعاة التقليد إلى التمسك بالقديم وبتراث الأوائل لأن الحقائق اكتملت في التاريخ واستقرت به؛ وهي صالحة لكل زمان ومكان.

إن من يثور على المنظومة التقليدية مثل بنية الحكم والتعريفات الكلامية المقدسة ولا يعترف بها كما هي حتى في جزئياتها، كان يصنف من طرف السلفيين خاصة الوهابيين ضمن الملحدين والمتنصرين وأصحاب البدع. ومن أمثلة ذلك المغرب الأقصى وما كان يقول به المؤرخ والأديب محمد أكنسوس (1796-1837 م) والفقيه الحافظ محمد كنون (ت. 1885 م)، وما حدث لأعضاء البعثات العائدين من أوربا([55]). أما من كان يتزعم هذه المراقبة القاسية على المقالات المخالفة على حد تعبير الأستاذ محمد أركون([56])، فكان يوصف من طرف التجديديين بالجمود والتزمت والجهل وتقديم المصلحة الشخصية؛ وهو ما قال به مثلاً حمدان خوجة وخير الدين التونسي صراحة([57]).

لقد ربط حمدان استقرار الوطن وحسن تسيير شؤون الحياة فيه بالحداثة والتجديد؛ لأنه كان يؤمن بمرونة التشريع وضرورة مواءمته لحاجات العصر. وهذا في الرسالة التي بعث بها عام 1833 م إلى السلطان العثماني محمود الثاني (1808-1939 م)، حيث قال: «إن كل عصر له متطلبات وخصائص جديدة، ولدى ظهور عادة حديثة، وجب التخلي عن القديم حتى نتفادى حدوث اضطراب وقلق في الشعب، وحتى لا يعرقل ذلك تسيير دولاب الإدارة الناجحة»([58]).

إن نموذج الجديد الجدير بالتفاعل معه، والواجب قبوله عند حمدان وخير الدين هو النموذج الأوربي، وعلى أن لا يتقيد هذا التحديث والاقتباس وهو يقتحم مختلف جوانب الحياة سوى بالضوابط الشرعية؛ فهي وحدها ترسم حدود الحياة الحديثة. وإذا كان البعض قد أقبل على تجديد الجيش واللباس والأثاث على الطراز الأوربي، فإنه كان من الأولى له أن يقبل على تجديد أفكاره ونظمه وسياسته.

إن جرأة حمدان ومستوى خطابه العصري من حيث النضج والوضوح والصراحة، ليس لهما ما يماثلهما في مغرب القرن التاسع عشر سوى جرأة ومستوى خير الدين. فما قاله حمدان عن ثنائية الأصالة والحداثة عام 1252 ﻫ/ 1836 م قال به خير الدين عام 1867 م تماماً. حيث قال حمدان: «فكما نقبل ما ثبت بتجاربهم في الطب... ينبغي أن نقبل كل ما ثبت عنهم وتحقق في غيره، ما لم يناقض ديننا»، «ليس كل ما سبق إليه الكفار واستعملوه حراماً، بل قد يكون واجباً»([59]). وقال خير الدين: «فإن الأمر إذا كان صادراً من غيرنا وكان صواباً موافقاً للأدلة لا سيما إذا كنا عليه... فلا وجه لإنكاره وإهماله، بل الواجب الحرص على استرجاعه واستعماله»([60]).

 

القوة المادية سلاح حيوي للأوطان

كان عدد كبير من المؤرخين والفقهاء والطرقيين لا ينوهون سوى بالقوة الروحية والغيبية، ولم تطرح مسألة القوة المادية (التقنية، الحضارة) بإلحاح وإجماع إلا بعد الاصطدام بالآلة العسكرية الاستعمارية الأوربية وتلقي ضرباتها، تحرك هذه الآلة في مجال واسع، أو بعد معاينة مظاهر هذه القوة عند الآخر (السفارات) الذي امتلكها وأنشأ حضارة راقية. وهو ما جعل بعض المثقفين المغاربة خاصة من زار منهم أوربا يربط بين وجوب امتلاك القوة المادية ووجوب اعتماد إصلاحات عديدة في الوطن.

إن اعتماد الحرية الشاملة والبناء الدستوري للسلطة هو أساس القوة المادية للحضارة الغربية في نظر خير الدين «رأينا بالمشاهدة أن البلدان التي ارتقت إلى أعلى درجات العمران هي التي تأسست بها عروق الحرية والكونستيتوسيون المرادف للتنظيمات السياسية»([61]). وهذه القوة هي جارفة ومتعدية، ولا ترد إلا بقوة مادية أخرى مماثلة لها، وبالتالي دفع التعدي عن الوطن لا يتأتى إلا بالمحاكاة والتقليد، الأمر الذي يجب أن تهتم به الدولة المجاورة لأوربا([62]).

والقوة المادية عند ابن أبي الضياف؛ هي الثمرة التي يجب أن يتقاسمها الحاضر مع المستقبل، كما يلاحظ ذلك على الأوربيين الذين لا يستعجلون نتيجة العمل ويبنون هدفهم في المستقبل، فهم مثلاً «يصرفون الأموال لفائدة يمكن حصولها بعد سنين»، وبهذا العمل يحققون القوة الاقتصادية والاستقلال عن الغير. واعتبر ابن أبي الضياف هذا: «من أعظم أسباب العمران والثروة...»، ولذلك تأسف على غياب هذه الإستراتيجية في السياسة الاقتصادية للبلاد([63]).

أما ابن العنابي، فإنه طرح هو الآخر أيضاً قضية القوة المادية، ولكن طغى على طرحه الهدف العسكري والبعد الحربي والمصلحة الدينية([64])، بما أنه كان يطرق موضوعاً عسكرياً، وقد سمى تأليفه "السعي المحمود في نظام الجنود". وإذا سلمنا بفرضية الأستاذ أبو القاسم سعد الله، بأن ابن العنابي كان مطلعاً على الاتجاه الليبرالي العقلاني الذي بدأ ينتشر في أوربا بعد الثورة الفرنسية([65])، فإن هذه الأخيرة لم تمثل مرجعيته عندما أثار قضية الرحمة والعدل، والحقوق الفردية والتسامح، وجعل منها أسباباً للقوة «ومن أسباب القوة التواضع، والعفو عن المظالم...»([66])، فمرجعيته الفكرية كانت كلها من التراث الإسلامي. وإنما مثل الفكر الغربي لديه ومن طرف خفي، الباعث المحرك والدافع القوي إلى طرح الموضوع ومناقشته.

إن الولاء للنظام القائم وإلى أقصى درجات التأييد، جعل أحد المؤرخين يعتبر القوة المادية للمملكة هي فريدة من نوعها ولا نظير لها. وهو ما قال به أبو القاسم الزياني (1734-1833 م) في كتابه "البستان الظريف في دولة أولاد مولانا الشريف" عن السلطان المغربي مولاي إسماعيل (1672-1727 م): «ولقد شاهدت الكثير من آثار الدول فما رأيت أثراً أعظم من آثاره ولا بناء أضخم من بنائه ولا أكثر عدداً من قصوره... بل جعل مباني العالم كلها في بطن تلك القلعة المكناسية...»([67]).

وبعيداً عن هذه المبالغة من جانب الزياني، وعن تجاهل غيره كذلك ولوقت متأخر من القرن التاسع عشر لقوة الآخر الصاعد، اعتبر الشقراني([68]) (ت. بعد 1883 م) القوة المادية في جانبها العسكري هي الفيصل والأداة الحاسمة عند المواجهة، وبالتالي فمن العبث انتظار الانتصار خلف العواطف المتقدة، فردية كانت أم جماعية.

وعليه فقد أيد الشقراني ثورة الأمير عبد القادر على فرنسا (1832-1847 م) وأشاد بها، وانتقد ثورة بوعمامة بالجنوب الوهراني (1881-1904 م) وعارضها وقال عن زعيمها: «أنه لم ينظر لهذه الدولة العظيمة، والأمة الجسيمة، والجيوش الغزيرة، والإقامة الكبيرة....»([69]).

كما عبر الأمير عبد القادر الجزائري (1807-1883 م) من جهته أحسن تعبير عن القوة الروحية لدى النخبة الصوفية؛ وهو الذي لم يهمل القوة المادية، وهذا من خلال المواقف الحربية والرسائل الموجهة إلى القادة العسكريين الفرنسيين، كرسالته إلى الجنرال دي ميشال (Demichels) عام 1833 م، التي قال له فيها: «... كيف تفاخروني بقوة فرنسا، ولا تقدرون القوة الإسلامية... ونحن وإن كنا ضعفاء، على زعمكم، فقوتنا بالله...»([70]). وتعكس كتاباته هذا الجانب أيضاً ومثال ذلك كتاب "المواقف في التصوف والوعظ والإرشاد"، ورسالة "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل"([71]).

ويعتبر تدخل العناية الإلهية والقوة الربانية إلى جانب البشر في الثقافة الإسلامية من المسلمات الدينية المنصوص عليها والثابتة في التاريخ، والواجب الاعتقاد بها. وهو العامل الذي ظل المسلمون لفترة طويلة يفسرون به حركة التاريخ، ومثال ذلك في القرن التاسع عشر ما قاله المؤرخ المغربي محمد أكنسوس في كتابه "الجيش العرمرم الخماسي في دولة أولاد مولانا علي السجلماسي" عن السلطان مولاي عبد الرحمان (1823-1859 م) بعد تسلمه المملكة: «فلما قام مولانا المؤيد لم يجد فيها إلا رمقاً قليلاً وخيالاً عليلاً، قد وهت دعائمها وتداعت للسقوط وأشرفت على الانهدام المفضي إلى الانعدام فأمده الله تعالى بالسعادة الخارقة للعادة فقام بأعبائها بلا مال ولا رجال ولا معين... وجعل يكابد تلك الشدائد بنهاية جهده والسعادة تكتنفه أماماً وخلفاً ويميناً وشمالاً والتأييد من الله تعالى يمده والتوفيق يسدده والعناية تساعده حتى أقام بناء الملك الإسماعيلي...»([72]).

إن السؤال الجدير بالمناقشة عند طرح موضوع الموروث والوافد في الثقافة بالوطن العربي عموماً وبمنطقة المغرب العربي على وجه الخصوص، هو لماذا هيمن الخطاب الإصلاحي السلفي وتغلب على الخطاب الإصلاحي التحديثي في المغرب العربي خلال القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي؟ وهذا على الرغم من أن الخطاب الأول هو تراجعي نصي جامد، كان يعتمد على العاطفة والمثالية وعلى النموذج التاريخي، ومثله تيار العلماء المصلحين الذين نادوا بالعودة إلى الكتاب والسنة ونهج السلف، وتحفظوا عن الانفتاح على الغرب. أما الخطاب الثاني فهو تراجعي أيضاً، ولكنه متحرر حيوي معجب بالغرب وبحضارته وفكره، وكان يطمح لتحقيق مجتمع متمدن، ومثله صف العلماء الذين زاروا أوربا ووقفوا على جانب كبير من تطورها وتقدمها، فانبهروا وتمنوا ذلك لأوطانهم.

هل لأن العاطفة تدفع بسرعة والعقل يحرك ببطء؟ أم لأن الفريق الأول كان يمتلك آليات الخطاب ويحسن تقنياته ويختار منابره الفعالة، فكان يصل بسرعة، أما الفريق الثاني فإنه فقد ثقة الشعوب، لأنه طعن في بعض مقدساتها وتموقع في مؤسسات متهمة مثل الوظيفة عند الاستعمار، ولم يقدر على أن يتقدم بصفة الْمُنقذ، ولم يكن عمله مؤسساتياً بل كان فردياً مبعثراً. أو لا هذا ولا ذاك ولكن الشعوب المغاربية هي التي لم تكن في مستوى الخطاب الثاني، لأنها ورثت نسيجاً اجتماعياً معقداً، وتكويناً ثقافياً صوفياً سلفياً مغلقاً، وتاريخاً حلقاته كلها دارت بين الإسلام وأعدائه النصارى الذين لا يريدون بالمسلمين خيراً، وهم دوماً يتربصون بهم الدوائر.

 


تمايز النخبة وانقسامها: الدواعي والخلفيات

لم تشكل النخبة المغاربية قبل القرن التاسع عشر الميلادي كتلة واحدة، موحدة ومتجانسة في الثقافة كما في المواقف، وإنما كان الانقسام قائماً بين صفوفها وقد توارثته في طبيعته وفي أسسه بين فقهاء مسالمين ومتصوفة ثائرين. وتكرس هذا الانقسام خلال القرن التاسع عشر وانضافت إليه عناصر جديدة أطرته وميزته، وذلك عندما انتقل صدى الثورة الفرنسية الكبرى إلى منطقة المغرب العربي، وانتقل إليها أيضاً الاستعمار، فلقيت فلسفة التنوير استحساناً واستقبالاً متحمساً من طرف البعض، وتحفظاً وهجوماً من طرف البعض الآخر.

إن من كان محافظاً ومتحفظاً عن هذه الثقافة الجديدة، ومن كان متفاعلاً معها ومبشراً بها، لم يكن لهما الخيار في تحديد نوع الجهة التي ينتميان إليها. وإنما الظروف التي أحاطت بالجميع، والعلاقات التي نشأت بين الأفراد العفوية منها والمقصودة هي التي وضعت التصنيف وتحكمت في آليته.

فكان المحافظ يقبل التنازل عن موقفه الفكري والسياسي الأول «رفض فرنسا الثورة ورفض فرنسا الاستعمار في آن واحد = الموقف العام»، ويتحول إلى داعية وطني متنور «قبول فرنسا الثورة ورفض فرنسا الاستعمار = حمدان خوجة بالجزائر»، عندما تتطور الملابسات على نحو معين. وكان يقبل كذلك العنصر المتفاعل مراجعة مواقفه الفكرية والسياسية الاندفاعية «قبول الثورة وقبول فرنسا الاستعمار في آن واحد = دعاة الاتحاد مع فرنسا»، والعودة بها إلى الاعتدال «قبول فرنسا الثورة ورفض فرنسا الاستعمار = محمد بن عثمان السنوسي بتونس» بعد تلقي الانتقادات واتضاح الصورة. ومن هذين القسمين اتحد قسم ثالث وتكون لديه وعي فكري وسياسي.

وكان لا يقبل أحياناً أخرى المحافظ أن يتنازل إطلاقاً «الثورة على الاستعمار»، ولا المتفاعل يقبل أن يتراجع هو الآخر إطلاقاً «مساندة الاستعمار»، ويستقل كل طرف بقسمه وبموقعه في قراءة الواقع واستشراف المستقبل. كما حدث أيضاً أن رفض المحافظ التنازل عن ثقافته ولكنه قبل احتلال الآخر له «رفض فرنسا الثورة وقبول فرنسا الاستعمار = موقف بعض الزوايا والطرق الصوفية».

لقد كانت العلاقة بين هذه الأقسام سيئة على العموم، حيث تبادل الخصوم التهم فيما بينهم وساد القذف والتعيير. فالذين رفضوا فرنسا في ثورتها وفي استعمارها اعتبروا أنفسهم حماة الدين والوطن، واعتبرهم غيرهم جهالاً مضللين، والذين قبلوا فرنسا في ثورتها وفي استعمارها ظنوا أنفسهم هم السباقون والمنقذون الحقيقيون، ونعتهم الجميع بالخونة المرتدين والمتنصرين.

والذين تقبلوا الاستعمار ولم يتفاعلوا مع فلسفة الفكر الغربي رفضاً لها أو جهلاً بها أصلاً، اعتبروا فرنسا أمراً واقعاً وقدراً محتوماً سيزول، فلا داعي للفتنة، فكانوا في عين غيرهم مستسلمين ومتقاعسين عن الجهاد. أما من تشرب الثقافة الإسلامية واطلع على الفكر التنويري ووعى سياسة الدول الأوربية التوسعية وناهض الاستعمار، فإنه تطلع إلى دولة مستقلة وإلى مجتمع متحضر يملك القوة الاقتصادية والعسكرية، ويملك الحرية السياسية والفكرية. غير أن هذا القسم من النخبة كان في نظر معاصريه متميعاً أو مثالياً مُسوفاً، ووُصفت مهمته بالمهمة الصعبة والمتأخرة.

إن كل هذه الانقسامات والانتقادات والاعتراضات لم تلغ ولم تمنع كذلك قيام علاقات الصداقة والاحترام وتبادل رسائل الاستفسار والاهتمام بين أفراد مجموعات النخبة المغاربية، وهذا رغم اختلاف نوع المجموعة، أو تباعد أماكن الإقامة داخل القطر الواحد وما بين الأقطار المغاربية قاطبة([73]). وكانت هذه الاتصالات غالباً ما تخفف من حدة الاختلاف وسوء التفاهم وتقلص من هوة الانقسام الفكري والسياسي والقطري. حيث كان السياسي المتنور والمفاوض يتصل بالعسكري المحافظ والثائر في قضايا كثيرة، والعكس حدث كذلك، ومثال هذا بالجزائر رسالة حمدان خوجة إلى أحمد باي قسنطينة ورسالة الأمير عبد القادر إلى حمدان([74]). ولم تكن القطيعة نهائية ولا المشاعر عدائية بين من كان يعادي الاستعمار ومن كان مسانداً له أو موظفاً لدى إدارته؛ وهو ما تميزت به العلاقة بين أفراد النخبة التونسية (بيرم، خير الدين، السنوسي، الحشائشي).

هذا، وبغض النظر عن الزيارات التي كان يؤديها البعض، وعلى مستوى دوائر مختلفة في المناسبات الدينية والسياسية كالحج والسفارة وفي الرحلات العلمية والاستطلاعية والإستشفائية، حيث كان الزائر يُؤثر ويتأثر. ومنه عادت نتيجة الزيارات التي تمت في دائرة العالم الإسلامي لصالح القسم المحافظ، أما الزيارات التي تمت في دائرة العالم الأوربي فعادت نتيجتها لصالح القسم الْمُتفتح والمعجب بالمنظومة الغربية، وكان الانتقال يتم من القسم الأول إلى القسم الثاني؛ أي من محافظ إلى متنور وليس العكس.

إن تأكيد صفة الانتماء إلى قسم ما، وتجديد الوفاء له، كان التعبير عنهما من طرف عناصر النخبة المغاربية يتم من خلال المواقف السياسية والقضايا الفكرية، ومن خلال المشاركة في السلطة أو مقاطعتها، كطلب الوظيفة وقبولها، أو رفض المنصب ومتطلباته، وكذلك كشفت وأكدت علاقات الصداقة الثنائية على نوع هذا الانتماء، وهذا من مثل الصداقة التي جمعت بين حسونة الدغيس الطرابلسي وحمدان خوجة الجزائري([75]).

ويعتبر الانتماء إلى الدين الإسلامي هو القاسم المشترك الذي التفت حوله كل الأقسام؛ لأنه لم يقدم أي أحد على تغيير دينه إلى دين آخر، ولم يجرؤ على مهاجمة الإسلام أو الانتقاص منه حتى من كان من أشد المخلصين للاستعمار. والذين طرحوا العلمانية من خلال مضمونها لا من خلال عنوانها لم يتورطوا هم أيضا([76])، بل دافعوا عن تمسك الشعب المسلم بدينه وطالبوا باحترام هذا الدين.

إن أحمد ولد قاضي هو النموذج الذي يصلح أن نقدمه من النخبة الجزائرية، عن من كان يرى من المغاربة أن الانقسام والتشرذم لا مبرر له في جميع الحالات. لأنه لا تعارض في نظر ولد قاضي بين ما تدعو إليه الثورة الفرنسية والإسلام الذي نتمسك به، ولا تناقض بين الدفاع عن مصالح الوطن وعن حقوق الشعب، والولاء للدولة الفرنسية وقبولها في منطقة المغرب العربي. فالتعايش ممكن بين هذه الأزواج المتقابلة ومطلوب في تقدير ولد قاضي، الذي جاء في "رحلته" ما يلي: «ثلاث كلمات: ليبرطي، اقاليطي، فرطرنيطي، أعني الحرية والأخوة والمساواة... كلمات يحق أن تكتب بماء الذهب، ويا ليت الناس تعرف قدرها ويعلم ما ضمنته من معاني. وحقيق أن الخير مجموع بها إن عمل بها. فلما استفسرناها وتأملناها ازدادت قلوبنا تعلقاً بمحبة الدولة الفرنسوية... نحمد الله تعالى على دولة منّ الله بها علينا، ونجتهد بواسطتها في أنحاء الأسباب التي سنعود بها لسيرة أوائلنا... وليس للعرب ما يروعهم وتفر منه أنفسهم غير أمر الديانة... إنما الأديان طرف والأعمال زاد المسافر بها... المرجو حسن التفاتة نحو العرب من رجال الدولة... لا ينسونا في رفع المضرة علينا... اليوم حل بالعرب مضرات يشكون منها... أفلا تكون مصالح العرب.... تستحق النظر أكثر من مصالح الأوروباويين...»([77]).

ولم يختف هذا الانقسام النخبوي مع نهاية القرن التاسع عشر، رغم التكرار الذي طبع المشهد الفكري والسياسي والعسكري، ورغم تعدد ألوان الرفض والقبول للآخر. وبرز هذا التفكك أكثر خلال القرن العشرين وأخذ أبعاداً أخرى بعد نشأة الحركة الوطنية وتباين وجهات نظرها عند مناقشة المسألة الوطنية.

 

1 - الضاغط التاريخي والحضاري

تنوعت ثقافة النخبة بمغرب القرن التاسع عشر، ولم تحافظ على وحدتها المرجعية وتجانسها الإبستمولوجي الذي ورثته من القرون الماضية، وذلك عندما أدخلت عليها مواضيع جديدة مست بما كان يعتبر حقيقة مقدسة ومطلقة. وخضع من سيظل نوعاً محافظاً ومن سيصبح نوعاً متنوراً متفتحاً لظروف معينة، واندرج الجميع ضمن دوافع وأسباب عامة وخاصة، فكان لا يمكن أن تصنع منهم هذه الظروف والدوافع والأسباب إلا ما صنعت. حيث تمسك البعض بالموروث المألوف والسائد، وتحمس البعض الآخر للمستحدث المستغرب والغائب، وهو الأمر الذي طرح إشكالاً في الخطاب الإصلاحي المغاربي للقرنين التاسع عشر والعشرين.

لا أحد يستطيع أن ينكر أو يستبعد تأثير مواقف وثقافة الشرق الإسلامي في مواقف وثقافة الغرب الإسلامي، فعلاقة التأثير والتأثر بينهما هي تاريخية ومنطقية لارتباطهما سياسياً ودينياً. وليس أدل على ذلك من انقسام نخبة العالم الإسلامي ككل في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي إزاء أحداث الثورة الفرنسية وفلسفتها التنويرية، إلى محافظين متحفظين وإلى متفاعلين متحمسين. ومنه يمكننا القول وبلا شك، إن المغاربة تأثروا في مواقفهم بما كان يجري في المشرق العربي وعلى مستوى مركز الدولة العثمانية، ولم يكن ذلك بإعادة إنتاج نوع الخطاب، وإنما بالتفاعل مع ذلك النوع والإحساس بالإجماع القائم حوله، فالإنتاج كان محلياً في الأصل نظراً لتوفر ظروف مشابهة مثل الاعتداءات الأوربية على بلدان المغرب العربي أو انتقال المغاربة إلى أوربا.

وما يعزز وجهة نظرنا هذه؛ هو تشابه التصريحات وتعاطي نفس المواقف في أوقات واحدة ومتقاربة كما في فترات زمنية متباعدة، والإتيان على ذكر أسماء الشخصيات وإحاطتها بعبارات القدح والاشمئزاز عند البعض، وبعبارات المدح والتأييد عند البعض الآخر. فالدعاء الذي رفعه ابن سحنون الراشدي([78]) عام 1207 / 1793 م في خاتمة حديثه عن الثورة الفرنسية «... والله المسؤول أن يبقى بينهم كيدهم ويشغلهم بأنفسهم آمين»([79])؛ هو نفسه الدعاء الذي رفعه من قبل عام 1792 م أحمد أفندي الكاتب الخاص للسلطان سليم الثالث (1789-1807 م) عندما قال: «اللهم اجعل ثورة فرنسا تصيب مثل مرض الزهري (La syphilis) بقية أعداء الإمبراطورية، وتُلقي بهم في صراع طويل فيما بينهم...» ([80]).

ولغة التسفيه التي عبر بها ابن العنابي عام 1826 م «... في غنى عنه...»([81]) والناصري عام 1881 م «... الحرية... هي من وضع الزنادقة قطعاً»([82]) عن موقفهما من فلسفة الثورة الفرنسية وتجلياتها "الفكر، الحرية"؛ هي نفسها اللغة التي اختارها قبلهما التيار المحافظ في الدولة العثمانية منذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر عندما طُرح موضوع الثورة الفرنسية للنقاش. حيث قال عاطف أفندي وكان يومئذ رئيس الكتاب في ديوان السلطان سليم الثالث: «إن جان جاك روسو وغيره من مشاهير الزنادقة والدهريين قد قاموا بتأليف الكتب الإلحادية المفسدة في سب الأنبياء وأبطال الأديان وذم الملوك والأشراف... ثم حرضوا على الإلحاد ونبذ الدين والشرع والمذاهب، وبذلك مهدوا لانقلاب سكان فرنسا إلى هيئة البهائم...»([83]). وهو ما قال به كذلك الكاتب أحمد أفندي، والمؤرخان عاصم أفندي وأحمد سليم أفندي، وخالد أفندي سفير الدولة في فرنسا (1803-1806 م)([84]).

ومما يؤكد لنا استمرار تأثير التيار المحافظ العثماني على النخبة المغاربية ما ذكره حمدان خوجة (1773-1845 م) في "إتحاف المنصفين..." من أن أحد أعضاء هذا التيار وهو الحاج خليل أفندي قد قدم من إسطنبول عام 1245 ﻫ/ 1829-1830 م إلى الجزائر وروج للأفكار المتزمتة الساقطة «وأطال لسانه، بما لا نلوث به رسالتنا... وتخبط في ذلك جهلة الناس وأهل الفضول في الجزائر...»([85]). لقد انتقد حمدان هذا التيار وتوجهاته، لأنه كان يناصر التيار النخبوي المتحمس للإصلاحات على النمط الأوربي، والذي كان من أبرز دعاته الأوائل السفير أو بكر راتب أفندي الذي زار أوربا عام 1792 م وعام 1973 م، وسفير السلطان سليم الثالث إلى لندن محمود رئيف الذي كتب كتاباً باللغة الفرنسية سماه: "جدول التنظيمات الجديدة في الدولة العثمانية"، والكاتب سيد مصطفى صاحب كتاب "نقد حالة الفن العسكري والهندسة والعلوم في القسطنطينية" الذي طبع في إسطنبول عام 1802 م باللغة الفرنسية أيضاً.

لم يكن التيار المحافظ العثماني هو وحده فقط صاحب التأثير في ثقافة المنطقة المغاربية، فالتيار التجديدي كان له هو الآخر نصيبه من ذلك. وهذا ما كشفه لنا على سبيل المثال خير الدين باشا التونسي (1822-1890 م) عندما أشاد بجهود المصلح المتفتح أحمد عارف حكمة بك (1786-1859 م) الذي كان شيخ الإسلام للمذهب الحنفي بالآستانة، وكذلك أخبر ابن الضياف (1802-1874 م) بأنه اتصل به لما زار عاصمة الخلافة وتناقش معه([86]). إن العمل الجليل الذي قام به المجدد أحمد عارف حكمة بك في نظر خير الدين، هو أنه قبل المهمة التي أسندتها إليه الدولة العثمانية وتوجه إلى مناطق الثورات وبين أن: «التنظيمات ليست خارجة عن المنهج الشرعي، وما هي إلا ضبط للسياسات الشرعية التي كانت أهملت...»([87])، وتعتبر شهادة الأستاذ إبراهيم الرياحي (1767-1850 م)([88]) للشيخ عارف بالكفاءة وموافقته على هذا المنحنى من أقوى الأدلة على شرعية هذه الإصلاحات وأهميتها([89]).

وسجل حسونة الدغيس الطرابلسي (ت. 1836 م) هو الآخر من جهته إعجابه بنشاط التيار التحديثي على عهد السلطان العثماني محمود الثاني (1808-1839 م)، وأعلن في رسائله إلى رجال الدولة العثمانيين عن تأييده لذلك، وعن استعداده غير المشروط للمساهمة في عمل الصحافة الفرنسية بإسطنبول. وذكر حسونة بالعمل التأسيسي الذي قام به في هذا المجال صديقه مظهر أفندي والوضعية التي آلت إليها تلك الجهود([90]).

من الأسباب العامة التي لابد من ذكرها، لأنها كانت قابعة هي كذلك وراء تنوع النخبة المغاربية ما بين أغلبية محافظة وأقلية مجددة متنورة، طبيعة المناخ الفكري لمغرب القرن التاسع عشر. لقد جثم على العقول الفكر الفقهي والصوفي الطرقي إلى الحد الذي أصبح فيه سمة العصر، وخلف هذا الفكر أوضاعاً فكرية واجتماعية وسياسية متضامنة بالانتماء، فلا تتقبل ما يخالفها ولا تسمح بالانتشار لغيرها من الأوضاع التي لا تنتمي إلى جنسها. ووجه السبب في هذه النقطة هو أن عملية تفكيك تلك البنية الفكرية الجامدة لم تكن سهلة بالنسبة للتيار التحديثي، ولم تكن عملية وضع بنية جديدة بديلة عن الأولى بالممكنة. ومن خلال هذا الصراع والتجاذب استطاع الفكر التنويري خلال القرن التاسع عشر إحداث ثغرات فقط وفرض تنوع ثقافي محدود، ولم يستطع نظراً لتظافر عدة عوامل كقلة دعاة التنوير وعدم إنشائهم للمؤسسات والاستعمار أن يصبغ الحقل الثقافي بصبغته ويلغي الصبغة الأولى. ومن عدم تمكن أي أحد منهما "الفكر الفقهي والصوفي، الفكر التنويري" من استبعاد الآخر كلية والانفراد بالساحة نشأ التعايش ولو على مضض، بين محافظين يمثلون الأكثرية ومنتشرين في أجهزة الحكم، وحداثيين يمثلون الأقلية متهمين ومهمشين.

 

2 - الأنساق الخطابية والمجتمع

كان أنصار التحديث فرادى، وأكثر قرباً في بعض الحالات إلى الإدارة الاستعمارية منه إلى الشعب الذي ينتمون إليه من مثل ما حدث بالجزائر وتونس. وحتى قبل الاستعمار لم يملكوا المؤسسات القارة التي تتبنى مشاريعهم، ويتجلى هذا بوضوح في كل من ليبيا والجزائر والمغرب، أو كان بعضهم في الخارج ولا يتمتع إلا ببعض الصلات بالوطن، ومَثّل هذه الوضعية خاصة حسونة الدغيس وحمدان خوجة، وحتى من كان داخل الوطن اعتبر جاهلاً أو ملحداً أو منتصراً ومثال ذلك بعثات السلطان المغربي مولاي الحسن 1873-1894 م إلى أوربا([91]).

وعلى نقيض وضعية هؤلاء، كان المحافظون فقهاء وصوفية يتحركون جماعياً ويؤثرون في المجتمع. فبينما تحالف الفقهاء مع السلطة السياسية لتعلقهم بطوبى الخلافة كما قال الأستاذ عبد الله العروي([92])، فضل الطرقيون وزعماء الحركات الصوفية الارتباط بالمجتمع وتوجيهه نحو الزاوية ونحو الشيخ. فمن لم يكن في المجتمع المغاربي سنوسياً([93])، كان درقاوياً أو قادرياً أو تجانياً أو رحمانياً، ومن لم يكن لا من هذا ولا من ذاك، كان من آخر ثقافته من ثقافة الجميع، الثقافة التقليدية البسيطة المغلقة؛ والتي كانت تُزعج الاستعمار وتمثل مصدر خوفه.

 


3 - التدفق الأجنبي

إن الاستعمار الفرنسي في المنطقة المغاربية يعد هو الآخر سبباً من أسباب التنوع الثقافي وانقسام النخبة. ذلك أنه وإن كان دفع بالأفراد وبالدول إلى العزلة وإلى التشبث بالثقافة التقليدية، حفاظاً على الدين وعلى الاستقلال؛ وهو ما حصل بالمغرب الأقصى خاصة، إذا أصبح يعيش هذا الأخير بعد استعمار الجزائر عام 1830 م وتونس عام 1881 م في غيبة عما يجري من تطور علمي وفكري في أوربا التي يتاخمها([94]).

لقد أحدث هذا الاستعمار جيوباً في النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمعات التي احتلها، وهذا عندما شرع في استقطاب رموز النخبة واستمالتها إليه في كل من الجزائر وتونس. ففي الجزائر أوعز الاحتلال الفرنسي إلى مصالحه الإدارية بالتقرب من الأعيان والعلماء والاهتمام بهم، فقام مثلاً مدير المكتب العربي بقسنطينة الضابط الفرنسي بواسوني (Boissonnet) وحاكم وهران الجنرال سيراس (Cérès) بما كان يجب عليهما فعله.

واختارت الإدارة الفرنسية من تشاء للوظائف الحساسة في المجتمع كالقضاء والإدارة، وأكثر من ذلك أشرفت وعلى نفقتها على رحلات منظمة باتجاه فرنسا لوفود جزائرية، من أجل المشاركة في الاحتفالات وفي المعارض الدولية. وكان من نتائج هذه السياسة أن انفتح خاصة هؤلاء الرحالة على مظاهر الحياة الفرنسية وعلى التيارات الفكرية العصرية بدرجات متفاوتة؛ وهو ما صنع منهم طبقة متميزة في المجتمع ومتصالحة مع الاستعمار. ومن لم يكن متنوراً بأفكاره وفي المستوى المطلوب، كان متنوراً بمظاهر حياته وبتصرفاته، كما وصف بذلك الأديب الشاذلي القسنطيني([95]). ما حدث بالجزائر، تكرر بتونس بشكل أو بآخر، ومثال ذلك العلاقة التي كانت تربط القائد الفرنسي أليغرو (J. Allègro) بالشيخ محمد بن عثمان السنوسي، وما ترتب عن ذلك من تحول في سلوك الشيخ ونظرته إلى فرنسا([96]).

ومما كان يشد في عضد هذه السياسة الاستعمارية، ويساهم هو الآخر كذلك في تفكيك الطابع التقليدي للنخبة، أو على الأقل لفت انتباهها وإثارة النقاش بين أعضائها حول مواضيع جديدة؛ هو تلك التأثيرات المتفاوتة للأجانب، المتدفقين بصفة حرة في الدول غير المستعمرة (طرابلس، المغرب)([97])، والوافدين مع الاستعمار والمتمتعين بحمايته في الدول المستعمرة (الجزائر، تونس). ومن مثل تلك التأثيرات، الرسالة التي بعث بها جمع من الشباب التونسي المنتمي إلى عائلات أرستقراطية إلى الأب لوازون (H. Loyson)، والمتضمنة تعابير الإعجاب بفكرة التقارب بين الديانتين الإسلامية والمسيحية التي كان يدعو لها هذا الأب؛ وهي الفكرة التي تحمس لها الحشائشي كذلك وناقشها العلماء في تونس([98]).

 

4 - الشحن الذاتي

هناك أسباب ودوافع خاصة تفاعلت مع الأسباب العامة التي من جنسها ووجدت فيها الحماية؛ وهي تعني البعض دون البعض الآخر، وتتعلق بالظروف العائلية والمحيط الأسري، وبالمصالح الخاصة وبعض المهام المؤقتة كالسفارات والبعثات باتجاه أوربا وباتجاه مركز الخلافة العثمانية.

والتأثير الأسري كواحد من هذه الأسباب الخاصة، صورته هي ما كان يتلقاه الفرد من شحنة تربوية قوية، أو ما كان يحظى به من رعاية عائلية خاصة، وبالتالي تحدد المسار العام للشخصية انطلاقاً من تلك الشحنة القوية أو من خلال هذه الرعاية الخاصة. ويمكننا الوقوف على نماذج من هذه الحالات من خلال قراءة متأنية في سيرة حياة المحافظين والمجددين على حد سواء، ومن خلال ما كتبوه كذلك، فهذا حسونة الدغيس الطرابلسي مثلاً كتب يقول: «لقد شجعني والدي على السفر إلى أوربا للإطلاع على حضارتها... وهو مدفوع إلى ذلك تحت تأثير وتبجح عائلته، التي ترى أنه ستُعهد إلي يوماً ما مقاليد الحكم بالبلاد.»([99]).

أما صورة المصالح الذاتية وعلاقتها بالتنوع النخبوي، فهي التي تحدث عنها أكثر من واحد، ولكن يعتبر خير الدين هو أهم من توقف عندها وبين شكلها، ففي حديثه عن التنظيمات قال أن بعض من عارضها بحجة الغيرة على الدين هو في حقيقة أمره «ممن له فائدة في التصرف بلا قيد ولا احتساب...»، وأن هؤلاء المعارضين لما تأكدوا من تهديد هذه التشريعات الدستورية التحديثية لمصالحهم الشخصية «دسوا للعامة من قول الزور والغش ما ينفرهم منها، مثل قولهم: "هذا شرع جديد مخالف لشريعة الإسلام"»([100]). ويُعزى سبب هذه الظاهرة عند خير الدين إلى ضعف التدين أصلاً لا إلى الغيرة على الدين([101]). لقد كان هناك فعلاً من يدافع عن الأوضاع القائمة ويدعو إلى المحافظة عليها (السلطة القائمة، الثقافة العامة)؛ لأنها هي الأطر الوحيدة التي تضمن بقاء الامتيازات واستمرارها.

قد تبدو لنا مواقف المحافظين من مختلف القضايا تطرفاً وغيرة دينية زائدة وانتهازية ووصولية، وقد تبدو لنا كذلك مواقف المجددين استسلاماً وانهزامية مفرطة وانبهاراً غير متوازن، ولكن علينا أن لا نتطرف. فالمواقف الأولى لعبت دوراً هاماً في المحافظة على الدين وعلى الدولة بمغرب القرن التاسع عشر، والمواقف الثانية عبرت بقوة عن حاجة المجتمع المغاربي إلى التطور والتجديد والانطلاق.

إن كل هذه القضايا التي طرحها المجددون والمصلحون المغاربة في القرن التاسع عشر طرحها نظراؤهم بالمشرق العربي هم أيضاً في نفس التاريخ، ومن خلال كذلك مواقعهم السياسية ومستوياتهم الفكرية، وظروفهم المحلية والدولية. فأثاروا النقاش أحياناً قبل المغاربة وأحياناً أخرى بعدهم في مسائل كثيرة، كالتقارب والتحرر والتجديد والإصلاح الدستوري وتثمين العقل.

 

 

 



([1])      سنناقش هذه الثنائية بمعنى الارتباط وفك الارتباط مع الدولة العثمانية.

([2])      محمد صالح بن العنتري، فريدة منيسة في حال دخول الترك بلد قسنطينة واستيلائهم على أوطانها أو تاريخ قسنطينة، مراجعة وتقديم وتعليق يحي بوعزيز، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1991، صص. 130-132.

([3])      راجع حيثيات الفتوى عند: أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1956، ج 9، صص. 27-28.

([4])      راجع الوثيقة رقم "5" عند: عبد الجليل التميمي، بحوث ووثائق في التاريخ المغربي، تونس، الجزائر، ليبا، من 1816 إلى 1871 م، الدار التونسية للنشر، ط. 1، 1972،  صص. 222-225؛ وانظر كذلك الوثيقة رقم "6"، ص. 227 من نفس المصدر.

([5])      بعث أحمد باي قسنطينة رسالة إلى السلطان محمود الثاني (1808-1839 م) يقر فيها بالخلافة ويطلب المساعدة، وهي تشبه رسالة الأمير عبد القادر. (انظر: أحمد باي، مذكرات، ترجمة وتعليق محمد العربي الزبيري، ش. و. ن. ت، الجزائر، ط. 2، 1981، صص. 31-32).

([6])      قال حمدان لبوضربة: «البلاد للعثماني، فكيف نلتزم بإخراجها من حكمه...»، وقال ديوان أحمد باي قسنطينة إلى المشير أحمد باي تونس: «... ألستم مثلنا، تابعين لخليفة اسطنبول...». انظر: التميمي، مصدر سابق، ص. 176؛ أحمد باي، المصدر السابق، ص. 22.

([7])      أحمد صدقي الدجاني، بدايات اليقظة العربية والنضال الشعبي في ليبيا (1882-1911 م)، وقائع محاكمة أول تنظيم سياسي في ليبيا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط. 1، 1977، ص. 27.

([8])      جاء في رسالة لهم إلى السلطان العثماني أنهم: «لا زالوا عبيداً مملوكين لذات المتصف بالهيبة حضرة ظل الله مطعين منقادين...»، راجع نص الرسالة كاملاً في الوثيقة رقم 32 في ملحق الوثائق في: رود لفوميكاكي، طرابلس الغرب تحت حكم أسرة القرمانلي، تعريب طه فوزي، مراجعة حسن محمود وكمال الدين عبد العزيز الخربوطلي، منشورات معهد الدراسات العربية العالمية، جامعة الدول العربية، 1961، ص. 82.

([9])      أحمد ابن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان، "دولة أحمد باي"، تحقيق أحمد عبد السلام، منشورات الجامعة التونسية، تونس، 1971، ج 6، ص. 84.

([10])       خير الدين، رجل دولة، مذكرات، ص. 38، نقلاً من تقديم المنصف الشنوفي في: خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنوفي، الدار التونسية للنشر، تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط. 2، 1986، ص. 45.

([11])       راجع آراء العلماء المغاربة حول مشروع بونابرت في الشرق العربي، في الفصل الثالث من كتاب: ودان بوغوفالة، الثورة الفرنسية في الإسطوغرافيا المغاربية، دارسة تاريخية تحليلية في نماذج من كتابات القرن 13 ﻫ/ 19 م، مطبعة الرشاد، سيدي بلعباس، ط. 1، 2004، صص. 86-123.

([12])       انظر: الناصري ، مصدر سابق، ج 9، ص. 103-108؛ وانظر كذلك الكتب التالية التي اهتمت بموضوع الجيش: ابن العنابي، السعي المحمود في نظام الجنود، ؛ الكردودي، كشف الغمة ببيان أن حرب النظام حق على هذه الأمة؛ قدور بن رويلة، وشاح الكتائب وزينة الجيش المحمدي الغالب.

([13])       هي أول تجربة تنظيمية بطرابلس الغرب، ظهرت بعد احتلال بريطانيا لمصر وفي بداية ولاية أحمد راسم (نهاية عام 1882 م وأوائل عام 1883 م)، في شكل جمعية سرية على يد إبراهيم سراج الدين وأحمد حسين النائب وحمزة ظافر المدني.

([14])       أحمد صدفي الدجاني، ليبيا قبيل الاحتلال الإيطالي أو طرابلس الغرب في آخر العهد العثماني الثاني (1882-1911 م)، مطبعة الفنية الحديثة، القاهرة، ط. 1، 1971، ص. 351.

([15])       بدايات اليقظة العربية...، مصدر سابق، ص. 25.

([16])       عبد الله ﮔﻨﻮن، أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، مطبعة النجاح الجديدة، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط. 2، 1978، ص. 32. انظر هذه القصيدة كذلك عند: الناصري، المصدر السابق، ج 9، ص. 50.

([17])       المصدر نفسه، ج 9، ص. 208.

([18])       المصدر نفسه والصفحة.

([19])    محمد بن محمود ابن العنابي، السعي المحمود في نظام الجنود، تحقيق محمد بن عبد الكريم الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983، ص. 63.   

([20])       التلفيق هو عدم الوعي بالأسس والقواعد والمستجدات التي يجب أن تراعيها عملية التوفيق الضرورية، لتعميق هذا المفهوم أكثر أنظر: طه جابر العلواني، إصلاح الفكر الإسلامي، مدخل إلى نظم الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الأردن، ط. 2، 1995، ص. 157-160.

([21])       طبع هذا الكتاب بباريس عام 1882 م.

([22])       محمد بن عثمان الحشائشي، الرحلة الصحراوية عبر أراضي طرابلس وبلاد التوارق، ترجمة محمد المرزوقي، الدار التونسية، تونس، ط. 1، 1988، ص. 39. وعن الظروف التي أحاطت بفكرة التقارب عند الحشائشي، راجع الفصل الأول من "رحلته"، ص. 42-45.

([23])       راجع رأي ابن عبد الجليل في مشروع بونابرت بالشرق العربي في الفصل الثالث من كتاب: بوغوفالة، مصدر سابق، ص. 101-103.

([24])       الحشائشي، مصدر سابق، صص. 43-44.

([25])       أحمد بو ضربة، مذكرة إلى اللجنة الإفريقية، ترجمة وتقديم محمد العربي الزبيري، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981، صص. 171-172.

([26])       كان أحمد ولد قاضي باشا آغا بمنطقة فرندة (تيارت، الجزائر)، زار فرنسا ثلاث مرات، منها زيارته لمعرض باريس 1878 م.

([27])       أحمد ولد قاضي، «الرحلة القادية في مدح فرنسا وتبصير أهل البادية» ، جريدة المبشر، 1973، 21 ديسمبر 1878، ص. 3؛ وانظر كذلك: خالد زيادة، ثلاث رحلات جزائرية إلى باريس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط. 1، 1979، ص. 63.

([28])       الدغيس هو من عائلة تركية اشتهرت بالعلم وبالسياسة بطرابلس الغرب، ساح بدول أوربا واحتك بطبقاتها الراقية. شغل منصب وزير الخارجية في الحكومة القرامانلية ثم استقال بعد ذلك. ومن وإلى باريس ولندن، انتقل إلى استانبول واشتغل بالصحافة وقدم عدة تقارير للسلطان، توفي في نهاية عام 1836 م.

([29])       Hamdan Ben Othman Khodja, Le miroir, aperçu historique sur la régence d’Alger, introduction d’Abd el Kader Djeghloul, éd. Sindbad, Paris, 1985, p. 112.              

([30])       Ibid., p. 262.

([31])       Abdelkader Djeghloul, Eléments d’histoire culturelle algérienne, E.N.A.L., 1984, p. 168.                                                                                                         

([32])       هو محمد بن محمود ابن العنابي (1775-1851)، تولى القضاء الحنفي بالجزائر وولاه محمد علي الفتوى الحنفية بالإسكندرية، سافر إلى دول المغرب والمشرق العربيين وإلى اسطنبول، يسميه الأستاذ أبو القاسم سعد الله برائد التجديد في العالم الإسلامي، وكتابه "السعي المحمود..." ألفه بالقاهرة عام 1826.

([33])       ابن العنابي، المصدر السابق، ص. 201-203.

([34])       المصدر السابق، ص. 203.

([35])       المصدر نفسه، صص. 203-204.

([36])       الناصري، المصدر السابق، ج 9، صص. 114-115.

([37])       المصدر نفسهن ص. 186.

([38])       خير الدين، المصدر السابق، صص. 181-182.

([39])       لمقارنة هذا المفهوم بمفهوم الحرية عند باقي الشعوب والأديان انظر: فرانز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام، دراسة مشكلات المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإسلامي، ترجمة وتقديم معن زيادة، رضوان السيد، معهد الإنماء العربي، بيروت، ط. 1، 1978، صص. 15-20.

([40])       الناصري، المصدر السابق، ج 9، ص. 115.

([41])       المصدر نفسه، ص. 114.

([42])       المصدر السابق، صص. 114-115.

([43])       المصدر نفسه، ص. 206، 210-211.

([44])       انظر هذه الأفكار عند خير الدين، المصدر السابق، صص. 151-153 وصص. 224-225.

([45])       انظر مثلاً رسالة محمد باجي المسعودي (1811-1880 م) إلى خير الدين عام 1868 م في: المصدر نفسه، ص. 235.

([46])       محمد بيرم الخامس التونسي، صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار، المطبعة الإعلامية بمصر، دار صادر بيروت، ط. 1، 1302-1303 ﻫ، ج 3، ص. 162.

([47])       المصدر نفسه والصفحة.

([48])       Ben Othman Khodja, op. cit., p. 110.

([49])       سعاد الناصر، صورة الغرب في الفن الحكائي المغربي الحديث، ص. 448، نقلاً عن: عبد الإله بلقزيز، الخطاب الإصلاحي في المغرب، التكوين والمصادر (1844-1918)، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط. 1، 1997، ص. 95.

([50])       التميمي، المصدر السابق، ص. 299.

([51])       خير الدين، المصدر السابق، صص. 89-166؛ صص. 206-228.

([52])       المصدر السابق، ص. 164.

([53])       الناصري، المصدر السابق، ج 9، ص. 139-173؛ وانظر كذلك قصائد أخرى مشابهة قيلت في مدح نفس السلطان، عند: مولاي عبد الرحمان ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، تقديم عبد الهادي التازي، مطبعة إيديال، الدار البيضاء، ط. 2، 1990، ج 2، ص. 144-276.

([54])       أحمد بن محمد بن سحنون الراشدي، الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني، تحقيق المهدي البوعبدلي، مطبعة البعث، قسنطينة، 1973، صص. 131-164؛ ص. 460.

([55])       عن هذا الموضوع انظر مقالة الأستاذ: محمد عابد الجابري، «الأصالة والتحديث في المغرب»، مجلة الثقافة، ع 77، ذو القعدة - ذو الحجة 1403 ﻫ/ سبتمبر - أكتوبر 1983 م، وزارة الثقافة، الجزائر، ص. 59، 63.

([56])       محمد أركون، الفكر العربي، ترجمة عادل العوا، منشورات عويدات، بيروت - باريس، ط. 1، 1982، ص. 133.

([57])       تتكرر هذه الأوصاف لديهما في أكثر من صفحة، أثناء مناقشتهما لموضوع "كرنتينه" بالنسبة لحمدان وموضوع التنظيمات والإصلاحات الدستورية بالنسبة لخير الدين أنظر: حمدان بن عثمان خوجة، إتحاف المنصفين والأدباء في الاحتراس عن الوباء، تقديم وتحقيق محمد بن عبد الكريم، س.و.ن.ث، الجزائر، 1968، ص. 46، 75، 110، 150، 151؛ خير الدين، المصدر السابق، ص. 90، 93، 141، 162.

([58])       التميمي، المصدر السابق، ص. 170.

([59])       حمدان، المصدر السابق، ص. 78، 155.

([60])       خير الدين، المصدر السابق، ص. 90.

([61])       المصدر نفسه، ص. 210.

([62])       المصدر نفسه، ص. 166.

([63])       ابن أبي الضياف، المصدر السابق، ج 6، ص. 116.

([64])       انظر مثلاً تفسيره للآية رقم 60 من سورة الأنفال في: ابن العنابي، المصدر السابق، ص. 52.

([65])       أبو القاسم سعد الله، رائد التحديد الإسلامي، محمد ابن العنابي، المتوفي 1850، صاحب كتاب "السعي المحمود في نظام الجنود"، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط. 2، 1990، ص. 76.

([66])       ابن العنابي، المصدر السابق، ص. 222.

([67])   E. Lévi-Provençal, Extrait des historiens arabes du Maroc, Larose, Paris, 2ème éd, 1929, p. 115.                                                                                                   

([68])       هو أحمد بن عبد الرحمان الشقراني (ت. بعد 1883 م)، درس على يد فقهاء معسكر في النصف الثاني من القرن 19 م، اشتهر بمصنفه "القول الأوسط في أخبار بعض من حل بالمغرب الأوسط"، الذي وضعه في نهاية القرن 19 م، حققه الأستاذ سيعدوني وطبع بعدما بقي لمدة طويلة مخطوطاً.

([69])       أحمد بن عبد الرحمان الشقراني الراشدي، القول الأوسط في أخبار بعض من حل بالمغرب الأوسط، تحقيق وتقديم ناصر الدين سيعدوني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط. 1، 1991، ص. 25.

([70])       محمد بن الأمير عبد القادر الأمير الجزائري، تحفة الزائر في تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر، تعليق ممدوح حقي، دار اليقظة العربية، بيروت، ط. 2، 1964، ص. 178.

([71])       وضع الأمير كتاب "المواقف" في مقدمة وثلاثة أجزاء تحتوي على 375 موقفاً، وتضمن كل موقف شروح وتفاسير لأحاديث نبوية وآيات قرآنية، وطبع هذا الكتاب طبعتين، الأولى عام 1911 م والثانية عام 1966. أما رسالة "ذكرى العاقل..." فوضعها عام 1855 وهي تناقش عدة قضايا من جهة نظر صوفية.

([72])       Lévi-Provençal, op. cit., p. 126.

([73])       ومثال ذلك رسالة الأمير عبد القادر إلى علماء فاس، راجع: محمد بن الأمير، المصدر السابق، صص. 316-330.

([74])       أحمد باي، المصدر السابق، صص. 33-37؛ عبد الجليل التميمي، المصدر السابق، صص. 217، 228.

([75])       للتعرف أكثر على هذه الصداقة انظر: المصدر نفسه، صص. 138-142؛ علي مصطفى المصراتي، مؤرخون من ليبيا، مؤلفاتهم، ومناهجهم، عرض ودراسة، الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، ط. 1، 1977، صص. 145-150.

([76])       لم تطرح العلمانية صراحة وبالمفهوم الذي جاءت به الثورة الفرنسية (فصل الدين عن الدولة)، وإنما طرح ضمنياً معنى إبعاد الحياة عن المفاهيم الإسلامية المهيمنة والتقاليد السياسية الموروثة.

([77])       ولد قاضي، المصدر السابق، ص. 2 وما بعدها.

([78])       هو أحمد بن محمد بن سحنون الراشدي، توفي بعد عام 1796 م، فقيه وأديب ومؤرخ، تولى الكتابة لدى محمد الكبير باي الغرب الجزائري، من المدافعين عن الدولة العثمانية، انتهى من كتابه المسمى: "الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني" في أبريل 1793 م/ 5 رمضان 1207 ﻫ، لذلك لم يذكر أحداث الثورة الفرنسية التي وقعت بعد هذا التاريخ، من مؤلفاته الأخرى "عقود المحاسن".

([79])       ابن سحنون، المصدر السابق، ص. 226. انظر تحليل هذه النقطة في: ودان بوغوفالة، المصدر السابق، ص. 76.

([80])       Bernard Lewis, Comment l’Islam a découvert l’Europe, traduction d’Annik Pélissier, La découverte, Paris, 1984, p. 44.                                                               

([81])       ابن العنابي، المصدر السابق، صص. 203-204.

([82])       هو الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري (1834-1897)، درس الفقه واللغة وتولى عدة وظائف حكومية، له عدة مؤلفات أشهرها "الاستقصا في أخبار دول المغرب الأقصى"؛ (الناصري، الاستقصا، مصدر سابق، ج 9، ص. 114).

([83])       رئيف خوري، الفكر العربي الحديث، أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي، دار المكشوف، بيروت، ط. 1، 1943، ص. 95.

([84])  Lewis, op. cit., pp. 50-51 ; Faruk Bilici, «La révolution française dans l’historiographie turque (1789-1927)», in La Révolution française et le monde arabo-musulman, Colloque international, (Tunis 9-11 Novembre 1989), Alif, Tunis, 1991, pp. 155-165. ؛ خالد زيادة، تطور النظرة الإسلامية إلى أوربا، معهد الإنماء العربي، بيروت، ط. 1، 1983، صص. 82-84.

([85])    إتحاف المنصفين...، مصدر سابق، ص. 151.

([86])       ابن أبي الضياف، المصدر السابق، ج 6، صص. 94-96.

([87])       خير الدين، المصدر السابق، ص. 142.

([88])       كان مفتي المالكية بتونس، وأحد أصدقاء أحمد عارف حكمة بك، أيد حركة التنظيمات وشجع البايات على قبولها.

([89])       خير الدين، المصدر السابق، ص. 143.

([90])       التميمي، المصدر السابق، صص. 321-324.

([91])       عبد القادر جغلول وآخرون، الإنتلجانسيا في المغرب العربي، دار الحداثة والنشر والتوزيع، بيروت، ط. 1، 1984، ص. 16.

([92])       عبد الله العروي، مفهوم الدولة، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط. 3، 1984، ص. 105.

([93])       أي الحركة السنوسية التي أسسها محمد بن علي السنوسي (1787-1859 م) وانتشرت بقوة في ليبيا، وبلغت ذروة قوتها وانتشارها على عهد السيد المهدي (1859-1902 م).

([94])       كنون، المصدر السابق، صص. 17-18.

([95])       أبو القاسم سعد الله، القاضي الأديب الشاذلي القسنطيني، دراسة ونصوص، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط. 2، 1985، ص. 54.

([96])       لمزيد من المعلومات حول هذه القضية انظر: ناصر الدين سعيدوني، من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي "تراجم مؤرخين ورحالة وجغرافيين"، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط. 1، 1999، ص. 575، وصص. 578-580.

([97])       للاطلاع على هذا الموضوع راجع: بلقزيز، مصدر سابق، صص. 77-79؛ ليبيا قبل الاحتلال...، مصدر سابق، ص. 301.

([98])       عن الرسالة وموقف علماء تونس، انظر: الحشائشي، المصدر السابق، صص. 42-45.

([99])       انظر الوثيقة رقم 4 عند: التميمي، المصدر السابق، ص. 305.

([100])   خير الدين، المصدر السابق، ص. 141.

([101])   المصدر نفسه، ص. 162.